الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الواجب عليكم من أصول التكاليف ولا سيما التوحيد على السوية من غير فرق في الإبلاغ بين مكلف ومكلف. ولست أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أم بعيد والموعود قيل: هو عذاب الآخرة. واعترض بأنه ينافي قوله وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ وقيل: هو الأمر بالقتال لأن السورة مكية وكان الأمر بالجهاد بعد الهجرة. وقيل: هو إعلاء شأن الإسلام وغلبة ذويه فإنه لا بد أن يلحق للكفار حينئذ ذلة وصغار. ولما أمره أن ينفي عن نفسه علم الغيب أمره أن يقول لهم إن الله سبحانه هو العالم بالسر والعلن فيعلم ما تجاهرون به من المطاعن في الإسلام وما تكتمونه في صدوركم من الإحن والضغائن فيجازيكم على القبيلين وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ أي ما أدري لعل تأخير هذا الوعد أو إبهام وقته أو تأخير الأمر بالجهاد امتحان لكم لينظر كيف تعملون وتمتيع لكم إِلى حِينٍ حضور وقت الموعد. وقال الحسن: لعل ما أنتم عليه من الدنيا ونعيمها بلية لكم. وقيل: أراد لعل ما بينت وأعلمت وأوعدت ابتلاء لكم لأن المعرض عن الإيمان مع البيان حالا بعد حال يكون عذابه أشد. ومعنى رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أقض بيني وبين من يكذبني بالعذاب. قال قتادة: أمره الله تعالى أن يقتدي بالأنبياء في هذه الدعوة وكانوا يقولون رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: 89] فاستجيب له فعذبوا ببدر، وقال جار الله: بالحق لا تحابهم وشدد عليهم كما هو حقهم كما
قال «أشدد وطأتك على مضر» «1»
وقيل: معناه وافعل بيني وبينهم بما يظهر الحق للجميع تنصرني عليهم كأنه سبحانه قال له: قل داعيا إليّ رب احكم بالحق وقل متوعد للكفار وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ الذي يستعان به عَلى ما تَصِفُونَ من الشرك والكفر وما تعارضون به دعوتي من الأباطيل، وكانوا يطمعون أن يكون لهم الغلبة والدولة فقلب الله الأمر عليهم. وفي هذا الأمر تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ورفع عن مقداره حيث أمر بالانقطاع إلى الرب في دفع أذية القوم ليحصل له مع الخلاص من أذيتهم شرف الاستجابة وهذه غاية العناية.
التأويل:
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ فيه إشارة إلى أن السالك إذا عبر المقامات التي ذكرنا تصير متفرقات شمله مجتمعة في الفناء بالله والبقاء به، فيكون أمة واحدة في ذاته كما أن إبراهيم كان أمة فيعرفه الله نفسه ويقول أَنَا رَبُّكُمْ الذي بلغتكم هذه الرتبة فَاعْبُدُونِ أي فاعرفون وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ فمنهم من سكن إلى الدنيا، ومنهم من سكن إلى الجنة، ومنهم من فر إلى الله كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ أما طالب الدنيا فيرجع إلى صورة قهرنا وهي جهنم،
(1) رواه البخاري في كتاب الأذان باب 128. مسلم في كتاب المساجد حديث 294، 295. أبو داود في كتاب الوتر باب 10. النسائي في كتاب التطبيق باب 27. الدارمي في كتاب الصلاة باب 216.
وأما طالب الآخرة فيرجع إلى صورة رحمتنا وهي الجنة، وأما الذي يطلبنا فإنه يرجع إلينا بالحقيقة وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ في الأزل من أهل السعادة حتى إذا فتح سد يَأْجُوجُ النفس ومَأْجُوجُ الهوى، والسد أحكام الشريعة وفتحها مخالفاتها وموافقات الطبع وهم أعني دواعي النفس من كل معدن شهوة من الحواس الظاهرة والباطنة يَنْسِلُونَ فيفسدون ما يمرون عليه من القلب والسر والروح وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ إهلاك القلوب الغافلة فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ بصائرها بالانهماك في الأهواء إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى العناية الأزلية لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها أعني مقالات أهل البدع والأهواء وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ المطمئنة المجذوبة بجذبة ارْجِعِي في مقامات السير في الله خالِدُونَ الفزع الأكبر
قوله في الأزل «هؤلاء في النار ولا أبالي»
يَوْمَ نَطْوِي سماء وجود الإنسان بتجلي صفات الجلال في إفناء مراتب الوجود من الانتهاء إلى الابتداء وذلك قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ يعني أن الرجوع يكون بالتدريج كما أن البدء كان بالتدريج خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة ثم خلق المضغة عظاما ثم كسا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر. ففي الإعادة يجب أن يمر السالك من الإحساس على الحيوانية ثم النباتية ثم المعدنية ثم البسائط العنصرية ثم الملكوتية ثم الروحانية ثم إلى صفات الربوبية بجذبة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الفجر: 28] وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ أي في أم الكتاب مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي بعد أن قلنا للقلم أكتب نظيره كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] أن أرض جنة الوجود الحقيقي يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ وهم الذين طويت سماء وجودهم المجازي. فالوجود المجازي لكونه غير ثابت ولا مستقر كالسماء، والوجود الحقيقي لكونه ثابتا ومستقرا على حالة واحدة كالأرض لِقَوْمٍ عابِدِينَ عارفين. وَما أَرْسَلْناكَ من كتم العدم إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فلولاك لما خلقت الأفلاك
ولولا الأزل لم تنته الهوية إلى الآخر والله أعلم.