الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (4)
* قالَ الله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4].
* * *
ثم قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} .
{اللَّهُ} مبتدأٌ و {الَّذِي} اسمٌ موصولٌ خَبَرٌ، و {خَلَقَ} بمعنى أَوْجَبَ بتقديرٍ ونظامٍ، وأنَّ الخَلْق في الأصل في اللُّغَة: التَّقْديرُ؛ كما في قول الشَّاعِر:
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ
…
وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
(1)
ويُطْلَقُ الخلْقُ على: الإيجادِ في تقديرٍ، وهو المرادُ به هنا.
وقوله تعالى: {السَّمَاوَاتِ} هي الأَجْرامُ المحسوسَةُ، وهي سَبْعَةٌ، وقوله تعالى:{وَالْأَرْضَ} المرادُ بها الجِنْسُ، ويشمل جميعَ الأَرَضِينَ.
وقوله تعالى: {وَمَا بَيْنَهُمَا} يعني: والذي بينهما، وهو السَّحابُ، وكذلك النُّجُومُ والقمر وما أشبهها، وهذا يدلُّ على أنَّ هناك أشياءَ كثيرةً قد لا نَعْلَمُها إلى الآن، فإلى الآن نكتشِفُ أشياءَ كثيرةً مما بين السَّماء والأَرْض، ويدلُّ على أنَّ ما بين السَّماء والأرض أنه ليس مُجَرَّد سحاب فقط بل وراءَ ذلك؛ أن الله تعالى جَعَلَه قسيمًا لخلق السَّمواتِ والأرض، ولا بُدَّ أن يكون شيئًا عظيمًا يقابِلُ هذه المخلوقاتِ.
(1)
البيت لزهير بن أبي سلمى، انظر: ديوانه (ص: 32).
وقوله تعالى: {فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} قال رحمه الله: [أوَّلُها الأَحَدُ، وآخِرُها الجُمُعَة] وقد فصَّل الله تعالى هذه الأَرْبَعَة في سورة فُصِّلَتْ، وقال تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9 - 10]؛ فالآن خَلْقُ الأَرْضِ في أَرْبَعَة أيَّامٍ، ثمَّ قال سبحانه وتعالى:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 11 - 12] فتكون الأيامُ ستَّة: أوَّلُها الأحَدُ وآخرها الجمعة.
وهل هذه الأيام كأيَّامِنا؟ أو كُلُّ يومٍ مقدارُهُ ألفُ سَنَةٍ؟ أو هي أيام بمعنى ساعاتٍ أو لحظاتٍ؟
أقوالٌ؛ فمنهم من قال: إنَّها أيَّامٌ؛ يعني لحظات؛ لأن الله إذا أرادَ شيئًا قال له: {كُن فَيَكُونُ} [البقرة: 117] وعبَّر بالأيَّامِ عن مطلَقِ الزَّمَن، ومنهم من قال: إنَّها أيَّام كلُّ يومٍ منها مقدارُهُ ألفُ سنةٍ، فتكون سِتَّةَ آلافِ سَنَة، ومنهم من قال: إنَّها أيَّام كأيامِنا، وإنَّ الأيام أُطْلِقَت والمرادُ بها هذه الأيَّامُ المعروفَةُ، لاسيَّما وأنَّه في سورة فُصِّلَتْ:{فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} ، {فِي يَوْمَيْنِ} ولا يمكن أن نَخْرُجَ من قراءةِ القرآنِ عن معهودِ المَعْروفِ في اللُّغَة العربيَّة.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هذا القَوْلُ وإن كان ظاهِرَ القرآن يَرِدُ عليه أمرانِ:
الأمر الأوَّل: أنَّه لمَّا خَلَقَ السَّمواتِ والأَرْضَ ليس هناك شمسٌ حتى تُحدَّدَ بالأيَّامِ؛ فماذا نقولُ؟
الأمر الثَّاني: أن يُقال: لماذا سِتَّةُ أيام؟ ولماذا لم تكن في لحظَةٍ، أو تكون في أيامٍ طويلةٍ جدًّا في لحظة باعتبارِ قُدْرَةِ الله سبحانه وتعالى:{كُن فَيَكُونُ} مهما عظُمَ الشَّيءُ،
في نسبة طويلة باعتبارِ هذه المخلوقاتِ؛ يعني لا يكفيها ألفُ سنة ولا أَلْفَا سنةٍ ولا مائَةُ ألْفِ سَنَة، لأنَّ المخلوقاتِ عظيمةٌ لا يكفيها هذه المدَّةُ القصيرةُ؛ فإمَّا أن تُقاسَ بقُدْرَة الله أو تقاس بحَسَبِ واقِعِها، فإنْ قِسْتُمُوها بحَسَبِ قدرة الله أنها في لحظَةٍ فالأيَّام السِّتة ليسَ لها معنًى؛ وإن قِسْتُمُوها بحسب واقعها لا بحسَب قُدرة الله فإنَّ المخلوقاتِ عظيمةٌ جدًّا منظَّمَةٌ في غايَةِ النِّظام.
