المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في أسماء المواضع - تهذيب الأسماء واللغات - جـ ٣

[النووي]

الفصل: ‌فصل في أسماء المواضع

فكأن الحي جعل متنكس القوة منتقض الحياة لما يعتريه من الانكسار والتغير. يقال: استحيت منه واستحييته بمعنى. ويقال: استحييت بياء واحدة أسقطوا الياء الأولى، وألقوا حركتها على الحاء، والأصل إثبات الياءين، وهي لغة أهل الحجاز، وحذف الأولى لغة تميم، والله تعالى أعلم.

وقولهم في باب الغسل في حديث أم سليم رضي الله عنها: "أن الله لا يستحيي من الحق" معناه لا يستحيي أن يبين ما هو الحق.

‌فصل في أسماء المواضع

الحجاز: مذكور في كتاب الجزية، قال في المهذب: قال الشافعي رضي الله عنه: هي مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، وهكذا فسره أصحابنا، كما فسره الإمام الشافعي رضي الله عنه قال في المهذب: قال الأصمعي: سمي حجازا؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد، وهذا الذي نقله عن الأصمعي قاله أيضا وغيره، وقيل: هذا في حده واشتقاقه.

الحجر: حجر الكعبة زادها الله تعالى شرفا، هو بكسر الحاء وإسكان الجيم، هذا هو الصواب المعروف الذي قاله العلماء من أصحاب الفنون. ورأيت بعض الفضلاء المصنفين في ألفاظ المهذب أنه يقال أيضا: حجر بفتح الحاء كحجر الإنسان سمي حجرا لاستدارته.

والحجر: عرصة ملصقة بالكعبة منقوشة على صورة نصف دائرة، وعليه جدار، وارتفاع الجدار من الأرض نحو ستة أذرع، وعرضه نحو خمسة أشبار. وقيل: خمسة وثلث، وللجدار طرفان: ينتهي أحدهما: إلى ركن البيت العراقي، والآخر: إلى الركن الشامي، وبين كل واحد من الطرفين وبين الركن فتحة يدخل منها إلى الحجر، وتدويرة الحجر تسع وثلاثون ذراعا وشبر، وطول الحجر من الشاذوران الملتصق بالكعبة إلى الجدار المقابل له من الحجر أربعة وثلاثون قدما ونصف قدم، وما بين الفتحتين أربعون قدما إلا نصف قدم، وميزاب البيت يضرب في الحجر.

وقد اختلفت الروايات، وأقوال أصحابنا في أن الحجر كله من البيت، أو ستة أذرع فحسب أم سبعة، وهذا الموضع لا يحتمل بسطها فأشرت إلى أصلها، وقد أوضحته في كتاب الإيضاح في المناسك الذي جمعته.

الحجر الأسود: زاده الله تعالى شرفا،

ص: 80

وهو في ركن الكعبة الذي يلي البيت من جانب المشرق، ويقال له: الركن الأسود، ويقال له وللركن اليماني: الركنان اليمانيان، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ذراعان وثلثا ذراع، قاله الأزرقي، قاله: وذرع ما بين الركن الأسود والمقام ثمانية وعشرون ذراعًا.

وثبت في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم” رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وروى الأزرقي في فضله وما يتعلق به أشياء كثيرة: منها عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قالا: الركن والمقام من الجنة، قالا: ولولا ما مسه من أهل الشرك، ما مسه ذو عاهة إلا شفي. وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أنزل الله الركن والمقام مع آدم ليلة نزل.

الحجون: بفتح الحاء بعدها جيم مضمومة، وهو من حرم مكة، زادها الله تعالى شرفًا، وهو: الجبل المشرف على مسجد جبل الحرس بأعلى مكة على يمينك، وأنت مصعد.

