الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن هذا الحشد من الصور والأشكال، والحركات والأحوال والرواح والذهاب والبلى والتجدد والذبول والنماء، والميلاد والممات، والحركة الدائبة في هذا الكون الهائل التي لا تنسى ولا تتوقف لحظة من ليل أو نهار. إن هذا كله ليستنهض كل همة في كيان البشر، للتأمل والتدبر والتأثر، حتى يستيقظ القلب ويتفتح لمشاهدة الآيات المبثوثة في ظواهر الكون وحناياه. والقرآن الكريم يعمد مباشرة إلى إيقاظ القلب، لتدبّر هذا الحشد من الصور والآيات، وتأمل قدرة الله في اختلاف الليل والنهار، بالطول والقصر، فيطول الليل في الشتاء، ويقصر في الصيف، ويطول النهار في الصيف، ويقصر في الشتاء. ووراء كل إبداع يد الله القدير، الذي رفع السماء وزيّنها بالنجوم وحفظها من التصدع والوقوع، وبسط، سبحانه، الأرض وثبّتها بالجبال، وزيّنها بالنبات، وأحياها بالأمطار.
إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) .
الدرس الثاني: الأدلة على وجود الله
يستهل الدرس الثاني من سورة يونس، بإعلان جزاء المؤمنين، وعاقبة المكذبين، حيث يقول سبحانه:
أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ ( [الآية 26] .
فالجزاء الحق من جنس العمل، فمن عمل صالحا في الدنيا، أدخله الله الجنّة ومتّعه بالطيّبات، ونجّاه من النار.
ثم تستمر الآيات في بيان عقوبة المكذّبين، وجزاء الخائنين وتسوق السورة عددا من الأدلة والبراهين تنتهي كلها إلى هدف واحد، هو إشعار النفس بتوحيد الله وصدق الرسول، واليقين باليوم الآخر، والقسط في الجزاء.
تلمس الأدلة أقطار النفس، وتأخذ بها إلى آفاق الكون في جولة واسعة شاملة، جولة من الأرض إلى السماء، ومن آفاق الكون إلى آفاق النفس، ومن ماضي القرون إلى حاضر البشر، ومن الدنيا إلى الآخرة.
وقد لا حظنا في الدرس الماضي لمسات من هذه، ولكنها في هذا الدرس أظهر. فمن معرض الحشر،
إلى مشاهد الكون، إلى ذات النفس، وإلى التحدي بالقرآن، إلى التذكير بمصائر المكذبين من الماضين، ومن ثم لمحة عابرة عن الحشر في مشهد جديد، إلى تخويف من المفاجأة بالعذاب، وإلى تصوير علم الله الشامل الذي لا يندّ عنه شيء، إلى بعض آيات الله في الكون، إلى الإنذار بما ينتظر المفترين على الله يوم الحساب.
إنها مجموعة من اللمسات العميقة الصادقة، لا تملك نفس سليمة التلقي، صحيحة الاستجابة ألّا تستجيب لها، وألّا تتذاوب الحواجز والموانع فيها، دون هذا الفيض من المؤثّرات المستمدة من الحقائق الواقعة، ومن فطرة الكون وفطرة النفس، وطبائع الوجود. لقد كان الكفّار صادقين في إحساسهم بخطر القرآن على صفوفهم، وهم يتناهون عن الاستماع إليه، خيفة أن يجرفهم بتأثيره ويزلزل قلوبهم، وهم يريدون أن يظلوا على الشرك صامدين.
وإن سورة واحدة كهذه، أو بعض سورة، لتحمل من المؤثرات النفسية والعقلية، ما لا يحمله جمع كبير من قوى الشرك والانحراف والفسوق.
لقد أخذ القرآن على النفوس كل مسلك، ليسير بها نحو الإيمان، وساق إليها أدلّة محسوسة ملموسة حيث يقول سبحانه:
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الآية 31] .
من المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع ومن طعام الأرض ونباتها وطيرها وأسماكها وحيوانها فمن سطح الأرض أرزاق، ومن أعماقها أرزاق، ومن أشعة الشمس أرزاق، ومن ضوء القمر أرزاق، حتى عفن الأرض كشف فيه عن دواء وترياق.
أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [الآية 31] .
يهبهما القدرة على أداء وظائفهما أو يحرمهما، ويصحّحهما أو يمرضهما ويصرفهما إلى العمل أو يلهيهما. وإن تركيب العين وأعصابها، وكيفية إدراكها للمرئيات، أو تركيب الأذن وأجزائها، وطريقة إدراكها للذبذبات، لعالم وحده يدير الرؤوس عند ما يقاس هذا الجهاز أو ذاك، إلى أدق الأجهزة التي يعدّها الناس، من معجزات العلم الحديث.
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [الآية 31] .