الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أي النور من الظلام، والظلام من النور والنهار من الليل، والليل من النهار والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والنبتة من الحبة، والحبة من النبتة والفرخ من البيضة، والبيضة من الفرخ
…
إلى آخر هذه المشاهدات العجيبة، وإلّا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود، وأين كانت الجذور والساق والأوراق؟.
وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ كله في هذا الذي ذكر، وفي سواه من شؤون الكون وشؤون البشر؟ من يدبّر الناموس الكوني الذي ينظم حركة هذه الأفلاك على هذا النحو الدقيق؟
ومن يدبر السنن الاجتماعية التي تصرف حياة البشر.
فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) .
أفلا تخشون الله الذي يرزقكم من السماء والأرض، والذي يملك السمع والأبصار، والذي يخرج الحيّ من الميّت ويخرج الميّت من الحيّ، الذي يدبّر الأمر كله في هذا وفي سواه.
فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ [الآية 32] .
هو سبحانه صاحب الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
الدرس الثالث: قصص الأنبياء
اشتملت الآيات (71- 93) من سورة يونس على ذكر طرف من
قصة نوح
(ع) مع قومه وقصة موسى (ع) مع فرعون وملئه. وقد تحقق فيهما عاقبة المكذّبين، وهلاك المخالفين لأوامر الله وهدى رسله، والقصص في القرآن يجيء في السياق ليؤدي وظيفة فيه، ويتكرّر القصص في المواضع المختلفة بأساليب تتفق مع مواضعه من السياق والحلقات التي تعرض منه في موضع تفي بحاجة ذلك الموضع. وتلاحظ فيما عرض من قصتي نوح وموسى (ع) هنا، وفي طريقة العرض، مناسبة ذلك لموقف المشركين في مكّة من النبي (ص) والقلة المؤمنة معه، واعتزاز هذه القلة المؤمنة بإيمانها في وجه الكثرة والقوة والسلطان، كما تلحظ المناسبة الواضحة بين القصص والتعقيبات التي تتخلله وتتلوه.
قصة نوح
بدأت قصة نوح (ع) من الحلقة الأخيرة، حلقة التحدي الأخير بعد الإنذار الطويل والتذكير والتكذيب،
ولا يذكر في هذه الحلقة موضوع السفينة ولا من ركب فيها ولا الطوفان ولا التفصيلات الواردة في سور أخرى. لأن الهدف هنا هو إبراز التحدي الذي واجه نوحا (ع) من قومه، واستعانته بالله تعالى، ونجاته ومن معه وهم قلة، وهلاك المكذبين له وهم كثرة وقوة. لذلك يختصر السياق هنا تفصيلات القصة التي يقصها إلى حلقة واحدة، ويختصر تفصيلات الحلقة الواحدة إلى نتائجها الأخيرة وهي نجاة نوح (ع) ومن آمن معه في السفينة واستخلافهم في الأرض على قلّتهم، وإغراق المكذبين على قوّتهم وكثرتهم. قال تعالى:
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) .
وأما قصة موسى (ع) ، فيبدأه السياق من مرحلة التكذيب والتحدي، وينهيها عند غرق فرعون وجنوده، وإذا كانت قصة نوح (ع) قد ذكرت في أربع آيات فقط، هي الآيات [71- 74] من سورة يونس، فإن قصة موسى (ع) قد ذكرت على نطاق أوسع خلال ثماني عشرة آية، هي الآيات [75- 93] .
وقد ألمّت قصة موسى بالمواقف ذات الشبه، بموقف المشركين في مكة من الرسول (ص) وموقف القلّة المؤمنة التي معه. وهذه الحلقة المعروضة هنا من قصة موسى (ع) ، مقسّمة إلى ثلاثة مواقف يليها تعقيب يتضمّن العبرة من عرضها في هذه السورة، على النحو الذي عرضت به. وهذه المواقف الثلاثة تتابع في السياق على هذا النحو:
أولا: وصول موسى (ع) إلى فرعون ومعه آيات تسع ذكرت في سورة الأعراف، ولكنها لم تذكر في سورة يونس، ولم تفصّل لأن السياق لا يقتضيها، والإجمال في هذا الموضع يغني، والمهم هو تلقي فرعون وملئه لآيات الله، لقد استقبلوها بالظلم والاستكبار قال تعالى:
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) ادّعى فرعون أن معجزة موسى سحر ظاهر، وجمع له كبار السحرة، وأرادوا أن يغرقوا الجماهير في صراع السحر،
بأن تعقد حلقة للسحر يتحدّون بها موسى، وما معه من آيات، تشبه السحر في ظاهرها، ليخرجوا منها في النهاية بأن موسى ليس إلا ساحرا ماهرا.
والموقف الثاني موقف المبارزة بين السحرة وموسى (ع) ، فقد ألقى السحرة حبالهم وعصيّهم، وتحركت الحبال والعصيّ فبهرت جميع الناس وأرهبتهم، ثم ألقى موسى عصاه في الأرض، فانقلبت حية هائلة لها شفتان طويلتان، شفة في الأرض تبتلع جميع الحبال والعصيّ التي ألقاها السحرة، وشفة مرفوعة إلى أعلى. ثم أمسك موسى (ع) بعصاه فعادت كما كانت، وبطل السحر وعلا صوت الحق.
ولكن السياق يختصر المشاهد هنا لأنها ليست مقصودة في هذا المجال، ويسدل الستار ليرفع على موسى (ع) ومن آمن معه وهم قليل، وهذه إحدى عبر القصة المقصودة:
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [الآية 83] .
وفي هذا الموضع تفيد الآيات، أن الذين أظهروا إيمانهم وانضمامهم إلى موسى (ع) من بني إسرائيل، كانوا هم الفتيان الصغار لا مجموعة الشعب الإسرائيلي، وأنهم تعرضوا للارهاب من فرعون، ولكن موسى ثبّتهم على الإيمان، ودعا موسى ربه أن ينجي المؤمنين، وأن يهلك الكافرين، فاستجاب الله دعاءه، وجاء الموقف الحاسم. والمشهد الثالث والأخير في قصة التحدي والتكذيب، هو غرق الطغاة الظالمين، ونجاة من آمن بالمرسلين.