الحديبية: بضم الحاء وفتح الدال وتخفيف الياء، كذا قاله الشافعي رضي الله عنه وأهل اللغة وبعض أهل الحديث، وقال أكثر المحدثين: بتشديد الياء وهما وجهان مشهوران، وقد تقدم في حرف الجيم، ثم ذكر الجعرانة فيها زيادة، قال صاحب مطالع الأنوار: ضبطناها بالتخفيف عن المتقنين، وأما عامة الفقهاء والمحدثين فيشددونها، قال: وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة، قال: وهي على نحو مرحلة من مكة، وكان الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة، وهي شجرة سمرة بيعة الرضوان يوم الحديبية ألف وأربعمائة، وقيل: ألفا وخمسمائة، وقيل: ألفا وثلاثمائة. وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما هذه الروايات الثلاث في باب غزوة الحديبية، والأشهر ألف وأربعمائة.

وفي البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: “أنتم خير أهل الأرض وكنا ألفا وأربعمائة” وكذا قال البيهقي، وأكثر الروايات: أن أهل الحديبية كانوا ألفا وأربعمائة رضي الله تعالى عنهم.

حديثة الموصل: المذكورة في حد سواد العراق، هي: بفتح الحاء وكسر الدال، بعدها ياء مثناة من تحت ساكنة،

ص: 81

ثم ثاء مثلثة، ثم هاء.

الحرة: المذكورة في المهذب في حديث: “رجم ماعز رضي الله تعالى عنه الحرة التي خارج المدينة، وللمدينة حرتان وهما لابتاها”، وقد تقدم تفسيرهما.

الحرم: حرم مكة زادها الله تعالى شرفًا وفضلاً، وهو: ما أحاط بمكة من جوانبها، وأطاف بها، جعل الله عز وجل حكمه حكمها في الحرمة تشريفا لهًا، وأعلم: أن معرفة حدود الحرم من أهم ما ينبغي أن يعتنى به، فإنه يتعلق به أحكام كثيرة، وقد اعتنيت بتحقيق حدوده، وأوضحته في كتاب الإيضاح في المناسك غاية الإيضاح: فحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار بكسر النون، وهو على ثلاثة أميال، وحده من طريق اليمن طرف أضاه لبن بكسر اللام وإسكان الباء الموحدة، على سبعة أميال، ومن طريق العراق على ثنية جبل المقطع علىسبعة أميال أيضًا.

قال الأزرقي: سمي جبل المقطع؛ لأنهم قطعوا منه أحجار الكعبة في زمن ابن الزبير، وقيل: إنما سمي المقطع؛ لأنهم كانوا في الجاهلية إذا خرجوا من الحرم علقوا في رقاب إبلهم من قشور شجر الحرم، وإن كان رجلا علق في رقبته فأمنوا به حيث توجهوا، وقالوا: هؤلاء وفد الله تعالى إعظاما للحرم، وإذا رجعوا دخلوا الحرم قطعوا ذلك هنالك فسمي المقطع، ومن طريق الجعرانة في شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال عشرة إلا واحدا، ومن طريق الطائف على عرفات من بطن نمرة على سبعة أميال عشر إلا ثلاثة، ومن طريق جدة منقطع الأعشاش علىعشرة أميال، هكذا ذكر هذه الحدود أبو الوليد الأزرقي في كتاب تاريخ مكة، وأصحابنا في كتب الفقه منهم الشيخ أبو إسحاق في المهذب في باب عقد الذمة، وكذا صاحب الحاوي في الأحكام السلطانية، إلا أنهما لم يذكرا حده من طريق اليمن.

وذكره الأزرقي والجماهير وانفرد الأزرقي فقال: حده من طريق الطائف أحد عشر ميلاً، وقال الجمهور: سبعة فقط كما قدمناه، وهي سبعة عشر إلا ثلاثة، فاعتمد ما لخصته من حد الحرم الكريم، فما أظنك تجده أوضح من هذا. قال الأزرقي: في أنصاب الحرم على رأس الثنية ما كان من وجوهها في هذا الشق فهو حرم، وما كان في ظهرها فهو حل، قال: وبعض الأعشاش في الحل، وبعضها في الحرم، ذكره في آخر الكتاب.

