المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الإسراء - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - جـ ٥

[أبو السعود]

الفصل: الإسراء

الإسراء

ص: 177

‌49

- {وقالوا أئذا كُنَّا عظاما ورفاتا} استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ للبعث بعد ما آل الحالُ إلى هذا المآل لِما بين غضاضةِ الحيِّ ويُبوسة الرميم من التنافي كأن استحالةَ الأمر منَ الظهورِ بحيثُ لا يقدر المخاطبُ على التكلم به والرفاتُ ما بولغ في دقِّه وتفتيته وقال الفرَّاء هو التراب وهو قولُ مجاهدٍ وقيل هو الحُطامُ وإذا متمحّضةٌ للظرفية وهو الأظهرُ والعاملُ فيها ما دل عليه قوله تعالى (أئنا لَمَبْعُوثُونَ) لا نفسُه لأن مَا بعد إن والهمزةِ واللام لا يعملُ فيما قبلَها وهو نبعث أو نعاد وهو المرجِعُ للإنكارِ وتقييدُه بالوقت المذكور ليس لتخصيصه به فإنَّهم منكرِون للإحياءِ بعدَ الموتِ وإنْ كانَ البدنُ على حالِه بل لتقويةِ الإنكارِ للبعثِ بتوجيهه إليه في حالةٍ منافيةٍ له وتكريرُ الهمزة في قولهم أئنا لتأكيدِ النكيرِ وتحليةُ الجُملةِ بأنَّ واللامِ لتأكيدِ الإنكارِ لا لإنكارِ التأكيدِ كما عسى يُتوَّهم من ظاهرُ النظمِ فإنَّ تقديمَ الهمزةِ لاقتضائِها الصدارةَ كما في مثلِ قولِه تعالى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ونظائرِه عَلَى رأي الجمهورِ فإن المعنى عندهم تعقيبُ الإنكارِ لا إنكارُ التعقيبِ كما هو المشهورُ وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتينَ في المبعوثية بالفعل في حال كونهم عطاما ورفاتاً كما يتراءى من ظاهر الجملةِ الاسمية بل كونِهم بعَرَضية ذلك واستعدادِهم له ومرجعُه إلى إنكارِ البعثِ بعد تلك الحالةِ وفيه من الدلالة على غلوهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا مزيدَ عليه (خَلْقاً جَدِيداً) نصْبٌ على المصدر من غير لفظِه أو الحاليةِ على أن الخلق بمعنى المخلوق

ص: 177

(قل) جوابا لهم وقريبا لما استبعدوه (كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً)

ص: 177

(أَوْ خَلْقًا) آخرَ (مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ) أي يعظُم عندكم عن قبول الحياة لكمال المباينةِ والمنافاةِ بينها وبينه فإنكم مبعوثون ومُعادون لا محالة (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا) مع ما بيننا وبين الإعادةِ من مثل هذه المباعدةِ والمباينة (قُلْ) لهم تحقيقاً للحق وإزاحة للاستبعاد وإرشاد لهم إلى طريقة الاستدلال (الذى) أي يعيدكم القادرُ العظيم الذي (فَطَرَكُمْ) اخترعكم (أَوَّلَ مَرَّةٍ) من غيرِ مثالِ يحتذيهِ ولا أسلوبٍ ينتحيه وكنتم تراباً ما شمّ رائحةَ الحياة أليس الذي يقدِر على ذلك بقادر على أن يعيدَ العظامَ الباليةَ إلى حالتها المعهودة بلى أَنَّهُ على كُلّ شَىْء قدير (فَسَيُنْغِضُونَ إليك رءوسهم) أي سيحركونها نحوَك تعجباً وإنكاراً (وَيَقُولُونَ) استهزاءً (متى هُوَ) أي ما ذكرتَه من الإعادة (قُلْ) لهم (عسى أَن يَكُونَ) ذلك (قَرِيبًا) نُصب على أنه خبرٌ ليكون أو ظرفٌ على أنَّ كانَ تامةٌ أي أن يقعَ في زمان قريب ومحلُّ أن مع ما في حيزها إما نصبٌ على أنه خبرٌ لعسى وهي ناقصة واسمُها ضميرٌ عائد إلى ما عاد إليه هو أي عسى البعث أن يكون قريبا أو عسى البعث يقعَ في زمان قريب أو رفع على أنه فاعل