فالجوابُ على هذينِ الإيرادَيْنِ:
الأَوَّل: أن هذا بِحَسَبِ عِلْمِ الله، والله يعلم متى يكون.
والثَّاني: والجوابُ عنه أن يُقالَ: هكذا قال الله عز وجل، وليس لنا أن نتعدَّى ما أخْبَرَنا الله به؛ لأنَّ هذا أمرٌ لا يَسَعُنا الإحاطَةُ به، وقد قال الله سبحانه وتعالى:{مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} [الكهف: 51]. ونحن لا شكَّ نقيسُ هذه الأشياء بحَسَبِ قدرة الله لا بِحَسَبِ واقِعِها، فواقِعُها لا يعلَمُه إلا الله عز وجل فإذن يجب أن تُقاسَ بِقُدْرَةِ الله، ويُقال: إنَّ تقديرَها في ستَّةِ أيَّام حسَبَ ما تقْتَضِيه حكمةُ الله عز وجل، وليس لنا أن نتكلَّمَ في شيء من ذلك.
ولهذا، اليهود - لعنةُ الله عليهم - قالوا: إن الله تعالى خلقَ السَّمواتِ والأَرْضَ في ستَّة أيامٍ، ولما كان يومُ السَّبْتِ استراح! نعوذ بالله! وإنَّ يَوْمَ راحَةِ الله هو يومُ عيده، وجعلوا عيدَهُم السَّبْتَ وكَذَبُوا فِي هَذا فالله عز وجل لا يَتْعَبُ حتى يحتاجَ إلى راحةٍ.
وقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} : {اسْتَوَى} بمعنى علا، استوى على الشيء، وقد ذَكَرْنا فيما سبق أنَّ {اسْتَوَى} وردت في القرآن على أَرْبَعَةِ أوْجُه: مُطْلَقَة، ومُقَيَّدَة بـ (إلى)، ومُقيَّدَة بـ (على)، ومُقيَّدة بواو المعِيَّة:
1 -
فإذا جاءت مُطْلَقَة، فهي بمعنى كَمُلَ؛ كما في قوله تعالى:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} أي: كَمُلَ.
2 -
وإذا قُيِّدَت بـ (إلى) فهي بمعنى القَصْدِ التَّامِّ؛ كما في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} وفي هذه الآية قولٌ ثانٍ: أنَّ استوى بمعنى علا: (ثم علا إليها) لكنْ هذا كغيره من الصِّفاتِ التي لا تُعْلَمُ كيفيَّتُها.
3 -
مُقَيَّدة بـ (على) وتكون بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرارِ؛ كما في قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} وفي قوله سبحانه وتعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} أي: لِتَعْلُوا على ظُهُوره وتَسْتَقِرُّوا، ولم تأتِ بغيرِ هذا المعنى أبدًا في اللُّغَةِ العربيَّةِ، فإذا قُيِّدَتْ بـ (على) لا تأتي إلا بهذا المعنى، ولا تكون بغيره أبدًا.
