الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
أي استولى على ملك الموجودات جميعها، وأحاطت قدرته الكائنات جميعها.
ومع الاستعلاء والتسخير، الحكمة والتدبير.
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى.
وإلى حدود مرسومة وفق ناموس مقدّر.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.
ويمسك بالأفلاك الهائلة والأجرام السابحة في الفضاء، فتجري لأجل لا تتعدّاه.
ومن قدرة الله سبحانه، أنّه مدّ الأرض وبسطها امام البصر، وأمدّها بمقومات الحياة:
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ.
ليكمل إبداع الخلق وتناسقه، ثم تابع الله، جلّت قدرته، بين الليل والنهار في انتظام عجيب، ونظام دقيق يبعث على التأمل في ناموس هذا الكون، والتفكير في القدرة المبدعة التي تدبّره وترعاه:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) .
أدلة الألوهية في سورة الرعد
نحن في سورة الرعد أمام عدد من أدلة الألوهية يتوارد بعضها وراء بعضها في سياق بديع، وعرض شائق.
فهناك الأرض التي تزرع بألوان مختلفة من النبات فيها.
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ [الآية 4] .
منه ما هو عود واحد، ومنه ما هو عودان أو أكثر، في أصل واحد، وكله:
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ [الآية 4] .
والتربة واحدة، ولكن الثمار مختلفات الطعوم:
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الآية 4] .
فمن غير الخالق المدبّر يفعل ذلك؟
إن القرآن، بمثل هذه اللفتة، يبقى جديدا أبدا، لأنه يجدّد أحاسيس البشر بالمناظر والمشاهد في الكون والنفس، وهي لا تنفد ولا يستقصيها إنسان في عمره المحدود، ولا تستقصيها البشرية في أجلها الموعود.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) .
ومن أدلة الألوهية: إحاطة علم الله بالجنين في بطن أمه، وبالسر المكنون في الصدور، وبالحركة الخفية في جنح الليل، وبكلّ مختف في الليل وظاهر في النهار، وهو سبحانه محيط بكل من تكلّم همسا، أو تكلّم جهرا، فإن كل شيء مكشوف تحت المجهر الكاشف يتبعه شعاع من علم الله، وتتعقبه حفظة تحصي الخواطر والنوايا.
إلا أنها الرهبة الخاشعة التي لا تملك النفس معها إلا أن تلجأ الى الله، تطمئن في حماه، وهي تتصور علم الله المحيط بكل شيء. ونلاحظ أن بعض الآيات في سورة الرعد، يلمس آفاق الكون الهائل، مثل الآيات الأربع الأولى من السورة.
وبعض الآيات، يلمس أغوار النفس ومجاهل السرائر، مثل الآيات الممتدة من 8 الى 10 حيث يقول سبحانه:
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (8) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (9) سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (10) . ثم يأخذ السياق في جولة جديدة في واد آخر، تجتمع فيه مناظر الطبيعة ومشاعر النفس، متداخلة متناسقة.
حيث يقول سبحانه:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.
والبرق والرعد والسحاب مشاهد معروفة وكذلك الصواعق التي تصاحبها في بعض الأحيان، وهي بذاتها مشاهد ذات أثر في النفس، حتى اليوم، وعند الذين يعرفون مزيدا عن طبيعتها.
والسورة تذكر هذه الظواهر متتابعة، وتضيف إليها الملائكة والتسبيح والسجود والخوف والطمع، لتصوير سلطان الله، المتفرّد بالقهر والنفع والضّرّ.
وقد سميت السورة بسورة الرعد، لقوله سبحانه:
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ.
والرعد هو ذلك الصوت المقرقع المدوّي، وهو أثر من آثار الناموس الكوني الذي صنعه الله، أيّا كانت طبيعته وأسبابه، فهو رجع صنع الله في