الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة الإسراء مكية إلا الآيات 26 32 33 57 ومن آية 73 إلى آية 80 فمدنية وآياتها 111)
بسم الله الرحمن الرحيم
{سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ} سبحان عَلَمٌ للتسبيح كعُثمانَ للرجل وحيث كان المسمّى معنى لاعينا وجنساً لا شخصاً لم تكن إضافتُه من قبيل ما في زيدُ المعارك أو حاتم طئ وانتصابه بفعل متروكِ الإظهار تقديرُه أسبح الله سبحان الخ وفيه ما لا يَخفْى من الدلالة على التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسعُ الجري ومن جهة النَّقلِ إلى التَّفعيلِ ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسمِ الموضوعِ له خاصة لا سيما وهو علمٌ يشير إلى الحقيقةِ الحاضرةِ في الذهن ومن جهة قيامِه مَقام المصدرِ مع الفعلِ وقيل هو مصدرٌ كغُفرانٍ بمعنى التنزه ففيه مبالغةٌ من حيث إضافةُ التنزه إلى ذاته المقدسةِ ومناسبةٌ تامة بين المحذوف وبين ما عُطف عليه في قوله تعالى سبحانه وتعالى كأنه قيل تنزه بذاته وتعالى و
الإسراءُ
السيرُ بالليل خاصة كالسُّرى وقوله تعالى {لَيْلاً} لإفادة قلةِ زمان الإسراءِ لِما فيه من التنكير الدالِّ على البعضية من حيث الأجزاءُ دَلالتَه على البعضية من حيث الأفراد فإن قولك سِرت ليلاً كما يفيد بعضيةَ زمان سيرِك من الليالي يفيد بعضيتَه من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت سرتُ الليلَ فإنه يفيد استيعابَ السير له جميعاً فيكون معياراً للسير لا ظرفاً له ويؤيده قراءةُ من الليل أي بعضِه وإيثارُ لفظ العبدِ للإيذان بتمحضه عليه الصلاة والسلام في عبادته سبحانه وبلوغِه في ذلك غايةُ الغاياتِ القاصيةِ ونهايةُ النهايات النائية حسبما يلوّح به مبدأُ الإسراء ومنتهاه وإضافةُ التنزيه أو التنزّه إلى الموصول المذكورِ للإشعار بعلية مَا في حيزِ الصلةِ للمضاف فإن ذلك من أدلة كمال قدرته وبالغ حكمته ونهايةِ تنزهه عن صفات المخلوقين {مّنَ المسجد الحرام} اختُلف في مبدأ الإسراءِ فقيل هو المسجدُ الحرام بعينه وهو الظاهرُ فإنه روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال بينا أنا في المسجد الحرام في الحِجْر عند البيت بين النائم واليقظانِ إذْ أتاني جبريل عليه الصلاة والسلام بالبُراق وقيل هو دارُ أم هانئ بنتِ أبي طالب والمراد بالمسجد الحرام الحرمُ لإحاطته بالمسجد والْتباسِه به أو لأن الحرم كلَّه مسجد فإنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاءِ فكان ما كان فقصّه عليها فلما قام ليخرُج إلى المسجد تشبثت بثوبه صلى الله عليه وسلم لتمنعه خشية أن يكذبه القوم قال صلى الله عليه وسلم وإن كذبوني فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراءِ فقال أبو جهل يا معشر كعبِ بنِ لؤي بنِ غالب هلم
الإسراء 2 فحدِّثْهم فمن مصفّق وواضعٍ يدَه على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناسٌ ممن كان آمن به وسعى رجالٌ إلى أبي بكر فقال إن كان قال ذلك لقد صدق قالوا أتصدّقه على ذلك قال إني أصدقه على أبعدَ من ذلك فسُمِّيَ الصِّديقُ وكان فيهم من يعرف بيت المقدس فاستنعتوه المسجدَ فجُلِّي له بيتُ المقدس فطفِق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا أما النعتُ فقد أصابه فقالوا أخبِرْنا عن عِيرنا فأخبرهم بعدد جمالِها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمُها جملٌ أورَقُ فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم هذه والله الشمسُ قد أشرقت فقال آخرُ هذه والله العِيرُ قد أقبلت يقدمها جملٌ أورقُ كما قال محمد ثم لم يؤمنوا قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون واختُلف في وقته أيضاً فقيل كان قبل الهجرةِ بسنة وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه كان في المنام وأكثرُ الأقاويل بخلافه والحق أنه كان في المنام قبل