4 -
مُقَيَّدَة بواوِ المعيَّة فتكون بمعنى تساوَى، فاستوى بمعنى تساوَى؛ كقولهم:"استوى الماءُ والخَشَبَةَ" يعني: استوى الماءُ مع الخَشَبَةِ؛ صارا سِيَّانِ.
المُهِمُّ هنا: هو {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} لا تأتي بصورة غير هذا المعنى إطلاقًا، وقد جاءت في القرآن الكريمِ في سَبْعَةِ مواضِعَ، ما فيها موضِعٌ واحدٌ اختَلَفَ فيه التَّعْبيرُ عن هذا؛ إلا:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وما أشبه ذلك فهو عند أهل السُّنَّة والجماعَةِ بمعنى (علا على العَرْش واسْتَقَرَّ عليه)، ورُوِيَ عنهم (ارْتَفَع) ورُوِيَ عنهم (صَعِدَ وارْتَفَع) و (صَعِدَ) و (علا) معناهما متقارِبٌ؛ ولهذا اخْتَرْنا أن نقول بمعنى (علا واسْتَقَرَّ)، أما (ارتفع) و (صَعِدَ) فهو مقابِلٌ لـ (علا).
وهذا الإستواءُ استواءٌ بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرار، وقد يَرِدُ عليكم سؤالٌ، ويُقال: أَلَسْتُم تقولون إنَّ عُلَوَّ الله عز وجل بذاتِهِ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ أزلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ؟
نَقُول: بلى، عُلُوُّ الله بذاته صفةٌ أزليَّة أبديَّةٌ لا تنفَكُّ عن الله، خلَق ثم اسْتَوَى، فمعنى ذلك أنه حين الخَلْقِ ليس مُسْتَوِيًا على العَرْش، وهذا حقٌّ؛ لأن الإستواءَ على العَرْشِ أخَصُّ من مُطْلَقِ العُلُوِّ؛ فالإستواءُ على العَرْشِ والعُلُوُّ على العَرْشِ خاصَّةً هذا معنًى خاصٌّ غيرُ معنى (مُطْلَقِ العُلُوِّ) فالله سبحانه وتعالى عالٍ دائمًا لكنْ كَوْنُه على العرش بنفسه هذا حادِثٌ قطعًا؛ لأنَّ العَرْشَ مخلوقٌ. وقد بيَّنَ الله أنَّه استوى على العَرْشِ بعد خلْقِ السَّمواتِ والأرضِ، ولا نعلم عمَّا قبل ذلك، والله أعلم.
ولكنَّ السؤالَ الآن: إذا قُلْتُمْ إنَّ معنى (استوى على العرش) أي: علا واسْتَقَرَّ عليه، فإنه يَرِدُ علينا إشكالٌ: بأنَّ عُلُوَّ الله سبحانه وتعالى وَصْفٌ ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ، فكيف تقولون إنَّ معنى صَعِدَ علا عليه، وأنتم تقولون إنَّ العُلُوَّ صفةٌ ذاتيَّةٌ أزَلِيَّة أبديَّة، وفي العُلُوِّ عُلُوَّانِ: مُطْلَقُ عُلُوٍّ، وعُلُوٌّ خاصٌّ بالعكس؛ فالأوَّلُ الذي هو مُطْلَق العُلُوِّ صفةٌ ذاتيَّة أزليَّة أبديَّة، فالله لم يَزَلْ ولا يزالُ عاليًا بذاتِهِ على جميع الخلق، أما الإستواءُ على العَرْشِ فهو صفةٌ فعليَّة خاصَّةٌ في العرش.
وأضْرِبُ مثلًا يُقَرِّبُ المعنى: فالإنسانُ إذا كان على السَّطح فهو عالٍ على مَنْ تحت السطحِ، فإذا وُضِعَ له كرسِيٌّ في السَّطح وجلس عليه صار عُلُوُّه على هذا الكرسيِّ علوًّا خاصًّا مع ثبوتِ العُلُوِّ الأَوَّلِ الذي هو مُطْلَق العُلُوِّ، لكنَّ هذا عُلُوٌّ خاصٌّ: على هذا الكرسيِّ.
