المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (12) * * *   * قالَ الله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى - تفسير العثيمين: السجدة

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآيتان (1، 2)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الآية (3)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَّةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الآية (4)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الآية (5)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (6)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الآيات (7 - 9)

- ‌يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ}:

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ}:

- ‌‌‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَّةُ:

- ‌يُسْتَفاد من قَوْلهِ تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ…} إلى آخره:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الآية (10)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (11)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (12)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (13)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الآية (14)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (15)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ:

- ‌الآية (16)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (17)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الآية (18)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الآية (19)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (20)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (21)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (22)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الآية (23)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (24)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الآية (25)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (26)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الآية (27)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الآيتان (28، 29)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ:

- ‌الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الآية (30)

- ‌الْفَائِدَةُ الأُولَى:

- ‌الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ:

الفصل: ‌ ‌الآية (12) * * *   * قالَ الله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى

‌الآية (12)

* * *

* قالَ الله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12].

* * *

قول المفسر رحمه الله: [{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} الكافرونَ {نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا} مُطَأْطِئُوها حياءً، يقولون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ {وَسَمِعْنَا} منكَ تَصْدِيقَ الرُّسُل فيما كذَّبْناه فيك، {فَارْجِعْنَا} إلى الدُّنْيا {نَعْمَلْ صَالِحًا} فيها {إِنَّا مُوقِنُونَ} الآنَ].

قوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ} الخطابُ في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى} إمَّا للرَّسول صلى الله عليه وسلم، وإمَّا إلى كُلِّ من يتوجَّهُ إليه الخطابُ، وهذا المعنى أعَمُّ والأَخْذُ به أَوْلى؛ لعمومه؛ ولهذا الخطاباتُ التي تأتي للمُفْرَدِ في جميع القرآن الأَوْلَى أن تُحْمَل على العموم وأن يُرادَ بها كُلُّ من يتوجَّه إليه الرَّأيُ، إلا إذا منع من ذلك مانِعٌ، فتكون خاصَّةً بالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم.

وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ تَرَى} : (لو) هذه شرطِيَّة، و (لو) الشَّرْطيَّة تحتاجُ إلى شَرْط وإلى جواب الشَّرْطِ؛ فالشَّرْطُ قوله تعالى:{تَرَى} والجوابُ محذوفٌ تقديرُهُ: لَرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا.

وقوله تعالى: {إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} : {إِذِ} هذه ظَرْفٌ؛ يعني:

ص: 62

لو ترى ذلك الوَقْتَ الذي فيه المُجْرِمون على هذا الوَصْفِ لرَأَيْت أمرًا مُوجِعًا فظيعًا، وقوله سبحانه وتعالى:{إِذِ الْمُجْرِمُونَ} مبتدأٌ، و {نَاكِسُو} خبرٌ، والنُّونُ التي في (ناكِسُونَ) حُذِفَتْ لأَجْلِ الإضافَةِ.

وقوله تعالى: {نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ} أي: مُطَأْطِئُوها؛ يعني: خافِضُوها، والعياذُ بالله.

وقوله سبحانه وتعالى: {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يعني: عند الله عز وجل وَهُم بين يديه يومَ القيامَةِ، ولكن ناكِسُوها، يقول المُفَسِّر [حياءً] وفي النَّفْسِ من هذا التَّفْسيرِ شيءٌ، ولَكِنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُم ناكِسُوها ذُلًّا وخُضُوعًا لسلطانِ الله؛ بدليل قوله تعالى:{رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} أمَّا حياءً فالحياءُ محمودٌ، لكنْ كَوْنُهم يَنْكسونها ذلًّا هذا هو الواقِعُ:{نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} ذلًّا؛ كما قال تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45].

وقوله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} جملة: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} مقولٌ لِقَوْلٍ محذوفٍ؛ تقديره: يقولون ربنا أَبْصَرْنا، يعني يا رَبَّنا، ونادَوُا الله تعالى باسم الرُّبُوبِيَّة؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الجُمَل الدُّعائِيَّة تأتي مُصَدَّرَة برَبٍّ؛ لأنَّ (رب) هو المالِكُ المتصَرِّفُ.

قال المُفَسِّر رحمه الله: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا} ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ] هذا ما قاله المُفَسِّر؛ وعليه فيكون مفعولُ أبْصَرْنا محذوفًا، والتَّقْديرُ: ما أَنْكَرْنا من البَعْثِ.

ويُحْتَمَل أنَّ {أَبْصَرْنَا} هنا أي: حَضَرَت أَبْصارُنا وبصائِرُنا، فيكون أعَمَّ مما قدَّرَه المُفَسِّر؛ يعني: صِرْنا ذَوِي بَصَر وبصيرة الآن، فيكون أعَمَّ؛ يعني كأنَّهُم يقولون: الآن صِرْنا ذَوِي بَصَر وبصيرة، وهذا المعنى أعَمُّ وأَبْلَغ.

