الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من القوة والثبات والصلابة والاعتداد.
ففي الحياة لحظات تعصف بهذا كله، فلا يصمد لها إلا المطمئنون بالله:
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) .
التناسق الفني في سورة الرعد
ممّ نلحظه في سورة الرعد عنايتها بالمقابلة بين الإيمان والكفر، والهدى والضلال، والاطمئنان والحيرة. وحين تعرضت السورة لرسم مشاهد الكون، عنيت بإبراز المشاهد المتقابلة من سماء وأرض، وشمس وقمر، وليل ونهار، وشخوص وظلال، وجبال راسية، وأنهار جارية، وزبد ذاهب، وماء باق، وقطع من الأرض متجاورات مختلفات، ونخيل صنوان وغير صنوان ومن ثم تطّرد هذه التقابلات في كل المعاني وكل الحركات وكل المصائر في السورة، لتناسق التقابل المعنوي في السورة مع التقابلات الحسية، وتتّسق في الجو العام.
ومن ثم يتقابل الاستعلاء في الاستواء على العرش، مع تسخير الشمس والقمر، ويتقابل ما تغيض الأرحام مع ما تزداد، ويتقابل من أسرّ القول مع من جهر به، ومن هو مستخف بالليل مع من هو سارب بالنهار ويتقابل الخوف مع الطمع تجاه البرق، ويتقابل تسبيح الرعد حمدا مع تسبيح الملائكة خوفا، وتتقابل دعوة الحق لله مع دعوة الباطل للشركاء، ويتقابل من يعلم مع من هو أعمى، ويتقابل الذين يفرحون من أهل الكتاب بالقرآن مع من ينكر بعضه، ويتقابل المحو مع الإثبات في الكتاب.
وبالإجمال، تتقابل المعاني وتتقابل الحركات وتتقابل الاتجاهات، لتنسيق الجو العام في الأداء. وهذا التناسق الفني، من بدائع الإعجاز في القرآن الكريم، هذا القرآن العجيب الذي لو كان من شأن قرآن أن تسيّر به الجبال أو تقطّع به الأرض أو يكلّم به الموتى، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثّرات ما تتحقق معه هذه الخوارق والمعجزات، ولكنه جاء لخطاب المكلّفين الأحياء، فإذا لم يستجيبوا له فقد آن أن ييأس منهم المؤمنون، وأن يدعوهم ويتركوهم، حتى يأتي وعد الله للمكذّبين، قال تعالى:
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ
الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
(31)
.
ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقّته وتكيّفت به، أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس، وبهذه النفوس، خوارق أضخم وأبعد آثارا في أقدار الحياة، بل أبعد أثرا في شكل الأرض، ذاته، فكم غيّر الإسلام والمسلمون من وجه الأرض الى جانب ما غيّروا من وجه التاريخ؟
وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها، طبيعته في دعوته وفي تعبيره، طبيعته في موضوعه وفي أدائه، طبيعته في حقيقته وفي تأثيره، إنّ طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة يحسّها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام، واستعداد لإدراك ما يوجّه إليه ويوحي به. والذين تلقوه وتكيفوا به سيّروا ما هو أضخم من الجبال، وهو تاريخ الأمم والأجيال. وقطّعوا ما هو أصلب من الأرض، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد. وأحيوا ما هو أخمد من الموتى، نعني الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام والتحول الذي حصل في نفوس العرب وحياتهم أضخم بكثير من تحوّل الجبال عن رسوخها، وتحوّل الأرض عن جمودها، وتحوّل الموتى عن الموت:
بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً.
وهو الذي يختار نوع الحركة وأداتها في كل حال. فإذا كان قوم بعد هذا القرآن لم تتحرك قلوبهم، فما كان أجدر بالمؤمنين الذين يحاولون تحريكها ان ييأسوا من القوم، وأن يدعوا الأمر لله فلو شاء سبحانه لخلق الناس باستعداد واحد للهدى، وهدى الناس جميعا على نحو خلقه الملائكة، لو كان يريد.
لقد شاء الله جل جلاله أن يوجد الإنسان على وجه الأرض، ومعه العقل والإرادة والاختيار والكسب، حتى يتميّز المؤمن من الكافر، والمستقيم من العاصي. وبذلك تتحقّق الحكمة الإلهية في تنوّع الخلق واختلاف مشاربهم:
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)[هود] .