الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
(صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليما. الحمد لله وحدَه حقّ حمده.
وله رحمه الله تعالى:)
(1)
فصل
في شمول النصوص للأحكام وموافقة ذلك للقياس الصحيح
قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)
(2)
، وقال:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)
(3)
. فأخبر أنه أَنزلِ مع رسوله الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسط. وقوله: (وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ) دليل على أن الميزان مما جاءت به الرسل، كما ذكر أنه أنزل الكتاب والحكمة، وأنه أوحى القرآن والإيمانَ في قوله:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا)
(4)
.
(1)
كذا في بداية النسختين س، ع. ثم "فصل قال في شمول
…
".
(2)
سورة الشورى: 17.
(3)
سورة الحديد: 25.
(4)
سورة الشورى: 52.
وفي الصحيحين
(1)
عن حذيفة قال: حدَّثنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
حديثين، قد رأيتُ أحدَهما، وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا أن الأمانةَ تنزل في جذْرِ قلوب الرجال، ثم نزل القرآنُ، فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة. ثم حدَّثنا عن رفع الأمانة، قال:"ينامُ الرجلُ النَّومةَ، فتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبه، فيَظَلُّ أثرُها مثلَ الوَكْتِ، ثم ينام النَّومةَ، فتُقْبَضُ الأمانةُ من قلبه، فيَظَلُّ أثرُها مثلَ المَجْلِ، كجَمْرٍ دَحْرَجْتَه على رجلِك، فنَفِطَ، فتَراه مُنْتَبِرًا وليس فيه شيءٌ"
…
الحديثَ
(2)
.
والجذر: الأصل، والأمانة: الإيمان. فأخبر أن الله سبحانه أنزل الإيمان في أصل قلوب الرجال، وقد قال تعالى:(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)(الْأَمْثَالَ (17)) إلى قوله (الْأَمْثَالَ (17))
(3)
.
وفي الصحيحين
(4)
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَثَلُ ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل غَيثٍ أصابَ
(5)
أرضًا،
(1)
ع: "الصحيح". والحديث أخرجه البخاري (6497، 7086) ومسلم (143). وفي النسختين تحريف كثير في الحديث لم أشر إليه.
(2)
فسر البخاري غريبَ الحديث نقلاً عن أبي عبيد قال: قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: الجذر: الأصل من كل شيء، والوكت: أثر الشيء اليسير منه، والمجل: أثر العمل في الكفّ إذا غلظ. وانظر "فتح الباري" (11/
333، 334).
(3)
سورة الرعد: 17.
(4)
البخاري (79) ومسلم (2282).
(5)
ع: "أصابت".
فكانت منها طائفة قَبلَتِ الماء فأنبتتِ الكَلأَ والعُشْبَ الكثيرَ؛ وكانت منها طائفة أَمْسًكتِ الماءَ، فشَرِبتِ الناسُ وسَقَوْا وزَرَعُوا؛ وكانت منها طائفة إنّما هي قِيْعَان، لا تُمسِكُ ماءً
(1)
، ولا تُنبِتُ كَلأً. فذلك مَثَلُ مَن فَقُهَ في ديِن الله، ونفعَه ما بَعثَني اللهُ به من الهدى والعلم، ومَثَلُ مَن لم يَرْفع بذلك رأسًا، ولم يَقْبَل هُدى الله الذي أُرسِلْتُ به ".
فضربَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث مثلَ ما جاءَ به بالماء الذي يَنزِلُ على الأرض، وشَبَّه القلوبَ بالأرض، والهدى والعلم الذي أنزله الله تعالى بالماء الذي نزل على الأرض، وجعلَ الناسَ ثلاثة أقسام: قسمًا سمعوا وفقهوا وعلموا، وقسمًا حفظوه وبَلَّغُوا غيرَهم فانتفعوا به، وقسمًا لا هذا ولا هذا.
هذا المثل يُطابق المثلَ الذي في القرآن
(2)
، حيثُ شبَّه الله القلوبَ بالأودية التيَ منها كِبار تَسَعُ ماءً كثيرًا، وصغار لا تَسَعُ إلاّ ماءً قليلا، كما أن القلوبَ منها ما
(3)
تَسَعُ علمًا عظيمًا، ومنها ما لا تَسَعُ إلاّ دُونَ ذلك، وأن الماءَ بمخالطة الأرض يحتمل زبداً رابيًا لا
(1)
ع: "الماء".
(2)
في الآية التي سبق ذكرها، وهي قوله تعالى:(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)) [سورة الرعد:17]. (وانظر "مجموع الفتاوى" (10/ 766).
(3)
"ما، ساقطة من ع.
ينفع، كذلك العلم الذي نزل على القلوب يحتمل من الشهوات والشبهات بسبب مخالطته الأنفس ما يكون كالزبد الذي لا ينفع. وبين أن الزَّبَد الذي يذهبُ جُفَاء فيخفى، وما ينفع الناسَ يمكث في الأرض، كذلك العلم في القلوب ما ينفع الناس.
وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَضرِبُ اللهُ اَلأَمثَالَ (17))، فأخبر أن هذا مثلٌ مضروب. وقال تعالى:(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا)
(1)
. وقال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)
(2)
.
فبين أنه يُلْهِم المؤمنين
(3)
الإيمان وما ينفعهم، وذلك إيحاء إليهم وإن لم يكونوا أنبياء.
. وفي الصحيحين
(4)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فعمر".
وفي المسند والترمذي
(5)
حديث النّواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ضَربَ الله مثلَا صراطاً مستقيمَاً، وعلى جَنْبَتَي الصراط
(1)
سورة المائدة: 111.
(2)
سورة القصص: 7.
(3)
في النسختين: "أنهم يلهم كذا المؤمنين"، وهو خطأ.
(4)
البخاري (3469، 3689) عن أبي هريرة، ومسلم (2398) عن عائشة.
(5)
أخرجه أحمد في "المسند"(4/ 182، 183) والترمذي (2859) وقال: حديث غريب. وأخرجه الحاكم في "المستدرك"(1/ 73) وقال: صحيح على شرط مسلم. وصححه الألباني في تعليقه على "المشكاة"(1/ 73). وفي النسختين تحريف كثير في الحديث لم أشر إليه.
سُوْرَان فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرْخَاة/ [161/أ]، وعلى رأس الصراطِ داع يدعو، يقول: يَا أيها الناس! ادخلوا الصراطَ جميعًا ولا تخرجًوا، وداع يدعو من جَوْفِ الصّراطِ، فإذا أراد أحدٌ أن يَفتَح شيئًا من تلك الأبواب قال: وَيْحَكَ لا تَفْتَحْه، [فإنك إن تفتحه]
(1)
تَلِجْه ". وفي رواية
(2)
: "فلا يقع أحدٌ في حدود الله حتى يكشف الستْرَ". قال: والصراط: الإسلام، والسوْرَانِ: حدود الله تعالى، والأبواب المفتَحة: محارم الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي في جوف الصراط: وَاعِظُ الله في قلبِ كلِّ مسلم".
فبيَّن أن في قلب كل مؤمنٍ واعظًا يَعِظُه، والوعظ هو الأمر والنهي، ترغيبٌ وترهيب
(3)
، قال تعالى:(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ)[أي يؤمرون به]
(4)
(لكان خيراً لهم)
(5)
. وقال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17))
(6)
أي ينهاهم، وذلك يُسمَّى إلهامًا ووحيًا.
وأخبر أنه أنزل الكتاب والميزان، وقد قال كثير من السلف:
(1)
ما بين المعكوفتين زيادة من "المسند".
(2)
هي الرواية الثانية في "المسند"(4/ 183).
(3)
انظر نحو هذا الكلام في "مجموع الفتاوى"(20/ 45).
(4)
ما بين المعكوفتين ساقط من س.
(5)
سورة النساء: 66.
(6)
سورة النور: 17.
الميزان: العدل
(1)
، وقال بعضهم: الميزان اسم لما يُوزَن به، والمقصود به العدل، كما قال تعالى:(وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)
(2)
. فأخبر أن المقصود بإنزال ذلك أن يقوم الناس بالقسط. فدلّ ذلك على أنه أنزل في القلوب من الميزان ما يعلم [به]
(3)
القسط. ومن ذلك: الاعتبار، وهو اعتبار الشيء بنظيره، كما قال ابن عباس رضي الله عنه في دية الأصابع: هلاّ اعتبرتموها بدية الأسنان؟
(4)
يعني إذا كانت ديتها واحدةً مع اختلافِ منافعها، فكذلك الأصابع ديتها واحدة مع اختلاف منافعها، كما أن النفوس مختلفة الفضائل مع
(5)
أن ديتَها واحدة، إذْ
(6)
كان جَعْل
(7)
الديات المقررة بالشرع مختلفةً باختلاف التلف أمرًا
(8)
لا يقدر البشر على معرفته وضبطه، وما عجزوا عن العلم به سقطَ عنهم الأمر به، كما يسقط فيما يعجزون عن العمل به.
(1)
انظر "تفسير القرطبي"(17/ 260) و"تفسير ابن كثير"(4/ 337) وغيرهما. وتكلم عليه المؤلف في "مجموع الفتاوى"(12/ 249، 35/ 366).
(2)
سورة الحديد: 25.
(3)
ساقطة من النسختين.
(4)
أخرجه مالك في "الموطأ"(2/ 862) ومن طريقه البيهقي في "السنن الكبرى"(8/ 90). وانظر "فتح الباري"(12/ 226).
(5)
س: "من "تحريف.
(6)
س: "إذا".
(7)
س: "عقل".
(8)
ع: "أمر".