الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة التحقيق
الحمد للهِ الذي هدانا لهذا وما كُنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله، الحمدُ لله نَحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِه الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرضُ والسَّماواتُ، وخُلِقَتْ لأجلها جميعُ المخلوقات، وبها أَرْسَلَ الله تعالى رُسُلَه، وأنزلَ كتبه.
ونَشْهَدُ أَنَّ سيدَنا وإمامَنَا وقُدوتنا وأسوتَنا وشفيعَنا وحبيبنا محمدًا عَبْدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخيرتُه من خلقه، صاحبُ لِواء الحمد والمقام المحمود، اللهم صَلِّ عليه وعلى إخوانه النبيين وآلِه الطيبين، وصحابتَه الغُرِّ الميامين:
أما بعدُ، فلا يختلِفُ اثنان مِن أهل العلم والدِّراية في أنَّ الإِمام ابن حَجر شهابَ الدين أبا الفضل أحمد بن عليّ الكِنانيَّ العَسْقلانيّ (773 - 852 هـ) كان شيخ الإِسلام وحافِظ الدِّيارِ المصرية، وإمام الحُفَّاظ في زمانه. حَمَل لواءَ السنة المُصطفوية في أوانه، وصار مَرْجِعَ النَّاس في التَّضعيف والتَّصحيح، وأَبْرَزَ الشهود والحُكَّام في التعديل والتجريح، مع الدِّيانة المتينةِ، والأخلاقِ الحَسَنة الرَّفيعة، والمُحاضرة اللَّطيفة، فلم تَرَ العيونُ مِثْلهُ، ولا رَأَى هو مِثْلَ نفسِه.
ومع أنَّه كان عظيمَ الحظ من الدُّنيا، له مِن المالِ والجاه والرِّياسة النصيبُ الأوفى، لم تُتْرِفه النِّعمةُ، ولم يُؤْثِرْ في عَمَلِه العاجِل وَيذَرِ الأجل، فركب جُدَّةً من الأمر، وحَصَّنَ نفسه بالعِلْمِ حتى بلغَ فيه الغاية، فكان تِقْنًا من الأتقان في حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَرُسَ به، وضَرَبَ آباطَ أُموره ومغابنَها، واستتفَّ ضمائِرَها وبواطِنَها، ولو لم يكن لَهُ إلا "فتح الباري"، لكَفاه رِفعةً في المَنْزِلة، بَلْهَ مؤلفاته النَّافِعَة الأُخرى البليغة الكثرة ذوات الفوائد والعوائد، وعنايَتَه البالغة بكتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لحافظ عمره جمالِ الدين أبي الحجَّاج يُوسُف المزِّي (654 - 742 هـ) الذي يُعَدُّ أنفسَ كتابٍ أُلِّف في رجالِ الكتب الستة: البخاري ومسلم والتِّرمذي وأبي داود وابنِ ماجةَ والنَّسائي، ورجالِ مؤلفاتهم الأُخَر بحيث:"كسَفَ به الكُتُبَ المتقدمة في هذا الشأن"(1)، وأجمعَ العُلماء على أنَه لم يُصَنَّفْ مِثْلُه (2)؛ "لأنَّ مؤلفَه أبدعَ فيما وضعَ، ونَهجَ للناس منهجًا لم يُشْرَع"(3)، فجاء الحافظ ابن حجر، فاختصره في كتابه النافع "تهذيب التهذيب"، ثم اختصرَ منه كتابَه "تقريب التهذيب"، وهما مطبوعانِ مشهوران، يتداولُهما النَّاسُ، ويعتمدونهما في معرفة أحوالِ الرجال.
وقد سبق الحافظَ ابنَ حجر في العناية بتهذيب الكمال عددٌ مِن العلماء الأعلام الذين تناولُوا هذا الكتابَ النفيسَ بالاختصار أو الاستدراكِ أو التعقيبِ.
منهم: جمال الدين رافع السّلّامي (668 - 718 هـ) صاحب "الكنى
(1) الصفدي: "أعيان العصر": 12/ الورقة 125.
