المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

{إيَّان} بكسر الهمزة، وهي لغة قومه سليم.   ‌ ‌22 - ولمَّا أبطل - تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن - جـ ١٥

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌سورة الحجر

- ‌(1):

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌5

- ‌6

- ‌7

- ‌8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌61

- ‌62

- ‌63

- ‌64

- ‌65

- ‌66

- ‌67

- ‌68

- ‌69

- ‌70

- ‌71

- ‌72

- ‌73

- ‌74

- ‌75

- ‌76

- ‌77

- ‌78

- ‌79

- ‌80

- ‌81

- ‌82

- ‌83

- ‌84

- ‌85

- ‌86

- ‌87

- ‌88

- ‌89

- ‌90

- ‌91

- ‌92

- ‌93

- ‌94

- ‌95

- ‌96

- ‌97

- ‌98

- ‌99

- ‌سورة النحل

- ‌1

- ‌2

- ‌3

- ‌4

- ‌(5

- ‌6

- ‌7

- ‌(8

- ‌9

- ‌10

- ‌11

- ‌12

- ‌13

- ‌14

- ‌15

- ‌16

- ‌17

- ‌18

- ‌19

- ‌20

- ‌21

- ‌22

- ‌23

- ‌24

- ‌25

- ‌26

- ‌27

- ‌28

- ‌29

- ‌30

- ‌31

- ‌32

- ‌ 33

- ‌34

- ‌35

- ‌36

- ‌37

- ‌38

- ‌39

- ‌40

- ‌41

- ‌42

- ‌43

- ‌44

- ‌45

- ‌46

- ‌47

- ‌48

- ‌49

- ‌50

- ‌51

- ‌52

- ‌53

- ‌54

- ‌55

- ‌56

- ‌57

- ‌58

- ‌59

- ‌60

- ‌61

- ‌62

- ‌63

- ‌ 64

- ‌65

- ‌66

- ‌67

- ‌68

- ‌69

- ‌70

- ‌71

- ‌72

- ‌73

- ‌74

- ‌75

- ‌76

- ‌77

- ‌78

- ‌79

- ‌80

- ‌81

- ‌82

- ‌83

- ‌84

- ‌85

- ‌86

- ‌87

- ‌88

- ‌89

- ‌90

- ‌91

- ‌92

- ‌93

- ‌94

- ‌95

- ‌96

- ‌97

- ‌98

- ‌99

- ‌100

- ‌101

- ‌102

- ‌103

- ‌104

- ‌105

- ‌106

- ‌107

- ‌108

- ‌109

- ‌110

- ‌111

- ‌112

- ‌113

- ‌114

- ‌115

- ‌116

- ‌117

- ‌118

- ‌119

- ‌120

- ‌121

- ‌122

- ‌123

- ‌124

- ‌125

- ‌126

- ‌127

- ‌128

الفصل: {إيَّان} بكسر الهمزة، وهي لغة قومه سليم.   ‌ ‌22 - ولمَّا أبطل

{إيَّان} بكسر الهمزة، وهي لغة قومه سليم.

‌22

- ولمَّا أبطل (1) طريق عبدة الأصنام، وبين فساد مذهبهم .. صرح بالمدعى، ولخص النتيجة بعد إقامة الحجة فقال:{إِلَهُكُمْ} ؛ أي: معبودكم الذي يستحق العبادة، وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء {إِلَهٌ وَاحِدٌ}؛ أي: معبود واحد، لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكًا سواه، ثم ذكر الأسباب التي لأجلها أصر الكفار على الشرك وإنكار التوحيد فقال:{فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} وأحوالها من البعث والجزاء وغير ذلك؛ أي: فالذين لا يصدقون بوعد الله ووعيده، ولا يقرون بالمعاد إليه بعد الممات {قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ}؛ أي: جاحدة لما قصصناه عليكم من قدرة الله وعظمته، وجزيل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلَّا له، والألوهية ليست لشيء سواه، فلا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} عن قبول الحق، متعظمون عن الإذعان للصواب، مستمرون على الجحد، تقليدًا لما مضى عليه آباؤهم من الشرك به، كما حكى سبحانه عنهم قولهم:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} ، {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} وقال:{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)} والمعنى؛ أي: وهم قوم لا يزال الاستكبار عن اعتراف الوحدانية والتعظيم عن قبول الحق دأبهم، كما أن الإنكار سجيتهم.

‌23

- ثم ذكر وعيدهم على أعمالهم فقال: {لَا جَرَمَ} كلمة مركبة من كلمتين حرفٍ وفعلٍ، فقد ركبت لا مع جرم وجعل كلمةً واحدة، وتلك الكلمة مصدر بمعنى حقًّا، أو فعل بمعنى حقَّ وثبت، وقوله {أَنَّ اللَّهَ} إلخ فاعل بفعل ذلك المصدر المأخوذ من لا جرم، وذلك المصدر منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: حقَّ حقًّا وثبت ثبوتًا {أَنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} عنك من أقوالهم وأفعالهم {وَمَا يُعْلِنُونَ} من ذلك؛ أي: حق وثبت أن الله يعلم ما

(1) المراغي.

ص: 171

يسر هؤلاء المشركون من إنكارهم لما قصصته عليك، واستكبارهم على الله تعالى، ويعلم ما يعلنون ويظهرون من كفرهم به وافترائهم عليه، ثم علل سوء صنيعهم بشدة استكبارهم فقال:{إِنَّهُ} تعالى {لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} ؛ أي: لا يحب هؤلاء الذين يستكبرن عن توحيده، وعن الاستجابة لأنبيائه ورسله، بل يبغضهم أشد البغض وينتقم منهم أعظم الانتقام.

وقرأ عيسى الثقفي: {إنَّ} بكسر الهمزة على الاستئناف والقطع عما قبله، والمعنى (1): أنه لا يحب جنس المستكبرين، سواء كانوا مشركين أو مؤمنين، والاستكبار رفع النفس فوق قدرها وجحود الحق، والفرق بين المتكبر والمستكبر أن التكبر عام لإظهار الكبر الحق، كما في أوصاف الله تعالى، فإنه جاء في أسمائه الحسنى الجبَّار المتكبر، وفي قوله عليه السلام:"التكبُّر على المتكبر صدقةٌ"، ولإظهار الكبر الباطل كما في قوله تعالى:{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} ، والاستكبار إظهار الكبر باطلًا كما في قوله تعالى في حق إبليس {اسْتَكْبَرَ} ومنه ما في هذا المقام.

