الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتب إِلَى صديق لَهُ يقترض مِنْهُ شَيْئا فَكتب إِلَيْهِ يعْتَذر وَيحلف أَنه لَيْسَ عِنْده مَا سَأَلَهُ فَكتب إِلَيْهِ إِن كنت كَاذِبًا فجعلك الله صَادِقا وَإِن كنت ملوماً فجعلك الله مَعْذُورًا وَكَانَ بَين جمَاعَة ينشدهم من شعره وَيَتَحَدَّثُونَ فَتحَرك فضرط فَضرب بِيَدِهِ على استه غير مكترث ثمَّ قَالَ إِمَّا أَن تسكتي حَتَّى أَتكَلّم وَإِمَّا أَن تتكلمي حَتَّى أسكت وَجَاء إِلَى بشار بن برد فَقَالَ لَهُ مَا رَأَيْت)
أعمى قطّ إِلَّا وَقد عوضه الله من بَصَره إِمَّا الْحِفْظ أَو الذكاء أَو حسن الصَّوْت فَأَي شَيْء عوضت قَالَ أَنِّي لَا أرى مثلك ثمَّ قَالَ من أَنْت وَيحك قَالَ ابْن سيابة فَقَالَ لَو نكح الْأسد فِي استه ذل وَكَانَ ابْن سيابة يَرْمِي بذلك ثمَّ قَالَ بشار
(لَو نكح اللَّيْث فِي استه خضعا
…
وَمَات جوعا وَلم ينل طبعا)
(كَذَلِك السَّيْف عِنْد هزته
…
لَو بَصق النَّاس فِيهِ مَا قطعا)
وَقيل إِنَّه أَتَى إِلَى ابْن سورا بن عبد الله القَاضِي وَهُوَ أَمْرَد فعانقه وَقَبله وَكَانَ إِبْرَاهِيم سَكرَان وَكَانَت مَعَ ابْن القَاضِي داية يُقَال لَهَا رحاص فَقيل لَهَا لم يقبل تَقْبِيل السَّلَام وَإِنَّمَا قبله شَهْوَة فلحقته الداية وشتمته وأسمعته كل مَا يكره وهجره الْغُلَام فَقَالَ
(أإن لثمتك سرا
…
فأبصرتني رحاص)
(وَقَالَ فِي ذَاك قومٌ
…
على انتقاصي حراص)
(هجرتني وأتتني
…
شتيمةٌ وانتقاص)
(فهاك فاقتص مني
…
إِن الجروح قصاص)
3 -
(النظام المعتزلي)
إِبْرَاهِيم بن سيار بن هَانِئ الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالنظام بالظاء الْمُعْجَمَة الْمُشَدّدَة قَالَت الْمُعْتَزلَة إِنَّمَا لقب بذلك لحسن كَلَامه نظماً ونثراً وَقَالَ غَيرهم إِنَّمَا سمي بذلك لِأَنَّهُ كَانَ ينظم الخرز بسوق الْبَصْرَة ويبيعها وَكَانَ ابْن أُخْت أبي الْهُذيْل العلاف شيخ الْمُعْتَزلَة وَكَانَ إِبْرَاهِيم هَذَا شَدِيد الذكاء حُكيَ أَنه أَتَى أَبُو الْهُذيْل العلاف إِلَى صَالح بن عبد القدوس وَقد مَاتَ لَهُ ولد وَهُوَ شَدِيد التحرق عَلَيْهِ وَمَعَهُ النظام وَهُوَ حدث فَقَالَ لَهُ أَبُو الْهُذيْل لَا أعرف لتحرقك وَجها إِذْ كَانَ النَّاس عنْدك كالزرع فَقَالَ إِنَّا أجزع عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لم يقْرَأ كتاب الشكوك فَقَالَ وَمَا هُوَ قَالَ كتاب وَضعته من قَرَأَهُ شكّ فِيمَا كَانَ حَتَّى يتَوَهَّم فِيمَا كَانَ أَنه لم يكن وَفِيمَا لم يكن حَتَّى يظنّ أَنه كَانَ فَقَالَ النظام فَشك أَنْت فِي موت ابْنك واعمل على أَنه لم يمت أَو أَنه عَاشَ وَقَرَأَ هَذَا الْكتاب وَلم يمت لَا بعد ذَلِك فبهت صَالح وَحصر ويحكى عَنهُ أَيْضا أَنه أُتِي بِهِ إِلَى الْخَلِيل ابْن أَحْمد فِيمَا أَظن ليتعلم البلاغة فَقَالَ لَهُ ذمّ هَذِه النَّخْلَة فذمها
بِأَحْسَن كَلَام فَقَالَ لَهُ امدحها فمدحها بِأَحْسَن كَلَام فَقَالَ اذْهَبْ فَمَا لَك إِلَى التَّعْلِيم من حَاجَة وَقَالَ ابْن أبي الدَّم قَاضِي حماة وَغَيره فِي كتب الْملَل والنحل إِن النظام كَانَ فِي حداثته يصحب الثنوية وَفِي)
كهولته يصحب ملاحدة الفلاسفة فطالع كتب الفلاسفة وخلط كَلَامهم بِكَلَام الْمُعْتَزلَة وَصَارَ رَأْسا فِي الْمُعْتَزلَة وَإِلَيْهِ تنْسب الطَّائِفَة النظامية وَوَافَقَ الْمُعْتَزلَة فِي مسائلهم وَانْفَرَدَ عَنْهُم بمسائل أُخْرَى مِنْهَا أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على الشَّرّ والمعاصي وَقَالَ الْمُعْتَزلَة هُوَ قَادر عَلَيْهَا لكنه لَا يَفْعَلهَا لقبحها
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى إِنَّمَا يقدر على فعل مَا علم أَن فِيهِ صَلَاح الْعباد هَذَا بِالنّظرِ إِلَى أَحْكَام هَذِه الدُّنْيَا وَمَا فِي الْآخِرَة فَلَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على زِيَادَة عَذَاب أهل النَّار وَلَا ينقص مِنْهُ شَيْئا وَلَا يقدر على أَن يخرج أحدا من الْجنَّة
وَمِنْهَا أَنه نفى إِرَادَة الله تَعَالَى حَقِيقَة فَإِذا قيل إِنَّه مُرِيد لأفعال الْعباد فَالْمُرَاد أَنه أَمر بهَا وَعنهُ أَخذ هَذَا الْمَذْهَب أَبُو الْقَاسِم الكعبي
وَمِنْهَا أَنه وَافق الفلاسفة على أَن الْإِنْسَان حَقِيقَة هُوَ النَّفس وَالْبدن قالبها ثمَّ إِنَّه قصر عَن إِدْرَاك مَذْهَب الفلاسفة فَمَال إِلَى قَول الطبيعيين فَقَالَ الرّوح جسم لطيف مشابك للبدن دَاخل بأجزائه فِيهِ كالدهن فِي السمسم وَالسمن فِي اللَّبن
وَمِنْهَا أَنه وَافق الفلاسفة فِي نفي الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ وَمَا أسن قَول ابْن سناء الْملك
(وَلَو عاين النظام جَوْهَر ثغرها
…
لما شكّ فِيهِ أَنه الْجَوْهَر الْفَرد)
وَلما ألزم النظام مشي نملةٍ على صَخْرَة من طرف إِلَى طرف أَنَّهَا قطعت مَا لَا يتناهى وَهِي متناهية فَكيف يقطع مَا يتناهى مَا لَا يتناهى أحدث القَوْل بالطفرة وَقَالَ تقطع النملة بعض الصَّخْرَة بِالْمَشْيِ وَبَعضهَا بالطفرة وَاسْتدلَّ على ذَلِك بأدلة كَثِيرَة مَذْكُورَة فِي كتب الْأُصُول مِنْهَا أَنا لَو فَرضنَا بِئْرا طولهَا مائَة ذِرَاع وَفِي وَسطهَا خَشَبَة مُعْتَرضَة ثَابِتَة وَفِي الْخَشَبَة حَبل مشدود من الْخَشَبَة إِلَى المَاء يكون طول الْحَبل خَمْسُونَ ذِرَاعا وَفِي رَأس الْحَبل دلوٌ مربوط فَإِذا ألقِي من رَأس الْبِئْر إِلَى الْخَشَبَة الْمَذْكُورَة حبلٌ طوله خَمْسُونَ ذِرَاعا فِي رَأسه علاقٌ فجر بِهِ الْحَبل المشدود
فِي الْخَشَبَة فَإِن الدَّلْو يصعد إِلَى رَأس الْبِئْر بالحبل الْأَعْلَى الَّذِي فِيهِ العلاق وَطوله خَمْسُونَ ذِرَاعا وَيقطع مائَة ذِرَاع فِي زمَان وَاحِد وَلَيْسَ ذَلِك إِلَّا أَن الْبَعْض انْقَطع بالطفرة فَضرب الْمثل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة فَقيل طفرة النظام فَإِنَّهَا ضحكة وَقد أجَاب الْأَصْحَاب عَن هَذِه الْمَسْأَلَة بِأَن الطفرة قطع مسافةٍ قطعا وَلَكِن الْفرق بَين الْمَشْي والطفرة راجعٌ إِلَى بطءٍ)
وَسُرْعَة
وَمِنْهَا أَنه قَالَ إِن الْجَوْهَر مؤلف من أَعْرَاض اجْتمعت وَإِن الألوان والطعوم والروائح أجسام
وَمِنْهَا أَن الله تَعَالَى خلق جَمِيع الْحَيَوَانَات دفْعَة وَاحِدَة على مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآن حيوانات وإنس ونبات ومعادن وَلم يتَقَدَّم خلق آدم على خلق أَوْلَاده وَلَكِن الله أكمن بَعْضهَا فِي بعض فالتقدم والتأخر إِنَّمَا يَقع فِي ظُهُورهَا من مَكَانهَا لَا فِي حدوثها وَهَذِه الْمَسْأَلَة أَخذهَا من أَصْحَاب الكمون والظهور وَأكْثر ميل النظام إِلَى مَذَاهِب الطبيعيين دون الإلهيين
وَمِنْهَا أَن الْقُرْآن لَيْسَ إعجازه منم جِهَة فَصَاحَته وَإِنَّمَا إعجازه بِالنّظرِ إِلَى الْأَخْبَار عَن الْأُمُور الْمَاضِيَة والمستقبلة قلت وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن الله تَعَالَى أمره أَن يتحدى الْعَرَب بِسُورَة من مثله وغالب السُّور لَيْسَ فِيهَا أَخْبَار عَن ماضٍ وَلَا مُسْتَقْبل فَدلَّ على أَن الْعَجز كَانَ عَن الفصاحة
وَمِنْهَا أَنه قَالَ الْإِجْمَاع لَيْسَ بِحجَّة فِي الشَّرْع وَكَذَلِكَ الْقيَاس لَيْسَ بِحجَّة وَإِنَّمَا الْحجَّة قَول الإِمَام الْمَعْصُوم
وَمِنْهَا ميله إِلَى الرَّفْض ووقوعه فِي أكَابِر الصَّحَابَة رضي الله عنهم وَقَالَ نَص النَّبِي صلى الله عليه وسلم على أَن الإِمَام عَليّ وعينه وَعرفت الصَّحَابَة ذَلِك وَلَكِن كتمه عمر لأجل أبي بكر رضي الله عنهما وَقَالَ إِن عمر ضرب بطن فَاطِمَة يَوْم لبيعة حَتَّى أَلْقَت المحسن من بَطنهَا وَوَقع فِي جَمِيع الصَّحَابَة فِيمَا حكمُوا فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ فَقَالَ لَا يَخْلُو إِمَّا إِن جهلوا فَلَا يحل لَهُم أَو أَنهم أَرَادوا أَن يَكُونُوا أَرْبَاب مَذَاهِب فَهُوَ نفاق وَعِنْده الْجَاهِل بِأَحْكَام الدّين كَافِر وَالْمُنَافِق فَاسق أَو كَافِر وَكِلَاهُمَا يُوجب الخلود فِي النَّار
وَمِنْهَا أَنه قَالَ من سرق مائَة دِرْهَم وَتِسْعَة وَتِسْعين درهما أَو ظلمها لم يفسق حَتَّى يبلغ النّصاب فِي الزَّكَاة وَهُوَ مِائَتَان نَعُوذ بِاللَّه من هوى مضل وعقلٍ يُؤَدِّي إِلَى التدين بِهَذِهِ العقائد الْفَاسِدَة
وَقد ذهب جمَاعَة من الْعلمَاء إِلَى أَن النظام كَانَ فِي الْبَاطِن على مَذْهَب البراهمة الَّذين يُنكرُونَ النُّبُوَّة وَأَنه لم يظْهر ذَلِك خوفًا من السَّيْف فكفره مُعظم الْعلمَاء وكفره جمَاعَة من الْمُعْتَزلَة حَتَّى أَبُو الْهُذيْل والإسكافي وجعفر ابْن حَرْب كلٌ مِنْهُم صنف كتابا فِي تكفيره وَكَانَ مَعَ ذَلِك فَاسِقًا مدمناً على الْخُمُور وَكَانَ آخر كَلَامه أَن الْقدح كَانَ فِي يَده وَهُوَ سَكرَان فَقَالَ وَهُوَ فِي)
علية لَهُ يشرب فِيهَا
(اشرب على طربٍ وَقل لمهددٍ
…
هون عَلَيْك يكون مَا هُوَ كَائِن)
فَلَمَّا فرغ من كَلَامه سقط من الْعلية فَمَاتَ من سَاعَته فِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ تَقْرِيبًا وشعره فِي غَايَة الْجَوْدَة لكنه يُبَالغ فِي مقاصده حَتَّى يخرج كَلَامه إِلَى الْمحَال من ذَلِك قَوْله
(توهمه طرفِي فآلم خَدّه
…
فَصَارَ مَكَان الْوَهم من نَظَرِي أثر)
(وَصَافحهُ كفي فآلم كَفه
…
فَمن صفح قلبِي فِي أنامله عقر)
(وَمر بذكري خاطراً فجرحته
…
وَلم أر خلقا قطّ يجرحه الْفِكر)
يُقَال إِن الجاحظ فِيمَا أَظن لما بلغه ذَلِك قَالَ هَذَا يَنْبَغِي أَن لَا يناك إِلَّا بأير من الْوَهم أَيْضا
وَمِنْه قَوْله فِي نَصْرَانِيّ
(ومزنرٍ قسم الْإِلَه مِثَاله
…
نِصْفَيْنِ من غُصْن وَمن رمل)
(فَإِذا تَأمل فِي الزجاجة ظله
…
جرحته لَحْظَة مقلة الظل)