(2)
السبكي: "الطبقات": 10/ 401.
(3)
مغلطاي: "إكمال تهذيب الكمال": 1/ الورقة 2 (نسخة الأزهر).
المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال".
والحافظ الذَّهَبي (673 - 748 هـ) في كُتُبه "تذهيب التهذيب"، و"الكاشف في معرفة مَنْ له رواية في الكتب الستة"، و"المجرد من تهذيب الكمال"، و "المقتضب من تهذيب الكمال".
وأبو العباس أحمدُ بنُ سعد الغَسَّاني الأَنْدَرْشيّ (بعد 690 - 750 هـ) وله مختصر للكتاب.
وعلاء الدين مُغُلْطاي الحَنَفي (689 - 762 هـ) صاحب الكتابِ النفيس "إكمال تهذيب الكمال".
وشمس الدين الحُسيني (715 - 765 هـ) في كتابه: "التذكرة في رجال العشرة".
والحافظ عماد الدين ابن كثير (701 - 774 هـ) في كتابه "التَّكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثِّقات والضعفاء والمجاهيل".
وابن بَرْدس البعلبكي (720 - 786 هـ) في كتابه "بغية الأَريب في اختصار التهذيب".
وسراج الدين بن المُلَقِّن (723 - 804 هـ) في كتابه "كمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال".
وسبط ابن العَجَمي الحَلَبي (753 - 841 هـ) في كتابه "نهاية السُّول في رواة الستة الأصول"، وغيرهم (1).
على أننا رأينا للحافظِ ابنِ حجر في "تهذيب التهذيب" حُسْنًا وأَنقًا وبهاءً ورونقًا بَرَعَ أصحابَه فيه، فصار هو المعتمد المعتدَّ عندَ أهلِ العلم
(1) تفاصيل ذلك في مقدمة "تهذيب الكمال": 1/ 51 - 71 (بيروت، 1980 م).
دونَ سواه من المختصرات السابقة.
اختصر الحافظُ ابنُ حجر "التهذيب" إلى نحو الثلُث، وطُبِعَ في حيدر آباد في اثني عشر مجلدًا في السَّنوات 1325 - 1327 هـ، وأبدى في مقدمته عِدّة ملاحظات على كتاب المِزِّي، من أبرزها:
1 -
طولُ الكتاب (1) بحيث قَصُرت الهِمَمُ عن تحصيله، فتوجه النَّاسُ إلى كتاب "الكاشف" الذي اخصره منه الحافظُ الذهبي، اختصارًا مجحفًا لا يفي بالغرض.
2 -
خُلُوُّ بعض تراجم "التهذيب" مِن بيان أحوال المُتَرْجَمين.
3 -
محاولة المِزِّي استيعابَ شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرُّواة عنه وأنه على الرغم من تمكنه من ذلَك في أغلب التراجم، لم يكن "سبيلٌ إلى استيعابه ولا حصرِه، بسبب انتشارِ الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلًا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة"(2).
أما منهجُه في كتابه، فيمكن إجمالُه فيما يأتي:
1 -
لم يحْذِفْ من رجال "التهذيب" أحدًا، وإنما زادَ فيهم مَنْ هو على شرطه، كما أنه ذكر بعضَ التراجمِ التي اعتقد أنها تُفيد للتمييز مما لم يَذْكُرْهُ المِزِّي، وحافَظَ على العلامات (الرُّقوم) التي وضعها المِزِّي في الأصل مُقتصرًا على ما وضعه على أسماء المُتَرْجَمين دونَ شيوخ صاحب التَّرجمة والرُّواة عنه.
(1) مع طوله قد طبعته مؤسسة الرسالة فجاء في خمسة وثلاثين مجلدًا، وهي الآن بسبيل إعادة طبعه لتقليص عدد مجلداته، وذلك تصغير حجم حرفه وغير ذلك من الأمور الفنية.
(2)
نظُنُّ الإمام ابن حجر يشير بذلك إلى ما عمله العلامة مغلطاي في "إكماله".
أما الفصول التي ذكرها المِزِّي في المقدمة، وهي التي في شروط الأئمة الستة، وفي الحث على الرواية عن الثِّقات، وفي الترجمة النبوية، فقد حذفها جملةً، لوجود مادتها في الكُتُبِ المعنيةِ بذلك.
2 -
أعاد التراجم التي حذفها المزيُّ من أصل "الكمال"، وكان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناءً على أن بعضَ الستة أخرج لهم، وكان المِزِّي قد حذفهم، بسب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكُتُبِ الستة. وذكر الإمام ابنُ حجر أنَّ ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم، ونَبَّه على ما في تراجمهم من عَوَز، أو عند وقوفه على روايتهم في الكُتُبِ المذكورة.
أما في صياغة الترجمة، فقد سار على النهج الآتي:
أ - حَذَفَ من الترجمة جميعَ الأحاديث التي خَرجها المِزي من مروياته العالية من الموافقات والأبدال وغير ذلك من أنواعِ العُلو.
ب - اقتصر من شيوخ المترجَم ومن الرُّواة عنه على الأشهر والأحفظِ والمعروفِ، وحذفَ الباقينَ، إذا كان المُتَرْجَمُ من المُكْثِرين، وإذا كانت التَّرجمة متوسطة، اقتصرَ على ذكر الشُّيوخِ والرُّواة الذين عليهم علامةٌ في الأغلب. وإذا كانت طويلة، اقتصر على مَنْ عليه علامة البُخاري ومسلم، مع ذكر جماعة غيرهم. وإذا كانت الترجمة قصيرة، لم يحذف منها شيئًا في الأغلب.
جـ - لم يلتزم نهجَ المِزي في ترتيب شيوخ صاحب التَّرجمة والرُّواة عنه على حروف المعجم، لأن ذلك يؤدي على حَسَب قوله إلى:"تقديم الصغير على الكبير"، بل ذكرَ في أول الترجمة أكثرَ شيوخ الرَّجل، وأسندهم، وأحفظَهم، إن تَيَسَّر له معرفة ذلك، إلَّا أن يكون للرجل ابنٌ أو قريب، فإنَّه كان يُقدِّمه في الذكر. وحَرَصَ على أن يختم الرُّواة عن
الترجمة بمن وُصِفَ بأنَّه آخر من رَوَى عنه، وربما صَرَّح بذلك.
د - حذف من الترجمة أغلبَ الأَخبار التي لا تدل على توثيق، ولا على تجريح، واقتصر على ما يفيد ذلك.
هـ - حذف كثيرًا من الاختلافاتِ المذكورة في وفاة المترجم.
و- مَيَّز إضافاته إلى الترجمة أو تصحيحاته بلفظة: "قلتُ"، وجعلها في آخر الترجمة، وأكثر إضافاته مما يفيدُ التوثيقَ أو التجريح.
وقد انتفع الحافظُ ابنُ حجر في إضافاته واستدراكاته بالمؤلَّفاتِ التي سبقته مما وُضِعَ على "التهذيب" استدراكًا أو اختصارًا، ولا سيما "إكمال تهذيب الكمال" للعلامة علاء الدين مُغُلْطاي الحنفي. والحقُّ أنَّ معظم ما أضافه - من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوَفَيات، أو استدراك في التَّراجم، سواء أكانت من التَّراجم التي هي من شرط المِزِّي، وهي قليلة جدًّا، أم للتمييز - إنما أخذه من كتاب مُغُلْطاي، فعليه كان اعتمادُه. لكنه انتقى منه ما وجده مُهِمًا حَرِيًا بالذِّكر فذكرَهُ، وأهمل الباقي فأسقطَهُ، وكانت إضافاتُه التي لم يأخذها عنه قليلة.