فتبيَّنَ أنَّ هناك فرقًا بين العُلُوِّ بالمعنى العامِّ؛ فإنه وَصْفٌ ذاتيٌّ أزليٌّ أبديٌّ، وبين استوائه على العَرْش الذي هو علوٌّ خاصٌّ على ذلك العَرْش؛ ولهذا بعضُ السَّلَفِ ورد عنه تَفْسيرُه:(بأنَّه جلس عليه) وهذا قريبٌ من تفسيره بالإستقرار، فهذا علوٌّ خاصٌّ، ففرَّقَ بين العُلُوِّ الخاصِّ، وبين العُلُوِّ بالمعنى العامِّ.
وننتقل من هذا المعنى إلى أن نقولَ: هل الإستواءُ على العرش من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّةِ أم من الصِّفاتِ الذَّاتِيَّةِ؟
الجوابُ: الإستواءُ من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّة، وأنَّ كل شيء يتعلَّقُ بالمشيئة إن شاء الله فَعَلَ وإنْ شَاء لم يَفْعل، فهو من الصِّفاتِ الفِعْلِيَّة فضلًا عن الإسْتِوَاء على العَرْشِ، فإنَّه من الصِّفات الفعليَّة.
وأهلُ السُّنَّة يقولون: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} أي علا عليه واستقرَّ، وكيف كان ذلك العُلُوُّ والإستقرارُ؟
لا ندري؛ ولهذا قال الإمامُ مالكٌ رحمه الله لما سُئِلَ؛ قيل له: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] كيف استوى؟ فأَطْرَقَ رحمه الله بِرَأْسِهِ حتى علاه الرُّحَضَاءُ - العَرَقُ - من شِدَّة وقْعِ هذا السُّؤالِ على قلبه، ثم رَفَعَ رأسه، وقال:"الإسْتِواءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، والكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤَالُ عنه بِدْعَةٌ"
(1)
؛ ويُنْقَلُ عن مالكٍ على غيرِ هذا اللَّفْظِ أنه قال: "الإستواءُ مَعْلومٌ، والكَيْفُ مَجْهولٌ، والإيمانُ عنه واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بدعة"
(2)
لكن الذي صَحَّ عنه بالسَّنَدِ هو اللَّفْظُ الأَوَّلُ، وهو:"الإستواءُ غيرُ مجهولٍ، والكَيْفُ غير مَعْقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ" ثم قال: "ما أُراكَ إلا مُبْتَدِعًا! " مع أنه يُحْتَمَلُ أنه سألَ سُؤالَ اسْتِفْسارٍ ولم يسألْهُ إفحامًا، ولهذا قال: وما أُراك أوْ ما أظُنُّك إلَّا مُبْتَدِعًا، ثم أمر به فأُخْرِجَ من الحَلْقَة لئلَّا يُشَوِّشَ على النَّاس.
(1)
أخرجه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (664)، والبيهقي في الأسماء والصفات رقم (867)، وأبو نعيم في الحلية (6/ 325)، والدارمي في الرد على الجهمية رقم (104).
(2)
انظر: الإقتصاد في الإعتقاد للغزالي (ص: 38)، والملل والنحل (1/ 93)، والعرش للذهبي (1/ 117 - 118).
الحاصل: أننا نقولُ: الإستواءُ غير مجهولٌ، أو أنه مَعْلومٌ معنًى في اللُّغَة العربيَّة والقرآنُ نزل باللُّغة العربيَّة؛ فمعناه لغةً: علا واستقرَّ.
وقوله: "الكيفُ غير معقولٍ" يعني: ما نَعْقِلُه نحن، وهذا أبْلَغُ من كَلِمَة مجهول، يعني لا يُمكن أن يُدْرِكَه العَقْلُ أو يُحيطَ به، فالله أعظمُ من أن تُدْرِكَ العقولُ كُنْهَ ذاتِهِ وصفاتِه.
ثم إذا انتفى عنه الدليل العقليُّ أثبت الدليلُ السَّمْعِي، ولم يَرِدِ السَّمْعُ بذكْرِ الكيفيَّةِ، فإذا انتفى عنه الدَّليلانِ: العقليُّ والسَّمْعِيُّ، فإنَّه يجب التَّوَقُّفُ؛ ولهذا الصَّحابةُ رضي الله عنهم التَزَموا جانِبَ التَّوَقُّفِ، مع أنَّهم أَحْرَصُ منَّا على القَوْل وعلى العِلْم؛ فهل سألوا الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم فقالوا: كيف استوى أو لا؟
لا؛ ولهذا قال رحمه الله: "والسُّؤالُ عنه بِدْعَةٌ": "السؤال عنه" يعني عن الكيفيَّة بدعة، فما كان الصَّحابة رضي الله عنهم يسألون عن هذا، ولا يُمكِنُ الوصولُ إليه، فإذن السُّؤالُ عنه تكلُّفٌ من حيث لا يُمْكِنُ الوصولُ إليه، وبدعَةٌ من حيث لم يَسْأَلْ عنه الصَّحابَةُ رضي الله عنهم.
وقوله: "والإيمانُ به واجبٌ": "الإيمان به" بالإستواءِ على العَرْش، "واجِبٌ" لأنَّ الله أخبر به عن نَفْسِه، وما أخْبَرَ الله به عن نَفْسِه وَجَبَ علينا قَبُولُه، وألَّا نقيسَ ذلك بعقولنا.
فإذن - الحمد لله - الإستواءُ واضِحٌ، فالإسْتِواءُ معناه: العُلُوُّ والإسْتِقْرار وهو معلومُ المعنى، لكنَّ الكيفيَّةَ مجهولةٌ غَيْر مَعْقولة، يعني لا يُدْرِكُها العَقْلُ، ولا يستدلُّ عليها، والسَّمْعُ لم يَدُلَّ عليها؛ فوجب الوقوفُ؛ ولهذا قال الإمامُ مالك رحمه الله:"الكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ به واجبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدْعةٌ".
وأهل البِدَعِ يَنْفونَ هذا الشَّيءَ، ويقولون: مُحالٌ أن يكون استوى على العَرْشِ؛ أي: علا عليه واستقَرَّ، ولكنَّ معناه: استولى على العَرْشِ وقَهَرَ ومَلَكَ، وإنَّ الإستواءَ فيه معنى ذلك؛ وقالوا: وَجَدْناه في قول القائِلِ:
قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلى العِرَاقِ
…
مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ
(استوى على العِراقِ) يعني: استولى عليها، فنَرُدُّ كلامَ الله إلى هذا البَيْتِ الذي أُنْشِدَ في عَهْدِ بِشْرِ بْنِ مَروانَ حين استولى على العراقِ!
وهذا البيتُ يُقال: إنَّ قائِلَه مجهولٌ لا يُعْلَم، وسبحانَ الله أن نَحْمِلَ القرآنَ الكريم على بيتٍ من الشِّعْر قائِلُه مجهولٌ! والرِّوايَةُ إذا كان فيها راوٍ مجهولٌ، فهي مَرْدودة حتى يَتَبَيَّن.
ثم نَقُول: على فَرْضِ أنَّ القائِلَ معلومٌ، وأنه من أَقْحاحِ العَرَبِ الذين لم تَتَلَوَّثْ ألسنتهم بِعُجْمَة؛ فإنَّ استوى على العراقِ يَصِحُّ أن نقولَ بمعنى علا على العراقِ؛ أي عُلُوًّا معنويًّا وليس حِسِّيًّا، ويَمْنَعُ أن يكون المرادُ به العُلُوَّ الحِسِّيَّ أنَّ العِراقَ لا يمكن أن يَجْلِسَ عليه بِشْرٌ؛ فيكون معناها هنا أمرًا عقليًّا، ويكون الإستواءُ هنا استواءً معنويًّا؛ بمعنى أنه علا عليه عُلُوًّا مَعْنَويًّا؛ وإذا فَسَّرْناها بمعنى علا عُلُوًّا معنويًّا كان أبلغَ من تفسيره بالإستواء؛ لأن مجرَّدَ الإستيلاءِ قد لا يَحْصُل به العُلُوُّ؛ قد يكون مُسْتَوِيًا لكنه كالعصا، فإذ قلنا استوى بمعنى علا علوًّا معنويًّا صار أبلغَ في التمَلُّك والقَهْر، فتبيَّن أنَّه لا حُجَّة في هذا البيت على كلِّ تقديرٍ.