أما حرم المدينة فقد ثبت بيانه في الصحيح، ففيه

ص: 82

أكمل مقنع، وأبلغ كفاية. روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المدينة حرم ما بين عير إلى ثور” هكذا هو في الصحيح، وغيرهما “عير إلى ثور” وعير بفتح العين المهملة وإسكان المثناة تحت.

قال أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره من العلماء: عير جبل بالمدينة، وأما ثور فجبل لا يعرف أهل المدينة بها جبلاً. يقال له: ثور، قالوا: فنرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. وقال الحازمي: الرواية الصحيحة ما بين عير إلى أحد. وقيل: إلى ثور، وليس بشيء.

وثبت في الصحيحين من روايات جماعة من الصحابة رفعوه “ما بين لآبتيها حرام” وفي مسلم “ما بين مأزميها واللابة” والمأزم معروفان مذكوران في هذا الكتاب في موضعهما.

قال الماوردي: واختلف الناس في مكة وما حولها هل صارت حرمًا وأمنا بسؤل إبراهيم صلى الله عليه وسلم أم كانت قبله؟ كذلك على قولين: أحدهما: لم تزل حرما آمنا من الجبابرة ومن الخسوف والزلازل، وإنما سأل إبراهيم عليه السلام ربه سبحانه وتعالى أن يجعله آمنا من الجدب والقحط، وأن يرزق أهله من كل الثمرات، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس” رواه البخاري في صحيحه من رواية أبي شريح وقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: “فإن هذا بلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض وهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال لأحد قبلي، وأنه لم يحل إلا ساعة من نهار فهو حرام حرمة الله إلى يوم القيامة” رواه البخاري في صحيحه في كتاب الحج بهذا اللفظ من رواية ابن عباس رضي الله عنهما، والقول الثاني: إن تحريمها كان بسؤال إبراهيم عليه السلام وكانت قبله حلالاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة” رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أبي هريرة رضي الله عنه.

قال الماوردي: والذي يختض به حرم مكة من الأحكام التي تخالف سائر البلاد خمسة أحكام، أحدها: أن لا يدخلها أحد إلا بإحرام حج أو عمرة. والثاني: ألا يحارب أهلها فإن بغوا على أهل العدل، فقد ذهب بعض إلى تحريم قتالهم، ويضيق عليهم حتى يرجعوا عن البغي، ويدخلوا في أحكام أهل العدل، والذي عليه أكثر الفقهاء أنهم يقاتلون على بغيهم

ص: 83

إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال أهل البغي من حقوق الله تعالى التي لا تجوز إضاعتها ولأن يكون محفوظا في حرم الله تعالى أولى من أن يكون مضيعا فيه. والحكم الثالث: تحريم صيده على المحلين، والمحرمين من أهل الحرم، وممن طرأ عليه. الحكم الرابع: تحريم قطع شجرة. الحكم الخامس: أنه يمنع جميع من خالف دين الإسلام من دخوله مقيمًا كان أو مارا. هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه وأكثر الفقهاء، وجوزه أبو حنيفة إذا لم يستوطنوه، هذا آخر كلام الماوردي.

