الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يومئذ كانت معادا له شأن لغلبة المسلمين وظهور عز الإسلام وأهله وذل أهل الشرك وحزبه والسورة مكية. فقيل: وعده وهو بمكة في أذى من أهلها أنه مهاجر بالنبي منها ويعيده إليها في ظفر ودولة. وقيل: نزلت عليه هذه الآية حين بلغ الجحفة في مهاجره وقد اشتاق إلى وطنه. وفي الآية إخبار عن الغيب وقد وقع كما أخبر فيكون فيه إعجاز دال على نبوّته.
وحين وعد رسوله الردّ إلى المعاد المعتبر قال قُلْ لأهل الشرك رَبِّي أَعْلَمُ يعني نفسه وإياهم بما يستحقه كل من الفريقين في معاده، ولا يخفى أن هذا كلام منصف واثق بصدقه وحقيته. ثم ذكر رسوله ما أنعم به عليه فقال وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً قال أهل العربية: هذا الاستثناء محمول على المعنى كأنه قيل: وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة، أو «إلا» بمعنى «لكن» أي ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك. ثم نهاه عن اتباع أهواء أهل الشرك وقد مرّ مرارا أن مثل هذا النهي من باب التهييج له ولأمته.
ثم إن مرجع الكل إليه فقال كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم أي يعدم كل شيء سواه، والوجه يعبر به عن الذات، ومنهم من فسر الهلاك بخروجه عن كونه منتفعا به منفعته الخاصة به إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء كما يقال «هلك الثوب وهلك المتاع» وقال أهل التحقيق: معنى الهلاك كونه في حيز الإمكان غير مستحق للوجود ولا للعدم من عند ذاته، وإن سميت المعدوم شيئا فممتنع الوجود أحق كل شيء بأن يسمى هالكا.
استدلت المعتزلة بالآية على أن الجنة والنار غير مخلوقتين لأنهما لو كانتا مخلوقتين لعرض لهما الفناء بحكم الآية، وهذا يناقض قوله أُكُلُها دائِمٌ [الرعد: 35] وعورض بقوله أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: 133] وأُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [آل عمران: 131] ويحتمل أن يقال الكل بمعنى الأكثر ومن هناك قال الضحاك: كل شيء هالك إلا الله والعرش والجنة والنار. وقيل:
إلا العلماء فإن علمهم باق. ويمكن أن يقال إن زمان فناء الجنة لما كان قليلا بالنسبة إلى زمان بقائها فلا جرم أطلق لفظ الدوام عليه ومن فسر الهلاك بالإمكان فلا إشكال والله أعلم.
التأويل:
أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ ليل الفراق عند استيلاء ظلمة البشرية سَرْمَداً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ نهار الوصل والتجلي قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ نهار الوصل بطلوع شمس التجلي سَرْمَداً مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ سر تسكنون فيه عن وعثاء سطوة التجلي وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ليل السر ونهار التجلي فإن العاشق لو دام في التجلي كاد يستهلك وجوده،
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إنه ليغان على قلبي»
وقال لعائشة: كلميني يا حميراء.
وذلك لتخرجه من سطوات شمس التجلي إلى سر ظل البشرية ليستريح من التعب والنصب. وليس هذا السر من قبيل الحجاب وإنما هو من جملة الرحمة واللطف
نظيره الشمس في عالم الصورة فإنها في خط الاستواء تحرق، وفي الآفاق الرحوية لا تؤثر، وفي الآفاق الحملية يعتدل الحر والبرد فتكثر العمارة وتسهل ويعيش الحيوان وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ من أرباب النفوس شَهِيداً هو القلب الحاضر فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ وهو حقيقة التوحيد التي لا تحصل بالفعل إلا بجذبة خطاب الحق فعلموا بتلك البراهين القاطعة أن الحق لله إِنَّ قارُونَ النفس كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى القلب لأن الله تعالى جعل النفس تبعا للقلب وجعل سعادتها في متابعته وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ المودعة في صفاتها قد أهلك من قبله من القرون كإبليس فإنه أكثر علما وطاعة فِي زِينَتِهِ هي التي زين حبها للناس من النساء والبنين وغير ذلك قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وهم صفات النفس. وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم صفات الروح فَخَسَفْنا بِهِ الأرض دركات السفل وَبِدارِهِ وهي قالبه أرض جهنم يتغلغل فيها إلى يوم القيامة بل إلى الأبد نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ كما
قال في بعض الكتب المنزلة: عبدي أنا ملك حي لا أموت أبدا، أطعني أجعلك ملكا حيا لا تموت أبدا. عبدي أنا ملك إذا قلت لشيء كن فيكون، أطعني أجعلك ملكا إذا قلت لشيء كن فيكون.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم «عنوان كتاب الله إلى عباده المؤمنين من الملك الحي الذي لا يموت إلى الملك الحي الذي لا يموت»
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ أي أوجب عليك التخلق بخلق القرآن لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ هو مقام الفناء في الله والبقاء به قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وهو بذل الوجود المجازي في الوجود الحقيقي إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي إلا أنا ألقينا الكتاب إليك إلقاء الإكسير على النحاس فتخلقت بخلق القرآن والله المستعان.