الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السابع لكل سؤال جواب في سورة «يوسف»
«1»
إن قيل: لم قال تعالى إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الآية 4] ولم يقل ثلاثة عشر كوكبا وهو أوجز وأخصر، والذي رآه كان أحد عشر كوكبا غير الشمس والقمر؟
قلنا: قصد عطفهما على الكواكب تخصيصا لهما بالذكر وتفضيلا لهما على سائر الكواكب، لما لهما من المزية والرتبة على الكل، ونظيره تأخير جبريل وميكائيل عن الملائكة عليهم السلام، ثم عطفهما عليهم، إن قلنا إنهما غير مرادين بلفظ الملائكة، وكذا قوله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة/ 238] إن قلنا إنها غير مرادة بلفظ الصلوات. فإن قيل: ما الحكمة في تكرار رأيت؟
قلنا: قال الزمخشري: ليس ذلك تكرارا، بل هو كلام مستأنف وضع جوابا لسؤال مقدر من يعقوب عليه السلام، كأنه قال له بعد قوله تعالى وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الآية 4] كيف رأيتها سائلا عن حال رؤيتها؟ فقال مجيبا له رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) وقال الزجّاج: إنما كرر الفعل تأكيدا لما طال الكلام كما في قوله تعالى وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)[الروم] وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وقال غيره، إنما كرره تفخيما للرؤية وتعظيما لها.
فإن قيل: لم أجريت مجرى العقلاء في قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ وفي قوله
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «أسئلة القرآن المجيد وأجوبتها» ، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، غير مؤرّخ.
ساجِدِينَ (4) وأصله رأيتها ساجدة؟
قلنا: لمّا وصفها بما هو من صفات من يعقل، وهو السجود أجرى عليها حكمه، كأنها عاقلة، وهذا شائع في كلامهم أن يلابس الشيء الشيء من بعض الوجوه، فيعطى حكما من أحكامه إظهارا لأثر الملابسة المقارنة، ونظيره قوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا [النمل/ 18] وقوله تعالى في وصف السماء والأرض قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11)[فصّلت] .
فإن قيل: لم قال تعالى يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [الآية 12] وكانوا عاقلين بالغين، وأنبياء أيضا في قول البعض، وكيف رضي يعقوب عليه السلام لهم بذلك؟
قلنا: على قراءة الياء لا إشكال، لأن يوسف عليه السلام كان يومئذ دون البلوغ فلا يحرم عليه اللعب، وعلى قراءة النون نقول كان لعبهم المسابقة والمناضلة، ليعوّدوا أنفسهم الشجاعة لقتال الأعداء لا للهو، وذلك جائز بالشرع، ويعضد هذا قولهم كما ورد في التنزيل إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ [الآية 17] وإنّما سموه لعبا لأنه في صورة اللعب. ويرد على أصل السؤال أن يقال: كيف يتورّعون عن اللعب وهم قد فعلوا ما هو أعظم حرمة من اللعب، وأشدّ، وهو إلقاء أخيهم في الجبّ على قصد القتل.
فإن قيل: لم اعتذر إليهم يعقوب عليه السلام بعذرين أحدهما إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ [الآية 13] لأنه كان لا يصبر عنه ساعة واحدة، والثاني خوفه عليه من الذئب، فأجابوه عن أحد العذرين دون الآخر؟
قلنا: حبه إيّاه، وإيثاره له، وعدم صبره على مفارقته، هو الذي كان يغيظهم ويؤلمهم، فأضربوا عنه صفحا، ولم يجيبوا عنه.
فإن قيل: لم قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ [الآية 15] وهو يومئذ لم يكن بالغا، والوحي إنما يكون بعد الأربعين؟
قلنا: المراد به وحي الإلهام، لا وحي الرسالة الذي هو مخصوص بما بعد الأربعين ونظيره قوله تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ [القصص/ 7] وقوله تعالى وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ 68] .
فإن قيل: لم قال تعالى وَلَمَّا بَلَغَ
أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[الآية 22] وقال في حق موسى عليه السلام وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً [القصص/ 14] .
