الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين الفريقين، ونتائجها الأخيرة، مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة: شجرة النبوّة وشجرة الإيمان، وشجرة التوحيد والخير، والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة: شجرة الباطل والتكذيب والشر والطغيان. فالتوحيد وكلمته: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
أصله ثابت موصول بالله وفرعه مرتفع إلى السماء ويؤتي ثماره كل حين بالصلاة والزكاة وسائر العبادات والأعمال النافعة في الدنيا والآخرة. أما شجرة الكفر فلا أصل لها تعتمد عليه، فهي تمثّل الباطل في الدنيا، والخيبة في الآخرة.
قال تعالى:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) .
المقطع الثاني من سورة إبراهيم
تنقسم سورة إبراهيم الى مقطعين متماسكي الحلقات:
المقطع الأول: يتضمّن بيان حقيقة الرسل، ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا والآخرة، ويعقب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، وقد تحدثنا عن هذا المقطع.
والمقطع الثاني: من سورة إبراهيم يتحدث عن
نعم الله
على البشر، والذين كفروا بهذه النعم وبطروا، والذين آمنوا بها وشكروا، ونموذجهم الأول هو ابراهيم (ع) ويصور مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله، في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجملها، وأحفلها بالحركة والحياة.
نعم الله
لقد عدّد الله سبحانه نعمه على البشر كافة، مؤمنهم وكافرهم، صالحهم وطالحهم، برّهم وفاجرهم، طائعهم وعاصيهم وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل، أن يتيح للكافر
والفاجر والعاصي نعمة في هذه الأرض كالمؤمن والبار والطائع، لعلّهم يشكرون: ويعرض هذه النعم في أضخم مجالي الكون وأبرزها، ويضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (33) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) .
وفي إرسال بعث الرسل نعمة تعدل تلك أو تربو عليها:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [الآية 1] .
والنور أجلى نعم الله في الوجود، والنور هنا هو النور الأكبر، النور الذي يشرق به كيان الإنسان، ويشرق به الوجود في قلبه وحسه. وكذلك كانت وظيفة موسى (ع) في قومه، ووظيفة الرسل كما بينتها السورة. وفي قول الرسل مجتمعين:
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الآية 10] .
والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل نعمة النور، وهي منه قريب:
وفي هذا الجو يذكر وعد الله للرسل.
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ.
وهي نعمة. ويبرز السياق حقيقة زيادة النعمة بالشكر:
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) .
مع بيان أن الله غني عن الشكر وعن الشاكرين:
إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) .
ويقرر السياق، أن الإنسان في عمومه لا يشكر النعمة حق الشكر.
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) .
ولكن الذين يتدبّرون آيات الله،
وتتفتح لها بصائرهم، يصبرون على البأساء ويشكرون على النعماء.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) .
ويتمثل الصبر والشكر في شخص إبراهيم (ع) حين يقف خاشعا، ويدعو ربه عند البيت الحرام، دعاء مخلصا، كله حمد وشكر، وصبر وإيمان:
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (41) .
ولأن النعمة والشكر عليها والكفر بها، تطبع جو السورة فإن التعبيرات والتعليقات تجيء فيها متناسقة مع هذا الجو، في قوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) .
وقوله سبحانه:
اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [الآية 6] .
وفي ردّ الأنبياء على اعتراض المكذّبين بأنهم بشر، يجيء قوله سبحانه:
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [الآية 11] .
فيبرز منة الله، تنسيقا للرد مع جوّ السورة كله، جو النعمة والمنّة والشكر والكفران وهكذا يتساوق التعبير اللفظي مع الفكرة العامة للسورة، على طريقة التناسق الفني في القرآن.