الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون وحظي عِنْده وباشر الْوَقْعَة صحبته سنة تسع وَتِسْعين وست مائَة وَتَأَخر بِدِمَشْق بعد عود السُّلْطَان إِلَى مصر وَولي أَمر التربة المنصورية بِالْقَاهِرَةِ والأملاك والأوقاف المصرية والشامية الَّتِي للسُّلْطَان ولازمه وَتوجه مَعَه إِلَى الكرك وَأقَام بالقدس شهوراً وَلما عَاد السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة سنة تسع وَسبع مائَة توجه صحبته وَعرض عَلَيْهِ الوزارة فَلم يُوَافق وَأطلق لَهُ قَرْيَة بحلب وقرية بِالسَّوَادِ من دمشق تعرف بزبد احلاح وَكَانَ جيد الطباع سهل الانقياد لمن يَقْصِدهُ وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة عشر وَسبع مائَة)
3 -
(أَخُو القَاضِي برهَان الدّين الْحَنَفِيّ)
أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن الشَّيْخ الزَّاهِد يُوسُف بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم سبط الشَّيْخ ضِيَاء الدّين أبي المحاسن عبد الْحق بن خلف بن عبد الْحق الوَاسِطِيّ الْحَنَفِيّ هُوَ القَاضِي شهَاب الدّين أَخُو قَاضِي الْقُضَاة برهَان الدّين ابْن عبد الْحق تقدم ذكر أَخِيه
3 -
(بهاء الدّين أَبُو حَامِد السُّبْكِيّ الشَّافِعِي)
أَحْمد بن عَليّ بن عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام السُّبْكِيّ الْأنْصَارِيّ الإِمَام الْفَقِيه الْمُفَسّر الْمُحدث الأصولي الأديب بهاء الدّين أَبُو حَامِد الشَّافِعِي يَأْتِي تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة وَالِده قَاضِي الْقُضَاة فِي حرف الْعين فِي مَكَانَهُ ولد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة تسع عشرَة وَسبع مائَة بِالْقَاهِرَةِ استجاز لَهُ وَالِده مَشَايِخ عصره من الديار المصرية وَالشَّام ثمَّ أحضرهُ مجَالِس الحَدِيث وسَمعه الْكثير على مَشَايِخ بَلَده وَسمع بِنَفسِهِ وَقدم عَلَيْهِم الْمسند أَحْمد بن أبي طَالب الحجار فَسمع عَلَيْهِ فِي الْخَامِسَة من عمره صَحِيح البُخَارِيّ كَامِلا عَن ابْن الزبيدِيّ وَسمع من الْكتب والأجزاء شَيْئا كثيرا وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم وَصلى بِهِ الْقيام سنة ثَمَان وَعشْرين ثمَّ إِنَّه اشْتغل بالفقه والنحو وَالْأُصُول وَغير ذَلِك على وَالِده وعَلى الشَّيْخ أثير الدّين أبي حَيَّان وَغَيرهمَا وَلم يبلغ الْحلم إِلَّا وَقد حصل من ذَلِك على شَيْء كَبِير ونظم الشّعْر وَأدْركَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الصايغ صَاحب السَّنَد الْعَظِيم فِي الْقرَاءَات وَسمع عَلَيْهِ بِقِرَاءَة وَالِده وَغَيره نَحوا من سِتّ قراءات فِي بعض أَجزَاء من الْقُرْآن وَلما كنت بِالْقَاهِرَةِ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة أَخْبرنِي عَنهُ تَقِيّ الدّين ابْن رَافع أَنه صنف مجلدة ضخمة فِيهَا تنَاقض كَلَام الرَّافِعِيّ وَالشَّيْخ محيي الدّين النويي رحمهمَا الله تَعَالَى وَلما صنف ذَلِك كَانَ عمره سِتّ عشرَة سنة وَأذن لَهُ بالإفتاء وعمره عشرُون سنة وَلما