البعثة وفي اليقظة بعدها واختُلف أيضاً أنه كان جُسمانياً أو روحانياً فعن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت ما فُقِد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عُرج بروحه وعن معاوية أنه قال إنما عُرج بروحه والحقُّ أنه كان جُسمانياً على ما ينبئ عنه التصديرُ بالتنزيه وما في ضمنه من التعجب فإن الروحانيَّ ليس في الاستبعاد والاستنكار وخرقِ العادةِ بهذه المثابة ولذلك تعجبت منه قريشٌ وأحالوه ولا استحالة فيه فإنه قد ثبت في الهندسة أن قُطرَ الشمس ضِعفَ قطرِ الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ثم إن طرفها الأسفلَ يصل إلى موضع طرفِها الأعلى بحركة الفَلك الأعظمِ مع معاوقة حركةِ فلكِها لها في أقلَّ من ثانية وقد تقرر أن الأجسام متساويةٌ في قَبول الأعراضِ التي من جملتها الحركةُ وأن الله سبحانه قادرٌ على كلَّ ما يحيطُ بهِ حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق يخلق مثل تلك الحركةَ بل أسرعَ منها في جسد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمِله ولو لم يكن مستبعداً لم يكن معجزة {إلى المسجد الأقصى} أي بيتِ المقدس سُمي به إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجدٌ وفي ذلك من تربية معنى التنزيه والتعجب مالا يخفى {الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ببركات الدين والدنيا لأنه مهبِطُ الوحي ومتعبَّدُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام {لِنُرِيَهُ} غاية للإسراء {من آياتنا} العظيمةِ التي من جملتها ذهابُه في برهة من الليل مسيرةَ شهرٍ ولا يقدحُ في ذلك كونُه قبل الوصول إلى المقصِد ومشاهدةِ بيت المقدس وتمثّل الأنبياءِ له ووقوفِه على مقاماتهم العلية عليهم الصلاة والسلام والالتفاتُ إلى التكلم لتعظيم تلك البركاتِ والآياتِ وقرئ ليريَه بالياء {إِنَّهُ هُوَ السميع} لأقواله عليه الصلاة والسلام بلا أذن {البصير} بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذِنُ به القصرُ فيكرمُه ويقرّبه بحسب ذلك وفيه إيماءٌ إلى أن الإسراءَ المذكورَ ليس إلا لتكرمته عليه الصلاة والسلام ورفعِ منزلتِه وإلا فالإحاطةُ بأقواله وأفعاله حاصلةٌ منْ غيرِ حاجةٍ إلى التقريب والالتفاتُ إلى الغَيبة لتربية المهابة
{وآتينا موسى الكتاب} أي التوراة وفيه إيماءٌ إلى دعوتِه عليه الصلاة والسلام إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعاً بين الأمرين المتّحدين في المعنى ولم يذكر ههنا العروج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وما كان فيه مما لا يُكتنه كنهُه حسبما نطقتْ به سورةُ النجم تقريباً للإسراء إلى قَبول السامعين أي آتيناه التوراة بعد ما أسرينا به إلى الطور {وجعلناه} أي ذلك
الإسراء 3 5 الكتاب {هدى لبني إسرائيل} يهتدون بما في مطاويه {ألا تَتَّخِذُواْ} أي لا تتخذوا نحو كتبت إليه أن أفعل كذا وقرئ بالياء على أنَّ أنْ مصدريةٌ والمعنى آتينا موسى الكتابَ لهداية بني إسرائيلَ لئلا يتخذوا {مِن دُونِى وَكِيلاً} أي ربًّا تكِلون إليه أمورَكم والإفرادُ لما أن فعيلاً مفردٌ في اللفظ جمعٌ في المعنى
{ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ} نُصب على الاختصاصِ أو النداءِ على قراءة النهي والمرادُ تأكيدُ الحملِ على التوحيد بتذكير إنعامِه تعالى عليهم في ضمن إنجاءِ آبائِهم من الغرق في سفينةِ نوحٍ عليه السلام أو على أنه أحدُ مفعولَيْ لا يتخذوا على قراءة النفي ومن دوني حالٌ من وكيلاً فيكون كقولِه تعالى وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أربابا وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من واو لا تتخذوا بإبدال الظاهرِ من ضمير المخاطَب كما هو مذهبُ بعض البغاددة وقرئ ذِرّية بكسر الذال {أَنَّهُ} أي أن نوحا عليه الصلاة والسلام {كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} كثيرَ الشكر في مجامع حالاتِه وفيه إيذانٌ بأن إنجاءَ مَنْ معه كان ببركة شكره عليه الصلاة والسلام وحثٌّ للذرية على الاقتداء به وزجرٌ لهم عن الشرك الذي هو أعظمُ مراتبِ الكُفرانِ وقيل الضمير لموسى عليه السلام
{وَقَضَيْنَا} أي أتممنا وأحكمنا منزلين {إلى بني إسرائيل} أي موحين إليهم {فِى الكتاب} أي في التوراة فإن الإنزالَ والوحيَ إلى مُوسى عليه السلام إنزالٌ ووحيٌ إليهم {لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض} جوابُ قسمٍ محذوفٍ ويجوز إجراءُ القضاء المحتومِ مُجرى القسمِ كأنه قيل وأقسمنا لتفسدن {مَّرَّتَيْنِ} مصدرٌ والعاملُ فيه من غير جنسه أولاهما مخالفةُ حكم التوراة وقتل شعياء عليه الصلاة والسلام وحبسُ أرمياءَ حين أنذرهم سخطَ الله تعالى والثانية قتلُ زكريا ويحيى وقصدُ قتلِ عيسى عليهم الصلاة والسلام {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} لتستكبِرُنّ عن طاعة الله سبحانه أو لتغلِبُنّ الناسَ بالظلم والعدوان وتفرّطُنّ في ذلك إفراطا مجاوز للحدود
{فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما} أي أولى كرَّتَي الإفساد أي حان وقتُ حلولِ العقاب الموعود {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} لمؤاخذتكم بجناياتكم {عِبَادًا لَّنَا} وقرئ عبيداً لنا {أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} ذوي قوةٍ وبطش في الحروب هم سنجاريبَ من أهل نينوى وجنودُه وقيل بُخْتَ نصَّر عامل لهراسِبَ وقيل جالوت {فَجَاسُواْ} أي تردّدوا لطلبكم بالفساد وقرئ بالحاء والمعنى واحد وقرئ وجوسوا {خلال الديار} في أوساطها للقتل والغارة وقرئ خِلَلَ الديار فقتلوا علماءَهم وكبارهم وأحرقوا التوراةَ وخربوا المسجد وسبَوْا منهم سبعين ألفاً وذلك من قبيل تولية بعضِ الظالمين بعضاً مما جرت
الإسراء 6 8 به السنةُ الإلهية {وَكَانَ} ذلك {وَعْدًا مَّفْعُولاً} لا محالة بحيث لا صارفَ عنه ولا مبدِّلَ
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة} أي الدولةَ والغلَبة {عَلَيْهِمْ} على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنةٍ حين تُبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو قيل هي قتل بخت نصر واستنفاذ بني إسرائيلَ أُساراهم وأموالَهم ورجوعُ المُلْك إليهم وذلك أنه لما ورِث بَهْمنُ بنُ اسفنديارَ المُلك من جدِّه كشتاسفَ بنِ لهراسب ألقى الله تعالى في قلبه الشفقةَ عليهم فردّ أُساراهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام فاستولَوا على من كان فيها من أتباع بختَ نصّر وقيل هي قتلُ داودَ عليه السلام لجالوت {وأمددناكم بأموال} كثيرة بعد ما نُهبت أموالُكم {وَبَنِينَ} بعدما سُبيَتْ أولادُكم {وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا} مما كنتم من قبل أو من عدوكم والنفيرُ مَن ينفِر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفروهم القومُ المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد والمعين
{إِنْ أَحْسَنتُمْ} أعمالكم سواءٌ كانت لازمةً لأنفسكم أو متعديةً إلى الغير أي عملتموها لا على الوجه اللائقِ ولا يُتصور ذلك إلا بعد أن تكون الأعمالُ حسنةً في أنفسها أو إن فعلتم الإحسان {أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ} لأن ثوابَها لها {وَإِنْ أَسَأْتُمْ} أعمالَكم بأن عملتموها لا على الوجه اللائق ويلزمه السوءُ الذاتيُّ أو فعلتم الإساءة {فَلَهَا} إذ عليها وبالها وعن عليٌّ كرم الله وجهه ما أحسنتُ إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة} حان وقت ما وُعد من عقوبة المرة الآخرة {ليسوؤوا وُجُوهَكُمْ} متعلقٌ بفعل حُذف لدلالةِ ما سبق عليه أي بعثناهم لسوءوا ومعنى ليسوءوا وجوهَكم ليجعلوا آثارَ المساءة والكآبةِ باديةً في وجوهكم كقوله تعالى سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ وقرئ ليَسوءَ على أن الضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ولنسوءَ بنون العظمةِ وفي قراءة علي رضي الله عنه لنسو أن على أنه جوابُ إذا وقرئ لنسو أن بالنون الخفيفة وليسو أن واللامُ في قولِه عز وجل {وَلِيَدْخُلُواْ المسجد} عطف على ليسوءوا متعلقٌ بما تعلق هو به {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي في أول مرةٍ {وَلِيُتَبّرُواْ} أي يهلكوا {مَا عَلَوْاْ} ما غلبوه واستولَوْا عليه أو مدةَ علوِّهم {تَتْبِيرًا} فظيعاً لا يوصف بأن سلط الله عز سلطانه عليهم الفرسَ فغزاهم ملكُ بابلَ من ملوك الطوائف اسمه جودر دوقيل جردوس وقيل دخل صاحبُ الجيش مذبحَ قرابينَهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا دمُ قربانٍ لم يقبل منا فقال لم تصْدُقوني فقتل على ذلك ألوفاً فلم يهدأ الدم ثم قال إن لم تصدُقوني ما تركت منكم أحداً فقالوا إنه دمُ يحيى بنِ زكريا عليهما الصلاة والسلام فقال لمثل هذا ينتقم منكم ربُّكم ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربُّك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أُبقيَ منهم أحداً فهدأ
الإسراء 9 11 توبةً أخرى وانزجرتم عما كنتم عليه من المعاصي {وَإِنْ عُدتُّمْ} إلى ما كنتم فيه من الفساد مرةً أخرى {عُدْنَا} إلى عقوبتكم ولقد عادوا فأعاد الله سبحانه عليهم النقمة بأن سلط عليهم الأكاسرةَ ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحوِ ذلك وعن الحسن عادوا فبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم فهم يُعطون الجزيةَ عن يد وهم صاغرون وعن قتادة مثلُه {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا} أي محبِساً لا يستطيعون الخروجَ منها أبد الآبدين وقيل بِساطاً كما يبسط الحصيرُ وإنما عدل عن أن يقال وجعلنا جهنمَّ لكم تسجيلاً على كفرهم بالعَود وذماً لهم بذلك وإشعار بعلة الحكم
{إن هذا القرآن} الذي آتيناكَهُ {يَهْدِى} أي الناسَ كافةً لا فِرقةً مخصوصة منهم كدأب الكتابَ الذي آتيناهُ مُوسى {لِلَّتِى} للطريقة التي {هِىَ أَقْوَمُ} أي أقومُ الطرائقِ وأسدُّها أعني ملةَ الإسلامِ والتوحيدِ وتركُ ذكرها ليس لقصد التعميم لها وللحالة وللخصلة ونحوِها مما يعبّر به عن المقصد المذكور بل للإيذان بالغِنى عن التصريح بها لغاية ظهورِها لا سيما بعد ذكرِ الهدايةِ التي هي من روادفها والمرادُ بهدايته لها كونُه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به لا تحصيلُ الاهتداء بالفعل فإنه مخصوصٌ بالمؤمنين حينئذ {وَيُبَشّرُ المؤمنين} بَما فِي تضاعيفِه من الأحكام والشرائع وقرئ بالتخفيف {الذين يَعْمَلُونَ الصالحات} التي شرحت فيه {أَنَّ لَهُمْ} أي بأن لهم بمقابلة تلك الأعمالِ {أَجْرًا كَبِيرًا} بحسب الذات وبحسب التضعيف عشرَ مرات فصاعداً
{وأَنَّ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة} وأحكامِها المشروحة فيه من البعث والحسابِ والجزاء وتخصيصُها بالذِّكرِ من بين سائر ما كفروا به لكونها مُعظمَ ما أُمروا بالإيمان به ولمراعاة التناسبِ بين أعمالهم وجزائِها الذي أنبأ عنه قولُه عز وجل {أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} وهو عذابُ جهنمَ أي أعتدنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجودَه من الآخرة عذاباً أليماً وهو أبلغُ في الزجر لما أن إتيانَ العذابِ مِن حيثُ لَا يُحتسب أفظعُ وأفجعُ والجملةُ معطوفةٌ على جُملةِ يبشّر بإضمار يُخبر أو عَلى قولِه تعالَى إِنَّ لَهُمْ داخلةٌ معه تحت التبشير المرادِ به مجازاً مطلقُ الإخبار المنتظمِ للإخبار بالخبر السارِّ وبالنبأ الضار حقيقة فيكون ذلك بياناً لهداية القرآنِ بالترغيب والترهيب ويجوز كونُ التبشير بمعناه والمرادُ تبشير المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقابِ أعدائهم وقوله تعالى
{وَيَدْعُ الإنسان بالشر} بيانٌ لحال المهديِّ إثرَ بيان حالِ الهادي وإظهارٌ لما بينهما من التبيان والمرادُ بالإنسان الجنسُ أسند إليه حالُ بعضِ أفراده أو حُكي عنه حالُه في بعض أحيانه فالمعنى على الأول أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى الخير الذي لا خيرَ فوقه من الأجر الكبير ويحذره من الشر الذي لا شر ورائه من العذاب الأليم وهو أي
الإسراء 12 بعضٌ منه وهو الكافرُ يدعو لنفسه بما هو الشرُّ من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقةً كدأب مَنْ قال منهم اللهم إن كان هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماءِ أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ومن قال فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين إلى غير ذلك مما حُكي عنهم وإما بأعمالهم السيئة المُفضية إليه الموجبةِ له مجازاً كما هو ديدنُ كلِّهم {دُعَاءهُ بالخير} أي مثلَ دعاءه بالخير المذكور فرضاً لا تحقيقاً فإنه بمعزل من الدعاء به وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه اللائقُ بحاله {وَكَانَ الإنسان} أي مَن أُسند إليه الدعاءُ المذكورُ من أفراده {عَجُولاً} يسارع إلى طلب ما يخطر بباله متعامياً عن ضرره أو مبالغاً في العجلة يستعجل العذابَ وهو آتيه لا محالة ففيه نوعُ تهكمٍ به وعلى تقدير حمل الدعاءِ على أعمالهم تُحمل العَجوليةُ على اللَّجّ والتمادي في استيجاب العذابِ بتلك الأعمال وعلى الثاني أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى ما هو خيرٌ وهو في بعضِ أحيانه كما عند الغضبِ يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شرٌّ وَكَانَ الإنسان بحسب جِبِلّته عجولاً ضجِراً لا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه روي أنه عليه الصلاة والسلام دفع إلى سَوْدةَ أسيراً فأرخت كتافه رحمةً لأنينه بالليل من ألم القيد فهرب فلما أُخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال اللهم اقطع يديها فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة فقال صلى الله عليه وسلم إن سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي عذاباً رحمةً أو يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيراً وكان الإنسان عجولاً غيرَ متبصّر لا يتدبر في أموره حقَّ التدبر ليتحقق ما هو خيرٌ حقيقٌ بالدعاء به وما هو شرٌّ جديرٌ بالاستعاذة منه
{وجعلنا الليل والنهار آيتين} شروع في بيان بعض وجوه ما ذُكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلالِ بالآيات والدلائلِ الآفاقية التي كلُّ واحدة منها برهانٌ نيِّرٌ لا ريب فيه ومنهاجٌ بيِّنٌ لا يضل من لا ينتحيه فإن الجعلَ المذكورُ وما عُطف عليهِ من محو آية الليل وجعل آيةِ النهار مبصرةً وإن كانت من الهدايات التكوينية لكن الإخبارَ بذلك من الهدايات القرآنية المنبّهة على تلك الهداياتِ وتقديمُ الليل لمراعاة الترتيبِ الوجوديِّ إذ منه ينسلخ النهارُ وفيه تظهرُ غُررُ الشهور ولو أن الليلةَ أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبُها من شهر آخرَ ولترتيب غايةِ آيةِ النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملوين بهيا تهما وتعاقبُهما واختلافِهما في الطول والقِصَر على وتيرةٍ عجيبة يحار في فهمها العقولُ آيتين تدلان على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً وتهديان إلى ما هدى إليه القرآنُ الكريم من ملة الإسلام والتوحيد {فمحونا آية الليل} الإضافةُ إما بيانيةٌ كما في إضافة العددِ إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليلُ وفائدتُها تحقيق مضمون الجملة السابقةِ ومحوُها جعلُها ممحُوّةَ الضوءِ مطموستَه لكنْ لا بعدَ أنْ لم يكن كذلك بل إبداعُها على ذلك كما في قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبَّر الفيل أي أنشأهما كذلك والفاءُ تفسيريةٌ لأن المحو المذكورُ وما عُطف عليه ليس مما يحصل عَقيبَ جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعلِ ومتماته {وجعلنا آية النهار} أي الآية التي هي النهارُ على نحو ما مر {مُبْصِرَةً}
أي مضيئةً يبصَر فيها الأشياءُ وصفاً لها بحال أهلها أو مبصرةً للناس من أبصره فبصره وإما حقيقية وآية الليلُ والنهار نيِّراهما ومحوُ القمر إما خلقه مطموس التور في نفسه فالفاء كما ذكر وأما نقص ما استفادوا من الشمس شيئاً فشيئاً إلى المحاق على ما هو معنى المحو والفاءُ للتعقيب وجعلُ الشمس مبصرةً إبداعُها مضيئةً بالذات ذاتَ أشعة تظهر بها الأشياءُ المظلمة {لّتَبْتَغُواْ} متعلقٌ بقوله تعالى وجعلنا آية النهار كما أُشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلُبوا لأنفسكم في بياض النهار {فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ} أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليلِ وفي التعبيرِ عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرضُ لصفة الربوبيةِ المنبئةِ عن التبليغِ إلى الكمالِ شيئاً فشيئاً دلالةٌ على أن ليس للعبد في تحصيل الرزق تأثيرٌ سوى الطلبِ وإنما الإعطاءُ إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوبِ عليه بل تفضلاً بحكم الربوبية {وَلِتَعْلَمُواْ} متعلقٌ بكِلا الفعلين أعني محو آية الليل وجعل آيةِ النهار مبصرةً لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور أي لتعلموا بتفاوت الجديدَين أو نيِّريْهِما ذاتاً من حيث الإظلامُ والإضاءة مع تعاقبهما أو حركتهما وأوضاعِهما وسائرِ أحوالِهما {عَدَدَ السنين} التي يتعلق بها غرض علمي لإقامة مصالحكم الدينية والدنيوية {والحساب} أي الحسابَ المتعلقَ بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهرَ واللياليَ والأيامَ وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققُها مما ينتظمه الحسابُ وإنما الذي تعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثية تحققِها وتحصُّلها من عدة أشهر قد تحصل كلَّ واحدٍ منها من عدة أيامٍ قد حصل كلٌ منها بطائفة من الساعات مثلاً فإن ذلك وظيفةُ الحساب بل من حيث إنها فرد من تلك الطائفة المعدودة يعدها أي يُفنيها من غيرِ أنْ يعتبرَ في ذلك تحصل شي معين وتحقيقُه ما مَرَّ في سورةِ يونس من أن الحساب أحصاه ماله كميةٌ منفصلة بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقل كما أشير إليه آنفاً والعدُّ إحصاؤُه بمجرد تكرير أمثالِه من غير أن يتحصل منه شيء كذلك ولما أن السنين لم يعتبر فيها حدٌّ معين له اسم خاص وحكم مستقل أضيف إليها الغدد وعلق الحساب بما عاداها مما اعتبر فيه تحصُّل مراتبَ معينةٍ لها أسامٍ خاصة وأحكامٌ مستقلة وتحصّلُ مراتب الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباري لا يجدي في تحصل المعدودات وتقديم العدد على الحساب مع أن الترتيبَ بين متعلّقيهما وجوداً وعلماً على العكس للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلم المتعلق بعدد السنين علم إجمالي بما تعلق به الحساب تفصيلا أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصلُ شيءٍ آخرَ منه حسبما ذكر نازلٍ من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلة البسيط من المركب أو لأن العلم المتعلقَ بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم {وَكُلَّ شىْء} تفتقرون إليه في المعاش والمعادِ سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ وهو منصوبٌ بفعل يفسره قوله تعالى {فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً} أي بيناه في القرآن الكريم بياناً بليغاً لا التباسَ معه كقوله تعالى وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء فظهر كونُه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بيناً