وترك من الأحكام التي يتميز بها الحرم اللقطة، فإن لقطة الحرم لا تحل إلا لمنشد لا للمتملك على المذهب الصحيح بخلاف غيره، وترك أيضًا تحريم إخراج أحجاره وترابه منه إلى غيره وهو حرام، وبيانه مشهور في كتب المذهب، وترك أيضًا إدخال الأحجار والتراب من غيره إليه فإنه مكروه، وترك اختصاص نحر الهدايا ودماء الحج به، وترك وجوب قصده بالنذر بخلاف غيره كمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيت المقدس أحد القولين فيهما، وترك أيضا تغليظ الدية بالقتل فيه، وترك أيضًا تحريم دفن المشرك فيه، وأنه إن دفن ينبش إن لم يتقطع، وإنه لا يجوز له في الدخول إليه على حال وإنه لا دم على المتمتع والقارن إذا كانا من أهله، وإنه لا يجوز الإذن إحرام المقيم به بالحج خارجه، أنه لا يكره فيه صلاة النافلة التي لا سبب لها في أوقات الكراهة تشريفا لها، وأنه يحرم استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء، وهذا الذي ذكره الماوردي من أن البغاة إذا امتنعوا في الحرم يقاتلون عند أكثر الفقهاء هو الصحيح، وقد نص عليه الشافعي في كتابه اختلاف الحديث من كتب الأم، وقال القفال المروزي في أول كتاب النكاح في ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم: لا يجوز القتال بمكة، حتى لو تحصن جماعة من الكفار بمكة لا يجوز لنا قتالهم فيها، وهذا الذي قاله فاسد مردود، نبهت عليه لئلا يغتر به. وأما الحديث الصحيح بالنهي عن القتال فيها، فمعناه: لا يجوز نصب القتال وقتالهم بما يعم إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف ما إذ تحرز كفار في بلد آخر.

وأما حرم المدينة: فحده مابين جبليها طولا وما بين لابتيها عرضا، ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه وعن أبي هريرة رضي الله عنه ما ذكرناه قبل هذا. وفي المناسك وفي صحيح البخاري في كتاب

ص: 84

الدعاء في باب التعوذ من غلبة الرجال عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن أنس قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، فقال: اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة” ورواه مسلم في آخر الحج، ويشترك الحرمان في أمور ويختلفان في أمور.

حضرموت: مذكورة في باب صفة القضاء من المهذب في قوله: إن رجلاً من حضرموت، ورجلاً من كندة تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بفتح الحاء وإسكان الضاد المعجمة وفتح الميم.

قال صاحب مطالع الأنوار وهذيل: بضم الميم منها، وهذا غريب. قال أهل اللغة: يجوز فيه بناء الإسمين على الفتح، فتفتح التاء والراء، ويجوز بناء الأول، وإعراب الثاني كإعراب ما لا ينصرف، فيقال: هذا حضرموت برفع التاء، ويجوز إعراب الأول والثاني، فيقال: هذا حضرموت برفع الراء وجر التاء وتنوينها، والنسبة إليه حضرمي، وجماعة حضارمة، والتصغير حضيرموت ويصغر الأول.

قال أهل اللغة: حضرموت: اسم لبلد باليمن، وهو أيضًا اسم لقبيلة، واختلف المتكلمون على الحديث وألفاظ المهذب في المراد بحضرموت في هذا الحديث، فقيل: البلدة، وقيل: القبيلة، وهو الأظهر.

الحطيم: زاده الله تعالى فضلاً وشرفًا، وهذا الموضع المشهور بالمسجد الحرام بقرب الكعبة الكريمة، روى الأزرقي في كتاب مكة عن ابن جريج، قال الحطيم: ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم والحجر سمي حطيمًا؛ لأن الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا، والدعاء فيه مستجاب، قال: وقل: من حلف هناك آثما إلا عجلت عقوبته. وروى أشياء كثيرة في ناس كثيرين عجلت عقوباتهم باليمين الكاذبة فيه، وبالدعاء عليهم لظلمهم.

حفر أبي موسى: مذكور في حد جزيرة العرب في باب عقد الذمة من المهذب هو بفتح الحاء والفاء وبالراء، هو منسوب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وهو من البصرة على ست مراحل، سمي حفر أبي موسى؛ لأن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه لما أقبل إلى البصرة أخذ عل فلج، حتى نزل بالحفر فعطش الناس فأمر ببئر فحفرت فأنبطت عذبة. فقيل: حفر أبي موسى وهو بمعنى المحفور. كما قال: خيط أي مخيوط، وهدم بمعنى مهدوم، ويسمى التراب أيضًا حفرا بمعنى محفور كما ذكرنا.

ص: 85