توجه وَالِده إِلَى قَضَاء الْقُضَاة بِالشَّام ولاه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد مناصب وَالِده فِي تدريس المنصورية وَغير ذَلِك من السيفية والهكارية ومشيخة الحَدِيث بالجامع الطولوني وَالْجَامِع الظَّاهِرِيّ وَولى أَخَوَيْهِ أَيْضا وهما جمال الدّين الْحُسَيْن وتاج الدّين عبد الْوَهَّاب وَسَيَأْتِي ذكر كل مِنْهُمَا فِي مَكَانَهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَقَامَ بالوظائف الْمَذْكُورَة أحسن من قيام وَالِده وَبلغ ذَلِك وَالِده وَهُوَ بِالشَّام فَقَالَ أَنْشدني ذَلِك من لَفظه
(دروس أَحْمد خيرٌ من دروس عَليّ
…
وَذَاكَ عِنْد عَليّ غَايَة الأمل)
فَقلت مجيزاً لَهُ)
(لِأَن فِي الْفَرْع مَا فِي أَصله وَله
…
زيادةٌ وَدَلِيل النَّاس فِيهِ جلي)
وَقَالَ أَيْضا وأنشدنيه من لَفظه
(أَبُو حامدٍ فِي الْعلم أَمْثَال أنجمٍ
…
وَفِي النَّقْد كالإبريز أخْلص بالسبك)
(فأولهم من اسفرايين نشؤه
…
وثانيهم الطوسي وَالثَّالِث السُّبْكِيّ)
فَقلت مجيزاً لَهُ
(وَلَكِن هَذَا آخرٌ فاق أَولا
…
لقد فضل الحاكي لدي على المحكي)
(فَهَل ملكا ذَا الْفضل وَالسّن هَكَذَا
…
على مَا أرى إِنِّي لذَلِك فِي شكّ)
واقترح عَلَيْهِ وَالِده قَاضِي الْقُضَاة وعمره يَوْمئِذٍ سِتّ عشرَة سنة أَو دون ذَلِك أَن ينظم على قَول ابْن المعتز
(علموني كَيفَ أسلو وَإِلَّا
…
فاحجبوا عَن مقلتيّ الملاحا)
فَقَالَ وَهُوَ أول مَا نظم
(بِي ظباء قد تبدت صباحا
…
نورها أصبح يَحْكِي الصباحا)
(قلت للعذال لما تغَالوا
…
فِي ملامي بَعْدَمَا الْعذر لاحا)
(علموني كَيفَ أبْكِي وَإِلَّا
…
فاحجبوا عَن مقلتي الملاحا)
وَقَالَ يمدح الْعَلامَة أثير الدّين أَبَا حَيَّان بقصيدة أَولهَا
(فداكم فؤادٌ حَان للبعد فَقده
…
وصبٌ قضى وجدا وَمَا حَال عَهده)
(وقلبٌ جريحٌ بالغرام ميتمٌ
…
وطرفٌ قريحٌ طَال فِي اللَّيْل سهده)
فَعجب الشَّيْخ أثير الدّين مِنْهُ وَمن سنه فَقَالَ فِيهِ
(أَبُو حامدٍ حتمٌ على النَّاس حَمده
…
لما حَاز من علمٍ بِهِ بَان رشده)
(غذيّ علومٍ لم يزل مُنْذُ نشئه
…
يلوح على أفق المعارف سعده)
(ذكيٌ كَأَن من جاحم النَّار ذهنه
…
ذكاءً وَمن شمس الظهيرة وقده)
(وَمن حَاز فِي سنّ الْبلُوغ فضائلاً
…
زمَان اغتدى بالعيّ وَالْجهل ضِدّه)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا
(أَبَا حامدٍ إِنِّي لفضلك حَامِد
…
وَإنَّك فِي كل الْعُلُوم لوَاحِد)
وَمن شعر بهاء الدّين أبي حَامِد قصيدة مدح بهَا وَالِده أَولهَا)
(بحبي سَبِيل الْحبّ قَامَ منارها
…
فَلَا تسألا عَن مهجتي فيمَ نارها)
(فحال الْهوى لَا يختفي وجحيمه
…
تزيد ظهوراً حِين يُرْجَى استتارها)
(وَمَا قتل العشاق إِلَّا صوارمٌ
…
بَدَت من حمى ليلى يلوح غرارها)
(إِذا أَقبلت فالقلب مرمى سهامها
…
وَإِن أَدْبَرت فالعين تطفو بحارها)
(بنفسي من صادت فُؤَادِي وأصدأت
…
حَياتِي إِذْ صدت ودام نفارها)
(تزيد لقلبيي إِن تبَاعد ربعهَا
…
دنواً وتجفو حِين تقرب دارها)
(وَتَأْتِي بِعُذْر عَن تعذر وَصلهَا
…
وَمَا فتْنَة الْعَذْرَاء إِلَّا اعتذارها)
(يصير جنح اللَّيْل صبحاً جبينها
…
وَيظْلم بالفرع الطَّوِيل نَهَارهَا)
(مهاةٌ يزين الخصر مِنْهَا سقامه
…
بِهِ ألمٌ مِمَّا حواه إزَارهَا)
(فللكثب مَا قد ضمّ مِنْهَا وشاحها
…
وللبدر مَا قد حَاز مِنْهَا خمارها)
(على أَن بدر التمّ يصفرّ إِن بَدَت
…
ويخجله من وجنتيها احمرارها)
(أيشبهها وَالْفرق بِالْفرقِ واضحٌ
…
وشمس الضُّحَى أضحى إِلَيْهَا افتقارها)
(لقد شقّ حبات الْقُلُوب شقيقها
…
فَكَانَ إِلَى خالٍ حواه قَرَارهَا)
(وَمَا روضةٌ أغْنى عَن الزهر زهرها
…
وغنى بهَا قمريها وهزارها)
(وصفقت الأوراق حِين تراقصت
…
بمر النسيم الرطب فِيهَا بحارها)
(بأرجائها الغزلان تحكي حسانها
…
وأفنانها الأفنان تجنى ثمارها)
(يروقك من هيف القدود طوالها
…
ويسبيك من لحظ الجفون قصارها)
(بهَا الكأس تُكْسَى بالشمول شمائلاً
…
ويخلفها بعد اللجين نضارها)
(بأطيب عرفا من ثنائي على الَّذِي
…
لَهُ من نفيسات الْمَعَالِي خِيَارهَا)
(لَهُ همةٌ فَوق السَّمَاء قَرَارهَا
…
ومكرمةٌ بذل النوال شعارها)
(حمى مِلَّة الْإِسْلَام بَحر علومه
…
وزان فَمِنْهُ سورها وسوارها)
(فكم حل إِشكالاً عقده)
(وَكم قهر النظار فِي حومة الوغى
…
ببيض علومٍ لَا يفلّ غرارها)
(فَلَيْسَ فَتى إِلَّا عليّ وسيفه
…
يصان بِهِ من ذِي الفقار فقارها)
(تقيٌّ نقيٌّ طاهرٌ علمٌ لَهُ
…
محَاسِن مجدٍ لَا تعدّ صغارها)
)
فَأَجَابَهُ وَالِده عَن ذَلِك بقصيدة أَنْشدني مِنْهَا
(أياديك رَبِّي غيثها وانهمارها
…
عليّ كثيرات وَقد عز جارها)
(فَمن ذَاك نجلي أَحْمد الْفَاضِل الَّذِي
…
غَدا وَهُوَ بحرٌ للعلوم ودارها)
(أَبَا حامدٍ لَا زلت فِي الْعلم صاعداً
…
إِلَى رتبةٍ يَعْلُو السماك قَرَارهَا)
(تشيد أركاناً لَهُ وتشيدها
…
فمنك مبانيها وَأَنت منارها)
(أَتَانِي قصيدٌ مِنْك فاقت بصنعةٍ
…
فَمَا إِن تسامى أَو يرام اقتدارها)
(وَمَا لي قوىً تَأتي إليّ بِمِثْلِهَا
…
وَقد أعجز الطائيّ منهنا احورارها)
(فأسأل رَبِّي أَن يوقيك الردى
…
وَيصرف عَنْك الْعين شطّ مزارها)
واقترح عَلَيْهِ الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان أَن ينظم لَهُ فِي الشطرنج مثل بَيت ذكره لَهُ على قافية الْهمزَة فَقَالَ أبياتاً مِنْهَا
(فنظمي حبيب للقلوب برقةٍ
…
وَمعنى بِهِ يعزى إِلَى المتنبئ)
(وَلست عَن الْأَشْعَار يَوْمًا بعاجز
…
وَلَا أَنا عَن نظم القوافي بجبأ)
وَلما ورد إِلَى دمشق فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة لزيارة وَالِده على الْعَادة الَّتِي لَهُ من زمن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد كتبت إِلَيْهِ
(أَبَا حامدٍ إِنِّي بشكرك مطرب
…
كَأَن ثنائي فِي المسامع شيز)
(لقد حزت فضل الْفِقْه وَالْأَدب الَّذِي
…
يفوت الْغنى من لَا بِذَاكَ يفوز)
(وفتّ المدى مهلا إِلَى الْغَايَة الَّتِي
…
لَهَا عَن لحاق السَّابِقين بروز)
(فَأَصْبَحت فِي حل الغوامض آيَة
…
تميل إِلَى طرق الْهدى وتميز)
(كَأَن حُرُوف المشكلات إِذا أَتَت
…
لديك على حل العويص رموز)
(وأثريت فاصرف للْمَسَاكِين فضلَة
…
فعندك من درّ الْبَيَان كنوز)
(تجيد القوافي والقوى فِي بنائها
…
فبيتك للمعنى الشرود حريز)
(سَأَلت فخبر عَن صَلَاة امْرِئ غَدَتْ
…
يحار بسيطٌ عِنْدهَا ووجيز)
(تجوز إِذا صلى إِمَامًا ومفرداً
…
وَإِن كَانَ مَأْمُوما فَلَيْسَ تجوز)
(فأوف لنا كيل الْهدى متصدقاً
…
فَأَنت بمصرٍ والشآم عَزِيز)
(فَمن ذَا الَّذِي يُرْجَى وَأَنت كَمَا نرى
…
مجيدٌ مجيبٌ للسؤال مجيز)
)
فَكتب الْجَواب عَن ذَلِك سَرِيعا
(أيا من لشأو الْعلم بَات يحوز
…
وَمن لسواه الْمَدْح لَيْسَ يجوز)