ثم إنَّه مخالِفٌ لظاهِرِ القرآن، ومخالِفٌ لمِا أَجْمَعَ عليه السَّلَفُ والأَئِمَّةُ من أنَّ الإستواءَ بمعنى العُلُوِّ والإسْتِقْرار، ويكون هذا باطلًا.
إِذَن: الذي نؤمِنُ به أنَّ الله تعالى استوى على عَرْشِه استواءً يليقُ به؛ بمعنى علا واستقَرَّ، وعلى التَّرتيب فمِن بعدِ خلْق السَّموات استوى، لكن قبل أن يَخْلُق السَّموات مسكوتٌ عنه، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مُسْتَوٍ. وأمَّا قبله فالله أعلم.
وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يقول المُفَسِّر رحمه الله: [هو في اللُّغَةِ سَريرُ المَلِكِ] استوى على العَرْش؛ إذن هو سريرٌ خاصٌّ يليق بالمَلِك وبِمُلْكِه؛ قال الله تعالى عن مَلِكَة سبأٍ كما أخبر عنها الهُدْهُدُ: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23] وقال تعالى في قِصَّة يوسُفَ {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] يعني السرير الخاص بالمَلِك، ولا بُدَّ أن يكون سريرًا مُفخَّمًا حَسَبَ مُلْكِه، هذا هو السَّريرُ، فيكون عَرْشُ الرحمنِ عز وجل أعظَمَ شيء؛ لأنه عَرْشٌ لأَعظمِ الأشياءِ وهُو الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث:"أنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ"
(1)
أي: حلقة الدِّرْعِ، نسبة صغيرة؛ أُلْقِيَت في فَلاةٍ من الأرض، فلو أُلْقِيَتْ حلْقَةٌ في فلاةِ الأرضِ هل يَصِحُّ أن تُنْسَبَ إلى الفَلاة كم مُدَّتُها؟ ولا واحد من المليون، ليست بشيءٍ، ويمكن ألَّا تَقْدِرَ أن تُشاهِدَها "وإنَّ فَضْلَ العَرْشِ على الكُرْسيِّ كفَضْلِ الفَلَاةِ على هذه الحَلْقَةِ".
إِذَن: الكرسيُّ بالنِّسْبة للعرش كحَلْقَة أُلْقِيَت في فلاةٍ من الأرضِ، ومن هذا تَعْرِف مقدارَ عَظَمَةِ الخالِق سبحانه وتعالى، كيف خلق هذه الأشياءَ العظيمة.
يقول المُفَسِّر رحمه الله: [استواءً يليقُ به] نريد أن نناقِشَ المُفَسِّر عن هذه الكلمة،
(1)
أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (361)، وابن بطة في الإبانة (7/ 181)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 166)، من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
هل هذا الكلام يدلُّ على أنه على مَذْهَبِ السَّلَفِ في صِفَة الإستواءِ، أو على مذهب الخَلَفِ؟ لأن الخَلَف يقولون: الإستواءُ الذي يليقُ به: الإستيلاءُ، هذا الذي يليقُ عندهم! والسَّلَفُ يقولون: الإستواءُ الذي يليق به: العُلُوُّ على الوَجْهِ الذي يليق بالله.
قوله تعالى: {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} : {مَا لَكُمْ} : {مَا} نافِيَة، والخطابُ في قوله تعالى:{لَكُمْ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [يا كُفَّارَ مكَّةَ] والصوابُ العُمُوم؛ يعني: ما لكم أيُّها المخاطَبُون، وَيشْمَلُ كفَّارَ مكَّة وغَيْرَهم.
وقوله تعالى: {مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} الدُّونُ بمعنى سِوَى؛ يعني: ما لكم مِنْ سِوَاه؛ ولهذا قال المُفَسِّر [مِنْ غَيْرِه].
