المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الكهف - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - جـ ٥

[أبو السعود]

الفصل: الكهف

الكهف

ص: 211

‌16

- 17 {وَإِذِ اعتزلتموهم} أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزالَ الجُسمانيَّ {وَمَا يَعْبُدُونَ إَلَاّ الله} عطفٌ على الضمير المنصوبِ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ أي إذِ اعتزلتموهم ومعبودِيهم إلا الله أو وعبادتَهم إلا عبادةَ الله وعلى التقديرين فالاستثناءُ متصلٌ على تقدير كونِهم مشركين كأهل مكةَ ومنقطعٌ على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان ويجوز كونُ ما نافيةً على أنه إخبارٌ من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضٌ بين إذْ وجوابِه {فَأْوُواْ} أي التجِئوا {إِلَى الكهف} قال الفراء هو جوابُ إذ كما تقول إذْ فعلتَ فافعل كذا وقيل هو دليلٌ على جوابه أي إذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جُسمانياً أو إذا أردتم اعتزالَهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف {يَنْشُرْ لَكُمْ} يبسُطْ لكم ويوسِّعْ عليكم {رَبُّكُمْ} مالكُ أمرِكم {مّن رَّحْمَتِهِ} في الدارين {ويهيئ لَكُمْ} يسهلْ لكم {مّنْ أَمْرِكُمْ} الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين {مّرْفَقًا} ما ترتفقون وتنتفعون به وقرئ بفتح الميم وكسر الفاء مصدراً كالمرِجع وتقديمُ لكم في الموضعين لما مر مرارا من الإيذانُ من أول الأمرِ بكون المؤخر من منافعِهم والتشويقِ إلى وروده

ص: 211

{وَتَرَى الشمس} بيانٌ لحالهم بعد ما أَوَوا إلى الكهف ولم يصرَّح به إيذانا بعدم الحاجة إليه لظهور جرَيانِهم على موجب الأمرِ به لكونه صادراً عن رأي صائبٍ وتعويلاً على ما سلف من قوله سبحانه إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف وما لحق من إضافة الكهفِ إليهم وكونِهم في فجوة منه والخطاب للرسول صلى لله عليه وسلم أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب وليس المرادُ به الإخبارَ بوقوع الرؤيةِ تحقيقاً بل الإنباءُ بكون الكهفِ بحيث لو رأيته ترى الشمس {إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ} أي تتزاوَر وتتنحّى بحذف إحدى التاءين وقرئ بإدغام التاء في الزاي وتزور كتخمر وتزوار كتخمار وتزوئر وكلها من الزَّوَر وهو الميل {عَن كَهْفِهِمْ} الذي أووا إليه فالإضافة لأدنى ملابسة {ذَاتَ اليمين} أي جهةَ ذاتِ يمين الكهفِ عند توجه الداخلِ إلى قعره أي جانبه الذي يلي المغرِبَ فلا يقع عليهم شعاعُها فيؤذيهم {وَإِذَا غَرَبَت} أي تراها عند غروبها {تَّقْرِضُهُمْ} أي تقطَعهم من القطيعة والصَّرْم ولا تقربهم {ذَاتَ الشمال} أي جهةَ ذاتِ شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرِق وكان ذلك بتصريف الله سبحانه على منهاج خرقِ العادةِ كرامةً لهم وقوله تعالى {وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ} جملةٌ حالية مبينةٌ لكون ذلك أمراً بديعاً أي تراها تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع أنهم في متّسع من الكهف معرَّضٍ لإصابتها لولا أن عرفتها عنهم يدُ التقدير {ذلك} أي ما صنع الله بهم من تزاوُر الشمسِ وقَرْضِها حالتي الطلوعِ والغروب

ص: 211

الكهف 18 مع كونهم في موقع شعاعِها {مِنْ آيات الله} العجيبةِ الدالةِ على كمال علمِه وقدرتِه وحقية التوحيدِ وكرامةِ أهله عنده سبحانه وتعالى وهذا قبل أن سد دقيانوسُ بابَ الكهف وقيل كان بابَ الكهف شمالياً مستقبلَ بناتِ نْعشٍ وأقربُ المشارقِ والمغاربِ إلى محاذاته رأسُ مشرِق السرَطان ومغربِه والشمسُ إذا كان مدارُها مدارَه تطلُع مائلةً عنه مقابلةً لجانبه الأيمن وهو الذين يلي المغربَ وتغرُب محاذيةً لجانبه الأيسرِ فيقع شعاعُها على جنبيه وتحلّل عفونتَه وتعدّل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادَهم ويُبْلي ثيابَهم ولعل ميلَ الباب إلى جانب الغرب كان أكثر ولذلك أوقع التزاورَ على كهفهم والقرضَ على أنفسهم فذلك حينئذ إشارةٌ إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنُه وأمَّا جعلُه إشارةً إلى حفظ الله سبحانه إياهم في ذلك الكهفِ تلك المدةَ الطويلةَ أو إلى إطلاعه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم على أخبارهم فلا يساعده إيرادُه في تضاعيف القِصّةِ {مَن يَهْدِ الله} إلى الحق بالتوفيق له {فَهُوَ المهتد} الذي أصاب الفلاحَ والمرادُ إما الثناءُ عليهم والشهادةُ لهم بإصابة المطلوبِ والإخبارُ بتحقيق ما أمّلوه من نشر الرحمةِ وتهيئةِ المرافق أو التنبيهُ على أن أمثالَ هذه الآيةِ كثيرةٌ ولكن المنتفعَ بها من وفقه الله تعالى للاستبصار بها {وَمَن يُضْلِلِ} أي يخلق فيه الضلال لصرف اختيارِه إليه {فَلَن تَجِدَ لَهُ} أبداً وإن بالغتَ في التتبع والاستقصاء {وَلِيّاً} ناصراً {مُّرْشِدًا} يهديه إلى ما ذكر من الفلاح لاستحالة وجودِه في نفسه لا أنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه

ص: 212

{وتحسبهم} بفتح السين وقرئ بكسرها أيضاً والخطابُ فيه كما سبق {أَيْقَاظًا} جمع يَقظ بكسر القاف وفتحها وهو اليقظانُ ومدارُ الحسبانِ انفتاحُ عيونِهم على هيئة الناظرِ وقيل كثرةُ تقلّبهم ولا يلائمه قوله تعالى وَنُقَلّبُهُمْ {وَهُمْ رُقُودٌ} أي نيام وهو تقريرٌ لما لم يُذْكَر فيما سلف اعتماداً على ذكره السابقِ من الضرب على آذانهم {وَنُقَلّبُهُمْ} في رقدتهم {ذَاتَ اليمين} نصبٌ على الظرفية أي جهةً تلي أَيمانهم {وَذَاتَ الشمال} أي جهةً تلي شمائلهم كيلا تأكلَ الأرضُ ما يليها من أبدانهم قال ابن عباس رضي الله عنهما لو لم يقلّبوا لأكلتْهم الأرضُ قيل لهم تقليبتان في السنة وقيل تقليبةٌ واحدةٌ يوم عاشوراءَ وقيل في كل تسع سنين وقرئ يقلبهم على الإسنادِ إلى ضميرِ الجلالة وتقَلُّبَهم على المصدر منصوبا بمضمر ينبئ عنه وتحسبهم أي وترى تقلّبَهم {وَكَلْبُهُمْ} قيل هو كلبٌ مروا به فتبعهم فطروده مرار فلم يرجِع فأنطقه الله تعالى فقال لا تخشَوا جانبي فإني أحب أحباءَ الله تعالى فناموا حتى أحرُسَكم وقيل هو كلبُ راعٍ قد تبعهم على دينهم ويؤيده قراءة كالبُهم إذا الظاهرُ لحوقُه بهم وقيل كلبُ صيد أحدِهم أو زرعِه أو غنمِه واختلف في لونه فقيل كان أنمرَ وقيل أصفرَ وقيل أصهبَ وقيل غير ذلك وقيل كان اسمُه قطمير وقيل ريان وقبل تتوه وقيل قطمورو قيل ثور قال خالدُ بنُ مَعْدان ليس في الجنة من الدواب إلا كلبُ أصحاب الكهف وحمار يلعم وقيل لم يكن ذلك من جنس الكلاب بل كان أسداً {باسط ذِرَاعَيْهِ} حكايةُ حالٍ ماضية ولذلك أعلم اسمُ الفاعل وعند الكسائي وهشام وأبي جعفر من البصريين يجوز

ص: 212

الكهف 19 إعمالُه مطلقاً والذراعُ من المرفق إلى رأس الأُصبَعِ الوسطى {بالوصيد} أي بموضع الباب من الكهف {لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ} أي لو عاينتَهم وشاهدتَهم وأصلُ الاطّلاع الإشرافُ على الشيء بالمعاينة والمشاهدة وقرئ بضم الواو {لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا} هرباً مما شاهدتَ منهم وهو إما نصبٌ على المصدرية من معنى ما قبله إذ التوليةُ والفِرارُ من واد واحدٍ وإما على الحالية يجعل المصدرِ بمعنى الفاعل أي فارا أو يجعل الفاعلِ مصدراً مبالغة كما في قولها فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ وإما على أنَّه مفعولٌ له {وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} وقرئ بضم العين أي خوفاً يملأ الصدرَ ويُرعِبه وهو إما مفعولٌ ثانٍ أو تمييز ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة والهيئةِ كانت أعينُهم مفتّحةً كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وقيل لطول أظفارِهم وشعورِهم ولا يساعده قولُهم لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وقوله ولا يشعرون بِكُمْ أَحَدًا فإن الظاهرَ من ذلك عدمُ اختلافِ أحوالِهم في أنفسهم وقيل لعِظم أجرامِهم ولعل تأخيرَ هذا عن ذكر التوليةِ للإيذانِ باستقلالِ كلَ منهُما في الترتب على الاطلاع إذ لو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ لتبادرَ إلى الفهم ترتبُ المجموعِ من حيث هو هو عليه وللإشعار بعدم زوالِ الرعبِ بالفرار كما هو المعتادُ وعن معاوية لما غزا الروم فمرّ بالكهف قال لو كشفتَ لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس رضي الله عنهما ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خيرٌ منك حيث قال لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ الآية قال معاوية لا أنتهي حتى أعلمَ علمَهم فبعث ناساً وقال لهم اذهبوا فانظُروا ففعلوا فلما دخلوا الكهفَ بعثَ الله تعالى ريحاً فأحرقتهم وقرئ بتشديد اللام على التكثير وبإبدال الهمزةِ ياءً مع التخفيف والتشديد

ص: 213

{وكذلك بعثناهم} أي كما أنمناهم وحفِظنا أجسادَهم من البِلى والتحلّل آيةً دالةً على كمال قدرتِنا بعثناهم من النوم {لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ} أي ليسأل بعضُهم بعضاً فيترتب عليه ما فُصّل من الحِكَم البالغةِ وجعلُه غايةً للبعث المعلّل فيما سبق بالاختبار من حيث إنه من أحكامه المترتبةِ عليه والاقتصارُ على ذكره لاستتباعه لسائر آثارِه {قَالَ} استئنافٌ لبيان تساؤلِهم {قَائِلٌ مّنْهُمْ} هو رئيسُهم واسمُه مكسليمنا {كَمْ لَبِثْتُمْ} في منامكم لعله قاله لِما رأى من مخالفة حالِهم لما هو المعتادُ في الجملة {قَالُواْ} أي بعضُهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} قبل إنما قالوه لما أنهم دخلوا الكهفَ غُدوةً وكان انتباهُهم آخرَ النهار فقالوا لبثنا يوماً فلما رأَوا أن الشمسَ لم تغرُبْ بعْدُ قالوا أو بعضَ يوم وكان ذلك بناءً على الظن الغالب فلم يُعْزوا إلى الكذب {قَالُواْ} أي بعضٌ آخرُ منهم بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام من الله سبحانه {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} أي أنتم لا تعلمون مدة لبثِكم وإنما يعلمها الله سبحانه وهذا ردٌّ منهم على الأولين بأجملِ ما يكون من مراعاة حسن الأدب وبه يتحقق التحزبُ إلى الحزبين المعهودين فيما سبق وقد قيل القائلون جميعُهم ولكن في حالتين ولا يساعده النظمُ الكريم فإن الاستئنافَ في الحكاية والخطابَ في المحكيّ يقضي بأن الكلامَ جارٍ على منهاج المحاورة

ص: 213

الكهف 20 21 والمجاوبةِ وإلا لقيل ثم قالوا ربنا أعلمُ بما لبثنا {فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة} قالوه إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يُهمّهم بحسب الحالِ كما ينبئ عنه الفاءُ والورِقُ الفضةُ مضروبةً أو غيرَ مضروبة ووصفُها باسم الإشارةِ يُشعر بأن القائلَ ناولها بعضَ أصحابه ليشتريَ بها قوتَ يومهم ذلك وقرئ بسكون الراء وإدغام القافِ في الكاف وبكسر الواو وبسكون الراء مع الإدغام وحملُهم لها دليلٌ على أن التزودَ لا ينافي التوكلِ على الله تعالى {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا} أي أهلِها {أزكى} أحلُّ وأطيبُ أو أكثرُ وأرخصُ {طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} أي من ذلك الأزكى طعاماً {وَلْيَتَلَطَّفْ} وليتكلّف اللُّطفَ في المعاملة كيلا يُغبَنَ أو في الاستخفاء لئلا يُعرَف {وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} من أهل المدينةِ فإنه يستدعي شيوعَ أخبارِكم أي لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى ذلك فالنهيُ على الأول تأسيسٌ وعلى الثاني تأكيدٌ للأمر بالتلطف

ص: 214

{إِنَّهُمْ} تعليلٌ لما سبقَ من الأمرِ والنَّهي أي لِيبالِغْ في التلطف وعدمِ الإشعار لأنهم {إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} أي يطّلعوا عليكم أو يظفَروا بكم والضميرُ للأهل المقدّر في أيُّها {يَرْجُمُوكُمْ} إن ثبتُّم على ما أنتُم عليهِ {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} أي يصيروكم إلهيا ويُدخلوكم فيها كُرهاً من العَوْد بمعنى الصيْرورة كقوله تعالى أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا وقيل كانوا أولاً على دينهم وإيثارُ كلمةِ في على كلمة إلى للدِلالة على الاستقرار الذي هو أشدُّ شيءٍ عندهم كراهة وتقديم احتمال الرجم على احتمال الإعادةِ لأن الظاهرَ من حالهم هو الثباتُ على الدين المؤدي إليه وضميرُ الخطاب في المواضع الأربعة للمبالغة في محل المبعوثِ على الاستخفاء وحثِّ الباقين على الاهتمام بالتوصية فإن محاض النُّصحِ أدخلُ في القَبول واهتمامُ الإنسان بشأن نفسِه أكثروا أوفر {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا} أي إن دخلتم فيها ولو بالكرُه والإلجاء لن تفوزوا بخير {أَبَدًا} لا في الدنيا ولا في الآخرة وفيه من التشديد في التحذير مالا يخفى