ص: 177

الإسراء 52 55 لعسى وهي تامة أي عسى كونُه قريباً أو وقوعُه في زمان قريب

ص: 178

(يَوْمَ يَدْعُوكُمْ) منصوب بفعل مضمر أي اذكروا أو على أنه بدلٌ من قريباً على أنه ظرفٌ أو بيكونَ تامةً بالاتفاق أو ناقصةً عند من يجوّز إعمالَ الناقصة في الظروف أو بضمير المصدرِ المستكنِّ في عسى أو يكون أعني البعث عند من يجوز إعمالَ ضمير المصدر كما في قولِ زُهيرٍ

وما الحربُ إلا ما علمتمْ وذُقتم

وما هو عنها بالحديث المُرجّمِ

فهو ضميرُ المصدر وقد تعلق به ما بعدَهُ من الجار (فَتَسْتَجِيبُونَ) أي يوم يبعثكم فتُبعثون وقد استُعير لهما الدعاءُ والإجابة إيذاناً بكمال سهولةِ التأتّي وبأن المقصودَ منهما الإحضارُ للمحاسبة والجواب (بِحَمْدِهِ) حال من ضمير تستجيبون أي منقادين له حامدين لما فَعل بكم غيرَ مستعصين أو حامدين له تعالى على كمال قدرتِه عند مشاهدة آثارها ومعاينةِ أحكامها (وَتَظُنُّونَ) عطف على تستجيبون أي تظنون عند ما ترون ما ترَوْن من الأمور الهائلة (إِن لَّبِثْتُمْ) أي ما لبثتم في القبور (إِلَاّ قَلِيلاً) كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ أو ما لبثتم في الدنيا

ص: 178

(وَقُل لّعِبَادِى) أي المؤمنين (يَقُولُواْ) عند محاورتِهم مع المشركين (التى) أي الكلمةَ التي (هِىَ أَحْسَنُ) ولا يخاشنوهم كقوله تعالى وَلَا تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلَاّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ (إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ) أي يُفسد ويَهيج الشر والمِراء ويُغري بعضَهم على بعض لتقع بينهم المشاقّةُ والمشارّة والمعارة والمضارّة فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العِناد وتمادي الفساد فهو تعليلٌ للأمر السابق وقرئ بكسر الزاء (إِنَّ الشيطان كَانَ) قدماً (للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا) ظاهرَ العداوةِ وهو تعليلٌ لما سبق من أن الشيطان ينزَغ بينهم

ص: 178

(رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ) بالتوفيق للإيمان (أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ) بالإمانة على الكفر وهذا تفسيرُ التي هي أحسنُ وما بينهما اعتراضٌ أيْ قولوا لهم هذه الكلمةَ وما يشاكلها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يَهيجهم على الشر مع أن العاقبَة مما لا يعلمُه إلا الله سبحانه فعسى يهديهم إلى الإيمان (وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) موكولاً إليك أمورُهم تقسِرهم على الإيمان وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارِهم ومُرْ أصحابَك بالمداراة والاحتمال وترك المُحاقّة والمشاقّة وذلك قبل نزول آيةِ السيف وقبل نزلتْ في عمرَ رضي الله عنه شتمه رجلٌ فأُمر بالعفو وقيل أفرط أذيةُ المشركين بالمؤمنين فشكَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقيل الكلمة التي هي أحسنُ أن يقولوا يهديكم الله ويرحمكم الله

ص: 178

(وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى المسوات والأرض)

ص: 178

الإسراء 56 58 وتفاصيل أحوالِهم الظاهرة والكامنة التي بها يستأهلون الاصطفاءَ والاجتباءَ فيختار منهم لنبوته وولايتِه من يشاء ممن يستحقه وهو ردٌّ عليهم إذ قالوا بعيدٌ أن يكون يتيمُ أبي طالبٍ نبياً وأن يكون العراة الجوع أصحابَه دون أن يكونَ ذلكَ من الأكابر والصناديدِ وذكرُ من في السموات لإبطال قولِهم لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ وذكرُ مَن في الأرض لرد قولِهم لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عَظِيمٍ (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ) بالفضائل النفسانيةِ والتنّزهِ عن العلائق الجُسمانية لا بكثرة الأموالِ والاتباع (وآتينا داود زَبُوراً) بيانٌ لحيثية تفضيلِه عليه الصلاة والسلام فإنَّ ذلك إيتاءُ الزبور لا إيتاءُ الملك والسلطنةِ وفيه إيذانٌ بتفضيل النبيِّ صلى الله عليه وسلم فإن نعوتَه الجليلةَ وكونَه خاتمَ النبيين مسطورةٌ في الزبور وأن المرادَ بعباد الله الصالحين في قوله تعالى أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأمته وتعريفُ الزبور تارة وتنكيرُه أخرى إما لأنه في الأصل فَعولٌ بمعنى المفعول كالحَلوب أو مصدر بمعناه كالقول وإما لأن المرادَ آتينا داودَ زبوراً من الزُّبُر أو بعضاً من الزبور فيه ذكرُه صلى الله عليه وسلم وقرئ بضم الزاي على أنه جمعُ زِبْرٍ بمعنى مزبور

ص: 179

(قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم) أنها آلهةٌ (مِن دُونِهِ) تعالى من الملائكة والمسيحِ وعُزيرٍ (فَلَا يَمْلِكُونَ) فلا يستطيعون (كَشَفَ الضر عَنْكُمْ) بالمرة كالمرض والفقر والقَحطِ ونحو ذلك (وَلَا تَحْوِيلاً) أي ولا تحويلَه إلى غيركم

ص: 179

(أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ) أي أولئك الآلهةُ الذين يدعوهم المشركون من المذكورين (يَبْتَغُونَ) يطلبون لأنفسهم (إلى رَبّهِمُ) ومالكِ أمورِهم (الوسيلة) القربةَ بالطاعة والعبادة (أَيُّهُمْ أَقْرَبُ) بدل من فاعل يبتغون وأيُّ موصولةٌ أي يبتغي مَنْ هو أقرب إليه تعالى الوسيلةَ فكيف بمن دونه أو ضُمّن الابتغاءُ معنى الحِرص فكأنه قيل يحرصون أيهم يكون أقربَ إليه تعالى بالطاعة والعبادة (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ) بها (ويخافون عَذَابَهُ) بتركها كدأب سائرِ العباد فأين هم من كشف الضرِّ فضلاً عن الإلهية (إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا) حقيقاً بأن يحذرَه كلُّ أحدٍ حتى الملائكةُ والرسلُ عليهم الصلاة والسلام وهو تعليلٌ لقوله تعالى ويخافون عَذَابَهُ وتخصيصُه بالتعليل لما أن المَقام مقامُ التحذيرِ من العذاب وأن بينهم وبين العذاب بَوناً بعيداً

ص: 179

(وَإِن مّن قَرْيَةٍ) بيانٌ لتحتم حلول عذابِه تعالى بمن لا يحذره إثرَ بيانِ أنه حقيقٌ بالحذر وأن أساطينَ الخلق من الملائكة والنبيين عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ على حذر من ذلك وكلمةُ إنْ نافيةٌ ومِنْ استغراقيةٌ والمرادُ بالقرية القريةُ الكافرةُ أي ما من قرية من قرى الكفار (إِلَاّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا)

ص: 179

الإسراء 59 وتفاصيل أحوالِهم الظاهرة والكامنة التي بها يستأهلون أهلِها بالمرة لما ارتكبوا من عظائم الموبقات المستوجب لذلك وفي صيغة الفاعلِ وإن كانت بمعنى المستقبَل ما ليس فيهِ منَ الدِلالة عَلى التحقق والتقرّرِ وإنما قيل (قَبْلَ يَوْمِ القيامة) لأن الإهلاكَ يومئذ غيرُ مختصَ بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبةِ وإنما هو لانقضاء عمرِ الدنيا (أَوْ مُعَذّبُوهَا) أي معذبوا أهلِها على الإسنادِ المجازيِّ (عَذَاباً شَدِيداً) لا بالقتل والسبْي ونحوِهما من البلايا الدنيويةِ فقط بل بما لا يكتنه كنهه من فنون العقوبات الأخرويةِ أيضاً حسبما يفصخ عنه إطلاقُ التعذيبِ عما قُيد به الإهلاكُ من قَبْلية يومِ القيامة كيف لا وكثيرٌ من القرى العاتية العاصيةِ قد أُخّرت عقوباتُها إلى يوم القيامة (كَانَ ذَلِكَ) الذي ذكر من الإهلاك والتعذيب (فِى الكتاب) أي اللوح المحفوظ (مَسْطُورًا) مكتوباً لم يغادَرْ منه شيءٌ إلا بُيِّن فيه بكيفياته وأسبابِه الموجبةِ له ووقتِه المضروبِ له هذا وقد قيل الهلاكُ للقُرى الصالحة والعذابُ للطالحة وعن مقاتل وجدتُ في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكةُ فُيْخرِبها الحبشةُ وتهلِك المدينةُ بالجوع والبصرةُ بالغرق والكوفةُ بالترك والجبال بالصواعق والرواحف وأما خراسانُ فهلاكُها ضُروبٌ ثم ذكرها بلداً بلداً وقال الحافظ أبو عمْرو الدواني في كتاب الفتن أنه روي عن وهْب ابن منبّه أن الجزيرةَ آمنةٌ من الخراب حتى تخرَبَ أرمينية آمنةٌ حتى تخرَب مصرُ ومصرُ آمنةٌ حتى تخرَبَ الكوفةُ ولا تكون الملحمةُ الكبرى حتى تخرَب الكوفةُ فإذا كانت الملحمةُ الكبرى فتحت قسطنطينية على يَديْ رجلٍ من بني هاشم وخرابُ الأندلس من قِبَل الزَّنْج وخرابُ إفريقيةَ من قِبَل الأندلس وخرابُ مصرَ من انقطاع النيلِ واختلافِ الجيوش فيها وخرابُ العراقِ من الجوع وخرابُ الكوفة من قِبل عدوَ من ورائهم يحصُرهم حتى لا يستطيعون أن يشربوا من الفرات قطرةً وخرابُ البصرة من قِبل الغرق وخرابُ الأَيْلة من قبل عدوَ يحصُرهم برًّا وبحراً وخرابُ الرّيّ من الديلم وخرابُ خراسانَ من قبل التّبْت وخرابُ التبت من قبل الصّين وخرابُ الهندِ واليمن من قبل الجرَاد والسلطان وخرابُ مكةَ من الحبشة وخرابُ المدينة من قبل الجوع وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه إن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال آخرُ قريةٍ من قرى الإسلام خراباً المدينةُ وقد أخرجه العمري من هذا الوجه وأنت خبيرٌ بأن تعميمَ القريةِ لا يساعده السباقُ ولا السياق

ص: 180

(وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات) أي الآياتِ التي اقترحتها قريشٌ من إحياء الموتى وقلبِ الصَّفا ذهباً ونحو ذلك (إل أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون) استثناء مفرغ من أعم الأشياء أي وما منعنا إرسالها شيءٌ من الأشياءِ إِلَاّ تكذيبُ الأولين بها حين جاءتهم باقتراحهم وعدمُ إرساله تعالى بها وإن كان بمشيئته المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ لا لمنع مانعٍ عن ذلك من التكذيب أو غيرِه لاستحالة العجزِ عليه تعالى لكنّ تكذيبَهم المذكورَ بواسطة استتباعِه لاستئصالِهم بحُكم السنة الإلهية واستلزمه لتكذيب الآخرين بحكم الاشتراكِ في العتو والعتاد وإفضائِه إلى أن يحِل بهم مثلُ ما حَلَّ بهم بحكم الشِرْكة في الجريرة لمّا كان منافياً لإرسال ما اقترحوه

ص: 180

الإسراء 60 من الآيات لتعيين التكذيبِ المستدعي للاستئصال المخالفِ لما جرى به قلمُ القضاءِ من تأخير عقوباتِ هذه الأمةِ إلى الآخرة لحِكَمٍ باهرة من جملتها ما يُتوَّهم من إيمان بعض أعقابِهم عَبّر عن تلك المنافاةِ بالمنع على نهج الاستعارةِ إيذاناً بتعاضد مبادئ الإرسال لا كماز عموا من عدم إرادتِه تعالى لتأييده صلى الله عليه وسلم بالمعجزات وهو السرُّ في إيثارِ الإرسالِ على الإيتاء لما فيه من الإشعار بتداعي الآياتِ إلى النزول لولا أن تُمسْكَها يدُ التقدير وإسناد على هذا المنعِ إلى تكذيب الأولين لا إلى عمله تعالى بما سيكونُ من الآخَرَيْن كما في قوله تعالى وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ لإقامة الحجةِ عليهم بإبراز الا نموذج وللإيذان بأن مدارَ عدم الإجابةِ إلى إيتاء مقترحِهم ليس إلا صنيعَهم (وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة) عطفٌ على ما يُفصح عنه النظمُ الكريمُ كأنه قيل وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات إِلَاّ أَن كَذَّبَ بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرةِ فكذبوها وآتينا باقتراحهم ثمودَ الناقةَ (مُبْصِرَةً) على صيغةِ الفاعلِ أي بَيّنةً ذاتَ إبصارٍ أو بصائرَ يدركها الناسُ أو أُسند إليها حالُ من يشاهدها مجازاً أو جاعلتَهم ذوي بصائرَ من أبصره جعله بصيراً وقرئ على صيغة المفعول وبفتح الميم والصادر وهي نصبٌ على الحالية وقرئ بالرفع على أنَّها خبرُ مبتدإٍ محذوف (فَظَلَمُواْ بِهَا) فكفروا بها ظالمين أي لم يكتفو بمجرد الكفرِ بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقْر أو ظلموا أنفسَهم وعرّضوها للهلاك بسبب عقرِها ولعل تخصيصَها بالذكر لما أن ثمودَ عربٌ مثلُهم وأن لهم من العلم بحالهم مالا مزيد عليه حيث يشاهدون آثارَ هلاكِهم ورودا او صدودا أو لأنها من جهة إنها حيوانٌ أُخرج من الحجر أوضحُ دليلٍ على تحقق مضمونِ قوله تعالى قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً (وَمَا نُرْسِلُ بالأيات) المقترَحة (إِلَاّ تَخْوِيفًا) لمن أُرسلت هي عليهم مما يعقُبها من العذاب المستأصِل كالطليعة له وحيث لم يخافوا ذلك فُعل بهم ما فُعل فلا محل للجملة حينئذ من الإعراب ويجوز أن تكون حالاً من ضمير ظلموا أي ظلموا بها ولم يخافوا عاقبتَه والحالُ أنا ما نُرسل بالآيات التي هي من جُملتِها إلا تخويفاً من العذاب الذي يعقُبها فنزل بهم ما نزل

ص: 181

(وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس) أي علماً كما نقله الإمامُ الثعلبيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما فلا يَخْفى عليه شيءٌ من أفعالهم الماضيةِ والمستقبلة من الكفر والتكذيبِ وفي قوله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التى أريناك إِلَاّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ) إلى آخر الآية تنبيه على تتحقها بالاستدلال عليها بما صدَر عنهم عند مجيءِ بعض الآياتِ لاشتراك الكلِّ في كونها أموراً خارقةً للعادات منزّلةً من جانب الله سبحانه لتصديق النبيِّ صلى الله عليه وسلم فتكذيبُهم لبعضها مستلزمٌ لتكذيب الباقي كما أن تكذيبَ الآخرين بغير المقترَحة يدل على تكذيبهم بالآيات المقترَحة والمرادُ بالرؤيا ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلةَ المِعراج من عجائب الأرضِ والسماءِ حسبَما ذُكر في فاتحةِ السورةِ الكريمة والتعبيرُ عن ذلك بالرؤيا إما لأنه لا فرقَ بينها وبين الرؤيةِ أو لأنها وقعت بالليل أو لأن الكفرةَ قالوا لعلها رؤيا أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِياناً مع كونها آيةً عظيمةً وأيةَ آيةٍ حقيقةٍ بأن

ص: 181

الإسراء 61 لا يتلعثم في تصديقها أحدٌ ممن له أدنى بصيرةٍ إلا فتنةً افتُتن بها الناسُ حتى ارتد بعضهم (والشجرة الملعونة فِى القرآن) عطف على الرؤيا والمرادُ بلعنها فيه لعنُ طاعمِها على الإسنادِ المجازيِّ أو إبعادُها عن الرحمة فإنها تنبُت في أصل الجحيم في أبعدِ مكان من الرحمة أي وما جعلناها إلى فتنةً لهم حيث أنكروا ذلك وقالوا إن محمداً يزعُم أن الجحيمَ يحرُق الحجارةَ ثم يقول ينبُت فيها الشجرُ ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً حيث كابروا قضيةَ عقولهم فإنهم يرون النعامة تبتلغ الجمْرَ وقِطعَ الحديد المحمّاةَ فلا تضرّها ويشاهدون المناديلَ المتخَذةَ من وبْر السمندر تُلقى في النار فلا تؤثر فيها ويرَون أن في كل شجر ناراً وقرئ بالرفع على حذف الخبر كأنه قيل والشجرةُ الملعونةُ في القرآن كذلك (وتخوفهم) بذلك وبنظائرها من الآيات فإن الكلَّ للتخويف وإيثارُ صيغة الاستقبال للدِّلالةِ على التَّجددِ والاستمرارِ فما يزيدهم التخويفُ (إِلَاّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) متجاوزاً عن الحد فلو أنا أُرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ما فعلوا بنظائرها وفُعل بهم ما فُعل بأشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبةِ العامة لهذه الأمةِ إلى الطامة الكبرى هَذَا هُو الذي يستدعيه النظمُ الكريمُ وقد حمل أكثرُ المفسرين الإحاطةَ على الإحاطة بالقدرة تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابةِ إلى إنزال الآياتِ التي اقترحوها لأن إنزالها ليس بمصلحة من نوع حزنٍ من طعْن الكفرةِ حيث كانوا يقولون لَوْ كنتَ رسولاً حقاً لأتيت بهذه المعجزات كما أتى بها موسى وغيرُه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكأنه قيل اذكر وقتَ قولِنا لك إن ربك اللطيفَ بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرتِه لا يقدرون على الخروج من مشيئته فهو يحفَظُك منهم فلا تهتم بهم وامضى لما أمرتُك به من تبليغ الرسالة ألا يرى أن الرؤيا التي أريناك من قبلُ جعلناها فتنةً للناس مُورثةً للشبهة مع أنها ما أورثت ضَعفاً لأمرك وفتوراً في حالك وقد فُسر الإحاطةُ بإهلاك قريشٍ يوم بدر وإنما عبر عنه بالماضي مع كونه منتظرا حسبما ينبئ عنه قوله تعالى سَيُهْزَمُ الجمعُ وَيُوَلُّونَ الدبرَ وقوله تعالى قل للذين كفروا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وغيرُ ذلك جرياً على عادته سبحانه في أخباره وأُوّلت الرؤيا بما رآه صلى الله عليه وسلم في المنام من مصارعهم لما روى أنه صلى الله عليه وسلم لما ورد ماءَ بدرٍ قال والله لكأني أنظرُ إلى مصارع القوم وهو يومئ إلى الأرض هذا مصرَعُ فلان وهذا مصرعُ فلان فتسامعت به قريش فاستسخروا منه وبما رأه النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل مكةَ وأخبر به أصحابَه فتوجه إليها فصده عام المشركون الحديبية واعتذر عن كون ما ذكر مدنياً بأنه يجوز أن يكون الوحيُ بإهلاكهم وكذا الرؤيا واقعاً بمكة وذكرُ الرؤيا وتعيينُ المَصارعِ واقعَين بعد الهجرة وأنت خبيرٌ بأنه يلزم منه أن يكون افتتانُ الناسِ بذلك واقعاً بعد الهجرة وأن يكون ازديادُهم طغياناً متوقعاً غيرَ واقعٍ عند نزول الآية وقد قيل الرؤيا ما رآه صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر من مضمون قوله تعالى إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ ولا ريب في أن تلك الرؤيا مع وقوعها في المدينة ما جعلت فتنة للناس

ص: 182

(وإذا قُلْنَا للملائكة) تذكيرٌ لما جرى منه تعالى من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعةِ من غير تردد وتحقيقٍ لمضمونِ ما سبقَ من قولِه تعالى أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كان محذورا ويعلم

ص: 182

الإسراء 62 63 من حال الملائكة حال غيرهم من عيسى وعُزيرٍ عليهما السلام في الطاعة وابتغاءِ الوسيلة ورجاءِ الرحمة ومخافةِ العذاب ومن حال إبليسَ حالُ من يعاند الحقَّ ويخالف الأمرَ أي واذكر وقتَ قولِنا لهم (اسجدوا لاِدَمَ) تحيةً وتكريماً لما له من الفضائل المستوجِبة لذلك (فَسَجَدُواْ) له من غير تلعثم امتثالاً للأمر وأداءً لحقه عليه الصلاد والسلام (إِلَاّ إِبْلِيسَ) وكان داخلاً في زُمرتهم مندرجاً تحت الأمرِ بالسجود (قَالَ) أي عند ما وُبِّخ بقوله عز سلطانه يا إبليس ما لك أن لا تكون مَعَ الساجدين وقولِه مَا مَنَعَكَ أن لا تسجد اذ أَمَرْتُكَ وقوله مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ كما أشير إليه في سورة الحجر (أأسجد) وأنا مخلوقٌ من العنصر العالي (لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا) نُصب على نزعِ الخافضِ أي من طين أو حالٌ من الراجعِ إلى الموصول أي خلقتَه وهو طينٌ أو من نفس الموصول أي أأسجُد له وأصلُه طينٌ والتعبيرُ عنه صلى الله عليه وسلم بالموصول لتعليل إنكارِه بما في حيز الصلة

ص: 183

(قَالَ) أي إبليسُ لكن لا عَقيبَ كلامِه المحكي بل بعد الإنظارِ المترتب على استنظاره المتفرِّع على الأمر بخروجه من بين الملأ الأعلى باللعن المؤبّدِ وإنما لم تصرح بذلك اكتفاء بما ذكر في مواضعَ أُخَرَ فإن توسيطَ قال بين كلامَيْ اللعين للإيذان بعدمِ اتصالِ الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره كما في قوله تعالى قال فما خطبكم بعد قوله تعالى قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ ربه إلا لضالون (أرأيتك هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ) الكافُ لتأكيد الخطابِ لا محلَّ لها من الإعراب وهذا مفعولٌ أولٌ والموصولُ صفتُه والثاني محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه أي أخبِرني عن هذا الذي كرّمته عليّ بأن أمرْتَني بالسجود له لِمَ كَرَّمْتَه عليّ وقيل هذا مبتدأٌ حُذف عنه حرفُ الاستفهام والموصولُ مع صلتِه خبرُه ومقصودُه الاستصغار والاستحقار ما يخاطبه به عَقيبه (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ) حياً (إلى يَوْمِ القيامة) كلامٌ مبتدأٌ واللامُ موطِّئةٌ للقسم وجوابُه قوله (لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ) أي لأستأصِلَنّهم من قولهم احتنَك الجرادُ الأرضَ إذا جرَد ما عليها أكلاً أو لأقودنّهم حيث ما شئتُ ولأستولِينّ عليهم استيلاءً قوياً من قولهم حنكْتَ الدابةَ واحتنكتَها إذا جعلتَ في حنَكها الأسفلِ حبلاً تقودُها به وهذا كقوله لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الأرض وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وإنما عَلِم تسنِّي ذلك المطلبِ له تلقّياً من جهة الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام أو استنباطاً من قولهم أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء أو نوسما من خَلْقه (إِلَاّ قَلِيلاً) مّنْهُمُ وهم المخْلَصون الذين عصمهم الله تعالى

ص: 183

(قَالَ اذهب) أي امضِ لشأنك الذي اخترتَه وهو طردٌ له وتخليةٌ بينه وبين ما سوّلت له نفسه (فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ) أي جزاؤُك وجزاؤهم فغُلّب المخاطَبُ في الغائب رعاية الحق المتبوعية (جَزَاء مَّوفُورًا) أي جزاءً مكملاً من قولهم فِرْ لصاحبك عِرضَه فِرَةً أي وفّر وهو نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لما في قوله فإن جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ من معنى تجازون أو للفعل المقدّر أو حالٌ موطئةٌ لقوله موفورا

ص: 183