ص: 63

وكذلك (سَمِعْنا) يقول المُفَسِّر رحمه الله: [{سَمِعْنَا} منكَ تَصْديقَ الرُّسُلِ فيما كذَّبْناهُم فيه] لأنَّ الله عز وجل يقول: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] ولكن أيضًا هذا الذي قال المُفَسِّر لنا فيه وجْهٌ أحْسَنُ مما قال؛ فيكون معنى {سَمِعْنَا} أي كنا ذوي سَمْع الآن؛ ولهذا يقولون: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ} يعني فيما مضى {أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10] أمَّا في يوم القيامة فيقولون: الآنَ صِرْنا ذَوِي بصر، وصِرْنا ذَوِي سَمْع.

وقوله تعالى: {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ} ارْجِعْنا إلى الدُّنيا، وهو فِعْلُ طَلَبٍ أو دعاء، وليس فِعْلَ أمرٍ؛ لأنَّ المخلوقَ لا يوجِّه أمرًا إلى الخالِقِ، وقوله تعالى:{نَعْمَلْ} هذا جوابُ الطَّلَب مجزومٌ؛ يعني: إن تَرْجِعْنا نَعْمَلْ صالحًا.

وقوله تعالى: {نَعْمَلْ صَالِحًا} يعني عملًا صالحًا، والعَمَلُ الصَّالح تقدَّم كثيرًا أنَّه ما جمع شرطينِ؛ هما: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمُتابَعَة للرَّسول صلى الله عليه وسلم.

وقوله رحمه الله: [{إِنَّا مُوقِنُونَ} الآن، فما يَنْفَعُهُم ذلك ولا يَرْجعون] معلومٌ أنه لا يَنْفَعُهم، إذا شاهدوا العذابَ فإنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُهم؛ فكُلُّ من شاهَدَ العذابَ فإنَّه لا ينفعه الإيمانُ؛ قال تعالى:{فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} [غافر: 84] قال الله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 85] ولا أَحَدَ ينفَعُه إيمانُه بعد العذابِ إلا قَرْيَة واحِدَة وهم قومُ يونُسَ؛ لمَّا آمنوا كَشَفَ الله عنهم العذابَ؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} فالآن شاهَدَ العذابَ فلا يَنْفَعُ؛ ولهذا يَجِبُ على الإنسانِ أن يبادِرَ عُمُرَه قبل أن يَحلَّ به أَجَلُه فلا يستطيعُ الخلاصَ.

ص: 64

وقوله سبحانه وتعالى: {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} جاء بالجُمْلَة الإسمِيَّة الدَّالَّةِ على الثُّبُوتِ والإسْتِمْرار {إِنَّا مُوقِنُونَ} الآن؛ لكن لا يَنْفَعُ، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه؛ قال تعالى:{وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} وهذا خبرُ الله عز وجل والذي لا يَكْذِبُ {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27 - 28].

والمراد الكُفَّارُ، أمَّا الفُسَّاقُ فليسوا دائمين في النَّارِ؛ فعذابُهُم بقَدْر أَعْمالهم، ثم إنَّهم يَدْخُلون الجنَّةَ، والفُسَّاقُ يَعْبُرونَ الصِّرَاطَ ولا يُذْهَبُ بهم إلى النَّارِ مباشرة، بل يَعْبُرون الصِّراطَ ثم يَتَساقَطُون في النَّارِ بِحَسَبِ أَعْمالهم.

قال المُفَسِّر: [وجوابُ (لو): لَرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا] يعني: الجوابُ محذوفٌ.

فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما هي الحِكْمَةُ في حَذْفِ الجواب؟ ولماذا لا يُذْكَرُ من أجل ألَّا يكونَ هناك اختلاف؟ وما هي الحِكْمَة في الإبهامِ في قوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} [طه: 78]؟ ولماذا لا يُذْكَرُ لأنَّه أَبْيَنُ؟

الجوابُ: أنَّه في مقام التَّهويل ينبغي الإبهامُ؛ لأجل أن يَذْهَبَ الذِّهْنُ كلَّ مَذْهَبٍ في تعظيم الأَمْرِ وهَوْلِه؛ لأنَّه إذا ذُكِرَ الشَّيْء قد يهونُ؛ فلو قيل لك: والله هناك سَبُعٌ عظيم يأكل النَّاسَ ويفعل ويفعل ويفعل! وهوَّلَ لديك وأنت لم تَرَهُ فسيكونُ عندك رُعْبٌ، لكنْ ربَّما إذا رأيته يَهُون عليك الأَمْر؛ كذلك مِثْلُ هذه الأمور العظيمة؛ إذا أَبْهَمَها الله فإنَّها أعظم وأَوْقَع في النَّفْس وأَشَدُّ وأَعْظَمُ؛ ولهذا حُذِفَ الجوابُ هنا، وأُبْهِمَ الغاشي في قوله تعالى:{فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} وأُبْهِمَتِ الحاقَّة والقارعة في مثل: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1 - 3]، {الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1 - 2] وما أشبه ذلك، وكلُّ هذا من باب التَّعظيمِ والتَّهويلِ.

ص: 65