وقوله رحمه الله: [{مِنْ وَلِيٍّ} اسْمُ (ما) بِزيادَةِ مِنْ] وزيادَتُها هنا مِن أجْلِ التَّوْكيد والتَّنْصيصِ على العموم، ولكن قوله (اسْمُ ما) خطأٌ؛ قال ابنُ مالِكٍ رحمه الله:
...............................
…
مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتيبٍ زُكِنْ
(1)
فلا بدَّ في (ما) أن تكون مُرَتَّبَة؛ يعني: الإسْمُ قبل الخبر، فإن لم تكن كذلك فإنَّها لا تَعْمَلُ؛ لأنها ما تعملُ إلا على لُغَةِ الحِجازِيِّينَ بالشُّروطِ التي ذَكَر ابنُ مالِكٍ رحمه الله، فيكون قولُ المُفَسِّر رحمه الله:[اسمُ (ما)] قد يكون سَقْطَةَ قَلَمٍ أو سهوًا، فإنَّ (ما) هنا غيرُ عامِلَةٍ، وهنا (ما) نافية فقط، وسبب بُطلانِ عَمَلِها عَدَمُ التَّرْتِيب.
وخبر المبتدأ إذن: قَوْلُه: (لكم): {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ} يقول: [أي ناصِرٌ] ولا شفيعٌ، فَسَّر الوليَّ هنا بالنَّاصِر، وقد اعترضوا عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول
(1)
الألفية (ص: 20).
في آية أخرى: {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 31] والعَطْفُ يقتضي المُغايَرَة، وأنَّ النَّصيرَ غيرُ الوليِّ؛ ولهذا الأَوْلى أن يُفسِّر الوَلِيَّ لمن يتولَّى أَمْر الإنسان؛ يتولى أَمْرَه بِجَلْبِ الخَيْرِ له ودَفْع الضَّرَر عنه، ثم إن قُرِنَتْ بالنَّصيرِ صارت خاصَّة بجلب الخيرِ، والنَّصير بدَفْع الشَّرِّ؛ فالمراد: مِنْ وَلِيٍّ؛ أي: من مُتَوَلٍّ لأَمْره بِجَلْب الخير له، ودَفْعِ الشَّرِّ عنه.
وقوله تعالى: {وَلَا شَفِيعٍ} أي: شافِع يَشْفَعُ لكم، ولهذا قال:[{وَلَا شَفِيعٍ} يَدْفَعُ عذابه عنكم] هذا أيضًا فيه نظر؛ لأنَّ الشَّفيع ليس يَشْفَع، ولكنه يُشْفَع ويُطْلب، الدَّافِعُ هو النَّاصر والوليُّ، أما الشَّفيع فإنَّه ليس يَدْفَعُ ولكنَّه يتوسَّط؛ ولهذا قالوا في تعريف الشَّفاعَةِ: هي التَّوسُّط للغير بِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ أو دَفْعِ مَضَرَّة، فيثبُتُ للغَيْر؛ لأنَّ الشَّفيع يأتي شافعًا للمَشْفوع له، فبعد أن كان فردًا صارا اثنينِ.
فالصَّوابُ أنَّ المراد بالشَّفيعِ؛ أيْ: شفيع يشفَعُ لكم عند الله، فنحن ليس لنا أحدٌ يتولَّانا من دون الله، وليس لنا أحدٌ يَشْفَعُ لنا عند الله عز وجل {مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} ؛ ولهذا لا تكون الشَّفاعة إلا بإذن الله، قال سبحانه وتعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].
قال رحمه الله: [{أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} هذا، فتُؤْمِنون]{أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} تقدَّمَ لنا مِرارًا وتَكرارًا أنَّ مِثْل هذه الجُمْلَة يرى النحويُّون في إعرابها وَجْهَينِ:
الوَجْه الأوَّل: أن تكون الهَمْزَةُ داخِلَةً على شيء محذوفٍ مناسِبٍ للمَقامِ، والفاء عاطِفة على ذلك المحْذوفِ.
الوَجْه الثاني: أن تكون الهَمْزَة داخِلَةً على الجملة التي بعد العاطِف، والعاطِفُ عاطِفٌ على ما سبق.