أخرج مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال:"إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمص الناس".

وفي "الصحيح": "إن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم" وقال العلماء: كل ذنب يمكن ستره وإخفاؤه إلا التكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله ذكره القرطبي، وحكى أنه (2) افتخر رجلان عند موسى عليه السلام بالنسب والحسب، فقال أحدهما: أنا فلان

(1) روح البيان.

(2)

روح البيان.

ص: 172

ابن فلان حتى عد تسعةً، فأوحى الله تعالى إليه قل له: هم في النار، وأنت عاشرهم، وأنشد بعضهم:

وَلَا تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلا تَوَاضُعًا

فَكَمْ تَحْتَهَا قومٌ هُمُ مِنْكَ أَرفَعُ

فَإِنْ كُنْتَ في عِزٍّ وَحِرْزٍ وَرِفْعَةٍ

فَكَمْ مَات مِنْ قَوْمٍ هُمُ مِنْكَ أَمْنَعُ

فعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحدٍ، فإن التواضع باب من أبواب الجنة، والفخر باب من أبواب النار، واللازم فتح أبواب الجنان وسد أبواب النيران، وتحصيل الفقر المعنوي الذي لمس الفخر في الحقيقة إلا به، فإنه لا يليق المرء بدولة المعنى ورياسة الحال وسلطنة المقام إلا بتحلية ذاته بحلية التواضع وزينة الفناء، اللهم اجعلنا من أهل التواضع لا من أرباب التملق، واجعلنا من أصحاب التحقق بعد التخلق.

الإعراب

{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)} .

{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} : فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} {الفاء}: حرف عطف وتفريع {لَا تَسْتَعْجِلُوهُ} : جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، {سُبْحَانَهُ}: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحه سبحانًا، أو سبحوه سبحانًا، والجملة مستأنفة، {وَتَعَالَى}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة معطوفة على جملة التسبيح، {عَمَّا} {عَنْ}: حرف جر، {ما} اسم موصول، أو موصوفة في محل الجر بـ {عَنْ} ، أو {ما} مصدرية، {يُشْرِكُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عمَّا يشركونه به من الأصنام، أو صلةٌ {ما} المصدرية، تقديره: عن إشراكهم، الجار والمجرور متعلق بـ {تَعَالَى} أو بـ {سُبْحَانَهُ} على سبيل التنازع، {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ،

ص: 173

والجملة مستأنفة، {بِالرُّوحِ}: جار ومجرور حال من {الْمَلَائِكَةَ} أي: حالة كونهم مُتلَبسِينَ بالروح والوحي {مِنْ أَمْرِهِ} : جار ومجرور حالٌ من {الرُّوح} {عَلَى مَنْ يَشَاءُ} : جار ومجرور متعلق بـ {يُنَزِّلُ} ، {يَشَاءُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: على من يشاؤه، {مِنْ عِبَادِهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من الموصول أو من العائد المحذوف. {أَنْ}: مفسرة بمعنى: أي، {أَنْذِرُوا}: فعل وفاعل، والجملة مفسرة للروح، بمعنى الوحي الدال على القول، وإن شئت قلت:{أَنْ} : مصدرية، {أَنْذِرُوا}: فعل وفاعل في محل النصب بـ {أَنْ} المصدرية مبني على حذف النون، وجملة {أَنْ} المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من {الرُّوحِ} تقديره: ينزل الملائكة بالروح من أمره، ينزل الملائكة بإنذارهم للناس، {أنَّه} {أن}: حرف نصب، و {الهاء}: ضمير الشأن في محل النصب، {لَاَ}: نافية تعمل عمل إن {إلَهَ} : في محل النصب اسمها، وخبر {لَاَ} محذوف جوازًا تقديره: لا إله موجود، {إِلَاَ}: أداة استثناء مفرغ، {أَنَا}: ضمير رفع منفصل في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر {لَاَ} ، وجملة {لَا} في محل الرفع خبر {أنَّ} ، وجملة {أنَّ} في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ {أَنْذِرُوا} تقديره: أن أنذروا عدم كون إله غيري. {فَاتَّقُونِ} {الفاء} (1): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كما ذكر، من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على الأنبياء، وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا شريك له في الألوهية، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم:{اتقوا} : فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ويحتمل كون الفاء تفريعية كما في "الشهاب".

(1) الفتوحات.

ص: 174

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)} .

{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ} : فعل ومفعول به، {وَالْأَرْضَ}: معطوف على {السَّمَاوَاتِ} ، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة مستأنفة، {بِالْحَقِّ}: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف، تقديره: خلقًا متلبسًا بالحق والحكمة، لا بالعبث، أو في محل النصب حال من فاعل {خَلَقَ}؛ أي: حالة كونه محقًّا، {تعالى}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال ثانية من فاعل {خَلَقَ}؛ أي: خلق السموات حالة كونه متعاليًا عن النقائص، {عَمَّا}: جار ومجرور متعلق بـ {تَعَالَى} ، وجملة {يُشْرِكُونَ} صلةٌ لـ {ما} ، أو صفةٌ لها، أو صلة {ما} المصدرية، كما مر آنفًا {خَلَقَ الْإِنْسَانَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الله} ، والجملة مستأنفة، {مِنْ نُطْفَةٍ}: جار ومجرور متعلق بـ {خَلَقَ} ، {فَإذَا} {الفاء}: حرف عطف وتعقيب {إذا} : حرف مفاجأة {هُوَ خَصِيمٌ} : مبتدأ وخبر {مُبِينٌ} : صفة {خَصِيمٌ} ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} .

{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)} .

{وَالْأَنْعَامَ} : مفعول بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وأوجد الأنعام، والجملة مستأنفة، {خَلَقَهَا}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة الفعلية جملة مفسرة، لا محلَّ لها من الإعراب. {لَكُمْ}: جار ومجرور، متعلق بـ {خَلَق} {فِيهَا}: خبر مقدم، {دِفْءٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب حالٌ من {الْأَنْعَامَ} ، أو من الضمير المنصوب، {وَمَنَافِعُ}: معطوف على {دِفْءٌ} {وَمِنْهَا} : متعلق بما بعده، وجملة {تَأْكُلُونَ} في محل النصب معطوفة على جملة قوله:{فِيهَا دِفْءٌ} . {وَلَكُمْ} : جار ومجرور خبر مقدم، {فِيهَا} جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أو حال من {جَمَالٌ} ، {جَمَالٌ}: مبتدأ مؤخر،

ص: 175

والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: {فِيهَا دِفْءٌ} ، {حِينَ}: منصوب على الظرفية الزمانية، وجملة {تُرِيحُونَ} في محل الجر مضاف إليه لـ {حِينَ} ، والظرف متعلق بـ {جَمَالٌ} لأنه بمعنى تجمل، أو صفة له، {وَحِينَ تَسْرَحُونَ} معطوف على {حِينَ تُرِيحُونَ} .

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)} .

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {الأنعام} ، والجملة مستأنفة، {إِلَى بَلَدٍ}: جار ومجرور، متعلق بـ {تحمل}. {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ}: جازم وفعل ناقص واسمه وخبره ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ {بَلَدٍ} ، {إِلَّا}: أداة استثناء مفرغ، {بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} جار ومجرور ومضاف إليه، حال من الضمير المستكن في {بَالِغِيهِ} مشقوقًا عليكم. {إِنَّ رَبَّكُمْ}: ناصب واسمه، {لَرَءُوفٌ} خبره، و {اللام}: حرف ابتداء، {رَحِيمٌ}: صفة {رؤوف} ، أو خبر ثان، وجملة {إنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} .

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} معطوفات على {الأنعام} . {لِتَرْكَبُوهَا} {اللام} حرف جر وتعليل {تركبوها} : فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، والجار والمجرور متعلق بـ {خَلَق}؛ أي: وخلق الخيل والبغال والحمير لركوبكم إياها، {وَزِينَةً}: مفعول (1) مطلق لفعل محذوف، معطوف على {لِتَرْكَبُوهَا}؛ أي: وخلقها لتركبوها، ولتتزينوا بها زينة، ويجوز أن يكون مفعولًا لأجله؛ أي: وللزينة، وقيل التقدير: وجعلها زينةً، ويقرأ بغير واو، وفيه الوجوه المذكور، وفيها وجهان آخران:

(1) العكبري.

ص: 176

أحدهما أن يكون مصدرًا في موضع الحال من الضمير في {تركبوا} .

والثاني: أن تكون حالًا من الهاء؛ أي: لتركبوها تزينًا بها، {وَيَخْلُقُ مَا}: فعل ومفعول، وفاعل ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة مستأنفة، {لَا تَعْلَمُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {مَا} أو صفة لها، والعائد أو الرابط المفعول المحذوف؛ أي: ما لا تعلمونه.

{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)} .

{وَعَلَى اللَّهِ} : خبر مقدم، {قَصْدُ السَّبِيلِ}: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: وعلى الله بيان السبيل القصد وهو الإِسلام، والقصد بمعنى المقصود كما في "الجَمَل"، {وَمِنْهَا}: خبر مقدم، {جَائِرٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي: ومنها سبيل جائر، والسبيل: تذكر وتؤنث، {وَلَوْ}: حرف شرط، {شَاءَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة فعل شرط لـ {لَوْ} ، {لَهَدَاكُمْ} {اللام}: رابطة لجواب {لَوْ} ، {هداكم}: فعل ومفعول، وفعله ضمير يعود على {اللَّهِ} . {أَجْمَعِينَ} تأكيد لضمير المفعول، والجملة جواب {لو} ، وجملة {لو} مستأنفة.

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10)} .

{هُوَ الَّذِي} : مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة، {أَنْزَلَ}: فعل ماضي، وفاعله ضمير يعود على الموصول، {مِنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنْزَلَ} ، {مَاءً}: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، {لَكُمْ}: جار ومجرور متعلق بـ {أَنْزَلَ} أو صفة لـ {مَاءً} ، {مِنْهُ}: خبر مقدم، {شَرَابٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ {مَاءً} أو مستأنفة و {من} في قوله:{منه} ابتدائية، ويصح أن يكون {لَكُمْ} خبرًا مقدمًا لـ {شَرَابٌ} ، {وَمِنْهُ}: حال من الضمير المستكن في الخبر كما في "روح البيان" و {مِنْ} فيه

ص: 177

تبعيضية على هذا الوجه، {وَمِنْهُ}: خبر مقدم، وهي هنا سببية، {شَجَرٌ}: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، {فِيهِ}: متعلق بما بعده، {تُسِيمُونَ}: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة لـ {شَجَرٌ} .

{يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)} .

{يُنْبِتُ} : فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة مستأنفة، {لَكُمْ}: متعلق بـ {يُنْبِتُ} وكذا تعلق به قوله {بِهِ} ، أي: بسببه، {الزَّرْعَ}: مفعول به، {وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ}: معطوفات على الزرع. {وَمِنْ} {الواو} : عاطفة، و {مِنْ} زائدةٌ على رأي الكوفيين، {كُلِّ الثَّمَرَاتِ}: معطوف على {الزَّرْعَ} ، أو {وَمِنْ} اسم بمعنى بعض معطوف على {الزَّرْعَ} على رأي البصريين، {كُلِّ الثَّمَرَاتِ} مضاف إليه كذا في "روح البيان". {إِنَّ}: حرف نصب، {فِي ذَلِكَ}: خبرها مقدم، {لَآيَةً}: اسمها مؤخر، و {اللام} حرف ابتداء، {لِقَوْمٍ}: جار ومجرور صفةٌ {لَآيَةً} ، وجملة {يَتَفَكَّرُونَ}: صفة لـ {لِقَوْمٍ} ، وجملة {إنَّ} مستأنفة.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)} .

{وَسَخَّرَ} : فعل ماض، وفعله ضمير يعود على {اللَّهِ} ، والجملة مستأنفة، {لَكُمُ}: متعلق به، {اللَّيْلَ}: مفعول به، {وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}: معطوفات على {اللَّيْلَ} ، {وَالنُّجُومُ} عل قراءة النصب معطوف على {اللَّيْلَ} أيضًا، {مُسَخَّرَاتٌ}: حال من الجميع، {بِأَمْرِهِ}: متعلق بـ {مُسَخَّرَاتٌ} ، وعلى قراءة الرفع {النجوم}: مبتدأ، {مُسَخَّرَاتٌ} ، خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية {إِنَّ}: حرف نصب، {فِي ذَلِكَ}: خبرها مقدم لـ {لَآيَاتٍ} اسمها مؤخر، و {اللام} حرف ابتداء، {لِقَوْمٍ}: صفة لـ {لَآيَاتٍ} ، وجملة {يَعْقِلُونَ} صفة لـ {لِقَوْمٍ} وجملة {إِنَّ} مستأنفة.

ص: 178

{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)} .

{وَمَا} : موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوفة على {اللَّيْلَ} على ما ذكره الزمخشري، أو منصوب بفعل محذوف تقديره: وخلق لكم ما ذرأ لكم، على ما ذكره أبو البقاء، {ذَرَأَ}: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللَّهِ} {لكم}: متعلق به، وكذا يتعلَّق به قوله:{في الأرض} ، والجملة الفعلية صلة لـ {ما} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وما ذرأ لكم في الأرض {مُخْتَلِفًا} حال من ما الموصولة، أو من العائد المحذوف، {أَلْوَانُهُ}: فاعل {مُخْتَلِفًا} ، {إِنَّ}: حرف نصب {فِي ذَلِكَ} : خبرها مقدم، {لَآيَةً}: اسمها، {لِقَوْمٍ}: صفة {لَآيَةً} ، {يَذَّكَّرُونَ}: صفة لـ {لِقَوْمٍ} ، وجملة {إِنَّ} مستأنفة.

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)} .

{وَهُوَ الَّذِي} : مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، {سَخَّرَ الْبَحْرَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، {لِتَأْكُلُوا} {اللام}: لام كي، {تأكلوا}: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، {مِنْهُ}: جار ومجرور، متعلق بـ {تأكلوا} و {من} لابتداء الغاية، {لَحْمًا}: مفعول به، {طَرِيًّا}: صفة {لَحْمًا} ، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لأكلكم منه، الجار والمجرور متعلق بـ {سَخَّرَ} ، {وَتَسْتَخْرِجُوا}: فعل وفاعل، معطوف على {تأكلوا} ، {مِنهُ}: متعلق به، {حِلْيَةً}: مفعول به، {تَلْبَسُونَهَا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة لـ {حِلْيَةً} ، {وَتَرَى الْفُلْكَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، {مَوَاخِرَ}: حال من {الْفُلْكَ} لأن رأى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد {فِيهِ} : متعلق بـ {مَوَاخِرَ} والجملة الفعلية معترضة، لاعتراضها بين

ص: 179

المعطوف الذي هو {لتبتغوا} والمعطوف عليه الذي هو {لِتَأْكُلُوا} ، {وَلِتَبْتَغُوا}: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي {مِنْ فَضْلِهِ}: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة {لِتَأْكُلُوا مِنْهُ} ، {وَلَعَلَّكُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {تَشْكُرُونَ} خبره، وجملة {لعلَّ} معطوفة على جملة {لِتَأْكُلُوا} لأنها تعليلية.

{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)} :

{وَأَلْقَى} : فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على {اللهِ} ، {فِي الْأَرْضِ}: متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة {سَخَّرَ} ، أو مستأنفة، {رَوَاسِيَ}: صفة لمفعول محذوف؛ أي: جبالًا رواسي، ولم ينون لأنه اسم لا ينصرف، لكونه على زنة مفاعل، {أَن}: حرف نصب ومصدر، {تَمِيدَ}: فعل مضارع منصوب بـ {أَن} وفاعله ضمير يعود على {الْأَرْضِ} ، {بِكُمْ}: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر الواقع مفعولًا لأجله، والتقدير: وألقى في الأرض رواسي خشية ميدها وتحركها بكم، {وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا}: معطوفان على {رَوَاسِيَ} ، ولكنه على تأويل {ألقى} بمعنى خلق، {لَعَلَّكُمْ}: ناصب واسمه، وجملة {تَهتَدُونَ} خبره، وجملة {لعلَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، {وَعَلَامَاتٍ}: معطوف على {رَوَاسِيَ} أيضًا، {وَبِالنَّجْمِ}: جار ومجرور متعلق بـ {يَهْتَدُونَ} ، {هُمْ}: مبتدأ، وجملة {يَهْتَدُونَ}: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة.

{أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)} .

{أَفَمَن} {الهمزة} : للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتتصور المشابهة والمشاركة بين الخالق وغيره بعد ظهور الدلائل، {مَنْ}: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، {يَخلُقُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {من} ، والجملة صلة الموصول،

ص: 180

{كَمَن} : جار ومجرور خبر المبتدأ، {لَا يَخْلُقُ}: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على {مَنْ} ، والجملة صلة {مَنْ} الموصولة والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، {أفَلَا} {الهمزة}: للاستفام التوبيخي داخلةٌ على محذوف، و {الفاء}: عاطفة على ذلك المحذوف، {لا}: نافية، {تَذَكَّرُونَ}: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: ألا تلاحظون القدرة الباهرة للخالق سبحانه والعجز الظاهر للأصنام فلا تذكرون ذلك، فتعرفون فساد ما أنتم عليه، كما مرَّ في مبحث التفسير.

{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19)} .

{وَإِن} {الواو} : استئنافية، {إِن تعدوا نعمة الله}: جازم وفعل وفاعل ومفعولي ومضاف إليه، مجزوم بـ {إنْ} الشرطية على كونه فعل شرط لها، {لَا تُحْصُوهَا}: ناف وفعل وفاعل ومفعول، مجزوم بـ {إن} الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة {إنْ} الشرطية مستأنفة، {إِنَّ اللَّهَ}: ناصب واسمه، {لَغَفُورٌ}: خبره، و {اللام}: حرف ابتداء، {رَحِيمٌ}: صفة {غفور} أو خبر ثان، وجملة {إِنَّ} مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، {وَاللَّهُ}: مبتدأ، وجملة {يَعْلَمُ} خبره، والجملة الاسمية مستأنفة {مَا}: اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به؛ لأنَّ علم هنا بمعنى عرف، {تُسِرُّونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ {مَا} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: يعلم ما تسرون، {وَمَا تُعْلِنُونَ}: معطوف على {مَا تُسِرُّونَ} ، ويجري فيه من الإعراب ما جرى فيه.

{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)} .

{وَالَّذِينَ} : مبتدأ، {يَدْعُونَ}: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، العائد محذف تقديره: والأصنام الذين يدعونهم {مِنْ دُونِ اللَّهِ} : جار ومجرور، حال من فاعل {يَدْعُونَ}؛ أي: حالة كونهم متجاوزين الله في دعائهم إلى

ص: 181

الأصنام، {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا}: فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة {وَهُمْ}: مبتدأ، وجملة {يُخْلَقُونَ} خبر أول له، {أَمْوَاتٌ}: خبر ثان له، والجملة مستأنفة مؤكدة لما قبلها، {غَيْرُ أَحْيَاءٍ}: صفة مؤكدة لـ {أَمْوَاتٌ} ، {وَمَا} {الواو}: عاطفة: {ما} : نافية، وجملة {يَشْعُرُونَ} معطوفة على جملة قوله {يُخْلَقُونَ} على كونها خبرًا ثالثًا لهم، {أَيَّانَ}: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح، والظرف متعلق بـ {يُبْعَثُونَ} ، {يُبْعَثُونَ}: فعل ونائب فاعل، والجملة في موضع نصب بـ {يَشْعُرُونَ} ؛ لأنه معلق عنها باسم الاستفهام، إذ معناه العلم كما ذكره في "البحر".

{إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)} .

{إِلَهُكُمْ إِلَهٌ} : مبتدأ وخبر، {وَاحِدٌ}: صفة لازمة له والجملة مستأنفة، {فَالَّذِينَ}: مبتدأ أول، و {الفاء}: استئنافية، {لَا يُؤْمِنُونَ}: فعل وفاعل، صلة الموصول، {بِالْآخِرَةِ}: متعلق به، {قُلُوبُهُمْ}: مبتدأ ثان، {مُنْكِرَةٌ}: خبر له، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ}: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير {قُلُوبُهُمْ} ؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه.

{لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)} .

{لَا جَرَمَ} : اسم مركب تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ، وهو حق، فإذًا نقول في إعرابها:{لَا جَرَمَ} : فعل ماض بمعنى حق مبني على الفتح، {أَنَّ اللَّهَ}: ناصب واسمه، وجملة {يَعْلَمُ} ، وجملة {أَنَّ} في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ {لَا جَرَمَ} ، والتقدير: حق وثبت علم الله، ما يسرون وما يعلنون {مَا}: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول {يَعْلَمُ} ، وجملة {يُسِرُّونَ} صلة لـ {مَا} أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يسرونه، {وَمَا يُعْلِنُونَ} معطوف على {مَا يُسِرُّونَ} ، {إِنَّهُ}: ناصب واسمه، {لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على {اللهَ} ، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر {إن} وجملة {إن} مستأنفة

ص: 182

مسوقة لتعليل ما قبلها.

وفي "الشهاب": في هذه اللفظة أعني {لَا جَرَمَ} خلاف بين النحاة، فذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أن {جرم} اسم مركب مع {لا} تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ، وهو حق، وما بعدها مرتفع بالفاعلية بمجموع لا جرم لتأويله بالفعل، أو بمصدر قائم مقامه، وهو حقًّا على ما ذكره أبو البقاء، وقيل: هو مركب أيضًا - كلا رجل - وما بعدها خبر، ومعناها لا محالة ولا بد، وقيل: إنه على تقدير جارٍّ؛ أي: من أن الله إلخ انتهى.

وقيل: إن لا نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة، وجرم بمعنى حق ووجب اهـ:"زاده"، وقد تقدم لها مزيد بسط في سورة هود فراجعه.

التصريف ومفردات اللغة

{أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ؛ أي: قرب ودنا، ويقال في مجرى العادة لما يجب وقوعه: قد أتى وقد وقع، فيقال لمن طلب مساعدة حان مجيؤها: جاءك الغوث، و {أَمْرُ اللَّهِ}: عذابه للكافرين أو يوم القيامة.

{فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} الاستعجال طلب الشيء قبل وقته، كما في "الخازن"، وهو من استفعل السداسي.

{يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ} : الوحي، وهو قائم في الدين مقام الروح من الجسد، فهو محيي القلوب التي أماتها الجهل.

{أَنْ أَنْذِرُوا} والإنذار (1) الإعلام، خلا إنه مختص بإعلام المحذور، من نذر بالشيء من باب فرح إذا علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارًا إذا أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه، كذا في "القاموس"؛ أي: أعلموا الناس أيها الأنبياء.

{فَاتَّقُونِ} ؛ أي: خافوا عقابي، لمخالفة أمري وعبادة غيري.

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ؛ أي: غير آدم، {مِنْ نُطْفَةٍ} والنطفة القطرة من الماء،

(1) روح البيان.

ص: 183

يقال: نطف رأسه ماء؛ أي: قطر وقيل هي الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل، اهـ "سمين".

وفي "المصباح" نطف (1) الماء ينطف - من باب قتل - سال، وقال أبو زيد: نطفت القربة تنطف وتنطف نطفانًا إذا قطرت، والنطفة ماء الرجل والمرأة، وجمعها نطف ونطاف، مثل برمة وبرم وبرام، والنطفة أيضًا الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة؛ أي: لا يستعمل لها فعل من لفظها اهـ.

وفي "المختار": أن نطف من باب قتل وضرب اهـ، والمراد (2) بالنطفة هنا مادة التلقيح.

{فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} والخصيم بمعنى المخاصم، كالخليط بمعنى المخالط، والعشير بمعنى المعاشر، والمراد به هنا المنطيق المجادل عن نفسه المنازع للخصوم، والمبين المظهر للحجة، أو المفصح عما في ضميره بمنطقه.

{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} قال الجوهري: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل اهـ. الدفءُ: السخانة، والمراد به هنا ما يستدفأ به من الأكسية المتخذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها.

{وَمَنَافِعُ} والمراد بها درها وركوبها، والحرث بها، وحملها للماء ونحو ذلك.

{جَمَالٌ} والجمال ما يتجمل به ويتزين، والجمال الحسن، والمعنى هنا: لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها، قال في "القاموس": الجمال الحسن في الخلق والخلق، وتجمل: تزين، وجمله: زينه، وفي الحديث (3):"جمال الرجل فصاحة لسانه"، وفي حديث آخر:"الجمال صواب المقال، والكمال حسن الفعال".

{حِينَ تُرِيحُونَ} من الإراحة، وهي رد المواشي بالعشي إلى مراحها؛ أي: مأواها بالليل؛ أي: تردونها بالعشي؛ أي: آخر النهار من المرعى إلى مراحها

(1) المصباح.

(2)

المراغي.

(3)

روح البيان.

ص: 184

ومباركها، يقال أراح الماشية إذا ردها إلى المراح بضم الميم، وهو موضع إراحة الإبل والبقر والغنم.

{تَسْرَحُونَ} ؛ أي: تخرجونها غدوة؛ أي: أول النهار من حظائرها ومبيتها إلى مسارحها ومراعيها، من سرح الراعي الإبل إذا رعاها وأرسلها في المرعى، من باب قطع وخضع، وفي "المصباح": سرحت الإبل سرحًا من باب نفع وسروحًا أيضًا، رعت بنفسها وسرحتها يتعدى ولا يتعدى، وسرَّحتها بالتثقيل مبالغة وتكثير اهـ.

{وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} والأثقال (1) جمع ثقل بفتح الثاء والقاف، كأسباب وسبب، أو جمع ثقل بكسر فسكون كحمل وأحمال، وهو متاع المسافر من طعام وغيره وما يحتاج إليه من آلاته، وسُمِّي ثقلًا لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل المراد أبدانهم.

{إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} والشق بالكسر والفتح الكلفة والمشقة، وشق الأنفس مشقتها وتعبها، وقال الجوهري الشق المشقة ومنه قوله تعالى:{لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} ، وحكى أبو عبيدة: بفتح الشين وهما بمعنًى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرًا من شققت عليه أشق شقًّا، والمكسور بمعنى النصف، يقال أخذت شق الشاة وشقة الشاة، ويكون المعنى على هذا في الآية؛ أي: لم تكون بالغيه إلَّا بذهاب نصف النفس من التعب.

{وَالْخَيْلَ} اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو فرس، وقيل جمع خائل كضان جمع ضائن، وسميت خيلًا لاختيالها في مشيها.

{وَالْبِغَالَ} جمع بغل، وهو متولد بين الخيل والحمار.

{قَصْدُ السَّبِيلِ} والقصد الاستقامة، يقال سبيل قصدٌ وقاصدٌ إذا أداك إلى مطلوبك، وفي "السمين": والقصد مصدر يوصف به، فهو بمعنى قاصد، يقال سبيل قصد وقاصد؛ أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه اهـ.

(1) روح البيان.

ص: 185

{جَائِرٌ} ؛ أي: مائل عن المحجة منحرف عن الحق.

{وَمِنْهُ شَجَرٌ} والمراد بالشجر هنا مطلق النبات، سواء كان له ساق أم لا اهـ "شيخنا"، فالشجر في الأصل ما له ساق قوي، والنجم ما لا ساق له قوي.

{تُسِيمُونَ} ؛ أي: ترعون دوابكم من أسام الماشية، ويقال سومها، إذا جعلها ترعى، وفي "الخازن": تقول أسمت السائمة إذا خليتها ترعى، وسامت إذا رعت حيث شاءت اهـ ويقال: سامت السائمة تسوم سومًا رعت فهي سائمة، وأسمتها؛ أي: أخرجتها إلى الرعي، فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في المرعى، قال أخذ من السومة وهي العلامة؛ لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها.

{النَّخِيلَ} والنخل بمعنى واحد، وهو اسم جمع والواحدة نخلة كالثمرة والثمر.

{الأعناب} جمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة.

{وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ} يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا خلقهم، فهو ذارىء، ومنه الذرية وهي نسل الثقيلين.

{مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ} ؛ أي: أصنافه {لَحْمًا طَرِيًّا} وفي "السمين": الطراوة ضد اليبوسة؛ أي: غضًّا طريًّا، ويقال طريت كذا؛ أي: جددته اهـ، وفي "المصباح": طرو الشيء بالواو وزان قرب فهو طرىء؛ أي: غض بين الطراوة، وطرىء وزان تعب، فهو طرىء بين الطراوة، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموزًا بفتحتين طروًّا أطلع، فهو طارئ، وطرأ الشيء يطرأ أيضًا طرآنًا مهموزًا حصل بغتة فهو طارئ، وأطريت العسل بالياء طراء عقدته، وأطريت فلانًا مدحته بأحسن ما فيه، ويقال بالغت في مدحه، وجاوزت الحد، وقال السرقسطي: في باب الهمز والياء: أطرأته مدحته وأطريته أثنيت عليه اهـ.

{حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} وفي "المصباح": حلي الشيء بعيني وبصدري يحلى - من باب تعب - حلاوةً، إذا حسن عندي وأعجبني، وحليت المرأة حليًّا ساكن اللام

ص: 186

لبست الحلي، وجمعه حليٌّ، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس، والحلية بالكسر الصفة، والجمع حلي مقصورًا، وتضم الحاء وتكسر، وحلية السيف زينته، قال ابن فارس: ولا تجمع، وتحلت المرأة لبست الحلي واتخذته، وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي واتخذته لها لتلبسه، وحليت السويق جعلت فيه شيئًا حلوًا حتى حلا اهـ.

{مَوَاخِرَ} ؛ أي: ترى السفن شواق للماء تدفعه. بصدرها، ومخر السفينة شقها الماء بصدرها، قال الجوهري: مخر السابح إذا شق الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، قال ابن جرير: المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد بكونه في ماء اهـ.

وفي "المختار": مخرت السفينة من باب قطع ودخل إذا جرت تشق الماء مع صوت، ومنه قوله تعالى:{وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ} ؛ أي: جواري.

{وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} ؛ أي: جبالًا ثوابت، يقال رسا يرسو إذا ثبت وأقام.

{أنْ تَمِيدَ بِكُمْ} ؛ أي: أن تميل بكم، وفي "المختار": ماد الشيء يميد ميدًا من باب باع، ومادت الأغصان والأشجار تمايلت، وماد الرجل تبختر اهـ.

{وَعَلَامَاتٍ} جمع علامة ففي "المصباح": وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة، وأعلمت الثوب جعلت له علمًا من طراز وغيره، وهو العلامة، وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب، وجمع العلامة علامات، وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها اهـ.

{وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} يقال شعر به كنصر وكرم شعرًا وشعورًا علم به وفطن له وعقله، وأيان مركب من أي التي للاستفهام وأن بمعنى الزمان، فلذلك كان بمعنى متى؛ أي سؤالًا عن الزمان كما كان أين سؤالًا عن المكان، فلما ركِّبا وجعلا اسما واحدًا بنيا على الفتح كبعلبك، ذكره في "روح البيان".

ص: 187

البلاغة

وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

فمنها: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي في قوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} إشعارًا بتحقق وقوعه.

ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: {فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} إلى الغيبة في قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} تحقيرًا لشأنهم وحطًّا لدرجتهم عن رتبة الخطاب.

ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: {بِالرُّوحِ} حيث شبه الوحي بمعنى الموحى به الذي من جملة التوحيد بالروح، بجامع أن الروح به إحياء الجسد، والوحي به إحياء القلوب من الجهالات، فاستعير له لفظ الروح على طريقة الاستعارة التصريحية.

ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: {عَمَّا يُشْرِكُونَ} إلى الخطاب في قوله: {فَاتَّقُونِ} مخاطبةً لهم بما هو المقصود، وإيماء إلى أن التقوى هي المقصود من الإنذار.

ومنها: التعبير بآخر الأمر عن أوله في قوله: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} ويسمى مجاز الأول كقوله: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} .

ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} إلى الخطاب في قوله: {خَلَقَهَا لَكُمْ} فيقضي أن المخاطب مطلق بني آدم، المندرجين تحت الإنسان تأمل.

ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: {وَمَنَافِعُ} .

ومنها: القصر في قوله: {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} فيكون القصر فيه إضافيًّا إلى سائر الحيوانات، حتى لا ينتقض بمثل الخبز ونحوه من المأكولات المعتادة.

ومنها: الطباق بين: {تُرِيحُونَ} {تَسْرَحُونَ} .

ومنها: صفة المبالغة في قوله: {خَصِيمٌ مُبِينٌ} .

ص: 188

ومنها: جمع المؤكدات في قوله: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

ومنها: الإسناد إلى العام في قوله: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ} ؛ أي: الأنعام مرادًا به الخاص وهو الإبل.

ومنها: المجاز في قوله: {إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} لأنه حقيقة في النصف والجانب، فاستعير للمشقة والتعب، كما تقول: لن تناله إلا بقطعة من كبدك على المجاز.

ومنها: الإجمال بعد التفصيل في قوله: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

ومنها: المجاز في قوله: {وَمِنْهُ شَجَرٌ} لأن المراد بالشجر هنا مطلق النبات سواء كان له ساق أْم لا، وهو حقيقة فيما كان له ساق.

ومنها: التعميم بعد التخصيص في قوله: {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} .

ومنها: الإسناد العقلي في قوله: {قَصْدُ السَّبِيلِ} لما فيه من إسناد حال السالك وهو القصد إلى السبيل، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، كما ذكره في "روح البيان".

ومنها: تنكير ماء في قوله: {مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} للدلالة على التبعيض، أي: بعض الماء، فإنه لم ينزل من السماء الماء كله.

ومنها: الطباق بين: {اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} في قوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} .

ومنها: التفنن في قوله: {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، وفي قوله:{لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} ، وفي قوله:{لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} كما مر في مبحث التفسير.

ومنها: التلويح في قوله: {لَحْمًا طَرِيًّا} المراد به السمك، عبر عنه باللحم مع كونه حيوانًا، للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل كما في "الإرشاد"، وللإيذان بعدم احتياجه للذبح كسائر الحيوانات غير الجراد.

ومنها: الإسناد المجازي في قوله: {حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} ؛ أي: يلبسها نساؤكم لكم، فهي حلية لكم، بهذا الاعتبار كذا قالوا.

ص: 189

ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} لأن الإلقاء حقيقة في الرمي والطرح، فاستعاره للخلق والوضع والجعل، فكان الجبال الرواسي حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن في الأرض، فهو تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته، وإن كل عسير فهو عليه يسير.

ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وقوله:{لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لأن لعل فيهما مستعار لمعنى الإرادة كما في "روح البيان".

ومنها: الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: {وبالنجم هم يهتدون} لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص وليس كذلك، والمعنى: بالنجم هم؛ أي: أهل الأرض كلهم لا خصوص قريش.

ومنها: التشبيه المقلوب في قوله: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} لأن حق العبارة أن يقال أفمن لا يخلق كمن يخلق.

ومنها: الاستفهام الإنكاري فيه.

ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: {أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} .

ومنها: جمع المؤكدات وصفة المبالغة في قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} .

ومنها: الإطناب في قوله: {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} تأكيدًا لسفاهة من عبد الأصنام، ومثله:{لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .

ومنها: الطباق بين {تُسِرُّونَ} و {تُعْلِنُونَ} .

ومنها: طباق السلب في قوله: {أفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} .

ومنها: الجناس الناقص في قوله: {لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .

ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.

والله سبحانه وتعالى أعلم

* * *

ص: 190

قال الله سبحانه جلَّ وعلا:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)} .

المناسبة

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)

}

ص: 191

الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل (1) التوحيد، ونصب البراهين الواضحة على بطلان عبادة الأصنام .. أردف ذلك بذكر شبهات من أنكروا النبوة مع الجواب عنها، وبين أنهم ليسوا ببدع في هذه المقالة، فقد سبقتهم أمم قبلهم، فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، فأهلكهم في الدنيا، وسيخزيهم يوم القيامة بما فعلوا، ثم ذكر أنهم حين يشاهدون العذاب يستسلمون ويقولون ما كنا نعمل من سوء، ولكن الله عليم بهم وبما فعلوا، ولا مثوى لأمثال هؤلاء المتكبرين إلا جهنم وبئس المثوى هي.

قوله تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما (2) بين أحوال المكذبين بالله ورسوله، الذين ينكرون وحيه ويقولون إن محمدًا قد لفق أساطير الأولين وتراهاتهم، ونقلها للناس، وادعى أنها من رب الأرض والسموات، وذكر ما سينالهم من النكال والوبال، إذ يدخلون جهنم خالدين فيها كفاء ما اجترحت أيديهم من الآثام وكسبته من المعاصي .. أردف ذلك بوصف المؤمنين الذين إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا، وذكر ما أعده لهم من الخير والسعادة في جنات تجري من تحتها الأنهار جزاءً وفاقًا لما أحسنوا من العمل، وأتوا به من جميل الصنع.

قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (3): أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم أساطير الأولين، ثم أتبع ذلك بوعيدهم وتهديدهم، ثم وَعَدَ من وصف القرآن بالخيرية .. بين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون من حالهم إلا أن تأتيهم الملائكة بالتهديد، أو أمر الله بعذاب الاستئصال.

وعبارة "المراغي" هنا: مناسبة هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر

(1) المراغي.

(2)

المراغي.

(3)

البحر المحيط.

ص: 192

طعن المشركين في القرآن بنحو قولهم إنه أساطير الأولين، وإنه قول شاعر، ثم هددهم بضروب من التهديد والوعيد، ثم أتبعه بالوعد بالثواب لمن صدق به .. قفى على ذلك ببيان أن الكفار لا يزدجرون عن أباطيلهم إلا إذا جاءتهم الملائكة قابضة أرواحهم، أو يأتيهم عذاب الاستئصال، فلا يبقى منهم أحدًا، ثم أتبعه ببيان أن هؤلاء ليسوا ببدع في الأمم، فقد فعل من قبلهم مثل فعلهم، فأصابهم الهلاك جزاء ما فعلوا، وما ظلمهم الله ولكن هم قد ظلموا أنفسهم:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .

قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لمَّا ذكر (1) أن هؤلاء المشركين لا يزدجرون إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد والوعيد، أو أتاهم عذاب الاستئصال، كما حدث لمن قبلهم من الأمم جزاء استهزائهم برسل الله تعالى .. قفى على ذلك ببيان أنهم طعنوا في إرسال الأنبياء جملة، وقالوا إنا مجبورون على أعمالنا فلا فائدة من إرسالهم، فلو شاء الله أن نؤمن به ولا نشرك به شيئًا ونحل ما أحله ولا نحرم شيئًا مما حرمنا

لكان الأمر كما أراد، لكنه لم يشأ إلا ما نحن عليه، فما يقوله الرسل إنما هو من تلقاء أنفسهم، لا من عند الله تعالى.

وقد رد الله عليهم مقالهم، بأنه كلام قد سبق بمثله المكذبون من الأمم السالفة، وما على الرسل إلا التبليغ، وليس عليهم الهداية، ولم يترك الله أمةً دون أن يرسل إليها هاديًا يأمر بعبادته، وينهاهم عن الضلال والشرك، فمنهم من استجاب دعوته، ومنهم من أضلَّه الله على علم، فحقت عليهم كلمة ربك، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ثم أمرهم بالضرب في الأرض ليروا آثار أولئك المكذبين، الذين أخذوا بذنوبهم، ثم ذكر رسوله بأن الحرص على إيمانهم لا ينفعك شيئًا، فإن الله لا يخلق الهداية جبرًا وقسرًا فيمن يختار الضلالة لنفسه،

(1) المراغي.

ص: 193

كما لا يجد أحدًا يدفع عنه بأس الله ونقمته.

قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ

} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر (1) حجتهم، وقولهم إنه لا حاجة إلى الأنبياء جميعًا لأنا مجبورون فيما نفعل، وأنه لو شاء الله أن نهتدي لكان دون حاجة إلى إرسال الأنبياء، ورده عليهم بأن الحاجة إليهم إنما هي في تبليغ ما أمر به وترك ما نهى عنه، ولا يلزمون أحدًا بإيمانٍ ولا كفرٍ

أردف هذا بشبهة أخرى لهم، إذ قالوا إنما نحتاج إلى الأنبياء لو كان لنا عودة إلى حياة جديدة بعد الموت فيها ثواب وعقاب، ولكن العودة إلى حياة أخرى غير ممكنة ولا معقولة، ذاك أن الجسم إذا تفرق وذهبت أجزاؤه كل مذهب .. امتنع أن يعود بعينه ليحاسب ويعاقب، فرد الله عليهم ما قالوا بأن هذا ممكن وقد وعد عليه وعدًا حقًّا، وأنه فعل ذلك ليميز الخبيث من الطيب، والعاصي من المطيع، وأيضًا فإيجاده تعالى للأشياء لا يتوقف على سبق مادة ولا آلةٍ، بل يقع ذلك بمحض قدرته ومشيئته، وليس لقدرته دافعٌ ولا مانعٌ.

أسباب النزول

قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)} الآية، قيل سبب نزولها (2): أن النضر بن الحارث سافر من مكة إلى الحيرة، وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال، فجاء إلى مكة فكان يقول إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه فنزلت الآية.

قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ

} الآية، سبب نزولها (3): ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما يتكلم به:

(1) المراغي.

(2)

البحر المحيط.

(3)

لباب النقول.

ص: 194