قال في مقدمة "تهذيب التهذيب": "وقد انتفعتُ في هذا الكتابِ المُخْتَصَرِ بالكتابِ الذي جمعه الإمامُ العلامةُ علاء الدين مُغُلْطَاي على تهذيب الكمال، مع عَدَم تقليدي له في شيءٍ مما ينقله، وإنما استعنتُ به في العاجل، وكشفتُ الأُصولَ التي عزا النقلَ إليها في الآجل. فما وافَقَ أثبتُّه، وما بايَنَ أهملتُهُ. فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجَمْع بين هذين الكِتاين الكبيرين في حَجْمٍ لطيفٍ، لكانَ معنى مقصودًا، هذا مع الزِّيادات التي لم تقع لهما".
ومع تقديرنا لصنيع الحافظ ابن حجر، ومنهجه في اختصاره وعمله،
لاحظنا عليه جملةَ مُلاحظات، نوجزها فيما يأتي: -
1 -
إنَّ اقتصاره على ذكر بعض شيوخ المُتَرجَم والرُّواة عنه قد حَرَمَ المختصين من الوقوف على صِحَّة كثيرٍ من الأسانيدِ التي تَتَوَقَّفُ معرفتُها على التصريحِ بروايتهم.
2 -
إنَّ الترتيبَ الذي اتبعه المزّي في ذكر شيوخ المترجَم والرُّواة عنه على حروف المعجم، يُسَهِّلُ الوقوفَ على مُرادِ الباحثِ من معرفة وقوع الرواية واتصال الأسانيد.
3 -
إنَّ قيامه بحذف الأخبار التي لا تَدُل على توثيقٍ أو تجريح، قد حَرَمَ الباحثين مِن مادة تاريخية أصيلة قد لا نجدها إلَّا في هذا الكتاب، لضياع كثير من الأصول التي أفاد منها، ونقل عنها.
4 -
أما قوله إنه: "كشفَ الأصولَ التي عزا مُغُلْطاي النَّقل إليها فيما بعد"، ففيه نَظَر، لوقوعه أحيانًا في أوهامٍ توهّمها مُغُلْطاي في النَّقْل، وتابعه هو عليها، مما يدل على عدم التزامه التام بهذا الذي ألزمَ نفسَهُ إيَّاه، كما بيناه في تعليقاتنا على "تهذيب الكمال".
ثم إنه قام رحمه الله باختصار "تهذيب التهذيب" بكتابه "تقريب التهذيب" هذا في مجلد واحد، راعى فيه أن تكون الترجمة أخصر ما يُمكن بحيث تجيء في سطرٍ واحد في الأغلب الأعم تتضمن العناصر الآتية:
1 -
اسم الرجل واسم أبيه وجده، ونسبه، ونسبته، وكنيته، ولقبه، مع عناية بضبط ما يُشكل من ذلك بالحروف.
2 -
الحكم على كل راو منهم بحكم وجيز بكلمة واحدة، أو عبارة وجيزة تبين منزلته.
3 -
التعريف بعصر كل راوٍ منهم، وذلك بتقسيمهم إلى طبقات اصطلح هو عليها، فجعلها اثنتي عشرة طبقة، وذكر وفاة من عرف سنة وفاته منهم.
4 -
رقم على كل ترجمة بالرقوم التي ذكرها المزي في "تهذيب الكمال" واصطلح عليها، أو وقف هو عليها مع تجوز يسير في بعض فروعها، فإنه أدرج في الأغلب الأعم "عمل اليوم والليلة" بالسنن الكبرى، وكذا "خصائص الإِمام علي".
وقد فرغ من تأليفه سنة (827) هـ، لكنه ظل يعاود النظر فيه: يزيد فيه ويَنْقُصُ، ويُوضِّحُ ويُعدل إلى قريب من وفاته بسنتين، كما هو واضح من تواريخ الإِلحاقات والإِضافات التي دونها على النسخة التي كتبها بخطه من "التقريب" فكان ما دونه في هذا الكتاب خلاصة مركزة لما انتهى إليه من رأي واجتهاد وحكم في الرجال المذكورين فيه.
