المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الإسراء - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم - جـ ٥

[أبو السعود]

الفصل: الإسراء

الإسراء

ص: 166

‌23

- 24 {وقضى رَبُّكَ} أي أمر أمرا مبرما وقرئ وأوصى ربُّك ووصّى ربك {أَن لَاّ تَعْبُدُواْ} أي بأنْ لَاّ تَعْبُدُواْ {إِلَاّ إِيَّاهُ} على أنَّ أنْ مصدريةٌ ولا نافيةٌ أو أي لا تعبدُوا على أنَّها مفسرةٌ ولا ناهيةٌ لأن العبادة غايةُ التعظيمِ فلا تحِقُّ إلا لمن له غايةُ العظمة ونهايةُ الإنعام وهو كالتفصيل للسعي للآخرة {وبالوالدين} أي وبأن تُحسِنوا بهما أو وأحسنوا بهما {إحسانا} لأنهما السببُ الظاهرُ للوجود والتعيش {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا} إما مركبةٌ من إنِ الشرطيةِ وما المزيدةِ لتأكيدها ولذلك دخل الفعلَ نونُ التأكيد ومعنى عندك في كنفك وكفالتك وتقديمُه على المفعول مع أن حقه التأخرُ عنه للتشويق إلى وروده فإنه مدار تضاعف الرعاية والإحسان وأحدُهما فاعل للفعل وتأخيره عن الظرف والمفعولِ لئلا يطولَ الكلامُ به وبما عطف عليه وقرئ يبلغان فأحدُهما بدلٌ من ضمير التثنية وكلاهما عطفٌ عليه ولا سبيل إلى جعل كلاهما تأكيداً للضمير وتوحيدُ ضمير الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المرادِ فإن المقصودَ نهيُ كلِّ أحد عن تأفيف والديه ونهْرِهما ولو قوبل الجمعُ بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المرام {فَلَا تَقُل لَّهُمَا} أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع {أُفّ} وهو صوتٌ ينبئ عن تضجر أو اسمُ فعل هو أتضجر وقرئ بالكسر بلا تنوين وبالفتح والضم منوناً وغيرَ مُنوّن أي لا تتضجر بها تستقذرُ منهما وتستثقل من مُؤَنهما وبهذا النهي يُفهم الهي عن سائر ما يؤذيهما بدلالة النصِّ وقد خُص بالذكر بعضه إظهار اللاعتناء بشأنه فقيل {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} أي لا تزجُرهما عما لا يعجبك بإغلاظ قيل النهيُ والنهرُ والنهْمُ أخواتٌ {وَقُل لَّهُمَا} بدلَ التأفيف والنهر {قولا كريما} ذات كرمِ أو هو وصفٌ له بوصف صاحبِه أي قولاً صادراً عن كرم ولطفٍ وهو القولُ الجميلُ الذي يقتضيه حسنُ الأدب ويستدعيه النزولُ على المروءة مثلُ أن يقول يا أباه ويا أماه كدأب إبراهيمَ عليه السلام إذ قال لأبيه يا أبتِ مع ما به من الكفر ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوءِ الأدب وديدنُ الدُعّار وسئل الفضيلُ بنُ عياض عن بر الوالدين فقال أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل وقيل أن لا ترفعَ صوتَك عليهما ولا تنظُرَ إليهما شزْراً ولا يَرَيا منك مخالفةً في ظاهر ولا باطن وأن تترحّم عليهما ما عاشا وتدعوَ لهما إذا ماتا وتقومَ بخدمة أوِدّائِهما من بعدهما فعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أنْ يصلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه

ص: 166

{واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل} عبارةٌ عن الإنة الجانبِ والتواضعِ والتذلل لهما فإن إعزازَهما لا يكون إلا بذلك فكأنه قيل واخفض لهما جناحك الذليل أو جُعل لذله جَناحٌ كما جَعل لبيدٌ في قوله [وغداةِ ريحٍ قد كشفت وقرة إذا أصبَحَتْ بيد الشَّمال زِمامُها] للقَرة زماماً وللشمال يداً تشبيهاً له بطائر يخفض جناحَه لأفراخه تربيةً لها وشفقةً عليها وأما جعلُ خفض الجناحِ عبارةً عن ترك الطيران كما فعله القفال فلا يناسب

ص: 166

الإسراء 25 26 المقام {مِنَ الرحمة} من فرْط رحمتِك وعطفِك عليهما ورقتك لهما لافتقارهما اليوم إلى مَنْ كان أفقرَ خلق الله تعالى إليهما ولا تكتفِ برحمتك الفانية بل ادعُ الله لهما برحمته الواسعة الباقية {وَقُل رَّبّ ارحمهما} برحمتك الدنيوية والأخرويةِ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام فلا ينافي ذلك كفرَهما {كَمَا رَبَّيَانِى} الكاف في محل النصب على نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي رحمةً مثلَ تربيتهما لي أو مثلَ رحمتهما لي على أن التربيةَ رحمةٌ ويجوز أن يكون لهما الرحمةُ والتربية معاً وقد ذُكر أحدُهما في أحد الجانبين والآخر في الآخر كما يلوحُ به التعرضُ لعنوان الربوبيةِ في مطلع الدعاء كأنه قيل رب ارحمهما وربِّهما كما رحِماني وربّياني {صَغِيرًا} ويجوز أن تكون الكافُ للتعليل أي لأجل تربتهما لي كقوله تعالى واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ولقد بالغ عز وجل في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفَع الإحسانَ إليهما بتوحيده سبحانه ونظمها في سلك القضاءِ بهما معاً ثم ضيّق الأمرَ في باب مراعاتهما حتى لم يرخِّصْ في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع ماله من موجبات الضجر مالا يكاد يدخل تحت الحصر وختمَها بأن جعل رحمتَه التي وسعت كل شيء مُشْبَهةٌ بتربيتهما وعن النبيِّ صلى الله عليه وسلم رِضى الله في رضى الوالدين وسخطُه في سخطهما وروي يفعل البارُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل النارَ ويفعل العاقُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل الجنة وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبوَيَّ بلغا من الكِبَر أنى أَلي منهما ما وَلِيا مني في الصغر فهل قضيتُهما حقهما قال لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يُحبّان بقاءَك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما وري أن شيخاً أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال إن ابني هذا له مالٌ كثير وإنه لا ينفق عليَّ من ماله فنزلَ جبريلُ عليه السلام وقال إن هذا الشيخَ قد أنشأ في أنبه أبياتاً ما قُرع سمعٌ بمثلها فاستنشهدها فأنشدها الشيخ فقال

غذوتك مولدا ومُنْتُك يافعا

تَعُلُّ بما أَجني عليك وتنهل

إذا ليلة ضاقتك بالسُّقم لم أبِت

لسُقمك إلا باكياً أتململ

كأني أنا المطروقُ دونك بالذي

طُرِقَتْ به دوني وعينَي تهمُل

فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي

إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمل

جعلتَ جزائي غِلظةً وفظاظة كأنك

أنت المنعمُ المتفضّل

فليتك إذْ لم ترْعَ حقَّ أُبوتي

فعلتَ كما الجارُ المجاورُ يفعل

فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أنتَ ومالُكَ لأبيك

ص: 167

{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ} من البر والعقوق {إِن تَكُونُواْ صالحين} قاصدين للصلاح والبِرِّ دون العقوقِ والفساد {فَإِنَّهُ} تعالى {كَانَ لِلاْوَّابِينَ} أي الرجّاعين إليه تعالى عما فرَط منهم مما لا يكادُ يخلُو عنه البشر {غَفُوراً} لما وقع منهم من نوعِ تقصير أو أذيةٍ فعليةٍ أو قولية وفيه مالا يخفى من التشديد في الأمر بمراعاة حقوقِهما ويجوز أن يكون عاماً لكل تائبٍ ويدخُل فيه الجاني على أبويه دخولاً أولياً

ص: 167

{وآت ذَا القربى} أي ذا القرابةِ {حَقَّهُ} توصيةٌ بالأقارب إثرَ التوصية ببرّ الوالدين ولعل المرادَ بهم المحارمُ وبحقهم النفقة كما ينبئ عنه قوله تعالى {والمسكين وابن السبيل} فإن المأمورَ به في حقهما المواساةُ الماليةُ لا محالة أي وآتِهما حقَّهما مما كان مفترَضاً بمكةَ بمنزلة الزكاة وكذا النهيُ عن التبذير وعن الإفراط في القبض

ص: 167

الإسراء 27 29 والبسْطِ فإن الكلَّ من التصرفات المالية {وَلَا تُبَذّرْ تَبْذِيرًا} نهيٌ عن صرف المال إلى من سواهم ممن لا يستحقه فإن التبذيرَ تفريقٌ في غير موضعه مأخوذٌ من تفريق حباتٍ وإلقائِها كيفما كان من غير تعهّدٍ لمواقعه لا عن الإكثار في صرفه إليهم وإلا لناسبه الإسرافُ الذي هو تجاوزُ الحدِّ في صرفه وقد نهى عنه بقوله تعالى وَلَا تَبْسُطْهَا وكلاهما مذموم

ص: 168

{إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين} تعليلٌ للنهي عن التبذير ببيان أنه يجعل صاحبَه ملزوزاً في قَرن الشياطين والمرادُ بالأخوة المماثلةُ التامة في كل مالا خيرَ فيه من صفات السوءِ التي من جملتها التبذيرُ أي كانوا بما فعلوا من التبذير أمثالَ الشياطين أو الصداقةُ والملازمةُ أي كانوا أصدقاءَهم وأتباعَهم فيما ذُكر من التبذير والصرْفِ في المعاصي فإنهم كانوا ينحَرون الإبلَ ويتياسرون عليها ويبذّرون أموالَهم في السمعة وسائر مالا خير فيه من المباهي والملاهي أو المقارنةُ أي قرناءَهم في النار على سبيل الوعيد {وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا} من تتمة التعليل أي مبالِغاً في كفران نعمتِه تعالى لأن شأنه أن يصرِفَ جميع ما أعطاهُ الله تعالى منَ القُوى والقدر إلى غير ما خُلقت هي له من أنواع المعاصي والإفسادِ في الأرض وإضلالِ الناس وحملِهم على الكفر بالله وكفرانِ نِعَمه الفائضةِ عليهم وصرفِها إلى غير ما أمر الله تعالى به وتخصيصُ هذا الوصفِ بالذكرِ من بين سائرِ أوصافِه القبيحة للإيذان بأن التبذيرَ الذي هو عبارةٌ عن صرف نِعَم الله تعالى إلى غير مصْرِفها من باب الكفرانِ المقابلِ للشكر الذي هو عبارةٌ عن صرفها إلى ما خُلِقت هي له والتعرضُ لوصف الربوبيةِ للإشعار بكمال عُتوِّه فإن كفرانَ نعمةِ الربِّ مع كون الربوبية من قوى الدواعي إلى شكرها غايةُ الكُفران ونهايةُ الضلال والطغيان

ص: 168

{وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ} أي إن اعتراك أمرٌ اضطَرَّك إلى أن تُعرِض عن أولئك المستحقين {ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ} أي لفقد رزقٍ من ربك إقامةٌ للمسبّب مُقام السبب فإن الفقدَ سببٌ للابتغاء {تَرْجُوهَا} من الله تعالى لتُعطيَهم وكان صلى الله عليه وسلم إذا سُئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياءً فأُمر بتعهّدهم بالقول الجميل لئلا تعتريَهم الوحشة بسكوته صلى الله عليه وسلم فقيل {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا} سهلاً ليّناً وعِدْهم وعداً جميلاً من يسُر الأمرُ نحوُ سعِد أو قل لهم رزَقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاءٌ لهم ييّسر عليهم فقرَهم

ص: 168

{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} تمثيلان لمنع الشحيحِ وإسرافِ المبذِّرِ زجراً لهما عنهما وحملاً على ما بينهما من الاقتصاد [كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ] وحيث كان قبحُ الشحِّ مقارِناً له معلوماً من أول الأمر رُوعيَ ذلك في التصوير بأقبح الصور ولمّا كان غائلةُ الإسراف في آخره بُيِّن قبحُه في أثره فقيل {فَتَقْعُدَ مَلُومًا} أي فتصيرَ ملوما عند الله وعند الناسِ وعند نفسك إذا احتجتَ وندِمْت على ما فعلت {مَّحْسُوراً} نادماً أو منقطعاً بك لا شيءَ عندك من حسَره السفرُ إذا بلغ منه وما قيل من أنَّه

ص: 168

الإسراء 30 32 رُويَ عنْ جابرٌ رضي الله عنه أنه قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ إذ أتاه صبيٌّ فقال إن أمي تستكْسيك درعا فقال صلى الله عليه وسلم من ساعة إلى ساعة فَعُد إلينا فذهب إلى أمه فقالت له قل إن أمي تستكسيك الدرعَ الذي عليك فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزَع قميصه وأعطاه وقعد عُرْياناً وأذّن بلالٌ وانتظروا فلم يخرُجْ للصلاة فنزلت فيأباه أن السورة مكيةٌ خلا آياتٍ في آخرها كذا ما قيل إنه صلى الله عليه وسلم أعطى الأقرعَ بنَ حابس مائة من الإبل وكذا عيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ فجاء عباس بن مرداس فأنشأ يقول

أتجعل نهي ونهبَ العُبَي

د بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأَقْرَعِ

وما كان حِصْنٌ ولا حابس

يفوقان مِرداسَ في مجمع

وما كنت دون امرئ منهما

ومَنْ تَضَعِ اليومَ لا يرفع

فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر اقطعْ لسانه عنّي أعطه مائةً من الإبل وكانوا جميعاً من المؤلفة القلوب فنزلت

ص: 169

{إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} تعليلٌ لما مر أي يوسّعه على بعض ويضيِّقه على آخرين حسبما تتعلق به مشيئتُه التابعةُ للحِكمة فليس ما يَرْهقُك من الإضافة التي تحوِجُك إلى الإعراض عن السائلين أو نفاذ ما في يدك إذا بسطتَها كلَّ البسْطِ إلا لمصلحتك {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} تعليلٌ لما سبق أي يعلم سرَّهم وعلَنَهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ويجوز أن يراد أن البسطَ والقبضَ من أمر الله العالم بالسرائر والظواهرِ الذي بيده خزائنُ السمواتِ والأرض وأما العبادُ فعليهم أن يقتصدوا وأن يراد أنه تعالى يبسُط تارةً ويقبِضُ أخرى فاستنّوا بسنته فلا تقبِضوا كلَّ القبض ولا تبسُطوا كل البسط وأن يراد أنه تعالى يبسُط ويقدِر حسب مشيئتِه فلا تبسُطوا على من قُدِر عليه رزقُه وأن يكون تميهدا لقوله

ص: 169

{وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق} أي مخافةَ فقر وقرئ بكسر الخاء كانوا يئِدون بناتِهم مخافةَ الفقر فنُهوا عن ذلك {نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} لا أنتم فلا تخافوا الفاقةَ بناء على علمكم بعجزكم عن تحصيل رزقِهم وهو ضمانٌ لرزقهم وتعليلٌ للنهي المذكور بإبطال موجِبه في زعمهم وتقديمُ ضميرِ الأولاد على المخاطَبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزقِ أو لأن الباعثَ على القتل هناك الإملاقُ الناجزُ ولذلك قيل من إملاق وههنا الإملاقُ المتوقع ولذلك قيل خشيةَ إملاقٍ فكأنه قيل نرزقُهم من غيرِ أنْ ينتقص من رزقكم شيءٌ فيعتريكم ما تخشَوْنه وإياكم أيضاً رزقاً إلى رزقكم {إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطأ كَبِيراً} تعليلٌ آخرُ ببيان أنَّ المنهيَّ عنه في نفسه منكرٌ عظيم والخِطْءُ الذنب والإثم يقال خطء خطأ كإثم إثما وقرئ بالفتح والسكون وبفتحتين بمعناه كالحِذْر والحذَر وقيل بمعنى ضد الصواب وبكسر الخاء والمد وبفتحها ممدوداً وبفتحها وحذف الهمزة وبكسرها كذلك

ص: 169

{ولا تقربوا الزنى} بمباشرة مباديه القريبةِ أو البعيدة فضلاً عن مباشرته وإنما نهى عن قُربانه على خلاف ما سبق ولحِق من القتل للمبالغةِ في النَّهيِ عن نفسه ولأن قربانه داعٍ إلى مباشرته وتوسيط النهي

ص: 169

الإسراء 33 34 عنه بين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن قتل النفسِ المحرمة على الإطلاق باعتبار أنه قتلٌ للأولاد لِما أنه تضييعٌ للأنساب فإن من لم يثبُتْ نسبُه ميِّتٌ حكماً {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} فَعلةً ظاهرةَ القبح متجاوزةً عن الحد {وَسَاء سَبِيلاً} أي بئس طريقا طريقه فإنه غصْبُ الأبضاعِ المؤدّي إلى اختلال أمر الأنسابِ وهيَجانِ الفتن كيفَ لا وقَدْ قالَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا زنى العبدُ خرجَ منه الإيمانُ فكانَ على رأسه كالظُّلّةِ فإذا انقطع رجع إليه وقال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وعن حذيفة رضي الله عنه أنَّه قال صلى الله عليه وسلم إياكم والزنا فإن فيه ستَّ خصال ثلاثٌ في الدنيا وثلاثٌ في الآخرة فأما التي في الدنيا فذهابُ البهاء ودوامُ الفقر وقِصَرُ العمر وأما التي في الآخرة فسخطُ الله تعالى وسوءُ الحساب والخلودُ في النار

ص: 170

{ولا تقتلوا النفس التى حَرَّمَ الله} قتْلَها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد {إِلَاّ بالحق} إلا بإحدى ثلاث كفرٍ بعد إيمان وزِناً بعد إحصان وقتلِ نفس معصومة عمدا فالاستنثاء مفرَّغٌ أي لا تقتلوها بسببٍ من الأسبابِ إلا بسبب الحقِّ أو ملتبسين أو ملتبسةً بشيءٍ من الأشياءِ ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوفٍ أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً ملتبسا بالحق {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا} بغير حق يوجب قتله أو يُبيحه للقاتل حتى إنه لا يُعتبر إباحتُه لغير القاتل فإن من عليه القصاصُ إذا قتله غيرُ من له القِصاصُ يُقتصّ له ولا يفيده قولُ الوليِّ أنا أمرتُه بذلك ما لم يكن الأمرُ ظاهراً {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ} لمن يلي أمرَه من الوارث أو السلطانِ عند عدم الوارث {سلطانا} تسلّطاً واستيلاءً على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية حسبما تقتضيه جنايتُه أو حجةً غالبة {فَلَا يُسْرِف} وقرئ لا نسرف {فى القتل} أي لا يُسرف الوليُّ في أمر القتل بأن يتجاوز الحدَّ المشروعَ بأن يزيد عليه المُثْلة أو بأن يقتُل غيرَ القاتل من أقاربه أو بأن يقتلَ الاثنين مكانَ الواحد كما يفعله أهلُ الجاهلية أو بأن يقتل القاتلَ في مادة الدية وقرئ بصيغة النفي مبالغةً في إفادة معنى النهي {إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} تعليلٌ للنهي والضميرُ للولي على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب له القِصاصَ أو الديةَ وأمَر الحكامَ بمعونته في استيفاء حقِّه فلا يبغ ما وراء حقِّه ولا يستزِدْ عليه ولا يخرُجْ من دائرة أمرِ الناصر أو للمقتول ظلماً على معنى أنه تعالى نصره بما ذُكر فلا يسرف وليُّه في شأنه أو للذي يقتله الوليُّ ظلماً وإسرافاً ووجهُ التعليل ظاهرٌ وعن مجاهد أن الضميرَ في لا يسرفْ للقاتل الأول ويعضده قراءةُ فلا تسرفوا والضميران في التعليل عائدان إلى الولي أو المقتول فالمرادُ بالإسراف حينئذ إسرافُ القاتل على نفسه بتعريضه لها للهلاك العاجل والآجلِ لا الإسرافُ وتجاوزُ الحد في القتل أي لا يسرف على نفسه في شأن القتلِ كما في قوله تعالى {قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ}

ص: 170

{وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم} نهيٌ عن قربانه لما ذكر من المبالغة في النَّهيِ

ص: 170

الإسراء 35 36 عن التعرض له ومن إفضاء ذلك إليه وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى {إِلَاّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ} أي إلا بالخَصلة والطريقة التي هي أحسنُ الخِصال والطرائق وهي حفظُه واستثماره {حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} غايةٌ لجواز التصرفِ على الوجه الأحسن المدلولِ عليه بالاستثناء لا للوجهة المذكور فقط {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ} سواءٌ جرى بينكم وبين ربِّكم أو بينكم وبين غيرِكم من الناس والإيفاءُ بالعهد والوفاءُ به هو القيامُ بمقتضاه والمحافظةُ عليه ولا يكاد يُستعمل إلا بالباء فرقاً بينه وبين الإيفاء الحسيِّ كإيفاء الكيل والوزن {إِنَّ العهد} أُظهر في مقام الإضمارِ إظهاراً لكمال العناية بشأنه أو لأن المرادَ مطلقُ العهد المنتظمِ للعهد المعهود {كَانَ مَسْؤُولاً} أي مسئولا عنه على حذف الجارِّ وجعْلِ الضمير بعد انقلابه مرفوعاً مستكناً في اسم المفعولِ كقوله تعالى {وذلك يوم مشهود} أي مشهود فيه ونظيرُه ما في قوله تعالى تلك آيات الكتاب الحكيم على أن أصلَه الحكيمُ قائلُه فحذُف المضافُ وجُعل الضمير مستكناً في الحكيم بعد انقلابه مرفوعاً ويجوز أن يكون تخييلاً كأنه يقال للعهد لم نكثتَ وهلاّ وفَّى بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموءودة بأي ذنبٍ قُتلت

ص: 171

{وَأَوْفُوا الكيل} أي أتمُّوه وَلَا تُخسِروه {إِذا كِلْتُمْ} أي وقت كيلِكم للمشترين وتقييدُ الأمر بذلك لما أن التطفيفَ هناك يكون وأما وقت الاكتيالِ على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ الآية {وَزِنُواْ بالقسطاس} وهو القرسطون وقيل كلُّ ميزان صغيراً كان أو كبيراً روميٌّ معرّب ولا يقدَح ذلك في عربية القرآن لانتظام المعرَّبات في سلك الكلم العربية وقرئ بضم القاف {المستقيم} أي العدْلِ السويّ ولعل الاكتفاءَ باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن لما أن عند استقامتِه لا يتصور الجَوْرُ غالباً بخلاف الكيل فإنه كثيراً ما يقع التطفيفُ مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاءَ بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءَه لا يُتصوَّر بدون تعديل المكيالِ وقد أُمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط {ذلك} أي إيفاءُ الكيلِ والوزن بالميزان السوي {خَيْرٌ} في الدنيا إذ هو أمانةٌ توجب الرغبةَ في معاملته والذكرَ الجميلَ بين الناس {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} عاقبةً تفعيلٌ من آل إذا رجع والمرادُ ما يئول إليه

ص: 171

{وَلَا تَقْفُ} ولا تتبعْ من قفا أثرَه إذا تبعه وقرئ ولا تقُفْ من قاف أثرَه أي قفاه ومنه القافةُ في جمع القائف {مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تكُن في اتباع مالا علمَ لك به من قولٍ أو فعل كمن يتّبعُ مسلكاً لا يدري أنه يوصله إلى مقصِده واحتج به من منع اتباعَ الظنِّ وجوابُه أن المرادَ بالعلم هو الاعتقادُ الراجحُ المستفادُ من سند قطعياً كان أو ظنيًّا واستعمالُه بهذا المعنى مما لا يُنكَر شيوعُه وقيل إنه مخصوصٌ بالعقائد وقيل بالرمي وشهادةِ الزورِ ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم مَنْ قفا مؤمناً بما ليس فيه حبَسه الله تعالى في رَدْغة الخَبال حتى يأتيَ بالمخرج ومنه قول الكميت

ولا أرمي البرئ بغير ذنب

ولا أقفوا الحواصِنَ إن رُمينا

{إِنَّ السمع والبصر والفؤاد} وقرئ بفتح الفاءِ والواو المقلوبةِ من الهمزة عند ضم الفاء {كل أولئك}

ص: 171

الإسراء 37 38 أي كلَّ واحدٍ من تلك الأعضاءِ فأُجريت مُجرى العقلاء لما كان مسئولة عن أحوالها شاهدةً على أصحابها هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا الذي يعُمّ القَبيلين جاء لغيرهم أيضاً قال

ذُمَّ المَنازِلَ بعد مَنزِلَة اللِّوى

والعيشَ بعدَ أولئِكَ الأيامِ

{كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} أي كان كلٌّ من تلك الأعضاء مسئولا عن نفسه على أن اسمَ كان ضميرٌ يرجِعُ إلى كلُّ وكذا الضميرُ المجرورُ وقد جُوّز أن يكون الاسمُ ضميرَ القافي بطريق الالتفات إذ الظاهرُ أن يقال كنتَ عنه مسئولا وقيل الجارُّ والمجرور في محل الرفع قد أُسند إليه مسئولا معللاً بأن الجارَّ والمجرور لا يلتبس بالمبتدأ وهو السببُ في منع تقديمِ الفاعلِ وما يقوم مقامَه ولكن النحاسَ حكى الإجماعَ على عدم جواز تقديمِ القائم مقامَ الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ باب الحذف على شريطة التفسير ويحذف الجارّ من المفسر ويعود الضميرُ مستكناً كما ذكرنا في قوله تعالى يَوْمَ مَّشْهُودٌ وجُوّز أن يكون مسئولا مسنداً إلى المصدر المدلولِ عليه بالفعل وأن يكون فاعلُه المصدرَ وهو السؤالُ وعنه في محل النصب وسأل ابن جني أبا علي عن قولهم فيك يُرغب وقال لا يرتفع بما بعده فأين المرفوع فقال المصدرُ أي فيك يُرغب الرغبةُ بمعنى تُفعل الرغبة كما في قولهم يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلُ الإعطاء والمنع وجُوز أنْ يكونَ اسمُ كانَ أو فاعله ضميرَ كلُّ بحذف المضافِ أي كان صاحبه عنه مسئولا أو مسئولا صاحبُه

ص: 172

{وَلَا تَمْشِ فِى الارض} التقييدُ لزيادة التقريرِ والإشعارِ بأن المشيَ عليها مما لا يليق بالمرح {مَرَحاً} تكبراً وبطراً واختيالاً وهو مصدرٌ وقعَ موقِعَ الحالِ أي ذا مرحٍ أو تمرحُ مَرَحاً أو لأجلِ المرح وقرئ بالكسر {إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض} تعليلٌ للنهي وفيه تهكّم بالمختال وإيذانٌ بأن ذلك مفاخرةٌ مع الأرض وتكبرٌ عليها أي لن تخرِقَ الأرض بدَوْسك وشدة وطأتك وقرئ بضم الراء {وَلَن تَبْلُغَ الجبال} التي هي بعضُ أجزاء الأرض {طُولاً} حتى يمكن لك أن تنكير عليها إذ التكبرُ إنما يكون بكثرة القوة وعِظَم الجنة وكلاهما مفقودٌ وفيه تعريضٌ بما عليه المختالُ من رفع رأسه ومشيِه على صدور قدميه

ص: 172

{كُلُّ ذلك} إشارةٌ إلى ما علم في تضاعيف ذكر الأوامرِ والنواهي من الخِصال الخمس والعشرين {كَانَ سَيّئُهُ} الذي نُهي عنه وهي اثنتا عشرة خَصلة {عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا} مبغَضاً غيرَ مَرْضيّ أو غيرَ مراد بالإرادة الأولية لا غيرَ مرادٍ مطلقاً لقيام الأدلةِ القاطعة على أن جميع الأشياء واقعةٌ بإرادته سبحانه وهو تتمةٌ لتعليل الأمور المنهيّ عنها جميعاً ووصفُ ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعضَ من الكبائر للإيذان بأن مجردَ الكراهة عنده تعالى كافيةٌ في وجوب الانتهاءِ عن ذلك وتوجيهُ الإشارةِ إلى الكل ثم تعيينُ البعض دون توجيهها إليه ابتداءً لما أن البعض المذكورَ ليس بمذكور جملةً بل على وجه الاختلاطِ وفيه إشعارٌ بكون ما عداه مرضياً عنده تعالى وإنَّما لم يصرَّحْ بذلك إيذاناً بالغنى عنه وقيل الإضافةُ بيانيةٌ كما في آية الليل وآية النهار وقرئ سيئةً على أنه خبرُ كان وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما نهي عنه من الأمور المذكورة

ص: 172

الإسراء 39 40 وكروها بدلٌ من سيئةً أو صفةٌ لها محمولةٌ على المعنى فإنه بمعنى سيئاً وقد قرئ به أو مُجرى على موصوفٍ مذكرٍ أي أمراً مكروهاً أو مُجرى مَجرى الأسماءِ زال عنه معنى الوصفية ويجوزُ كونُه حالاً من المستكنِّ في كان أو في الظرف على أنه صفة سيئة وقرئ سيئاته وقرئ شأنُه

ص: 173

{ذلك} أي الذي تقدم من التكاليف المفصلة {مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ} أي بعضٌ منه أو من جنسه {مِنَ الحكمة} التي هي علمُ الشرائعِ أو معرفةُ الحق لذاته والعملُ به أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخُ والفساد وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآياتِ الثمانيَ عشرةَ كانت في ألواحُ مُوسى عليه السلام أولها لَاّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخر قال تعالى وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً وهي عشرُ آيات في التوراة ومِنْ إما متعلقةٌ بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائيةٌ وإما بمحذوفٍ وقعَ حالاً من الموصول أو من ضميره المحذوفِ في الصلة أي كائناً من الحِكمة وإما بدلٌ من الموصول بإعادة الجار ( {وَلَا تَجْعَلْ مع الله إلها آخر} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد غيرُه ممن يتصور منه صدورُ المنهيِّ عنه وقد كُرر للتنبيه على أن التوحيد مبدأُ الأمرِ ومنتهاه وأنه رأسُ كل حكمةٍ وملاكُها ومن عدمِه لم ينفعه علومه وحكمه وإن بذفيها أساطينَ الحكماء وحكّ بيافوخه عنان السماء وقد رتب عليه ما هو عائدة الإشراك أو لا حيث قيل فتقعدَ مذموماً مخذولا ورتب عليه ههنا نتيجتُه في العقبى فقيل {فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا} من جهة نفسِك ومن جهة غيرك {مَّدْحُورًا} مبعَداً من رحمة الله تعالى وفي إيراد الإلقاء مبينا للمفعول جري على سنن الكبرياء وازدراءٌ بالمشرك وجعلٌ له من قبيل خشبةٍ يأخذها آخذٌ بكفه فيطرحها في التنور

ص: 173

{أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ من الملائكة إِنَاثًا} خطاب للقائلين بأنَّ الملائكةَ بناتُ الله سبحانه والإصفاءُ بالشيء جعلُه خالصاً والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر يفسرّه المذكورُ أي أفَضَّلكم على جنابه فخصّكم بأفضل الأولاد على وجه الخُلوص وآثرَ لذاته أخسَّها وأدناها كما في قوله سبحانه أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى وقوله تعالى {أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون} وقد قصد ههنا بالتعرض لعنوان الربوبية تشديدُ النكير وتأكيدُه وأشير بذكر الملائكة عليهم السلام وإيرادِ الإناث مكانَ البنات إلى كفْرة لهم أخرى وهي وصفُهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخسُّ صفات الحيوان كقوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا {إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ} بمقتضى مذهبِكم الباطلِ الذي هو إضافةُ الولدِ إليه سبحانه {قَوْلاً عَظِيمًا} لا يقادَر قدرُه في استتباعِ الإثمِ وخَرْقِه لقضايا العقول بحيث لا يجترئ عليه أحدٌ حيث يجعلونه تعالى من قبيل الأجسامِ المتجانسةِ السريعةِ الزوال وليس كمثله شيء وهو الواحد القهارُ الباقي بذاته ثم تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولادِ وتفضِّلون عليه أنفسَكم بالبنين ثم تصِفون الملائكةَ الذين هم من أشرف الخلائقِ بالأنوثة التي هي أخسُّ أوصاف الحيوان فيالها

ص: 173

الإسراء 41 43 من ضَلّة ما أقبحَها وكَفْرةٍ ما أشنعها وأفظعها

ص: 174

{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا} هذا المعنى وكررناه {في هذا القرآن} على وجوه من التصريف في مواضعَ منه وإنما ترك الضميرُ تعويلاً على الظهور وقرئ بالتخفيف {لّيَذْكُرُواْ} ما فيه ويقفوا على بطلان ما يقولونه والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ باقتضاء الحالِ أن يُعرَض عنهم ويحكي للسامعين هناتهم وقرئ بالتخفيف من الذكر بمعنى التذكر ويجوز أن يراد بهذا القرآنِ ما نطق ببُطلان مقالتِهم المذكورةِ من الآياتِ الكريمةِ الواردةِ على أساليب مختلفةٍ ومعنى التصريفِ فيه جعلُه مكاناً له أي أوقعنا فيه التصريفَ كقوله يجرح في عراقيها نَصْلي وقد جُوِّز أن يراد به إبطالُ إضافتهم إليه تعالى البناتِ وأنت تعلم أن إبطالَها من آثار القرآن ونتائجها {وَمَا يَزِيدُهُمْ} أي والحال أنه ما يزيدهم ذلك التصريفُ البالغ {إِلَاّ نُفُورًا} عن الحق وإعراضاً عنه فضلاً عن التذكر المؤدِّي إلى معرفة بُطلانِ ما هم عليه من القبائح

ص: 174

{قُلْ} في إظهار بطلانِ ذلك من جهة أخرى {لَّوْ كَانَ مَعَهُ} تعالى {آلهة كما يقولون} أي المشركون قاطبة وقرئ بالتاء خطاباً لهم من قبل النبيِّ صلى الله عليه وسلم والكاف في محل النصب على أنها نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي كوناً مشابهاً لما يقولون والمرادُ بالمشابهة الموافقةُ والمطابقة {إِذًا لَاّبْتَغَوْاْ} جوابٌ عن مقالتهم الشنعاءِ وجزاءٌ لِلَوْ أي لطلبوا {إلى ذِى العرش} أي إلى من له المُلك والربوبيةُ على الإطلاق {سَبِيلاً} بالمغالبة والممانعة كما هو ديدَنُ الملوكِ بعضِهم مع بعض على طريقة قوله تعالى لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلَاّ الله لَفَسَدَتَا وقيل بالتقرب إليه تعالى كقوله تعالى أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة والأولُ هو الأظهرُ الأنسبُ

ص: 174

{سبحانه} فإنه صريحٌ في أن المراد بيانُ أنه يلزم مما يقولونه محذورٌ عظيم من حيث لا يحتسبون وأما ابتغاءُ السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما يختص بهذا التقرير ولا هو مما يلزمهم مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ بل هو أمرٌ يعتقدونه رأساً أي تنَزَّهَ بذاتِه تنزُّهاً حقيقاً به {وتعالى} متباعداً {عَمَّا يَقُولُونَ} من العظيمة التي هي أن يكون معه آلهةٌ وأن يكون له بناتٌ {عَلَوْاْ} تعالياً كقوله تعالى والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً {كَبِيراً} لا غايةَ وراءه كيف لا وإنه سبحانه في أقصى غاياتِ الوجود وهو الوجوبُ الذاتيُّ وما يقولونه من أن له تعالى شركاءَ وأولاداً في أبعد مراتبِ العدمِ أعني الامتناعَ لا لأنه تعالى في أعلى مراتب الوجودِ وهو كونه واجب الوجودِ لذاته واتخاذُ الولد من أدنى مراتبِه فإنه من خواصَّ ما يمتنع بقاؤُه كما قيلَ فإنَّ مَا يقولونه ليس مجردَ اتخاذِ الولد بل اتخاذِه تعالى له وأن يكون معه آلهةٌ ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد الإمكان فضلاً عن دخولِه تحت الوجود وكونُه من أدنى مراتب الوجودِ إنما هو بالنسبة إلى من شأنه ذلك

ص: 174