الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شُهِدَ عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مُؤَثِّر أم لا؟ وكذلك المحدِّث إذا أراد الاحتجاجَ بحديث شخص، ونُقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه: هل هو مؤثر أم لا؟ ويجري الكلام عنده فيما يكون جرحًا في تفسير الجرح وعدمه، وفي اشتراط العدد في ذلك كما يجري عند الفقيه.
ومن ثم جاءت ألفاظهم في الحكم على الراوي متفقة حينًا ومختلفةً حينًا آخر تبعًا لاختلاف اجتهاداتهم في الحكم على الراوي.
وقال الترمذي في كتابه "العلل" 1/ 321: وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال، كما اختلفوا في [ما] سوى ذلك من العلم، ذُكر عن شعبة أنه ضعف أبا الزبير المكي وعبد الملك بن أبي سليمان وحكيم بن جبير، وترك الرواية عنهم، ثم حدث شعبة عمن دون هؤلاء في الحفظ والعدالة، حدث عن جابر الجعفي، وإبراهيم بن مسلم الهجري، ومحمد بن عبيدالله العرزمي، وغيرِ واحد ممن يُضعفون في الحديث.
ثالثًا: رواية العدول الثقات هل تعد توثيقًا للمروي عنه
؟
يرى بعضُ من ينتحِلُ صِناعَةَ الحديثِ أن رواية العدل الثقة عن غيره يُعَدُّ توثيقًا له، وحجته: أن العدلَ لو كان يَعْلَم فيه جرحًا لذكره.
قال الخطيب في "الكفاية" ص 89: وهذا مذهب باطل، لأنه يجوز أن يكون العدلُ لا يَعْرِفُ عدالَتَه، فلا تكونُ روايتُه عنه تعديلًا، ولا خبرًا عن صِدقه، بل يَروي عنه لأغراضٍ يَقْصِدُها، كيف وقد وُجِدَ جماعةٌ من العدولِ الثقاتِ رَوَوْا عن قومٍ أحاديثَ أمسكوا في بعضها عن ذِكر أحوالهم مع عِلمهم بأنَّها غيرُ مرضية، وفي بعضها شَهِدوا عليهم بالكَذِبِ في الرواية، وبفسادِ الآراء والمذاهب.
وقال الإمام الغزالي في "المستصفى" 1/ 163: إذا روى العدل الثقةُ عن غيره هل ذلك تعديلٌ؟ على روايتين، والصحيح أنه إن عُرِفَ مِن عادته أو تصريح قوله: أنه لا يستجيزُ الرواية إلا عن العدل، كانت الروايةُ حينئذ تعديلًا له، وإلا فلا، إذ من عادة أكثرِ المحدثين الروايةُ عن كلِّ من سَمِعُوا منه، ولو كلِّفُوا الثناءَ عليه، لسكتوا وما فعلوا، فليس في مُجرَّد الرواية عن الراوي دونَ التزام عادةٍ أو شرطٍ فيها، تصريحٌ بالتعديل له أو التزامٌ بذلك.
فإن قيل: لو عرفه بالفسق، ثم روى عنه كان غاشًّا في الدين. قلنا: هو لم يوجب على غيره العملَ بروايته، بل قال: سمعتُ فلانًا قال كذا، وقد صَدَقَ فيه، ثم لَعَلَّه لم يعرفه بفسق ولا عدالة، فروى عنه، وَوَكَلَ البَحْثَ إلى من أراد قبولَ خبره.
قلنا: واسثتناء الغزالي من عُرف من عادته أو حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، ليس على إطلاقه، وإنما هو في الأعم الأغلب، فقد رَوَى هؤلاء الذين قيلَ فيهم ذلك عن بعضِ الضعفاءِ والواهين.
فقد روى شعبة عن سيف بن وهب التميمي، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَمي، وإبراهيمَ بن مسلم الهَجَرِي، وجابرِ بن يزيد الجعفي، وغيرِ واحد ممن يُضَعَّفون في الحديث. ويحيى بنُ سعيد القطان، وهو المعروف بتشدده في الرجال روى عن قومٍ ضعفاءَ، ومالكُ بن أنس روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف. وروى أحمد عن نصر بن باب الخراساني المروزي وهو متروك، وعن مؤمَّل بن إسماعيل، وعمرو بن مجمع السكوني، وكلاهما ضعيف، وعن محمد بن القاسم الأسدي وهو ضعيف جدًّا، وبعضهم اتهمه. ويُستثنى من ذلك أبو داود السجستاني صاحبُ السنن، فإنه قد عُرِف بالاستقراء أنه لا يروي في