ص: 214

{وكذلك} أي وكما أَنَمناهم وبعثناهم لما مرّ من ازديادهم في مراتب اليقينِ {أَعْثَرْنَا} أي أطلعْنا الناسَ {عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ} أي الذين أعثرناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبة {إِنَّ وَعْدَ الله} أي وعدَه بالبعث أوموعوده الذي هو البعثُ أو أن كل وعده أو كل موعودِه فيدخُل فيه وعدُه بالبعث أو البعث الموعودِ دخولاً أولياً {حَقّ} صادقٌ لا خُلْف فيه أو ثابتٌ لا مردَّ له لأن نومهم وانتباهم كحال من يموت ثم يُبعث {وَأَنَّ الساعة} أي القيامةَ التي هي عبارةٌ عن وقت بعثِ الخلائقِ جميعاً للحساب والجزاء {لَا رَيْبَ فِيهَا} لا شك في قيامها فإن من شاهد أنه جل وعلا توفي نفوسهم وأمسكها ثلثمائة سنة وأكثرَ حافظاً أبدانَها من التحلل والتفتّت ثم أرسلها إليها لا يبقى له شائبةُ شك في أن وعدَه تعالى حقٌّ وأنه يبعث مَنْ فى القبور فيرد إليهم

ص: 214

الكهف 22 أرواحَهم فيحاسبهم ويجزيهم بحسب أعمالم {إِذْ يتنازعون} ظرف لقوله أعثرنا قُدّم عليه الغايةُ إظهاراً لكمال العنايةِ بذكرها لا لقوله ليعلموا كما قيل لدِلالته على أن التنازعَ يحدُث بعد الإعثار وليس كذلك أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون {بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ} ليرتفع الخلافُ ويتبينَ الحقُّ قيل المتنازعُ فيه أمرُ دينهم حيث كانوا مختلفين في البعث فمِن مُقِرّ له وجاحدٍ به وقائلٍ يقول ببعث الأرواحِ دون الأجساد وآخرَ يقول ببعثهما معاً قيل كان ملكُ المدينة حينئذ رجلاً صالحاً مؤمناً وقد اختلف أهلُ مملكته في البعث حسبما فُصّل فدخل الملكُ بيتَه وأغلق بابه ولبس مِسْحاً وجلس على رماد وسأل ربه أن يظهر الحق فألقى الله عز وجل في نفس رجل من رعيانهم فهدَم ما سد به دقيانوسُ بابَ الكهف ليتخذه حظيرةً لغنمه فعند ذلك بعثهم الله تعالى فجرى بينهم من التقاول ما جرى روي أن المبعوثَ لما دخل المدينة أخرج الدرهمَ ليشتريَ به الطعامَ وكان على ضرب دقيانوس فاتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملكِ فقصّ عليه القِصة فقال بعضُهم إن آباءَنا أخبرونا بأن فتيةً فرّوا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاءِ فانطلق الملكُ وأهلُ المدينة من مسلم وكافر وأبصروهم وكلّموهم ثم قالت الفتيةُ للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الإنسِ والجنّ ثم رجعوا إلى مضاجعهم فماتوا فألقى الملكُ عليهم ثيابَه وجعل لكم منهم تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً وقيل لما انتهَوْا إلى الكهف قال لهم الفتى مكانَكم حتى أدخُل أولاً لئلا يفزَعوا فدخل فعمِيَ عليهم المدخلُ فبنَوا ثمةَ مسجداً وقيل المتنازعَ فيه أمرُ الفتية قبل بعثهم أي أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرَهم وما جرى بينهم وبين دقيانوسَ من الأحوال والأهوالِ ويتلقَّوْن ذلك من الأساطير وأفواهِ الرجال وعلى التقديرين فالفاء في قولِه عز وجل {فَقَالُواْ} فصيحةٌ أي أعثرناهم عليهم فرأوا ما رأوا فماتوا فَقَالُواْ أي قال بعضهم {ابنوا عَلَيْهِمْ} أي على باب كهفِهم {بنيانا} لئلا يتطرقَ إليهم الناسُ ضنا يتربتهم ومحافظةً عليها وقوله تعالى {رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ} من كلام المتنازِعين كأنهم لما رأَوا عدم اهتدائِهم إلى حقيقة حالِهم من حيث النسب ومن حيث العددُ ومن حيث اللُّبثُ في الكهف قالوا ذلك تفويضاً للأمر إلى علاّم الغيوب أو من كلام الله تعالى ردًّا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المنازعين وقيل هو أمرُهم وتدبيرُهم عند وفاتِهم أو شأنُهم في الموت والنومِ حيث اختلفوا في أنهم ماتوا أو ناموا كما في أول مرة فإذا حينئذ متعلق بقوله تعالى {قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ} وهم الملِكُ والمسلمون {لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا} وقوله تعالى فَقَالُواْ معطوفٌ على يتنازعون وإيثارُ صيغةِ الماضي للدَلالة على أن هذا القولَ ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازُع وقيل متعلقٌ باذكر مضمَراً وأما تعلقُه بأعثرنا فيأباه أن إعثارِهم ليس في زمان تنازُعِهم فيما ذكر بل قبلَه وجعلُ وقتِ التنازع ممتداً يقع في بعضه الإعثارُ وفي بعضه التنازعُ تعسفٌ لا يخفى مع أنه لا مخصَّصَ لإضافته إلى التنازُع وهو مؤخرٌ في الوقوع

ص: 215

{سيقولون}

ص: 215

الكهف 23 الضميرُ في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابِ والمسلمين لكنْ لا على وجهِ إسنادِ كلَ منها إلى كلهم بل إلى بعضهم {ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} أي هم ثلاثةُ أشخاص رابعُهم أيْ جاعلُهم أربعةً بانضمامه إليهم كلبُهم قيل قالته اليهودُ وقيل قاله السيد من نصارى نَجرانَ وكان يعقوبيا وقرئ ثلاةٌ بإدغام الثاء في التاء {وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ} قيل قالتْه النصارى أو العاقبُ منهم وكان نِسْطورياً {رَجْماً بالغيب} رمياً بالخبر الخفيِّ الذي لا مُطَّلَعَ عليه أو ظنًّا بالغيب من قولهم رجَمَ بالظن إذا ظن وانتصابُه عَلى الحاليةِ من الضمير في الفعلين جميعاً أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجْمَ والقولَ واحد أو من محذوف مستأنَفٍ واقعٍ موقعَ الحال من ضمير الفعلين معاً أي يرجُمون رجماً وعدم إيرادِ السينِ للاكتفاء بعطفه على ما فيه ذلك {وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ} هو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم نظمِه في سلك الرجْمِ بالغيب وتغييرُ سبكه بزيادة الواو المفيدةِ لزيادة وكادةِ النسبة فيما بين طرفيها لا بوحي آخرَ كما قيل {قُلْ} تحقيقاً للحق وردًّا على الأولين {رَّبّى أَعْلَمُ} أي أقوى علماً {بِعِدَّتِهِم} بعددهم {مَّا يَعْلَمُهُمْ} أي ما يعلم عِدّتهم أو ما يعلمهم فضلاً عن العلم بعِدتهم {إِلَاّ قَلِيلٌ} من الناس قد وفقهم الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد قال ابن عباس رضي الله عنه حين وقعت الواو وانقطعت العِدّةُ وعليه مدارُ قوله رضي الله عنه أنا من ذلك القليل ولو كان في ذلك وحيٌ آخرُ لما خفيَ عليه ولما احتاج إلى الاستشهاد بالواو ولكان المسلمون أسوةً له في العلم بذلك وعن عليٌّ كرم الله وجهه أنهم سبعةُ نفر أسماؤهم بمليخا ومكشليينا ومشليينا هؤلاء أصحابُ يمينِ الملكِ وكان عن يساره مرنوش ودبرنو وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستةَ في أمره والسابعُ الراعي الذي وافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوس واسمه كفيشططيوش {فَلَا تُمَارِ} الفاءُ لتفريع النَّهيِ على ما قبله أي إذ قد عرفتَ جهل أصحاب القولين الأولين فلا تجادلهم {فِيهِمْ} في شأن الفتية {إِلَاّ مِرَآء ظاهرا} قدرَ ما تعرّض له الوحيُ من وصفهم بالرجم بالغيب وعدمِ العلم على الوجه الإجمالي وتفويضِ العلم إلى الله سبحانه من غير تصريحٍ بجهلهم وتفضيح لهم فإنه مما يُخِلُّ بمكارم الأخلاق {وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ} في شأنهم {مِنْهُمْ} من الخائضين {أَحَدًا} فإن فيما قُص عليك لمندوحةً عن ذلكَ مع أنَّه لا علمَ لهم بذلك وقال عطاء إلا قليلٌ من أهل الكتابِ فالضمائرُ الثلاثة في الأفعال الثلاثةِ لهم وما ذكر من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القولِ الثالثِ وفيه محيصٌ عَّما في الأولِ من التكلف في جعل أحدِ الأقوالِ المحكية المنظومةِ في سِمْط واحدٍ ناشئاً عن الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ووضوحٌ في سبب حذف المفعولِ في لا تُمار والمعنى حينئذ وإذ قد وقفتَ على أن كلَّهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادِلْهم إلا جدالاً ظاهراً نطَق به الوحيُ المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مُصيباً وإن قل والنهيُ عن الاستفتاء لدفع ما عسى يُتوهَّم من احتمال جوازِه أو احتمالِ وقوعِه بناءً على إصابة بعضهم فالمعنى لا تراجع إليهم في شأن الفتيةِ ولا تصدّق القولَ الثالثَ من حيث صدورُه عنهم بل من حيث التلقّي من الوحي

ص: 216

الشيءَ {غَداً} أي فيما يُستقبل من الزمانِ مطلقاً فيدخُل فيه الغدُ دخولاً أولياً فإنه نزل حين قالت اليهودُ لقريش سلُوه عن الروح وعن أصحاب الكهفِ وذي القرنين فسأوله صلى الله عليه وسلم فقال ائتوني غداً أُخبرْكم ولم يستثنِ فأبطأ عليه الوحيُ حتى شق عليه وكذّبته قريشٌ وما قيل من أن المدلولَ بالعبارة هو الغدُ وما بعد ذلك مفهومٌ بطريق دِلالة النصِّ يرده أن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي فإن وسعةَ المجالِ دليلُ القدرة فليتأمل

ص: 217

{إلا أن يشاء الله} استثناءٌ مفرَّغٌ من النهي أي لا تقولن ذلك في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ملابستِه بمشيئته تعالى على الوجه المعتادِ وهو أن يقال إن شاء الله أو في وقتٍ من الأوقاتِ إلا وقتَ أنْ يشاءَ الله أن تقوله لا مطلقاً بل مشيئته إذن مشيئته إذن فإن النسيانَ أيضاً بمشيئته تعالى ولا مساغَ لتعليقه بفاعل لعدم سِدادِ استثناءِ اقترانِ المشيئة بالفعل ومنافاةِ استثناءِ اعتراضها النهي وقيل الاستثناءُ جارٍ مَجرى التأييد كأنه قيل لا تقولنّه أبداً كقوله تعالى وَمَا كان لنا أن نعود فهيا إلا أن يشاء الله {واذكر رَّبَّكَ} بقولك إن شاء الله مداركا له {إِذَا نَسِيتَ} إذا فرَطَ منك نسيانٌ ثم ذكرتَه وعن ابن عباس رضي الله عنهما ولو بعد سنةٍ ما لم يحث ولذلك جوّز تأخيرُ الاستثناءِ وعامةُ الفقهاء على خلافه إذ لو صح ذلك لما تقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عَتاقٌ ولم يُعلم صِدقٌ ولا كذِبٌ قال القرطبيُّ هذا في تدارك التبرك والتخلص عن الإثم وأما الاستثناءُ المغير للحكم فلا يكون إلا متصلا ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناءُ مبالغةٌ في الحثِّ عليه أو اذكر ربَّك وعقابَه إذا تركت بعضَ ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارُك أو اذكره إذا اعتراك النسيانُ ليذكِّرك المنسيَّ وقد حُمل على أداء الصلاةِ المنْسية عند ذكرِها {وَقُلْ عسى أن يهدين رَبّى} أي يوفقني {لاِقْرَبَ مِنْ هذا} أي لشيء أقربَ وأظهرَ من نبأ أصحاب الكهف من الآيات والدلائل الدالةِ على نبوتي {رَشَدًا} أي إرشاداً للناس ودلالةً على ذلك وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظمُ من ذلك وأبينُ كقصص الأنبياءِ المتباعدِ أيامُهم والحوادثِ النازلة في الأعصار المستقبلةِ إلى قيام الساعةِ أو لأقربَ رشداً وأدنى خبراً من المنسيّ

ص: 217

{وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ} أحياءً مضروباً على آذانهم {ثلاث مائة سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا} وهي جملةٌ مستأنَفةٌ مبينةٌ لما أُجمل فيما سلف وأُشير إلى عزة منالِه وقيل إنه حكايةُ كلامِ أهلِ الكتابِ فإنهم اختلفوا في مدة لُبثِهم كما اختلفوا في عِدّتهم فقال بعضهم هكذا وبعضهم ثلثمائة وروى عن عليَ رضي الله عنه أنه قال عند أهلِ الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة سنةٍ شمسيةٍ والله تعالى ذكر السنةَ القمريةَ والتفاوتَ بنيهما في كل مائة سنةٍ ثلاث سنين فيكون ثلثمائة وتسعَ سنين وسنينَ عطفُ بيان ثلثمائة وقيل بدل وقرئ على الإضافة وضعاً للجمع موضعَ المفردِ ومما يحسّنه ههنا أن علامةَ الجمعِ فيه جبر

ص: 217

الكهف 26 28 لما حُذف في الواحد وأن الأصلَ في العدد إضافتُه إلى الجمع

ص: 218

{قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لبثوا} أي بالزمان الذين لبثوا فيه {لَهُ غَيْبُ السماوات والأرض} أيْ ما غابَ فيهما وخفيَ من أحوال أهلِهما واللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإنه غيرُ مختص بالغيب {أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ} دلّ بصيغة التعجبِ على أن شأنَ علمِه سبحانه بالمبصَرات والمسموعاتِ خارجٌ عما عليه إدراكُ المدرِكين لا يحجُبه شيءٌ ولا يحول دونه حائلٌ ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيفُ والكثيفُ والصغيرُ والكبيرُ والخفيُّ والجليُّ والهاءُ ضميرُ الجلالة ومحلُّه الرفعُ على الفاعلية والباء مَزيدةٌ عند سيبويهِ وكان أصله أبصَرَ أي صار ذا بَصَر ثم نقل إلى صيغة الأمرِ للإنشاء فبرز الضميرُ لعدم لياقة الصيغة له أو لزيادة الباء كما في كفى به والنصبُ على المفعولية عند الأخفشِ والفاعلُ ضميرُ المأمورِ وهو كلُّ أحد والباءُ مزيدة إن كانت الهمزةُ التعدية ومعدية إن كانت للصيرورة ولعل تقديمَ أمرِ إبصارِه تعالى لما أن الذي نحن بصدده من قبيل المبصَرات {مَّا لَهُم} لأهل السمواتِ والأرض {مِن دُونِهِ} تعالى {مِن وَلِىّ} يتولى أمورَهم وينصُرهم استقلالاً {وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ} في قضائه أو في علم الغيب {أَحَدًا} منهم ولا يُجعل له فيه مدخلاً وهو كما ترى أبلغُ في نفي الشريكِ من أن يقال من ولي ولا شريك وقرئ على صيغة نهى الحاضرة على أن الخطابَ لكل أحدٍ ولما دل انتظامُ القرآنِ الكريم لقصة أصحابِ الكهف من يحث إنها بالنسبة إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحي معجز أمره صلى الله عليه وسلم بالمداومة على دراسته فقال

ص: 218

{واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ كتاب رَبّكَ} ولا تسمَعْ لقولهم ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه {لَا مُبَدّلَ لكلماته} لا قادرَ على تبديله وتغييره غيرُه {وَلَن تَجِدَ} أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب {مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة

ص: 218

{واصبر نَفْسَكَ} احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً {مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى} أي دائبين على الدعاء في جميع الأوقاتِ وقيل في طرف في النهار وقرئ بالغُدوة على أن إدخال اللام عليها وهي علمٌ في الأغلب على تأويل التنكيرِ بهم والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمار وخباب ونحوهم رضي الله عنهم وقيل أصحابُ الصُّفَّة وكانوا نحو سبعِمائة رجل قيل إنه قال قومٌ من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم نحِّ هؤلاء المواليَ الذين كأن ريحَهم ريحُ الضأن حتى نجالسَك كما قال قومُ نوحٍ عليه السلام أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون فنزلت والتعبيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز

ص: 218

الكهف 29 الصلة من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة {يُرِيدُونَ} بدعائهم ذلك {وَجْهَهُ} حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم مِن عدَاه أي جاوزه واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أولا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم من عدَوتُه عن الأمر أي صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوف لظهوره وقرئ ولا تعد عينيك ولا تُعْدِ عينيك من الإعداء والتعدية ووالمراد نهيه صلى الله عليه وسلم عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحاً إلى زِيّ الأغنياء {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} أي تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ الدنيا وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها وضمير تريد للعينين وإسنادُ الإرادةِ إليه مجازٌ وتوحيدُه للتلازم كما في قوله

لمن زحلوقة زُل

بها العينان تنهلُّ

ومن المستكنّ في الفعل على القراءتين الأخيرتين {وَلَا تطع} في تحية الفقراءِ عن مجالسك {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي جعلناه غافلاً لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة أو وجدناه غافلاً كقولك أجبَنْتُه وأبخلتُه إذا وجدتُه كذلك أو هو مِنْ أَغفلَ إبِلَه أي لم نسمِّه بالذكر {عَن ذِكْرِنَا} كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ وفيهِ تنبيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد وقرئ أغفلَنا قلبُه على إسنادِ الفعلِ إلى القلب أي حسِبَنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة من أغفلتُه إذا وجدتُه غافلاً {واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ضيَاعاً وهلاكاً أو متقدماً للحق والصواب نا بذاله وراءَ ظهره من قولهم فرسٌ فرُطٌ أي متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوى المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية مَا في حيزِ الصِّلةِ للنهي عن الإطاعة

ص: 219

{وَقُلْ} لأولئك الغافلين المتبعين هواهم {الحق مِن رَّبّكُمْ} أي ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} إما من تمام القولِ المأمورِ بهِ والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليهِ كما في قولِهِ تعالى {هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وقوله تعالى الحق مِن رَّبّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الممترين أي عَقيبَ تحقق أن ما أوحي إليَّ حقٌّ لا ريب فيه وأن ذلك الحقَّ من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمن به فليؤمن كسائر المؤمنين ولا يتعللَ بما لا يكاد يصلُح للتعليل ومن شاء أن يكفر به فليفعلْ وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجودا وعدما مالا يخفى وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاءُ لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون

ص: 219

الكهف 30 31 المأمورِ به والمعنى قل لهم ذلك وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل فقوله تعالى {إِنَّا أَعْتَدْنَا} وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفهم من ظاهر التخييرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والأمهالِ وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيير التهديديِّ أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا {للظالمين} أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه والتعبيرُ عنهم بالظاليمن للتنبيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعِه {نَارًا} عظيمةً عجيبة {أَحَاطَ بِهِمْ} أي يحيط بهم وإيثارُ صيغةِ الماضِي للدَلالة على التحققِ {سرادقها} أي فسطاطها شُبّه به ما يحيط بهم من النار وقيل السرادِقُ الحجرةُ التي تكون حول الفُسطاطِ وقيل سرادِقُها دُخانُها وقيل حائط من نار {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ} من العطش {يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل} كالحديد المذاب وقيل كدُرْدِيِّ الزيت وهو على طريقة قوله فاعتُبوا بالصَّيْلم {يَشْوِى الوجوه} إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هو كعَكَر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروةُ وجهه {بِئْسَ الشراب} ذلك {وَسَاءتْ} النار {مُرْتَفَقًا} متكأً وأصل الاتفاق نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار وإنما هو بمقابلة قوله تعالى {وحسنت مرتفقا}

ص: 220

{إن الذين آمنوا} في محل التعليلِ للحث على الإيمان المنفهِم من التخيير كأنه قيل والذين آمنوا ولعل تغييرَ سبكه للإيذان بكمال تنافي مآليْ الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحيَ إليك {وَعَمِلُواْ الصالحات} حسبما بين في تضاعيفه {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} خبرُ إن الأولى هي الثانيةُ مع ما في حيزها والراجعُ محذوفٌ أي من أحسنَ منهم عملاً أو مستغنًى عنه كما في قولك نعم الرجل زيدا أو واقعٌ موقعَه الظاهرَ فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذين آمن وعمِل الصالحات

ص: 220

{أولئك} المنعوتون بالنعوت الجليلةِ {لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار} استئنافٌ لبيان الأجر أو هو الخبر وما بنيهما اعتراضٌ أو هو خبرٌ بعد خبر {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} من الأولى ابتدائيةٌ والثانيةُ بيانية صفةٌ لأساور والتنكيرُ للتفخيم وهو جمعُ أَسوِرة أو أسور جمع سِوار {وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} خُصت الخُضرة بثيابهم لأنها أحسنُ الألوان وأكثرُها طراوة {مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي ممارق من الديباج وما غلظ جمعَ بين النوعين للدِلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعين {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك} على السرُر على ما هو شأن المتنعمين {نِعْمَ الثواب} ذلك {وَحَسُنَتْ} أي الآرائك {مرتفقا}

ص: 220

الكهف 32 34 أي متكأ

ص: 221

{واضرب لَهُم} أي للفريقين الكافر والمؤمن {مثلا رجلين} مفعولان لا ضرب أولُهما ثانيهما لأنه المحتاجُ إلى التفصيل والبيان أي اضرب للكافرين والمؤمنين لا من حيث أحوالُهما المستفادةُ مما ذكر آنفاً من أن للأولين في الآخرة كذا وللآخرين كذا بل من حيث عصيانُ الأولين مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعةِ الآخرين مع مكابدتهم مشاقَّ الفقر مثلاً حالَ رجلين مقدرَين أو محققَين هما أخوان من بني إسرائيلَ أو شريكان كافرٌ اسمُه قطروس ومؤمنٌ اسمه يهوذا اقتسما ثمانيةَ آلافِ دينار فاشترى الكافرُ بنصيبه ضِياعاً وعَقاراً وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبارِّ فآل أمرُهما إلى ما حكاه الله تعالى وقيل هما أخوان من نبي مخزومٍ كافرٌ هو الأسودُ بن عبد الأسد ومسلم هو أبو سلمة عبدَ اللَّه بنَ عبدِ الأسد زوجُ أم سلمة رضي الله عنها أولاً {جَعَلْنَا لاِحَدِهِمَا} وهو الكفار {جنتين} بستانين {مّنْ أعناب} من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيانٌ للتمثيل أو صفةٌ لرجلين {وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ} أي جعلنا النخل محيطةً بهما مؤزَّراً بها كرومُهما يقال حفّه القومُ إذا طافوا به وحففتُه بهم جعلتُهم حافّين حوله فيزيده الباء مفعولاً آخر كقولك غشَّيتُه به {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا} وسطهما {زَرْعًا} ليكون كلٌّ منهما جامعاً للأفوات والفواكهِ متواصلَ العِمارة على الهيئة الرائقةِ والوضعِ الأنيق

ص: 221

{كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا} ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل وقرئ بسكون الكاف وقرئ كلُّ الجنتين آتى أكُلَه {وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ} لم تنقُص من أُكُلها {شَيْئاً} كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض {وَفَجَّرْنَا خلالهما} فيما بين كلَ من الجنتين {نَهَراً} على حِدَة ليدوم شربهما ويزيد بهاؤهما وقرئ بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاء الكل مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها ولو عكس لا نفهم أن المجموعَ خَصلةٌ واحدة بعضُها مترتبٌ على بعض فإن إيتاءَ الأكلِ متفرِّعٌ على السقْي عادةً وفيه إيماءٌ إلى أن إيتاء الأكلِ لا يتوقف على السقى كقوله تعالى {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء} وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ

ص: 221

{وَكَانَ لَهُ} لصاحب الجنتين {ثَمَرٌ} أنواعٌ من المال غيرُ الجنتين من ثمر مالَه إذا كثّره قال ابن عباس رضي الله عنهما هو جميعُ المال من الذهب والفضة والحيوانِ وغير ذلك وقال مجاهد هو الذهبُ والفضة خاصة {فَقَالَ لصاحبه} المؤمن {وَهُوَ} أي القائلُ {يحاوره} أي صاحبَه المؤمنَ وإن جاز العكسُ أي يراجعه في الكلام من حار إذا رجع {أنا أكثر منك مالا وَأَعَزُّ نَفَراً} حشَماً وأعواناً أو أولاداً ذُكوراً لأنهم الذين ينفرون معه

ص: 221