الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر ولاية عبد الرحمن بن جحدم على مصر
هو عبد الرحمن بن عقبة «1» بن إياس بن الحارث بن عبد [بن]«2» أسد بن جحدم (بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الدال المهملة أيضاً وبعدها ميم ساكنة) الفهري أمير مصر، وليها من قبل عبد الله بن الزبير بن العوام لما بويع بالخلافة في مكة وبايعه المصريون وتوجه إليه منهم جماعة كثيرة وبايعوه، فأرسل إليهم عبد الرحمن هذا فوصل إلى مصر في شعبان سنة أربع وستين التي ذكرنا حوادثها فى إمرة سعيد ابن يزيد المقدم ذكره، ودخل معه مصر جماعة كثيرة من الخوارج وأظهروا دعوة عبد الله بن الزبير بمصر ودعوا الناس لبيعته، فتابعهم الناس والجند على ما في قلوبهم من الحب في الباطن لبني أمية.
ولما دخل عبد الرحمن المذكور إلى مصر وتم أمره أقرّ عابسا على الشّرطة والقضاء بمصر، فبينما هم في ذلك وصل الخبر من الشأم ببيعة مروان بن الحكم بالخلافة وأن أمره تم، فصارت مصر معه في الباطن، وفي الظاهر لابن الزبير، حتى جهز مروان بن الحكم جيشاً مع ابنه عبد العزيز إلى أيلة ليدخل مصر من هناك، ثم ركب مروان بن الحكم في جيوشه وجموعه وقصد مصر؛ فلما بلغ عبد الرحمن بن جحدم ذلك استعدّ لحربه وحفر خندقاً في شهر، أو قريب من شهر، وهو الذي بالقرافة، وسار مروان حتى نزل مدينة عين شمس (أعني المطرية خارج القاهرة) فخرج إليه عبد الرحمن، فتحاربوا يوماً أو يومين، فكانت بين الفريقين مقتلة كبيرة، ثم آل الأمر بينهما إلى الصلح واصطلحا على أن مروان يقر عبد الرحمن ويدفع إليه مالاً وكسوة؛ ودخل مروان مصر في غرة جمادى الأولى سنة خمس وستين.
وقال صاحب البغية في آخر جمادى الأولى من السنة: ومدة مقام ابن جحدم فيها إلى أن دخل مروان «1» تسعة أشهر، وبايعه الناس إلا قليلاً فضرب أعناقهم، وجعل على الشرطة في مدة مقامه عمرو بن سعيد بن العاص، وخرج منها (يعني مروان) لهلال رجب سنة خمس وستين. انتهى كلام صاحب البغية.
وقال غيره: وعزل مروان عبد الرحمن بن جحدم عن إمرة مصر، وكانت مدة ولايته عليها تسعة أشهر وأياماً، وفتح مروان خزائنه ووضع العطاء، فبايعه الناس إلا نفراً من المعافر قالوا: لا نخلع بيعة عبد الله بن الزبير، فضرب مروان أعناقهم وكانوا ثمانين رجلاً، وذلك في نصف جمادى الآخرة. وكان في ذلك اليوم موت عبد الله بن عمرو بن العاص فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة، فدفنوه بداره لشغب الجند على مروان، ثم ضرب مروان عنق الأكدر «2» بن حمام اللخمي سيد لخم، وكان من قتلة عثمان رضي الله عنه، ثم ولى مروان ابنه عبد العزيز بن مروان على مصر وجمع له الصلاة والخراج معاً، ثم خرج منها مروان يريد الشأم بعد أن أوصى ولده عبد العزيز بوصايا كثيرة مضمونها الرفق بأهل مصر، وكان خروج مروان من مصر في أول يوم من شهر رجب.
وقال ابن كثير: وفيها (يعني سنة خمس وستين) دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدق إلى مصر فأخذاها من نائبها لعبد الله بن الزبير. وكان سبب ذلك أن مروان قصدها فخرج إليه نائبها عبد الرحمن بن جحدم، فقابله مروان ليقاتله فاشتغل به وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من وراء عبد الرحمن بن
جحدم، فدخل مصر وملكها وهرب عبد الرحمن بن جحدم، ودخل مروان إلى مصر فتملكها وجعل عليها ولده عبد العزيز بن مروان. انتهى كلام ابن كثير برمته.
وقال ابن الأثير في كتابه الكامل «1» : (ذكر فتح مروان مصر)، قال: ولما قتل الضحاك وأصحابه وأستقر «2» الشأم لمروان سار إلى مصر، فقدمها وعليها عبد الرحمن ابن جحدم القرشي يدعو إلى ابن الزبير، فخرج إلى مروان فيمن معه، وبعث مروان عمرو بن سعيد من ورائه حتى دخل مصر، فقيل لابن جحدم ذلك فرجع، وبايع الناس مروان ورجع إلى دمشق؛ فلما دنا منها بلغه أن ابن الزبير قد بعث إليه أخاه مصعباً في جيش، فأرسل إليه مروان عمرو بن سعيد قبل أن يدخل الشأم [فقاتله «3» ] فانهزم مصعب وأصحابه، وكان مصعب شجاعاً، ثم عاد مروان إلى دمشق فاستقر بها.
وكان الحصين بن نمير ومالك بن هبيرة قد اشترطا على مروان شروطاً لهما ولخالد ابن يزيد، فلما توطد ملكه قال ذات يوم ومالك عنده: إن قوماً يدعون شروطاً منهم عطارة مكحلة (يعني مالكاً فإنه كان يتطيب ويتكحل)، فقال مالك هذا:
ولما تردي تهامة ويبلغ الحزام الطّبيين! فقال مروان: مهلا أبا سليمان إنما داعبناك «4» ؛ فقال: هو ذاك. انتهى كلام ابن الأثير برمته.
قلت: وكانت أيام عبد الرحمن هذا على مصر مع قصر مدته كثيرة الفتن والحروب من أولها إلى آخرها، غير أنه حج بالناس من مصر فى أيامه، وبنى عبد الله ابن الزبير الكعبة ولم يحج أحد من الشأم في هذه السنة.
قال ابن الأثير: لما احترقت الكعبة حين غزا أهل الشأم عبد الله بن الزبير أيام يزيد بن معاوية تركها ابن الزبير يشنع بذلك على أهل الشأم، فلما مات يزيد واستقر الأمر لابن الزبير شرع في بنائها، فأمر بهدمها حتى التحقت بالأرض وكانت قد مالت حيطانها من حجارة المنجنيق، وجعل «الحجر الأسود» عنده، وكان الناس يطوفون من وراء الأساس وضرب عليها السور «1» وأدخل فيها الحجر، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها:«لولا حدثان عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم- عليه السلام وأزيد فيها من الحجر» . فحفر ابن الزبير فوجد أساسا أمثال الجبال فحركوا منها صخرة فبرقت بارقة؛ فقال: أقروها على أساسها وبنائها، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وقيل كانت عمارتها سنة أربع وستين.
*** السنة التي حكم فيها عبد الرحمن بن جحدم على مصر من قبل عبد الله بن الزبير وهي سنة خمس وستين- فيها وقع الطاعون الجارف بالبصرة في قول ابن الأثير وعليها عبد الله بن عبيد الله بن معمر، فهلك خلق كثير وماتت أم عبيد الله فلم يجدوا لها من يحملها. وفيها حج بالناس عبد الله بن الزبير وكان على المدينة أخوه مصعب بن الزبير وعلى الكوفة ابن مطيع وعلى البصرة الحارث بن أبي ربيعة المخزومي وعلى خراسان عبد الله بن خازم. وفيها وجه مروان بن الحكم الخليفة حبيش ابن دلجة في أربعة آلاف إلى المدينة وقال له: أنت على ما كان عليه مسلم بن عقبة، فسار حبيش ومعه عبيد الله بن الحكم أخو مروان وأبو الحجاج يوسف الثقفي وابنه الحجاج وهو شاب، فجهز متولي البصرة من جهة ابن الزبير، وهو عبيد الله التيمي، جيشاً
من البصرة، فالتقوا مع حبيش بن دلجة في أول شهر رمضان فقتل حبيش بن دلجة وعبيد الله بن الحكم وأكثر الجيش، وهرب من بقي وهرب يوسف وابنه الحجاج.
وفيها دعا عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية إلى بيعته فأبى محمد فحصره في شعب بني هاشم في جماعته وتوعدهم. وفيها دخل المهلب بن أبي صفرة إلى خراسان أميراً عليها من قبل ابن الزبير وحارب الأزارقة أصحاب ابن الأزرق وقاتلهم حتى كسرهم وقتل منهم أربعة آلاف وثمانمائة. قال الذهبي: ووقع أيضاً في هذه السنة بين مروان وبين ابن الزبير حروب كثيرة حتى توفي مروان حسبما يأتي ذكره. وفيها توفي مالك بن هبيرة السكوني، له صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيها توفي الخليفة مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أبو عبد الملك القرشي الأموي، ويقال أبو القاسم وأبو الحكم؛ ولد بمكة بعد عبد الله بن الزبير بأربعة أشهر. قال الذهبي: ولم يصح له سماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن له رؤية إن شاء الله. اهـ.
قلت: وهو ابن عم عثمان بن عفان وكاتبه؛ ومن أجله كان ابتداء فتنة عثمان رضي الله عنه وقتله، ثم انضم إلى ابن عمه معاوية بن أبي سفيان وتولى عدة أعمال، إلى أن وثب على الأمر بعد أولاد يزيد بن معاوية (أعني معاوية وخالداً) وبويع بالخلافة فلم تطل مدته ومات في أول شهر رمضان. وفي سبب موته خلاف كثير؛ وعهد بالخلافة من بعده إلى ابنه عبد الملك، ثم من بعده إلى ابنه عبد العزيز أمير مصر؛ وكان أولاً أراد أن يعهد لخالد بن يزيد بن معاوية فإنه كان خلعه من الخلافة وتزوج بأمه، ثم بدا له أن يعهد لولديه عبد الملك وعبد العزيز؛ ثم ما كفاه
فزبره «1» وقال: تنح يا بن رطبة الإست! والله مالك عقل؛ وبلغ أم خالد ذلك فأضمرت له السوء؛ فدخل مروان عليها وقال لها: هل قال لك خالد شيئاً؟
فأنكرت فنام عندها، فوثبت هي وجواريها فعمدت إلى وسادة فوضعتها على وجهه وغمرته هي والجواري حتى مات، ثم صرخن وقلن: مات فجأة. وقال الهيثم: إنه مات مطعوناً بدمشق. والله أعلم. وفي حدودها توفي قيس بن ذريح أبو زيد الليثي الشاعر المشهور، كان من بادية الحجاز، وهو الذي كان يشبب بأم معمر لبنى بنت الحباب الكعبية ثم إنه تزوج بها، وقيل: إنه كان أخا الحسين بن علي رضي الله عنهما من الرضاعة، ثم أمر قيساً هذا أبوه بطلاق لبنى فطلقها وفارقها، ثم قال فيها تلك الأشعار الرائقة؛ من ذلك قوله:
ولو أنّنى أسطيع صبراً وسلوةً
…
تناسيت لبنى غير ما مضمرٍ حقدا
ولكن قلبى قد تقسمه الهوى
…
شتاتاً فما ألفى صبوراً ولا جلدا
وله بيت مفرد:
وكل ملمات الزمان وجدتها
…
سوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وفي حدودها أيضاً توفي قيس بن معاذ المجنون، ومن ثم يقاس الجنون بمجنون ليلى، وقيل اسمه البختري «2» بن الجعد وقيل غير ذلك. وليلى محبوبته: هي ليلى بنت مهدي أم مالك العامرية الربعية. وهو من بني عامر بن صعصعة وقيل من بنى كعب ابن سعد، قيل إنه علق بليلى علاقة الصبا لأنهما كانا صغيرين يرعيان أغناماً لقومهما، فعلق كل واحد منهما بالآخر، فلما كبرا احتجبت عنه ليلى فزال عقله؛ وفي ذلك يقول: