الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث السادس المعاني اللغوية في سورة «يوسف»
«1»
قال تعالى: إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ [الآية 51] وقال بعض أهل العلم: «إنّهن راودنه لا امرأة الملك» ، وقد يجوز، وإن كانت واحدة أن تقول (راودتنّ) كما ورد في التنزيل: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران/ 173] ها هنا واحد، يعني بقوله تعالى لَكُمْ النبيّ (ص)«أبا سفيان» فيما ذكروا.
وقال تعالى: وَهَمَّ بِها [الآية 24] ، فلم يكن همّ بالفاحشة، ولكن دون ذلك ممّا لا يقطع الولاية.
وقال تعالى: بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الآية 3] أي نَقُصُّ عَلَيْكَ [الآية 3] بوحينا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ [الآية 3]«2» بجعل (ما) اسما للفعل وجعل (أوحينا) صلة.
وقال تعالى: إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4)[الآية 4] بتكرير الفعل وقد يستغنى بأحدهما. وهذا على لغة الذين قالوا «ضربت زيدا ضربته» ، وهو توكيد مثل قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)[الحجر وص/ 73] .
وأمّا قوله تعالى رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) فإن السياق لمّا جعلهم كمن يعقل في السجود والطواعية، جعلهم كالإنس في تذكيرهم، إذا
(1) . انتقي هذا المبحث من كتاب «معاني القرآن» للأخفش، تحقيق عبد الأمير محمد أمين الورد، مكتبة النهضة العربية وعالم الكتب، بيروت، غير مؤرّخ.
(2)
. نقله في إعراب القرآن 2/ 499.
جمعهم، كما في قوله تعالى عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ 16] . وقال الشاعر [من الخفيف، وهو الشاهد الثالث والثلاثون بعد المائتين] :
صدّها منطق الدّجاج عن القصد
…
وضرب الناقوس فاجتنبا
وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ [النمل/ 18] إذ تكلمت نملة فصارت كمن يعقل وقال سبحانه فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)[الأنبياء/ 33 ويس/ 40] لمّا جعلهم يطيعون، شبّههم بالإنس، مثل ذلك أيضا قوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11)[فصّلت/ 11] على هذا القياس، بالتذكير، وليس مذكرا كما يذكر بعض المؤنث. وقال قوم: إنّما قال تعالى: طائِعِينَ لأنهما أتتا وما فيهما، فتوهّم بعضهم «مذكّرا» أو يكون كما قال سبحانه وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [الآية 82] وهو يريد أهلها. وكما تقول «صلى المسجد» وأنت تريد أهل المسجد، إلّا أنّك تحمل الفعل على الآخر، كما قالوا:«اجتمعت أهل اليمامة» وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ [فصّلت/ 37] لأنّ الجماعة، من غير الإنس مؤنثة. وقال بعضهم «للّذي خلق الآيات» ولا أراه قال ذلك، الا لجهله بالعربية. قال الشاعر «1» [من البسيط، وهو الشاهد الرابع والثلاثون بعد المائتين] :
إذ أشرف الديك يدعو بعض أسرته
…
إلى الصّياح وهم قوم معازيل»
فجعل «الدجاج» قوما في جواز اللغة. وقال الآخر وهو يعني الذيب [من الطويل، وهو الشاهد الثاني والثلاثون بعد المائتين] :
وأنت امرؤ تعدو على كلّ غرّة
…
فتخطئ فيها مرّة وتصيب
وقال الآخر [من الرجز، وهو الشاهد الخامس والثلاثون بعد المائتين] :
(1) . هو عبدة بن الطبيب شعر عبدة بن الطبيب 79، والاختيارين 99، والمفضليات 143، واللسان «عزل» .
(2)
. في الصاحبي 251 «الى الصياح» وكذلك في الصحاح «عزل» واللسان أيضا وفي الاختيارين وفي شعره أيضا:
«لدى الصباح» .
فصبّحت والطّير لم تكلّم
…
جابية «1» طمّت بسيل مفعم «2»
وقال تعالى: فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً [الآية 5] أي: فيتّخذوا لك كيدا.
وليست مثل إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) .
بإيصال الفعل إليها باللام، كما يوصل ب «الى» ، كما تقول:«قدّمت له طعاما» تريد: «قدّمت إليه» . وقال تعالى يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ [الآية 48] ومثله قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [يونس/ 35] وإن شئت كان فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً في معنى «فيكيدوك» ، بجعل اللام مثل اللام في قوله تعالى لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) [الأعراف] وقوله سبحانه لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) إنّما هو:«لمكان ربّهم يرهبون» .
وقال تعالى: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ [الآية 9] وليس الأرض هاهنا بظرف. ولكن حذف منها «في» ثم أعمل فيها الفعل، كما تقول «توجّهت مكّة» .
وقال تعالى: وَنَحْنُ عُصْبَةٌ [الآية 14] و «العصبة» و «العصابة» جماعة ليس لها واحد «3» ك «القوم» و «الرّهط» .
وقال تعالى: بِدَمٍ كَذِبٍ [الآية 18] بجعل «الدّم» «كذبا» لأنه كذب فيه كما تقول «الليلة الهلال» فترفع، وكما قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [البقرة/ 16]«4» .
وقال تعالى: وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ [الآية 19] بالتذكير بعد التأنيث لأنّ «السيّارة» في المعنى للرجال «5» .
وقال تعالى: مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي [الآية 23] أي: أعوذ بالله معاذا. جعله بدلا من اللفظ بالفعل، لأنه مصدر، وإن كان غير مستعمل مثل «سبحان» ، وبعضهم يقول «معاذة الله» ، ويقول «ما
(1) . جاء في الهامش: الجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. يجبى أي: يجمع، قاله الجوهري.
(2)
. الرجز في الصحاح «فعم» واللسان «طمم» و «فعم» و «كلم» وفي أول مواضعه من اللسان ب «خابية» وفي ثالث مواضعه منه ب «حفّت» . وهو في الصحاح 1/ 23.
(3)
. نقله في التهذيب 2/ 46 «عصب» .
(4)
. قد نقله في التهذيب 10/ 167 وزاد المسير 4/ 193.
(5)
. نقله في زاد المسير 4/ 193.
أحسن معناة هذا الكلام» ، يريد المعنى.
وقال تعالى: إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) أي «إلّا السجن أو عذاب أليم لأنّ أن» الخفيفة، وما عملت فيه، اسم بمنزلة «السّجن» .
وقال تعالى: وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)[الآية 32] فالوقف عليها (وليكونا) لأن النون الخفيفة إذا انفتح ما قبلها، فوقفت عليها، جعلتها ألفا ساكنة بمنزلة قولك «رأيت زيدا» ، ومثله قوله تعالى: لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15)[العلق] الوقف عليها لَنَسْفَعاً (15) .
وقال تعالى: ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) بإدخال النون في هذا الموضع، لأن هذا موضع تقع فيه «أي» ، فلما كان حرف الاستفهام يدخل فيه، دخلته النون، لأن النون تكون في الاستفهام، تقول «بدا لهم أيّهم يأخذون» أي استبان لهم.
وقال تعالى: وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) فإحدى الباءين لوصل الفعل الى الاسم، والاخرى دخلت ل «ما» وهي الأخيرة.
وقال تعالى وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [الآية 45] وإنّما هي «افتعل» من «ذكر» فأصلها «اذتكر» ، ولكن اجتمعا في كلمة واحدة، ومخرجاهما متقاربان، وأرادوا ان يدغموا، والأول حرف مجهور، وإنما يدخل الاول في الآخر، والآخر مهموس، فكرهوا أن يذهب منه الجهر، فجعلوا في موضع التاء حرفا من موضعها مجهورا، وهو الدال لأن الحرف الذي قبلها مجهور. ولم يجعلوا الطاء، لأن الطاء مع الجهر مطبقة. وقد قرأ بعضهم (مذّكر) في سورة القمر «1» فأبدل التاء ذالا ثم أدخل الذال فيها. وقد قرئت هذه الآية (أن يصّلحا بينهما صلحا)[النساء/ 128]«2»
(1) . الآيات: 15 و 17 و 22 و 32 و 40 و 51. وبالذال المضعفة، المفتوحة هي في الطبري 27/ 96 قراءة عبد الله بن مسعود، في البحر 8/ 178 قراءة قتادة فيما نقل ابن عطية، وفي معاني القرآن 3/ 107 أنّ لغة بعض بني أسد يقولون «مذكر» . [.....]
(2)
. هذه القراءة هي في الطبري 9/ 278 قراءة عامة قراءة أهل المدينة، بعض أهل البصرة وفي الشواذ 29 الى الجحدري، وكذلك في المحتسب 201، وزاد في الجامع 5/ 404 عثمان البتي، وفي التيسير 97 إلى غير الكوفيين. والقراءة المثبتة في المصحف الشريف أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً.
وهي «أن يفتعلا» من «الصلح» ، فكانت التاء بعد الصاد، فلم تدخل الصاد فيها للجهر والإطباق. فأبدلوا التاء صادا، وقرأ بعضهم (يصطلحا) وهي الجيدة لما لم يقدر على إدغام الصاد في التاء، حوّل في موضع التاء حرف مطبق.
وقال تعالى ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ [الآية 76] بالتأنيث، وقال تعالى وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ [الآية 72] لعودة الضمير الى «الصّواع» و «الصّواع» مذكّر، ومنهم من يؤنّث «الصّواع» «1» و «أريد» هاهنا «السّقاية» وهي مؤنثة.
وهما اسمان لواحد مثل «الثّوب» و «الملحفة» ، مذكّر ومؤنث لشيء واحد.
وقال تعالى خَلَصُوا نَجِيًّا [الآية 80] بجعل «النجيّ» للجماعة مثل قولك: «هم لي صديق» .
وقال تعالى يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [الآية 84] فإذا سكتّ، ألحقت في آخره الهاء، لأنّها مثل ألف الندبة.
وقال تعالى تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ [الآية 85] فزعموا أنّ (تفتأ)«تزال» فلذلك وقعت عليه اليمين، كأنهم قالوا:«والله لا تزال تذكر يوسف» .
وقال تعالى لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الآية 92] بعد الْيَوْمَ وقف ثم ورد الاستئناف «2» بقوله تعالى: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [الآية 92] فدعا لهم بالمغفرة مستأنفا.
وقال تعالى قالَ كَبِيرُهُمْ [الآية 80] فزعموا أنه أكبرهم في العقل، لا في السّنّ.
وفي قوله تعالى عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [الآية 83] أريد الذي تخلّف عنهم، معهما، وهو كبيرهم في العقل.
(1) . انظر المذكر والمؤنث 96، وكتاب التذكير والتأنيث 22، والبلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث 83.
(2)
. نقله في الجامع 9/ 258.