قلنا: المراد ببلوغ الأشدّ دون الأربعين سنة على اختلاف مقداره، والمراد بالاستواء بلوغ الأربعين أو الستين، وكان إيتاء كل واحد منهما، الحكم والعلم، في ذلك الزمان، فأخبر عنه كما وقع.
فإن قيل: لم وحّد الباب في قوله تعالى وَاسْتَبَقَا الْبابَ [الآية 25] بعد جمعه في قوله وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [الآية 23] .
قلنا: لأن إغلاق الباب للاحتياط، لا يتم إلّا بإغلاق أبواب الدار جميعها، سواء أكانت كلها في جدار الدار أو لا، وأمّا هربه منها إلى الباب، فلا يكون إلا إلى باب واحد، إن كانت كلها في جدار الدار، ولأن خروجه في وقت هربه، لا يتصور إلا من باب واحد منها، وإن كان بعض الأبواب داخل بعض، فإنه أول ما يقصد الباب الأدنى لقربه، ولأن الخروج من الباب الأوسط والباب الأقصى، موقوف على الخروج من الباب الأدنى، فلذلك وحّد الباب.
فإن قيل: لم قال تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها [الآية 26] ولم يكن قوله شهادة؟
قلنا: لمّا أدى معنى الشهادة في ثبوت قول يوسف عليه السلام، وبطلان قولها، سمي شهادة، فالمراد بقوله شَهِدَ: أعلم، وبيّن، وحكم.
فإن قيل: قدّ قميصه من دبر يدلّ على أنها كاذبة، وأنها هي التي تبعته، وجذبت قميصه من خلفه فقدّته، وأما قدّه من قبل، فكيف يدل على أنها صادقة «1» ؟
قلنا: يدل من وجهين: أحدهما أنه إذا طالبها وهي تدفعه عن نفسها بيدها أو برجلها، فإنها تقد قميصه من قبل بالدفع. الثاني: أنه يسرع خلفها وهي هاربة منه، فيعثر في مقادم قميصه فيشقه. ويرد على الوجه الثاني أنه مشترك الدلالة من جهة العثار الذي هو نتيجة الإسراع، لأنه يحتمل أن يكون
(1) . انظر الآيتين 26 و 27 من سورة يوسف.
إسراعا في الهرب منها، وهي خلفه فيعثر، فينقدّ قميصه من قبل.
فإن قيل: لم قال تعالى وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ [الآية 31] وإنما يقال خرجت إلى السوق، وطرقت عليه الباب فخرج إليّ؟
قلنا: إذا كان الخروج بقهر وغلبة، أو بجمال وزينة، أو بآية وأمر عظيم، فإنما يعدّى ب «على» ، ومنه قولهم خرج علينا في السفر قطاع الطريق، وقوله تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ [القصص/ 79] وقوله تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ [مريم/ 11] .
فإن قيل: كيف شبّهن يوسف عليه السلام بالملك، فقلن كما ورد في التنزيل ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) وهنّ ما رأين الملائكة قط؟
قلنا: إن كن ما رأين الملائكة، فقد سمعن وصفها. الثاني: أن الله تعالى قد ركز في الطباع حسن الملائكة، كما ركز فيها قبح الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن بالملك، وكل متناه في القبح بالشيطان.
فإن قيل: لم ورد على لسان يوسف عليه السلام إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وترك الشيء، إنما يكون بعد ملابسته والكون فيه، يقال ترك فلان شرب الخمر، وأكل الربا، ونحو ذلك إذا كان فيه ثم أقلع عنه، ويوسف عليه السلام لم يكن على ملّة الكفّار قطّ؟
قلنا: الترك نوعان: ترك بعد الملابسة ويسمى ترك انتقال، وترك قبل الملابسة ويسمى ترك إعراض، كقوله تعالى في قصة موسى عليه السلام وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ [الأعراف/ 127] وموسى عليه السلام ما لابس عبادة فرعون ولا عبادة آلهته في وقت من الأوقات، وما نحن فيه من النوع الثاني، وسيأتي نظير هذا السؤال في سورة الأعراف في قوله تعالى أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88)[الأعراف/ 88] .
فإن قيل: لم قال تعالى أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية 40] فسّر الأمر بالنهي، أو بما جزء منه النهي، وهما ضدّان؟
قلنا: فيه إضمار أمر آخر، تقديره أمر اقتضى أن لا تعبدوا إلا إياه، وهو
كقوله تعالى فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
(56)
[العنكبوت] فإنه باعتبار تقديم المفعول في معنى الحصر كما قال في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)[الفاتحة] . الثاني أن فيه إضمار نهي تقديره: أمر ونهي، ثم فسر الأمرين بقوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الآية 40] .
الثالث: أن قوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا وإن كان مضادا للأمر من حيث اللفظ، فهو مرافق له من حيث المعنى، فلم قلتم إن تفسير الشيء بما يضاده صورة، ويوافقه معنى، غير جائز بيان موافقته معنى، من وجهين: أحدهما أن النهي عن الشيء أمر بضده، وعبادة الله ضد لا عبادة الله. الثاني أن معنى مجموع قوله تعالى أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أعبدوه وحده، فيكون تفسيرا للأمر المطلق.
فإن قيل: الأنبياء عليهم السلام، أعظم الناس زهدا في الدنيا، ورغبة في الآخرة، فلم ورد على لسان يوسف عليه السلام اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ [الآية 55] طلب أن يكون معتمدا على الخزائن، متولّيا لها، وهو من أكبر مناصب الدنيا؟ قلنا: إنما طلب ذلك ليتوصّل به إلى إمضاء أحكام الله تعالى، وإقامة الحق، وبسط العدل، ونحوه، ممّا يبعث له الأنبياء، ولعلمه أن أحدا غيره، لا يقوم مقامه في ذلك، فطلب التولية ابتغاء لوجه الله تعالى، وسعيا لمنافع العباد ومصالحهم لهم، لا لحبّ الملك والدنيا، ونظيره قوله تعالى وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ [الأعراف/ 188] يعني لو كنت أعلم أي وقت يكون القحط، لادّخرت لزمن القحط طعاما كثيرا، لا للحرص، لكن لأتمكّن من إعانة الضعفاء والفقراء، وقت الضرورة والمضايقة، ويحتمل أن يكون علم تعيّنه بذلك العمل، فكان طلبه واجبا عليه.
فإن قيل: كيف جاز ليوسف عليه السلام كما ورد في التنزيل أن يأمر المؤذّن أن يقول أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) وذلك بهتان وتسريق بالصواع لمن لم يسرقه، وتكذيب للبريء، واتهام من لم يسرق بأنّه سرق؟
قلنا: قوله تعالى إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) تورية عمّا جرى منهم مجرى السرقة، وتصوّر بصورتها، من
فعلهم بيوسف ما فعلوه أو لا. الثاني:
أن ذلك القول كان من المؤذّن بغير أمر يوسف عليه السلام، كذا قاله بعض المفسرين.
الثالث: أنّ حكم هذا الكيد حكم الحيل الشرعية، التي يتوصل بها إلى مصالح ومنافع دينية، كقوله تعالى لأيوب عليه السلام وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ [ص/ 44] وقول إبراهيم عليه السلام في حق زوجه هي أختي لتسلم من يد الكافر، وما أشبه ذلك.
فإن قيل: لم تأسّف يعقوب عليه السلام على يوسف دون أخيه بقوله يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [الآية 84] والرّزء الأحدث أشدّ على النفس وأعظم أثرا؟
قلنا: إنما يكون أشدّ إذا تساوت المصيبتان في العظم ولم يتساويا هنا، بل فقد يوسف كان أعظم عليه وأشدّ من فقدان أخيه فإنما خصّه بالذكر، ليدلّ على أنّ الرّزء فيه مع تقادم عهده، ما زال غضّا طريّا.
فإن قيل: لم قال تعالى وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ [الآية 84] والحزن لا يحدث بياض العين لا طبّا ولا عرفا؟
قلنا: قال ابن عباس: أي من البكاء، لأن الحزن سبب البكاء، فأطلق اسم السبب وأراد به المسبّب، وكثرة البكاء، قد تحدث بياضا في العين يغشى السواد، وهكذا حدث ليعقوب عليه السلام، وقيل إذا كثرت الدموع محقت سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر.
فإن قيل: لم قال يعقوب عليه السلام إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) مع أن من المؤمنين من ييأس من روح الله، أي من فرجه وتنفيسه، أو من رحمته على اختلاف القولين، إمّا لشدّة مصيبته، أو لكثرة ذنوبه، كما جاء في الحديث في قصة الذي أمر أهله، إذا مات أن يحرقوه ويذروا رماده في البر والبحر، ففعلوا به ذلك، ثم إن الله غفر له، كما جاء مشروحا في الحديث المشهور، وهو من الصحاح، مع أنه يئس من رحمة الله تعالى، وضم إلى يأسه ذنبا آخر وهو اعتقاده أنه إذا أحرق وذري رماده لا يقدر الله على إحيائه وتعذيبه، ومع هذا كله يغفر له، فدلّ على أنه لم يمت كافرا؟
قلنا: إنّما ييأس من روح الله الكافر لا المسلم عملا بظاهر الآية، وكل
مؤمن يتحقّق منه اليأس من روح الله، فهو كافر في الحال، حتى يعود إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله وأمّا الرجل المغفور له في الحديث، فلا نسلّم أنه لم يكفر، ثم إن الله تعالى لمّا أحياه في الدنيا، عاد إلى الإسلام، بعوده إلى رجاء روح الله تعالى، فلذلك غفر له، وقد يكون قد عاد إلى رجاء روح الله تعالى، قبل موتته الأولى، ولم يتسع له الزمان أن يرجع عن وصيته التي أوصى بها أهله، فمات مسلما فلذلك غفر له.
فإن قيل: في قوله تعالى وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً [الآية 100] كيف جاز لهم أن يسجدوا لغير الله تعالى؟
قلنا: لعله كان السجود عندهم تحية وتكرمة كالقيام والمصافحة عندنا.
وقيل: كان انحناء كالركوع، ولم يكن بوضع الجبهة على الأرض، إلا أن قوله تعالى وَخَرُّوا يأبى ذلك، لأنّ الخرور عبارة عن السقوط، ولا يرد عليه قوله تعالى وَخَرَّ راكِعاً [ص/ 24] لأنهم قالوا أراد به ساجدا، فعبّر عن السجود بالركوع، كما عبر عن الصلاة في قوله تعالى وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) [البقرة] أي صلّوا مع المصلين. وقيل له: أي لأجله، فاللام للسببية لا لتعدية السجود إلى يوسف عليه السلام، فالمعنى وخرّوا لأجل يوسف سجّدا لله تعالى، شكرا على جمع شملهم به، وقيل الضمير في له، يعود إلى الله تعالى، وهذا الوجه يدفعه قوله تعالى يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا [الآية 100] .
فإن قيل: لم ذكر يوسف عليه السلام نعمة الله تعالى في إخراجه من السجن، فقال كما ورد في التنزيل وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [الآية 100] ولم يذكر نعمته عليه في إخراجه من الجبّ وهو أعظم نعمة، لأن وقوعه في الجبّ كان أعظم خطرا؟
قلنا: إنما ذكر هذه النعمة دون تلك النعمة، لوجوه: أحدها: أنّ محنة السجن ومصيبته، كانت أعظم لطول مدتها، فإنه لبث فيه بضع سنين، وما لبث في الجبّ إلّا مدّة يسيرة. الثاني:
أنه إنما لم يذكر الجب، كي لا يكون في ذكره توبيخ وتقريع لإخوته، عند قوله لهم كما ورد في التنزيل لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الآية 92] .
الثالث: أن خروجه من السجن،
كان مقدمة لملكه وعزه، فذلك ذكره، وخروجه من الجبّ، كان مقدمة الذل والرق والأسر، فلذلك لم يذكره.
الرابع: أن مصيبة السجن، كانت أعظم عنده، لمصاحبة الأوباش والأراذل وأعداء الدين بخلاف مصيبة الجب، فإنه كان مؤنسه فيه جبريل وغيره من الملائكة عليهم السلام.
فإن قيل: لم قال تعالى على لسان يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً [الآية 101] وهو يعلم أنّ كلّ نبيّ لا يموت إلّا مسلما؟
قلنا: يجوز أن يكون دعا بذلك، في حالة غلبة الخوف عليه، غلبة أذهلته عن ذلك العلم، في تلك الساعة.
الثاني: أنه دعا بذلك، مع علمه، إظهارا للعبودية والافتقار وشدة الرغبة، في طلب سعادة الخاتمة، وتعليما للأمّة، وطلبا للثواب.
فإن قلنا: كيف يجتمع الإيمان والشرك، وهما ضدّان، حتى قال تعالى وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) ؟
قلنا: معناه وما يؤمن أكثرهم، بأن الله تعالى خالقه ورازقه وخالق السماوات والأرض، قولا إلّا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلا. الثاني، أن المراد بها المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولا، ويشركون بقلوبهم اعتقادا.
الثالث أن المراد بها تلبية العرب، كانوا يقولون: لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك فكانوا يؤمنون بأوّل تلبيتهم بنفي الشريك، ويشركون بآخرها بإثباته.
فإن قيل: هذه التلبية، توحيد كلها ولا شرك فيها، لأن معنى قولهم إلّا شريكا هو لك: إلا شريكا هو مملوك لك، موصوفا بأنك تملكه، وتملك ما ملك، واللام هنا للملك، لا لعلاقة الشركة وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون حقيقيّا، ويحتمل أن يكون مجازيّا بيان الأول، أنّا إن قلنا إن اللام حقيقة في المعنى العام في مواردها، وهو الاختصاص، يكون قولهم: لا شريك لك، عامّا في نفي كلّ شريك، يضاف إلى الله تعالى بجهة اختصاص ما، فيدخل في النفي من جهة لفظ الشريك المضاف بجهة المملوكية، وهو شريك زيد وعمرو ونحوهما، ثم يقع عليه الاستثناء، فيكون استثناء حقيقيا وإن قلنا إنها مشتركة بين المعاني الثلاثة الموجودة
في موارد استعمالها، وهي الملك والاستحقاق، ويقال الاختصاص، فقولهم: لا شريك لك يكون عامّا أيضا، عند من يجوّز حمل المشترك على مفهومه في حالة واحدة، فيكون الاستثناء أيضا حقيقيا كما مر وأما على قول من لا يجوّز ذلك يكون النفي واردا على أحد مفهوماته، وهو علاقة الشركة، فيكون الاستثناء بعده مجازيّا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، وهو نوع من أنواع البلاغة مذكور في علم البيان، وشاهده قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
…
بهنّ فلول من قراع الكتائب
معناه: إن كان هذا عيبا ففيهم عيب، وهذا ليس بعيب فلا يكون فيهم عيب، فكذا هنا معناه: إن كان الشريك المملوك لك، يصلح شريكا فلك شريك، وهو لا يصلح شريكا لك، فلا يكون لك شريك، لأن كلّ ما يدعي أنه شريك لك، فهو مملوك لك، وهذا المعنى هو المراد بقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم/ 28] . قلنا: على الوجه الأول إنه ليس بصحيح، لأنه لو جعلنا اللام حقيقة في المعنى العام وهو الاختصاص، يلزم منه الكفر حيث وجد نفي الشريك من غير استثناء، لأنه يلزم منه نفي ملكه تعالى، شريك زيد وعمر ونحوهما، وهو كفر، واللازم منتف، لأنه إيمان محض بلا خلاف.
فإن قيل: إنّما لم يكن كفرا مع عمومه، لأن الحقيقة العرفية عند عدم الاستثناء، نفي كل شريك يضاف إلى الله تعالى بعلاقة الشريك، لا نفي كل شريك، يضاف إليه بجهة ما، فصارت الحقيقة اللغوية مهجورة بالحقيقة العرفية، عند عدم الاستثناء، والجواب عن أصل السؤال، أنه سؤال حسن محقق، وأن هذه التلبية توحيد محض على التقديرين، فإن صح النقل أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عنها، فإنما نهى عنها لأنها توهم إثبات الشريك، لمقتضى الاستثناء عند قاصري النظر، وهم عوام الناس، فلهذه المفسدة نهى عنها.