الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلت {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} فسكتوا، وأخرج عبد الله بن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر ابن أبي حفص قال: لما نزلت {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} .. قاموا، فنزلت {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} .
التفسير وأوجه القراءة
1
- {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ؛ أي (1): دنا واقترب ما وعدتم به أيها الكفرة؛ أي: أتى العذاب الموعود لكم أيها الكفرة {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، أي: أمر الله ووقوعه، إذ لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه، واستعجالهم وإن كان بطريق الاستهزاء، لكنه حمل على الحقيقة، ونهوا عنه بضرب من التهكم.
الاستعجال طلب الشيء قبل حينه، وقيل أمر الله يوم القيامة، وعبَّر بالماضي عن المضارع لقرب وقوعه وتحققه، والحاصل (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولم يروا شيئًا .. نسبوه إلى الكذب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى:{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ؛ أي: قد حصل حكم الله بنزول العذاب من الأزل إلى الأبد، وإنما لم يحصل المحكوم به؛ لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين. {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}؛ أي: فلا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت، ولما قالت الكفرة: إنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله، من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا، إما في الدنيا، وإما في الآخرة إلا أنَّا نعبد هذه الأصنام، فإنها شفعاؤنا عند الله، فهي تشفع لنا عنده، فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به، بسبب شفاعة هذه الأصنام، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله:{سُبْحَانَهُ} ؛ أي: تنزيهًا له وتقديسًا عن الصاحبة والولد {وَتَعَالَى} ؛ أي: تبرأ وترفع {عمَّا يُشْرِكُونَ} ؛ أي: عن إشراكهم به غيره، أو عما يشركون به تعالى من الأصنام والأوثان، فنزه الله تعالى نفسه عن شركة الشركاء، وأن يكون لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، وقرأ حمزة والكسائي:{أَتَى} بالإمالة ذكره في "زاد المسير".
(1) روح البيان.
(2)
المراح.
وقرأ الجمهور: {تَسْتَعْجِلُوهُ} : بالتاء على الخطاب، وهو خطاب للمؤمنين، أو خطاب للكفار على معنى قل لهم:{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، وقال تعالى:{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا} ، وقر ابن جبير: بالياء نهيًا للكفار، والظاهر عود الضمير في:{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} على الأمر؛ لأنه هو المحدث عنه، وقيل يعود على الله؛ أي: فلا تستعجلوا الله بالعذاب، أو بإتيان يوم القيامة، كقوله:{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} ، وقرأ حمزة والكسائي:{تُشْرِكون} بتاء الخطاب، وباقي السبعة والأعرج وأبو جعفر وابن وضاح وأبو رجاء والحسن: بالياء على الغيبة، وقرأ عيسى الأولى بالتاء من فوق، والثانية بالياء من تحت، وبالتاء من فوق معًا الأعمش وأبو العالية وطلحة وأبو عبد الرحمن وابن وثاب والجحدري.
وعبارة "المراغي" هنا: {أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ؛ أي: قرب عذاب المشركين وهلاكهم، أما إتيانه بالفعل وتحققه فمنوط بحكم الله النافذ، وقضائه الغالب على كل شيء، فهو يأتي في الحين الذي قدره وقضاه، ونظم سبحانه المتوقع في صورة المحقق، إيذانًا بأنه واجب الوقوع، والشيء إذا كان بهذه المثابة يسوغ في عرف التخاطب أن يعد واقعًا، ومعنى قوله:{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} لا تطلبوا حصوله قبل حضور الوقت المقدر في علمه تعالى.
وفي هذا (1): تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلامٌ منه لهم بقرب عذابهم وهلاكهم الذي لا بد منه، {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}؛ أي: تبرأ الله تعالى عن الشريك والشفيع الذي يدفع الضر عنكم، وفي هذا رد لمقالهم حين قالوا: لئن حكم الله علينا بإنزال العذاب في الدنيا أو في الآخرة .. لتشفعن لنا هذه الأصنام التي نعبدها من دونه.
وخلاصة هذا: أن تلك الجمادات الخسيسة التي جعلتموها شركاء لله وعبدتموها هي أحقر الموجودات، وأضعف المخلوقات، فكيف تجعلونها شريكةً لله في التدبير والشفاعة في الأرض والسموات.
(1) المراغي.