الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والجواب أنه ما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقيم نظاما للبشر قبل أن يقرر هذه الدعوة.
فالتوحيد مفترق الطريق بين الفوضى والنظام، بين الخرافة والإيمان، بين الهوى واليقين.
والاعتراف بوجود الله ضروري في الفطرة السليمة، لأنّ الله خلق الإنسان، وأودعه نفخة مقدسة من الروح، ولذلك تتجه الفطرة الى الله خالقها وبارئها لتروي ظمأها اليه، وتلبي نداء الشوق الكامن إليه في أعماقها.
2-
عناية الآيات، بأن تلفت نظر الإنسان الى ما في الكون من آيات القدرة، ودلائل الإعجاز، وعجائب الصنع، ومواطن الاعتبار. فهذا الكون الفسيح الشاسع الأرجاء وما فيه من قوى منظورة لنا وغير منظورة، وما يخضع له من نظام لا يحتمل الخلل، ودقة لا تسمح بالعبث، دليل على أن هذا الكون لم يوجد من طريق صدفة عمياء، بل وجد لأنّ خالقا حكيما هو الذي أوجده.
3-
إثبات علم الله بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون، وتقدير الرزق لكل فرد من أفراد هذا العالم الفسيح، وتيسير الأسباب للسعي والحركة وعمارة الكون، ومن الآيات المشهورة بين الناس قوله تعالى:
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6) .
وهي تصور علم الله الشامل، المحيط بكل ما يدب على الأرض، من إنسان وحيوان وزاحفة وهامة وحشرة وطير. فما من دابة من هذه الدواب إلّا وعند الله علمها، وعلى الله رزقها، وهو سبحانه يعلم أين تستقر وأين تكمن، ومن أين تجيء وأين تذهب. وكل فرد من أفرادها مقيّد في هذا العلم الدقيق. إنها صورة متّصلة للعلم الإلهي في حالة تعلقه بالمخلوقات، يرتجف لها كيان الإنسان حين يحاول تصوّرها بخياله الإنساني، فلا يطيق. فسبحان من أحاط بكلّ شيء علما.
2- إعجاز القرآن
يلمح القارئ لهذه السورة قوة أسلوبها وترابط أفكارها، وتوالي حملاتها على الكفار، حتّى كأنها جيش كامل مشتمل على عديد من الكتائب والفصائل والجنود.
إنها دعت، في الدرس السابق، الى التوحيد، ولفتت الأنظار الى قدرة الله البالغة وعلمه المحيط بكل شيء.
وهي، هنا، تسوق دليلا آخر على صدق عقيدة التوحيد، وصدق رسالة محمد (ص)، هذا الدليل هو إعجاز هذا القرآن وروعته وقوته. ويتجلى هذا الاعجاز فيما يلي:
1-
إخباره عن الأمم الماضية التي لم يعاصرها محمد (ص) ، ولم يعرف تاريخها ولم يقرأ عنها.
2-
اشتماله على أصول التشريع، وسياسة الخلق، وقواعد الحكم، وآداب المعاملة، ونظام العبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة.
3-
إخباره عن أنباء لاحقة تأكّد صدقها، وتحقّق وقوعها.
لقد ادّعى كفّار مكّة أنّ محمّدا (ص) قد اختلق القرآن من عنده، ولم ينزل عليه من السماء، فتحدّاهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات. أي ليختلقوا كما اختلق محمد (ص) ، فهم عرب مثله، وهم أرباب الفصاحة والبيان، والقرآن مؤلّف من حروف وكلمات وجمل يعرفونها ويؤلفون من مثلها كلامهم، فالعجز عن الإتيان بمثل القرآن دليل على أنه ليس من صنع بشر، وليس من افتراء محمد (ص) ، ولكنه كلام الله العليم الخبير.
وقد سمح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاؤوا، من الشركاء والفصحاء والبلغاء والشعراء والإنس والجن، ليشاركوهم في تأليف هذه السور، قال تعالى:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) .
وقد سبق أن تحدّاهم القرآن بسورة واحدة في سورة يونس، فلماذا تحدّاهم بعد ذلك بعشر سور.
قال المفسرون القدامى، إن التحدي كان على الترتيب: بالقرآن كلّه ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة.
ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة، وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور.
وترتيب الآيات في النزول ليس من