وأصبحت لهذا الكتاب منزلة كبيرة عند الذين يَتَعاطَوْنَ صِناعة الحديث، ويُعنون بالتخريج حتى استحوذت عليهم أحكامُه بحيث كانوا يعتدون بالنتائج التي انتهى إليها في حق الرواة، وصار عامة المشتغلين بهذا الفن يكتفون بهذه الأحكام، ويقلدون تلك الآراء، فَيَحْكُمُون على أسانيدِ الأحاديث استنادًا إليها دون البحث فيها والتفتيش عنها لا سيما في هذه الأعصر التي قل فيه المعنيون بهذا العلم العظيم، وكثير من المختصين هم من الذين لم يُمارِسُوا هذا العلمَ ممارسةً حقيقية عملية، بل اكتفوا بتعلم النظريات من غير تطبيق عملي لها، بل كان ولا يزال كثير من الذين يشرفون على طلبة العلم في الدراسات العليا في هذا الفن يُوصون طلابهم بأن يكون مَدرَسَهُم الرئيسَ في معرفة منزلةِ الرواة هو كتابُ "التقريب" لأنهم كانوا يرون أن الأحكام التي انتهى إليها هي أَحكام
قطعية لا مجال فيها للتردد، ولا يتطرَّقُ إليها احتمالُ الخطأ والوهم الكبير، بل كانوا يهابون أن يُوَجَّهَ إلى هذا الكتاب أيُّ نقد مهما كان شأنه.
وقد كنا نحنُ في أول الأمر كذلك متأثرين بالمحيطِ الذي نعيشُ فيه، وبالثقافة التي تلقيناها من الشيوخ الذين مارسوا هذا العلم قبلَنا، ولم يكن ثَمَّتَ مجالٌ للتردد في أي حُكْمٍ يُصدره حافظُ عصره ابن حجر في حقِّ أحد الرواة، وكنا كغيرنا نأخذ به، وكأنه قضيةٌ مسلمة، ونحكم تبعًا لذلك على الحديث الذي نحن بصدد تخريجه، وكانت جملة أمور خافية علينا آنذاك من أبرزها:
1 -
أن الحافظ ابن حجر لم يُحرر الأحكامَ في هذا الكتاب تحريرًا كافيًا لا سيما في الرواة المختلف فيهم.
2 -
ولم نكن نَعْلَمُ أن هذه الأحكام اجتهاديةٌ قابلة للأخذ والرد وليست قطعية.
3 -
ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه.
حتى أَذِن الله لنا أن نتوغَّلَ في هذا الفن، ويُوفقنا سبحانه إلى تحقيق أكبر موسوعة فيه هو كتاب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" لحافظ عصره أبي الحجاج يوسف المزي المتوفَّى سنة (742 هـ)، واقتضت طريقةُ التحقيق التي اتبعناها فيه أن نُرَاجِعَ ما ألف في هذا الفن من الكتب، ونوازن بين تلك الأقوال، ونُضيف في تعليقاتنا ما فات الحَافِظَيْنِ المزي وابن حجر من زيادات مهمة في الجرح والتعديل (1)، فنستخلص
(1) ذكر الشيخ محمد عوامة: "أن التقريب هو خلاصة جهود أئمة حفاظ: عبد الغني المقدسي والمزي والذهبي ومغلطاي وابن حجر في مرحلتين: "التهذيب"، ثم =
تبعًا لذلك ما هو أقرب إلى الصواب منها. وبذلك تكشفت لنا أمور كثيرة كانت خافية علينا من قبل، وأدركنا ما في "التقريب" من قصور شديد في غير ما قضية يُستغرب وقوعُها من عالم طبقت شُهْرَتُه الخافِقَيْن، ولَهِجَ بالثناء عليه أهلُ عصره ومن أتى بعدهم، وأذعنوا لِعلمه وفضله.
وكنا نتعجَّبُ من صنيع أهل العلم من قبلنا، كيف أهملوا الكلامَ عليه، ولم يتعقبوه بشيء، ويغلب على ظننا أن مرد ذلك إلى سببين رئيسيين:
أولهما: أن مؤلِّفَه نال شُهْرَة واسعَةً في هذا الفن بحيث لم يعد أحدٌ يُفكر أن يُناقش أقواله أو يبحث فيها.
وثانيهما: اكتفاء بما فيه طلبًا للدعة والراحة، وعدم النظر في الكتب التي أُلفت في هذا العلم العظيم، والمقابلة بين ما انتهى إليه الحافظ في كتابه هذا من أحكام على هؤلاء الرواة، وبين ما جاء في تلك الأصول
= "التقريب"، وهؤلاء أئمة متأخرون، جمعوا ما عند سابقيهم باستيفاء، ولم يأت بعد من يدانيهم، وبهم ختمت مرحلة تجميع الأقوال في الرجال، فلا جديد بعدئذ" (انظر مقدمة طبعته من "التقريب" 36).
وفي هذا القول مبالغة ظاهرة، فتعليقاتنا على "تهذيب الكمال" والزيادات التي ألحقناها به تدل على غير ذلك، وهو أمر طبيعي في رأينا، نظرًا لسهولة الحصول على الكتب الخطية في عصرنا بطريقة التصوير، وظهور الطباعة الحديثة التي وفرت كثيرًا من الأصول، فضلًا عن عناية كثير من الناشرين والمحققين بالفهارس الفنية التي تعين على تجميع هذه الأقوال، إلى غير ذلك من التسهيلات التي وفرها العلم في عصرنا، وهو أمر لم يكن متاحًا لعلماء ذلك العصر. وأيضًا فإن القول بأن "التقريب" هو خلاصة جهود الحفاظ - فيه نظر، لأن الأحكام التي انتهى اليها الحافظ ابن حجر هي من اجتهاداته وفهمه لكلام الأئمة الذين تقدموه في هذا الفن.
من نقول وآراء في حق هؤلاء الرواة، واستخلاص الآراء منها، والتأكد مما جاء فيها من أحكام.
والحق المُرُّ الذي لا بد لنا من أن نبديَه وَنُنَبِّهَ إليه هو: أن صنيع الحافظ ابن حجر في هذا الكتاب لم يكن يتناسبُ مع الشهرة العريضة التي نالها، والمنزلة العلمية التي تبوأها، فالصحابة لا يحتاجون إلى أن يقال فيهم شيء، لأنهم عدول باتفاق، والثقات المجمع على توثيقهم هم ثقاتٌ باتفاق، والضعفاءُ المجمعُ على تضعيفهم هم ضعفاء باتفاق، وكذلك من هم دونهم من المتروكين والكذابين والهلكى، أما المختلف فيهم، فقد استعمل لهم تعابير غير مُحَدَّدة، فقال فيهم:"صدوق يهم" أو "صدوق يخطئ"، أو ما يشبه ذلك من غير دراسةٍ عميقة لأحوالهم، فكأنه يُطالِبُ القارئ بدراسة كُلِّ حديث من حديث هؤلاء على حدة، ليتبين للدارس إن كان وَهِمَ فيه أو لا، وهو كما يظهر عملٌ غير دقيق في الأغلب الأعم، إذ ماذا يُحكم على حديثه استنادًا إلى هذه التعابير غير الدقيقة، لأن الصدوق الذي يهم، أو الذي يخطئ، أو الذي عنده مناكير، وإنما هو في حقيقة الأمر حَسَنُ الحديث في مواضع ضعيفُ الحديث في مواضع أخرى، فيعتبر حديثه، فإن وجد له متابع، تحسن حديثه، واذا انفرد ضُعِّفَ حديثه، فهو عندئذ معلقُ الأمر لا يُمكن الحكم على كل حديثه بمعيارٍ واحد، إنما يدرس حديثه، وعلى أساس دراسة كلِّ حديث يتم إصدارُ الحكم عليه، فضلًا عن أنه قد اضطرب في هذا الأمر اضطرابًا شديدًا، فأطلق مثل هذه الألفاظ على ثقات لهم أوهامٌ يسيرة، وأطلقها حينًا على ضعفاء لهم أوهام كثيرة.
لِكُلِّ هذا رأينا أن من أهم الواجب علينا إعادةَ دراسة أحكام هذا الكتاب دراسة علمية متأنية قائمة على دعامتين رئيستين: