الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكهف
108
- 110 (خالدين فِيهَا) نصبٌ على الحالية (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً) مصدرٌ كالعِوج والصِّغر أي لا يطلبون تحوّلاً عنها إذ لا يُتصوّر أن يكونَ شيءٌ أعزَّ عندهم وأرفعَ منها حتى تُنازِعَهم إليه أنفسُهم وتطمَح نحوه أبصارُهم ويجوز أن يراد نفيُ التحول وتأكيدُ الخلود والجملة حالٌ من صاحب خالدين أو من ضميره فيه فيكون حالاً متداخِلةً
(قُل لَّوْ كَانَ البحر) أي جنسُ البحر (مِدَاداً) وهو ما تُمِدُّ به الدواةُ من الحبر (لكلمات رَبّى) لتحرير كلماتِ علمِه وحكمتِه التي من جملتها ما ذكر من الآيات الداعيةِ إلى التوحيد المحذّرة من الإشراك (لنفذ البحر) مع كثرته ولم يبقَ منه شيء لتناهيه (قبل أن تنفد) وقرئ بالياء والمعنى من غير أَن تَنفَدَ (كلمات رَبّى) لعدم تناهيها فلا دِلالةَ للكلام على نفادها بعد نفادِ البحرِ وفي إضافة الكلماتِ إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره صلى الله عليه وسلم في الموضعين من تفخيم المضافِ وتشريفِ المضاف إليه ما لا يخفى وإظهارُ البحر والكلماتِ في موضعِ الإضمارِ لزيادةِ التقرير (وَلَوْ جِئْنَا) كلامٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ جيء به لتحقيق مضمونِه وتصديقِ مدلولِه مع زيادة مبالغةٍ وتأكيد والواوُ لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفةِ المقابلةِ لها المحذوفة لدِلالة المذكورةِ عليها دَلالةً واضحة أي لنفد البحرُ من غير نفادِ كلماته تعالى لو لم نجيء بمثله مدادا ولو جئنا بقدرتنا الباهرة (بمثله مدادا) عوناً وزيادةً لأن مجموعَ المتناهيَيْن متناهٍ بل مجموعُ ما يدخُل تحت الوجودِ من الأجسام لا يكون إلا متناهياً لقيام الأدلةِ القاطعة على تناهي الأبعادِ وقرئ مدادا جمع مُدّة وهي ما يستمده الكاتب وقرئ مِداداً
(قُلْ) لهم بعد ما بينْتَ لهم شأن كلماتِه تعالى (إِنَّمَا أَنَاْ بشرٌ مثلُكم) لا أدّعي الإحاطةَ بكلماته التامة (بوحي إِلَىَّ) من تلك الكلماتِ (أنما إلهكم إله واحد) لا شريكَ له في الخلق ولا في سائر أحكامِ الألوهيةِ وإنما تميزْتُ عنكم بذلك (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ) الرجاءُ توقعُ وصولِ الخير في المستقبل والمرادُ بلقائه تعالى كرامتُه وإدخالُ الماضي على المستقبل للدِلالة على أن اللائقَ بحال المؤمن الاستمرارُ والاستدامةُ على رجاء اللقاءِ أي فمن استمر على رجاء كرامتِه تعالى (فَلْيَعْمَلِ) لتحصيل تلك الطِّلْبةِ العزيزة (عَمَلاً صالحا) في نفسه لائقاً بذلك المرجوِّ كما فعله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا) إشراكاً جلياً كما فعله الذين كفروا بآيات ربِّهم ولقائه ولا إشراكا خفيا كما يفعله أهلُ الرياء ومَنْ يطلبُ به أجراً وإيثارُ وضعِ المُظهَر موضعَ المُضمر في الموضعين مع التعرض لعنوان الربوبيةِ لزيادة التقريرِ وللإشعار بعلية العنوانِ للأمر والنهي ووجوبِ الامتثالِ فعلاً وتركاً روي أن جندب بن زهير رضي الله عنه قالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعمل العملَ لله تعالى فإذا اطّلع عليه سرني فقال صلى الله عليه وسلم إن الله لا يقبل ما شورك فيه
سورة مريم عليها السلام مكية وآياتها ثمان وتسعون
بسم الله الرحمن الرحيم
مريم 1 2 فنزلت تصديقاً له وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال له لك أجران أجرُ السرِّ وأجرُ العلانية وذلك إذا قصد أن يقتدي به وعنه صلى الله عليه وسلم اتقوا الشركَ الأصغرَ قيل وما الشركُ الأصغرُ قال الرياء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنْ قرأَ سورةَ الكهفِ من آخرها كانت له نوراً من قَرنه إلى قدمه ومن قرأها كلَّها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء وعنه صلى الله عليه وسلم من قرأ عند مضجعه قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ الخ كان له مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكةَ حشْوُ ذلك النورِ ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعُه بمكةَ كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمورِ حشوُ ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ الحمد لله سبحانه على نعمه العِظام
سورة مريم عليها السلام مكية إلا الآيات 58 و 71 فمدنيتان وآيتها 98
بسم الله الرحمن الرحيم
(كهيعص) بإمالة الهاءِ والياء وإظهار الدال وقرئ بفتح الهاء وإمالةِ الياء وبتفخيمهما وبإخفاء النونِ قبل الصادِ لتقاربهما وقد سلف أن مالا يكون من هذه الفواتح مفردة ولا موازِنةً لمفرد فطريقُ التلفظ بها الحكايةُ فقط ساكنةُ الأعجاز على الوقف سواءٌ جُعلت أسماءً للسور أو مسرودةً على نمط التعديدِ وإن لزِمها التقاءُ الساكنين لكونه مغتفراً في باب الوقف قطعاً فحق هذه الفاتحة الكريمةِ أن يوقف عليها جريا على الأصل وقرئ بإدغام الدال فيما بعدها لتقاربهما في المخرج فإن جُعلت اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ إما على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ والتقديرُ هذا كهيعص أي مسمًّى به وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم جرَيانِ ذكرِه لأنه باعتبار كونِه على جناح الذكرِ صار في حكم الحاضِرِ
المشاهَد كما يقال هذا ما اشترى فلان أو على أنَّه مبتدأٌ خبرُه
(ذكر رحمة رَبّكَ) أي المسمّى به ذكرُ رحمة الخ فإن ذكرَها لمّا كان مطلَعَ السورةِ الكريمة ومعظمَ ما انطوت هي عليه جُعلت كأنها نفسُ ذكرها والأولُ هو الأولى لأن ما يُجعلُ عُنواناً للموضوعِ حقَّه أن يكون معلومَ الانتسابِ إليه عند المخاطَب وإذ لا عِلْمَ بالتسمية من قبلُ فحقُها الإخبارُ بها كما في الوجه الأول وإن جُعلت مسرودةً على نمط التعديدِ حسما جنَح إليه أهلُ التحقيقِ فذكرُ الخ خبرٌ لمبتدأ محذوف هو ما ينبئ عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل المؤلَّفُ من جنس هذه الحروف المبسوطةِ مراداً به السورةُ ذكرُ الرحمة الخ أو اسمُ إشارةٍ أُشير به إليه تنزيلاً لحضور المادة منزلة حضور المؤلف منها أي هذا ذكر رحمة الخ وقيل هو مبتدأٌ قد حذف خبره
مريم 3 4 أي فيما يتلى عليك ذكرها وقرئ ذكَّر رحمةَ ربك على صيغة الماضي من التذكير أي هذا المتلوُّ ذكّرها وقرئ ذكر على صيغة الأمر والتعرضُ لوصفِ الربوبيةِ المنبئةِ عن التبليغِ إلى الكمالِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم للإيذان بأن تنزيلَ السورة عليه صلى الله عليه وسلم تكميل له صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى (عَبْدِهِ) مفعولٌ لرحمة ربك على أنها مفعولٌ لما أضيف إليها وقيل للذكر على أنه مصدرٌ أضيف إلى فاعله على الاتساع ومعنى ذكرِ الرحمةِ بلوغُها وإصابتُها كما يقال ذكرني معروفُ فلان أي بلغني وقوله عز وعلا (زَكَرِيَّا) بدلٌ منه أو عطفُ بيان له
(إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً) ظرفٌ لرحمة ربك وقيل لذِكرُ على أنه مضافٌ إلى فاعله اتساعاً لا على الوجه الأولِ لفساد المعنى وقيل هو بدلُ اشتمالٍ من زكريا كما في قوله واذكر فِى الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت ولقد راعى عليه الصلاة والسلام حسنَ الأدب في إخفاء دعائِه فإنه مع كونه بالنسبة إليه عز وجل كالجهر أدخلُ في الإخلاص وأبعدُ من الرياء وأقربُ إلى الخلاص عن لائمة الناس على طلب الولدِ لتوقفه على مباد لا يليق به تعاطيها في أوان الكِبَر والشيخوخة وعن غائلة مواليه الذين كان يخافهم وقيل كان ذلك منه عليه السلام لضَعف الهرم قالوا كان سنُّه حينئذ ستين وقيل خمساً وستين وقيل سبعين وقيل خمساً وسبعين وقيل ثمانين وقيل أكثرَ منها كما مر في تفسير سورة آل عِمرانَ
(قَالَ) جملةٌ مفسِّرةٌ لنادى لا محلَّ لها من الإعراب (رَبّ إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى) إسنادُ الوهن إلى العظم لِما أنه عمادُ البدن ودِعامُ الجسد فإذا أصابه الضَّعفُ والرخاوة أصاب كلَّه أو لأنه أشدُّ أجزائه صلابةً وقِواماً وأقلُّها تأثراً من العلل فإذا وهَن كان ما وراءه أوهنَ وإفرادُه للقصد إلى الجنس المنبئ عن شمول الوهْنِ لكُلِّ فردٍ منْ أفرادِهِ ومنّي متعلق بمحذوف هو حال من العظم وقرئ وهِن بكسر الهاء وبضمها أيضاً وتأكيدُ الجملة لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بتحقيقِ مضمونها (واشتغل الرأس شيبا) شبه عليه الصلاة والسلام الشيبَ في البياض والإنارة بشُواظ النار وانتشارَه في الشعر وفُشوَّه فيه وأخذَه منه كلَّ مأخذ باشتعالها ثم أخرجه مُخرجَ الاستعارةِ ثم أَسند الاشتعالَ إلى محل الشعرِ ومنبِتِه وأخرجه مُخرج التمييز وأطلق الرأسَ اكتفاءً بما قيّد به العظمَ وفيه من فنون البلاغة وكمال الجزالة مالا يخفى حيث كان الأصلُ اشتعل شيبُ رأسي فأسند الاشتعالَ إلى الرأس كما ذُكر لإفادة شمولِه لكلها فإن وِزانَه بالنسبة إلى الأصل وزانُ اشتعل بيتُه ناراً بالنسبة إلى اشتعل النارُ في بيته ولزيادة تقريرِه بالإجمال أولاً والتفصيلِ ثانياً ولمزيد تفخيمِه بالتنكير وقرئ بإدغام السينِ في الشين (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً) أي ولم أكن بدعائي إياك خائباً في وقت من أوقات هذا العمُر الطويلِ بل كلما دعوتُك استجبتَ لي والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها أو حالٌ من ضميرِ المتكلم إذِ المعنى واشتعل رأسي شيباً وهذا توسلٌ منه عليه الصلاة والسلام بما سلف منه من الاستجابة عند كلِّ دعوة إثرَ تمهيدِ ما يستدعي الرحمةَ ويستجلب الرأفةَ من كِبَر السّنِّ وضَعفِ الحال فإنه تعالى بعد ما عوّد عبدَه بالإجابة دهراً طويلاً لا يكاد
مريم 5 6 يُخيّبه أبداً لا سيما عند اضطرارِه وشدة افتقارِه والتعرض في الموضعين لوصفِ الربوبيةِ المنبئةِ عن إضافة ما فيه صلاحُ المربوبِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لا سيما توسيطُه بين كان وخبرها لتحريك سلسلةِ الإجابةِ بالمبالغة في التضرّع ولذلك قيل إذا أراد العبدُ أن يُستجابَ له دعاؤُه فليدعُ الله تعالى بما يناسبه من أسمائه وصفاتِه (وَإِنّي خِفْتُ الموالى) عطف على قوله تعالى إِنّى وَهَنَ العظم مترتبٌ مضمونه على مضمونه فإن ضَعفَ القُوى وكِبَر السنِّ من مبادئ خوفه عليه السلام من يلي أمرَه بعد موته ومواليه بنو عمه وكانوا أشرارَ بني إسرائيلَ فخاف أن لا يُحسِنوا خلافتَه في أمته ويبدّلوا عليهم دينَهم وقوله
(مِن وَرَائِى) أي بعد موتي متعلقٌ بمحذوف ينساق إليه الذهنُ أي فِعلَ الموالي من بعدي أو جور الموالي وقد قرئ كذلك أو بما في الموالي من معنى الوِلاية أي خِفتُ الذين يلون الأمرَ من ورائي لا يخفت لفساد المعنى وقرئ ورايَ بالقصر وفتح الياء وقرئ خفّت الموالي من ورائي أي قلوا وعجَزوا عن القيام بأمور الدين بعدي أو خفّت الموالي القادرون على إقامة مراسمِ الملة ومصالحِ الأمة من خفَّ القوام أي ارتحلوا مسرعين أي درَجوا قُدّامي ولم يبقَ منهم من به تَقوَ واعتضادٌ فالظرفُ حينئذ متعلقٌ بِخفّتْ (وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا) أي لا تلد من حينِ شبابها (فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ) كلا الجارّين متعلقٌ بهب لاختلاف معنييهما فاللامُ صلةٌ له ومِنْ لابتداء الغايةِ مجازاً وتقديمُ الأول لكون مدلولِه أهمَّ عنده ويجوز تعلّقُ الثاني بمحذوفٍ وقعَ حالاً من المفعول ولدُنْ في الأصل ظرفٌ بمعنى أولُ غايةِ زمانٍ أو مكان أو غيرِهما من الذوات وقد مر تفصيله في أوائل سورة آل عمران أي أعطِني من مَحْض فضلِك الواسعِ وقدرتِك الباهرةِ بطريق الاختراعِ لا بواسطة الأسباب العادية (وَلِيّاً) أي ولداً من صُلبي وتأخيرُه عن الجارَّين لإظهار كمالِ الاعتناءِ بكون الهبةِ له على ذلك الوجه البديعِ مع ما فيه من التشويق إلى المؤخَّر فإنَّ ما حقَّه التقديمُ إذا أُخرَ تبقى النفسُ مستشرقه فعند ورودِه لها يتمكن عندها فضلُ تمكّنٍ ولأن فيه نوعَ طولٍ بما بعده من الوصف فتأخيرُهما عن الكل أو توسيطُهما بين الموصوف والصفه مما لا يليقُ بجزالةِ النظم الكريم والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قيلها فإن ما ذِكرِه عليه الصلاة والسلام من كبر السن وضعف القُوى وعقرِ المرأة موجبٌ لانقطاع رجائِه عليه السلام عن حصول الولدِ بتوسط الأسبابِ العادية واستيهابِه على الوجه الخارِق للعادة ولا يقدحُ في ذلك أن يكون هناك داعٍ آخرُ إلى الإقبال على الدعاء المذكورِ من مشاهدته عليه السلام للخوارق الظاهرةِ في حق مريمَ كما يعرب عنه قوله تعالى هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ الآية وعدمُ ذكرِه ههنا للتعويل على ذكره هناك كما أن عدمَ ذكرِ مقدمةِ الدعاء هناك للاكتفاء بذكره ههنا فإن الاكتفاءَ بما ذكر في موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ من النكت التنزيلية وقوله تعالى
(يرثني) صفة لوليا وقرئ هو وما عُطف عليه بالجزم جواباً للدعاء أي يرثني من حيث العلمُ والدينُ والنبوةُ فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام لا يورثون المال قال صلى الله عليه وسلم
مريم 7
نحن معاشرَ الأنبياءِ لا نورَث ما تركنا صدقةٌ وقيل يرثني الحُبورة وكان عليه السلام حِبْراً (وَيَرِثُ من آل يَعْقُوبَ) يقال ورِثه وورِث منه لغتان وآلُ الرجل خاصّته الذين يؤُول إليه أمرُهم للقرابة أو الصُّحبة أو الموافقة في الدين وكانت زوجةُ زكريا أختَ أمِّ مريمَ أي ويرث منهم الملكَ قيل هو يعقوب بن اسحاق ابن إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام وقال الكلبي ومقاتل هو يعقوبُ بنُ ماثانَ أخو عمرانَ بنِ ماثان من نسل سليمانَ عليه السلام وكان آلُ يعقوب أخوالَ يحيى بنِ زكريا قال الكلبي كان بنو ماثانَ رءوس بني إسرائيلَ وملوكَهم وكان زكريا رئيسَ الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولدُه حبورتَه ويرثَ من بني ماثان ملكهم وقرئ ويرث وارثَ آلِ يعقوب على أنه حال من المستكن في يرث وقرئ أو يرث آل يعقوب بالتصغير ففيه إيماءٌ إلى وراثته عليه السلام لما يرثه في حالة صِغَره وقرئ وارثٌ من آل يعقوب على أنه فاعلُ يرثني على طريقة التجريد أي يرثني به وارثٌ وقيل من للتبغيض إذ لم يكن كلُّ آلِ يعقوبَ عليه السلام أنبياءَ ولا علماءَ (واجعله رَبّ رَضِيّاً) مرضياً عندك قولاً وفعلاً وتوسيطُ ربِّ بين مفعولي اجعَلْ للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه
(يَا زَكَرِيَّا) على إرادةِ القولِ أيْ قال تعالى يَا زَكَرِيَّا (إِنَّا نُبَشّرُكَ بغلام اسمه يحيى) لكن لا بأن يخاطبه عليه الصلاة والسلام بذلك بالذات بل بواسطة الملَك على أن يحكيَ له عليه الصلاة والسلام هذه العبارة عنه عز وجل على نهج قوله تعالى قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ الآية وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ آلِ عمران وهذا جوابٌ لندائه عليه الصلاة والسلام ووعدٌ بإجابة دعائِه لكن لا كلا كما هو المتبادَرُ من قوله تعالى فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى الخ بل بعضاً حسبما تقتضيه المشيئةُ الإلهيةِ المبنيةِ على الحِكَم البالغة فإن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا مستجابي الدعوةِ لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعواتِ ألا يرى إلى دعوة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام في حق أبيه وإلى دعوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث قال وسألته أن لا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض فمنعنيها وقد كان من قضائه عز وعلا أن يهبَه يحيى نبياً مرضياً ولا يرثه فاستجيب دعاؤُه في الأول دون الثاني حيث قتل قبلَ موت أبيه عليهما الصلاة والسلام على ما هو المشهورُ وقيل بقي بعده برهةً فلا إشكال حينئذ وفي تعيين اسمه عليه الصلاة والسلام تأكيدٌ للوعد وتشريف له عليه الصلاة والسلام وفي تخصيصه به عليه السلام حسبما يُعرب عنه قوله تعالى (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً) أي شريكاً له في الاسم حيث لم يُسمَّ أحدٌ قبله بيحيى مزيدُ تشريف وتفخيم له عليه الصلاة والسلام فإن التسميةَ بالأسامي البديعة الممتازة عن أسماء سائرِ الناس تنويهٌ بالمسمّى لا محالة وقيل سميا شبها في الفضل والكمالِ كما في قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً فإن المتشاركين في الوصف بمنزلة المتشاركين في الاسم قالوا لم يكن له عليه الصلاة والسلام مِثْلٌ في أنه لم يعصِ الله تعالَى ولم يهُمَّ بمعصية قط وأنه ولد من شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقر وأنه كان حَصوراً فيكون هذا إجمالاً لما نزل بعده من قوله تعالى مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله وَسَيّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيّا مّنَ الصالحين والأظهرُ أنه اسمٌ أعجميٌّ وإن كان عربياً فهو منقول عن الفعل كيعمَرَ ويَعيشَ قيل سمي به لأنه حي به رحم أمه أوحى دينُ الله تعالى بدعوته
مريم 8 9
(قال) استئناف مبني على السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قال عليه الصلاة والسلام حينئذ فقيل قال (رَبّ) ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابِه تعالى إليه بتوسيط الملَك للمبالغة في التضرع والمناجاة والجِدِّ في التبتل إليه تعالى والاحترازِ عما عسى يُوهم خطابُه للملك من توهُّم أن علمَه تعالى بما يصدُر عنه متوقِّفٌ على توسطه كما أن علمَ البشرِ بما يصدر عنه سبحانه متوقِّفٌ على ذلك في عامة الأوقات (أنى يَكُونُ لِي غلام) كلمة أنى بمعنى كيف أو من أين وكان إما تامةٌ وأنى واللام متعلقتان بها وتقديمُ الجارِّ على الفاعلِ لما مرَّ مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخر أي كيف أو من أين يحدُث لي غلامٌ ويجوزُ أن تتعلق اللامُ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من غلامٌ إذ لو تأخرَ لكانَ صفةً لهُ أي أنى يحدث كائناً لي غلام أو ناقصةٌ اسمُها ظاهرٌ وخبرُها إما أنى ولي متعلقٌ بمحذوف كما مر أو هو الخبر وأنى نصبٌ على الظرفية وقوله تعالى (وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا) حال من ضمير المتكلم بتقدير قد وكذا قوله تعالى (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً) حالٌ منه مؤكدةٌ للاستبعاد إثرَ تأكيد أي كانت امرأتي عاقراً لم تلِدْ في شبابها وشبابي فكيف وهي الآن عجوزٌ وقد بلغتُ أنا من أجل كِبَر السنِّ جساوة وقحولاً في المفاصل والعِظام أو بلغتُ من مدارج الكِبَر ومراتبه ما يسمى عِتيًّا من عتا يعتو وأصله عتو وكقعود فاستُثقل توالي الضمتين والواوين فكسرت التاء فانقلبت الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم قلبت الثانية أيضا لاجماع الواو والياء وسبْقِ إحداهما بالسكون وكُسرت العينُ إتباعاً لها لما بعدها وقرئ بضمها ولعل البداءة ههنا بذكر حال امرأتِه على عكس ما في سورة آل عمرانَ لِما أنه قد ذُكر حالُه في تضاعيف دعائِه وإنما المذكورُ ههنا بلوغُه أقصى مراتبِ الكِبَر تتمةً لما ذكر قبل وأما هنالك فلم يسبِقْ في الدعاء ذكرُ حاله فلذلك قدّمه على ذكر حال امرأتِه لِما أن المسارعةَ إلى بيان قصورِ شأنه أنسبُ وإنما قالَه عليه الصلاة والسلام مع سبق دعائِه بذلك وقوةِ يقينه بقدرة الله لا سيما بعد مشاهدتِه للشواهد المذكورة في سورة آلِ عمران استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجيباً منها واعتداداً بنعمته تعالى عليه في ذلك بإظهار أنه من محضِ لطفِ الله عز وعلا وفضله مع كونه في نفس من الأمور المستحيلةِ عادة لا استبعاداً له وقيل إنما قاله ليُجابَ بما أجيب به فيزدادَ المؤمنون إيقاناً ويرتدعَ المبطلون وقيل كان ذلك منه عليه الصلاة والسلام استفهاماً عن كيفية حدوثه وقيل بل كان ذلك بطريق الاستبعادِ حيث كان بين الدعاء والبِشارة ستون سنة وكان قد نسِيَ دعاءَه وهو بعيد
(قال) استناف كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما سلف والكافُ في قوله تعالى (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) مقحمةٌ كما في مثلُك لا يبخل محلُّها إما النصبُ على أنَّه مصدرٌ تشبيهي لقال الثاني وذلك إشارةٌ إلى مصدره الذي هو عبارةٌ عن الوعد السابقِ لا إلى قول آخرَ شُبِّه هذا به وقد مرَّ تحقيقُه في تفسير قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا وقولُه تعالى (هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ) جملةٌ مقرِّرةٌ للوعد المذكورِ دالةٌ على إنجازه داخلةٌ في حيز قال الأول كأنه قيل قال الله عز وجل مثلَ
ذلك القولِ البديع قلت أي مثلَ ذلك الوعدِ الخارق للعادة وعدت هو علي خاصة هين وإن كان في العادة مستحيلاً وقرئ وهو علي هينٌ فالجملة حينئذ حالٌ من ربك والياء عبارةٌ عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراضٌ وعلى كل حالٍ فهي مؤكدةٌ ومقرِّرةٌ لما قبلها ثم أُخرج القولُ الثاني مُخرجَ الالتفاتِ جرياً على سَنن الكبرياء لنريه المهابةِ وإدخال الروعةِ كقول الخلفاء أميرُ المؤمنين يرسُم لك مكان أنا أرسم ثم أُسند إلى اسم الربِّ المضاف إلى ضميرِه عليه السلام تشريفاً له وإشعاراً بعلة الحُكم فإن تذكيرَ جرَيانِ أحكامِ ربوبيتِه تعالى عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفِه في أطوار الخلقِ من حال إلى حال شيئاً فشيئاً إلى أن يبلغ كمالَه اللائقَ به مما يقلَع أساسَ استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعود ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنانَ بإنجازه لا محالة ثم التُفت من ضمير الغائبِ العائدِ إلى الرب إلى ياء العظمةِ إيذاناً بأن مدارَ كونه هيّناً عليه سبحانه هو القدرةُ الذاتيةُ لا ربوبيتُه تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة وتمهيداً لما يعقُبه وقيلَ ذلكَ إشارةٌ إِلى مُبهمٌ يفسّره قولُه تعالى هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ على طريقة قوله تعالى وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ولا يخرج هذا الوجهُ على القراءة بالواو ولأنها لا تدخل بين المفسِّر والمفسَّر وإما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما تقدم من وعده تعالى أي قال عز وعلا الأمرُ كما وعدتُ وهو واقعٌ لا محالةَ وقولُه تعالَى قَالَ رَبُّكِ الخ استئنافٌ مقرِّر لمضمونه والجملةُ المحكية على القراءة الثانية معطوفةٌ على المحكية الأولى أو حالٌ من المستكنِّ في الجار والمجرور وأيا ما كان فتوسيطُ قال بينهما مُشعرٌ بمزيد الاعتناءِ بكل منهما والكلامُ في إسناد القولِ إلى الرب ثم الالتفاتِ إلى التكلم كالذي مر آنفاً وقيلَ ذلكَ إشارةٌ إِلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام أي قال تعالى الأمرُ كما قلت تصديقاً له فيما حكاه من الحالة المباينةِ للولادة في نفسه وفي امرأته وقوله تعالى قَالَ رَبُّكِ الخ استئنافٌ مَسوقٌ لإزالة استبعادِه بعد تقريره أي قال تعالى وهو مع بعده في نفسه علي هين والقراءة الثاني أَدخلُ في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف وأما جعلُها للحال فمُخِلٌّ بسِداد المعنى لأن مآلَه تقريرُ صعوبته حال سهولتِه عليه تعالى مع أن المقصودَ بيانُ سهولتِه عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه وقولُه تعالَى (وَقَدْ خَلَقْتُكَ من قبل ولم تكن شَيْئاً) جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها والمرادُ به ابتداء خلق البشر هو الواقعُ إثرَ العدم المحضِ لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالدِ المعتادِ وإنما لم يُنسَبْ ذلك إلى آدم عليه الصلاة والسلام وهو المخلوقُ من العدم حقيقةً بأن يقال وقد خلقتُ أباك أو آدمَ من قبل ولم يك شيئاً مع كفايته في إزالة الاستبعادِ بقياس حالِ ما بُشّر به على حالُه عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاج به وتوضيح منهاجِ القياس حيث نبه على أن كلَّ فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم إذ لم تكن فطرتُه البديعةُ مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطوياً على فطرية سائرِ آحادِ الجنس انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل فكان إبداعه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه إبداعاً لكل أحد من فروعه كذلك ولما كان خلقَه عليه الصلاة والسلام على هذا النمطِ الساري إلى جميع أفراد ذريتِه أبدعَ من أن يكون ذلك مقصوراً على نفسه كما هو المفهومُ من نسبة الخلقِ المذكورِ إليه وأدلَّ على عظم قدرتِه تعالَى وكمالِ علمِه وحكمتِه وكان عدم
مريم 10 12
زكريا حينئذ أظهرَ عنده وأجلى وكان حالُه أولى بأن يكون معياراً لحال ما بشر به نُسب الخلقُ المذكور إليه كما نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبين في قولِه تعالى وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه فكأنه قيل وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ في تضاعيف خلقِ آدمِ ولم تكن إذ ذاك شيئاً أصلاً بل عدماً بحتاً ونفياً صِرْفاً هذا وأما حملُ الشيء على المعتدّ به أي ولم تكن شيئاً معتداً به فيأباه المقام ويرده نظم الكلام وقرئ خلقناك
(قال رب اجعل آية) أي علامةً تدلني على تحقق المسؤولِ ووقوعِ الحبَل ولم يكن هذا السؤالُ منه عليه الصلاة والسلام لتأكيد البِشارة وتحقيقِها كما قيل فإن ذلك مما لا يليق بمنصِب الرسالة وإنما كان ذلك لتعريف وقت العُلوق حيث كانت البشارةُ مطلقةً عن تعيينه وهو أمرٌ خفيٌّ لا يوقف عليه فأراد أن يُطلعه الله تعالى عليه ليتلقّى تلك النعمة الجلية بالشكر من حين حدوثِها ولا يؤخِّرَه إلى أن تظهر ظهوراً معتاداً وقد مرت الإشارةُ في تفسير سورة آل عمران إلى أن هذا السؤالَ ينبغي أن يكون بعدما مضى بعد البشارة بُرهةٌ من الزمان لما روي أن يحيى كان أكبرَ من عيسى عليهما الصلاة والسلام بستة أشهر أو بثلاث سنين ولا ريب في أن دعاءَ زكريا عليه الصلاة والسلام كان في صِغَر مريمَ لقوله تعالى هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ وهي إنما ولدت عليسى عليه الصلاة والسلام وهي بنتُ عشرِ سنين أو بنتُ ثلاثَ عشْرةَ سنةً والجعلُ إبداعيٌّ واللامُ متعلقة به وتقديمُها على المفعول به لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آية إذ لو تأخرَ لكان صفةً لهَا وقيل بمعنى التصبير المستدعي لمفعولين أو لهما آيةً وثانيهما الظرفُ وتقديمُه لأنه لا مسوِّغَ لكون آيةٌ مبتدأً عند انحلال الجملة إلى مبتدأ وخبر سوى تقديمِ الظرف فلا يتغير حالُهما بعد ورودِ الناسخ (قال آيتك أَن لا تُكَلّمَ الناس) أي أن لا تقدر على أن تكلمهم بكلام الناسِ مع القدرة على الذكر والتسبيح (ثلاث لَيَالٍ) مع أيامهن للتصريح بها في سورة آل عمران (سَوِيّاً) حال من فاعل تكلم مفيدٌ لكون انتفاءِ التكلم بطريق الاضطرار دون الاختيار أي تُمنع الكلامَ فلا تطيق به حال كونك سوى الخلق سليمَ الجوارحِ ما بك شائبةُ بَكَم ولا خَرَس
(فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب) أي من المصلّى أو من الغرفة وكانوا من وراء المحرابِ ينتظرونه أن يفتح لهم البابَ فيدخلوه ويصلّوا إذْ خرج عليهم متغيِّراً لونُه فأنكروه وقالوا مالك (فأوحى إِلَيْهِمْ) أي أومأ إليهم لقوله تعالى إِلَاّ رَمْزًا وقيل كتب على الأرض وأنْ في قولِه تعالَى (أَن سَبّحُواْ) إما مفسرةٌ لأوحى أو مصدريةٌ والمعنى أي صلّوا أو بأن صلوا (بُكْرَةً وَعَشِيّاً) هما ظرفا زمانٍ للتسبيح عن أبي العالية أن المرادَ بهما صلاةُ الفجر وصلاةُ العصر أو نزِّهوا ربكم طرفي النهار ولعله كان مأموراً بأن يسبِّح شكراً ويأمرَ قومه بذلك
(يَا يحيى) استئناف طُويَ قبله جملٌ كثيرةٌ مسارعةً إلى الإنباء بإنجاز الوعدِ الكريم أي قلنا
مريم 13 17
يا يحيى (خُذِ الكتاب) التوراةَ (بِقُوَّةٍ) أي بجد واستظهار بالتوفيق (وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً) قال ابن عباس رضي الله عنهما الحكمُ النبوةُ استنبأه وهو ابنُ ثلاثِ سنين وقيل الحُكمُ الحِكمةُ وفهمُ التوراة والفقهُ في الدين روي أنه دعاه الصبيانُ إلى اللعب فقال ما لِلَّعب خُلقنا
(وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا) عطف على الحُكم وتنوينُه للتفخيم وهو التحنّنُ والاشتياق ومن متعلقةٌ بمحذوف وقع صفة له مؤكدةٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي وآتيناه رحمةً عظيمةً عليه كائنة من جنابنا أو رحمةً في قلبه وشفقةً على أبويه وغيرهما (وزكاة) أي طهارةً من الذنوب أو صدقةً تصدقنا به على أبويه أو وفقناه للتصديق على الناس (وَكَانَ تَقِيّا) مطيعاً متجنباً عن المعاصي
(وَبَرّا بوالديه) عطف على تقياً أي بارًّا بهما لطيفاً بهما محسناً إليهما (وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً) متكبراً عاقاً لهما أو عاصياً لربه
(وسلام عَلَيْهِ) من الله عز وجل (يَوْمَ وُلِدَ) من أن يناله الشيطانُ بما ينال به بني آدم (وَيَوْمَ يَمُوتُ) من عذاب القبر (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً) من هول القيامةِ وعذاب النار
(واذكر في الكتاب) مستأنفٍ خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأُمر بذكر قصة مريمَ إثرَ قصةِ زكريا لما بينهما من كمال الاشتباكِ والمرادُ بالكتاب السورةُ الكريمة لا القرآنُ إذ هي التي صُدّرت بقصة زكريا المستتبعةِ لذكر قصتها وقصصِ الأنبياء المذكورين فيها أي واذكر للناس (مَرْيَمَ) أي نَبأَها فإن الذكرَ لا يتعلق بالأعيان وقوله تعالى (إِذِ انتبذت) ظرف لذلك المضافِ لكن لا على أن يكون المأمورُ به ذكر نبذها عند انتباذِها فقط بل كلَّ ما عُطف عليه وحُكيَ بعده بطريق الاستئنافِ داخلٌ في حيز الظرف متممٌ للنبأ وقيل بدلُ اشتمال من مريم على أنَّ المرادَ بها نبؤها فإن الظروفَ مشتملةٌ على ما فيها وقيل بدلَ الكلِّ على أن المرادَ بالظرف ما وقع فيه وقيل إذ بمعنى أن المصدرية كما في قولك أكرمتك إذ لم تكرمني أي لأن لم تكرمني فهو بدلُ اشتمالٍ لا محالةَ وقولُه تعالَى (مّنْ أَهْلِهَا) متعلق بانتبذت وقوله (مَكَاناً شَرْقِياً) مفعولٌ له باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيانِ المترتبِ وجوداً واعتباراً على أصل معناه العاملِ في الجار والمجرور وهو السرفي تأخيره عنه أي اعتزلت وانفردت منهم وأتت مكاناً شرقياً من بيت المقدِس أو من دارها لتتخلّى هنالك للعبادة وقيل قعدت مشرقة لتغتسل من الحيض محتجبةً بحائط أو بشيء يستُرها وذلك قوله تعالى
(فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً) وكان موضعُها المسجدَ فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها وإذا طهُرت عادت إلى المسجد فبيناهى
مريم 18 21 في مغتسلها أتاها الملَكُ عليه الصلاة والسلام في صورة آدميَ شابّ أمردَ وضئ والوجه جعْدِ الشعر وذلك قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا) أي جبريل عليه الصلاة والسلام عبرّ عنه بذلك توفيةً للمقام حقه وقرئ بفتح الراء لكونه سبباً لما فيه من روحُ العباد الذي هو عُدّةُ المقربين في قولِه تعالى فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ (فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) سويَّ الخلقِ كاملَ البُنية لم يفقِدْ من حِسان نعوتِ الآدمية شيئاً وقيل تمثل في سورة تِرْبٍ لها اسمُه يوسفُ من خدم بيتِ المقدس وذلك لتستأنسَ بكلامه وتتلقّى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى إذ لو بدا لها على الصورة الملَكيةِ لنفرَتْ منه ولم تستطع مفاوضتَه وأما ما قبل من أن ذلك لتهييج شهوتِها فتنحدر نطفتُها إلى رحمها فمع مخالفته لمقام بيانِ آثارِ القدرة الخارقةِ للعادة يكذبه قوله تعالى
(قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بالرحمن منك) فإنه شاهد عدْلٌ بأنه لم يخطُر ببالها شائبةُ ميل ما إليه فضلاً عما ذُكر من الحالة المترتبة على أقصى مراتبِ الميل والشهوة نعم كان تمثيلُه على ذلك الحسنِ الفائقِ والجمالِ الرائقِ لابتلائها وسبْر عِفّتها ولقد ظهر منها من الورع والعَفافِ ما لا غايةَ وراءَه وذكرُه تعالى بعنوان الرحمانيةِ للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلابِ آثارِ الرحمةِ الخاصة التي هي العصمةُ مما دهِمَها وقوله تعالى (إِن كُنتُ تَقِيّاً) أي تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة السياقِ عليه أي فإني عائذةٌ به أو فتعوّذْ بتعوذي أو فلا تتعرّضْ لي
(قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ ربك) يريد عليه الصلاة والسلام إِنّى لست ممن يُتوقّع منه ما توهّمتِ من الشر وإنما أنا رسولُ ربك الذي استعذتِ به (لأَهَبَ لَكِ غلاما) أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدِّرْع ويجوزُ أنْ يكونَ ذلكَ حكاية لقوله تعالى ويؤيده القراءة بالياء والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتسليتِها والإشعارِ بعِلة الحُكم فإن هبةَ الغلامِ لها من أحكام تربيتها وفي بعض المصاحفِ أمرَني أن أهبَ لك غلاماً (زَكِيّاً) طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح
(قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غلام) كما وصفت (وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ) أي والحال أنه لم يباشرْني بالنكاح رجلٌ وإنما قيل بشرٌ مبالغةً في بيان تنزُّهها من مبادئ الولادة (وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً) عطف على لم يمسَسْني داخل معه في حكم الحالية مفصِحٌ عن كون المِساس عبارةً عن المباشرة بالنكاح أي ولم أكن فاجرةً تبغي الرجالَ وهي فَعولٌ بمعنى الفاعل أصلها بغُويٌ فأدغمت الواوُ بعد قلبها ياء في الياء وكسرت الغين للياء وقيل هي فعيل بمعنى الفاعل وإلا لقيل بَغُوٌّ كما يقال فلان نَهُوٌّ عن المنكر وإنما لم تلحَقْه التاءُ لأنها من باب النسب كطالق أو بمعنى المفعول أي يبغيها الرجالُ للفجور بها
(قال) أي
مريم 22 23 الملك تقرير لمقالته وتحقيقاً لها (كذلك) أي الأمر كما قالت لك وقوله تعالى (قَالَ رَبُّكِ) الخ استئنافٌ مقرِّر له أي قال ربك الذي أرسلني إليك (هُوَ) أي ما ذكرتُ لك من هبة الغلامِ من غير أن يمسَّك بشرٌ أصلاً (عَلَىَّ) خاصة (هَيّنٌ) وإن كان مستحيلاً عادة لما أنى أحتاج إلى الأسباب والوسائطِ وقوله تعالى (ولنجعله آية لّلْنَّاسِ) إما علةٌ لمعلَّلٍ محذوف أي ولنجعل وهْبَ الغلام آيةً لهم وبرهاناً يستدلون به على كمال قدرتِنا نفعل ذلك أو معطوفٌ على علة أخرى مضمَرةٍ أي لنبين به عِظَمَ قدرتِنا ولنجعله آية الخ والواو على الأول اعتراضيةٌ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهار كمالِ الجلالةِ (وَرَحْمَةً) عظيمةً كائنة (مِنَّا) عليهم يهتدون بهدايته ويسترشدون بإرشاده (وكان) ذلك (أمرامقضيا) مُحكماً قد تعلق به قضاؤنا الأزليُّ أو قُدّر وسُطّر في اللوح لا بد من جريانه عليك البتةَ أو كان أمراً حقيقيا بأن يقضى ويُفعلَ لتضمنّه حِكَماً بالغة
(فَحَمَلَتْهُ) بأن نفخ جبريلُ عليه الصلاة والسلام في دِرعها فدخلت النفخةُ في جوفها قيلَ إنَّه عليه الصلاة والسلام رفع دِرعَها فنفخ في جيبه فحمَلت وقيل نفخ عن بُعد فوصل الريحُ إليها فحملت في الحال وقيل إن النفحة كانت في فيها وكانت مدةُ حملها سبعةَ أشهر وقيل ثمانيةً ولم يعِشْ مولود وُضع لثمانية أشهر غيرُه وقيل تسعةَ أشهرٍ وقيل ثلاثَ ساعات وقيل ساعة كما حملت وضعتْه وسنُّها حينئذ ثلاثَ عشْرةَ سنةً وقيل عشرُ سنين وقد حاضت حيضتين {فانتبذت بِهِ} أي فاعتزلت وهو في بطنها كما في قوله
…
تدوس بنا الجماجمَ والنريبا
…
فالجارُّ والمجرور في حيز النصبِ على الحالية أي فانتبذت ملتبسةً به {مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار وهو الأنسب بقصر مدة الحمل
{فَأَجَاءهَا المخاض} أي فألجأها وهو في الأصل منقول من جاء لكنه لم يستعمل في غيره كآتى في أعطى وقرئ المِخاض بكسر الميم وكلاهما مصدرُ مخِضَت المرأةُ إذا تحرك الولدُ في بطنها للخروج {إلى جِذْعِ النخلة} لتستتر به وتعتمد عليه عند الوِلادة وهو ما بين العِرْق والغصن وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خُضرة وكان الوقت شتاءً والتعريفُ إما للجنس أو للعهد إذا لم يكن ثمةَ غيرُها وكانت كالمتعالم عند الناس ولعله تعالى ألهمها ذلك ليُريَها من آياتها ما يسكّن رَوْعتها ويطعمها الرُّطَبَ الذي هو خُرْسةُ النُّفَساءِ الموافقة لها {قالت يا ليتني مّتَّ} بكسر الميمِ من مات يمات كخفت وقرئ بضمها من مات يموت {قَبْلَ هذا} أي هذا الوقتِ الذي لقِيتُ فيه ما لقِيت وإنما قالته مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريلُ عليه السلام من الوعد الكريم استحياءً من الناس وخوفاً من لائمتهم أو حِذاراً من وقوع الناس في المعصية بما تكلموا فيها أو جرياً على سَنن الصالحين عند اشتدادِ الأمر عليهم كما روي عن عمر رضي الله عنه أنَّه أخذ تِبْنةً من الأرض فقال يا ليتنى هذه التبنةُ ولم أكن شيئاً وعن بلال أنه قال ليت بلال لم تلده أمُّه {وَكُنتُ نَسْياً} أي شيئاً تافهاً شأنُه أن يُنسى ولا يعتد به أصلا وقرئ بالكسر قيل هما لغتان في ذلك كالوتر والوتر وقيل هو بالكسر اسمٌ لما يُنسى كالنِّقْض اسمٌ
مريم 24 26 لما يُنقض وبالفتح مصدرٌ سُمِّي به المفعولُ مبالغةً وقرئ بهما مهموزاً من نسأتُ اللبن إذا صببتُ عليه الماء فصار مستهلَكاً فيه وقرئ نساً كعصاً {مَّنسِيّاً} لا يخطُر ببالِ أحدٍ من الناس وهو نعتٌ للمبالغة وقرئ بكسر الميم إتباعاً له بالسين
{فَنَادَاهَا} أي جبريلُ عليه السلام {مِن تَحْتِهَا} قيل إنه كان يقبل الولد وقيل من تحتها أي من مكان أسفلَ منها تحت الأكمة وقيل من تحت النخلة وقيل ناداها عيسى عليه السلام وقرئ فخاطبها مَنْ تحتَها بفتح الميم {ألا تَحْزَنِى} أي لا تحزني على أنَّ أنْ مفسرةٌ أو بأن لا تحزني على أنها مصدرية قد حذف عنها الجار {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} أي بمكان أسفل منك وقيل تحت أمرِك إنْ أمرْتِ بالجري جرى وأن أمرت بالإمساك أُمسِك {سَرِيّاً} أي نهراً صغيراً حسبما روي مرفوعاً قال ابن عباس رضي الله عنه أنَّ جبريلَ عليه السلام ضرب برجله الأرضَ فظهرت عينُ ماء عذبٍ فجرى جدْولاً وقيل فعله عيسى عليه السلام وقيل كان هناك نهر يابسٌ أجرى الله عز وجل فيه الماءَ حينئذ كما فعل مثلَه بالنخلة فإنها كانت نخلةً يابسة لا رأسَ لها ولا ورق فضلاً عن الثمر وكان الوقت شتاءً فجعل الله لها إذ ذاك رأساً وخُوصاً وثمراً وقيل كان هناك ماءٌ جارٍ والأول هو الموافقُ لمقام بيانِ ظهورِ الخوارق والمتبادرُ من النظم الكريم وقيل سرياً أي سيدا نبيلا رفيعَ الشأن جليلاً وهو عيسى عليه السلام فالتنوينُ للتفخيم والجملة تعليل لانتفاء الحزْنِ المفهوم من النهي عنه والتعرضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميرها لتشريفها وتأكيدِ التعليل وتكميلِ التسلية
{وهزي} هزُّ الشيء تحريكُه إلى الجهات المتقابلة تحريكاً عنيفا متداركا والمراد ههنا ما كان منه بطريق الجذبِ والدفعِ لقوله تعالى {إِلَيْكَ} أي إلى جهتك والباء في قوله عز وجل {بِجِذْعِ النخلة} صلةٌ للتأكيد كما في قوله تعالى وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ الخ قال الفراء تقول العرب هَزّه وهزّ بِه وأخذ الخطامَ وأخذ بالخطام أو لإلصاق الفعل بمدخولها أي افعلي الهز بجذعها أو هزي الثمرة بهزه وقيل هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من مفعول الهز أي هزي إليك الرطب كائنا بجذعها {تساقط} أي تُسقِطِ النخلة {عَلَيْكَ} إسقاطاً متواتراً حسب تواتر الهز وقرئ تُسقِطْ ويُسقِط من الإسقاط بالتاء والياء وتتساقطْ بإظهار التاءين وتَساقطْ بطرح الثانية وتسّاقَطْ بإدغامها في السين ويَسّاقط بالياء كذلك وتسقُطْ ويسقُطْ من السقوط على أن التاء في الكل للنخلة والياء للجذع وقوله تعالى {رُطَباً} على القراءات الثلاث الأولى مفعول وعلى ولست البواقي تمييزٌ وقوله تعالى {جَنِيّاً} صفةٌ له وهو ما قُطع قبل يَبْسه فعيل بمعنى مفعول أي رطباً مجنياً أي صالحاً للاجتناء وقيل بمعنى فاعل أي طريا طيبا وقرئ جِنياً بكسر الجيم للاتباع
{فكلي واشربي}
مريم 27 29 أي ذلك الرطبَ وماءَ السَّريِّ أو من الرطب وعصيرِه {وَقَرّى عَيْناً} وطِيبي نفساً وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك فإنه تعالى قد نزّه ساحتَك عما اختلج في صدور المتعبدين بالأحكام العادية بأن أظهر لهم من البسائط العنصريةِ والمركباتِ النباتية ما يخرِق العاداتِ التكوينيةَ ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرِك وقرئ وقِرّي بكسر القاف وهي لغة نجد واشتقاقُه من القرار فإن العينَ إذا رأت ما يسرّ النفسَ سكنت إليه من النظر إلى غيره أو من القَرّ فإن دمعةَ السرور باردةٌ ودمعةَ الحُزن حارة ولذلك يقال قُرّة العين وسُخْنةُ العين للمحبوب والمكروه {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً} أي آدمياً كائناً من كان وقرئ تَرئِنّ على لغة من يقول لبّأْتُ بالحج لما بين الهمزة والياءِ من التآخي {فَقُولِى} له إن استنطقك {إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً} أي صمتاً وقد قرئ كذلك أو صياماً وكان صيامُهم بالسكوت {فَلَنْ أُكَلّمَ اليوم إِنسِيّاً} أي بعد أن أخبرتُكم بنذري وإنما أكلم الملائكةَ وأناجي ربي وقيل أُمِرت بأن تخبرَ بنذرها بالإشارة وهو الأظهرُ قال الفراء العربُ تسمِّي كلَّ ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريقٍ وصَل ما لم يؤكَّدْ بالمصدر فإذا أُكّد لم يكنْ إلا حقيقةُ الكلام وإنما أمرت بذلك لكراهة مجادلةِ السفهاء ومناقلتهم والاكتفاء بكلام عيسى عليه السلام فإنه نصٌّ قاطعٌ في قطع الطعن
{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا} أي جائتهم مع ولدها راجعة إليهم عندما طهرت من نفسها {تَحْمِلُهُ} أي حاملةً له {قَالُواْ} مؤنبين لها {يا مريم لَقَدْ جِئْتَ} أي فعلت {شَيْئاً فَرِيّاً} أي عظيماً بديعاً منكراً من فرَى الجلدَ أي قطعه أو جئتِ مجيئاً عجيباً عبر عنه بالشيء تحقيقاً للاستغراب
{يا أخت هارون} استئناف لتجديد التعبير وتأكيدِ التوبيخ عنَوا به هرون النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكانت مِن أعقاب مَن كان معه في طبقة الأخوة وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة وقيل هو رجلٌ صالح أو طالح كان في زمانهم شبّهوها به أي كنت عندنا مثله في الصلاح أو شتموها به {مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} تقريرٌ لكون ما جاءت به فِرّياً منكراً وتنبيهٌ على أن ارتكابَ الفواحش من أولاد الصالحين أفحشُ
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} أي إلى عيسى عليه السلام أنْ كلّموه والظاهر أنها حينئذ بينت نذرَها وأنها بمعزل عن محاورة الإنس حسبما أُمرت ففيه دلالةٌ على أن المأمورَ به بيانُ نذرها بالإشارة لا بالعبارة والجمعُ بينهما مما لا عهدَ به {قَالُواْ} منكرين لجوابها {كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً} ولم نعهَد فيما سلف صبياً يكلمه عاقل وقيل كان لإيقاع مضمونِ الجملة في زمان ماضٍ مبهمٍ صالحٍ لقريبه وبعيده وهو ههنا لقريبه خاصة بدليل أنه مَسوقٌ للتعجب وقيل هي زائدة والظرفُ صلة مَنْ وصبياً حالٌ من المستكنِّ فيهِ أو هي تامة أو دائمة كما في قوله تعالى وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً