الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأفعالِه وأقوالِه وحدوثِ العالم مناظرةً فاسدةً، تنبني
(1)
على مقدِّماتٍ مخالفةٍ للشرع والعقل، وهم يَظُنون أنهم يوافقون الشرعَ والعقلَ، ف
لا للإسلام نَصَرُوا ولا للأعداء كَسَرُوا
(2)
، وصار ما ابتدعوه في أصول الدين سببًا لضلال طوائفَ ممن وافقَهم وممّن خالفَهم، فإنّ المخالفَ لهم من الفلاسفةِ استطال بما ابتدعوه عليهم وعلى المسلمين، وظَنَّ أنّ ما قالوه هو الذي يقوله المسلمون، وصارت الكتبُ المصنفةُ في الكلام إنما يُذكرَ فيها قولُهم وقول الفلاسفة، ويُجعَل قولُهم هو قول المسلمين، لم يأتِ فيه كتاب ولا سنةٌ، ولا قاله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أئمة المسلمين.
ولهذا عَظُمَتِ الفتنةُ بالكتب
(3)
المصنَّفةِ في الكلام والفلسفة، حتى آل الأمرُ بالأفاضلِ من أهلها
(4)
إلى الحيرة والشك
(5)
، إذْ
(6)
كان فيها من الأمور الإلهية مما يخالف المعقول الصريحَ والمنقول الصحيحَ ما يُوجبُ الحيرةَ والشك لمن لم يَعرِف الهدى إلاّ منها، كما أصاب ذلكَ كثيرًا من رؤساءِ النظار في الكلام المحدَثِ
(1)
ع: "منهما" بدل "تنبني".
(2)
س: "به كسروا". والمؤلف يستخدم هذا الأسلوب كثيرًا، انظر "مجموع الفتاوى"(5/ 33، 544، 13/ 157).
(3)
ع: "في الكتب".
(4)
ع: "من الخلف".
(5)
انظر "مجموع الفتاوى"(4/ 72 - 73، 5/ 10 - 11) و"درء تعارض العقل والنقل"(1/ 159 - 160).
(6)
س: "إذا".
والفلسفةِ، حتى دخل من ذلك في كلام الفقهاء وأهلِ أصول الفقه ما دخل، فتجدُ الواحدَ منهم إذا بحثَ في الفقه بحثَ فيه
(1)
بفطرتِه وإسلامه، مُعلِّلاً للأحكام بالعِلَلِ المناسبة، ذاكرًا أنّ اللهَ أَمَرَ بكذا لكذا، وخلقَ كذا لكذا، وفي موضع آخر يُنكِرُ هذا ويقول: لا يخلق ولا يأمر لِعِلةِ، واللام في ذلك لامُ العاقبة لا لامُ كَيْ.
فهذا قولُ من أثبت القياسَ من نُفاةِ الحكمةِ والتعليلِ في خَلْقِه وأمرِه.
وأما من نَفَى القياسَ فقولُه أشبهُ بهذا الأصلِ، فإنه إذا لم يأمر لحِكمةِ
(2)
فلا معنى لتعليلِ أمرِه ونهيِه، لكن مُثبتةَ القياس من هؤلاء قالوا: إن الحكمةَ اقترنتْ
(3)
بالأمر وإن لم يأمر لها، وقالوا في الأمر كما قالوا في الخلق، فقالوا: كما جرتْ عادةُ الله تعالى في خلقِه، فَخَلَقَ الشِّبَع عَقِبَ الأكل، والرِّيَّ عَقِبَ الشُّرب، والاحتراقَ عقبَ الإحراقِ، ونحو ذلك، وإن لم يكن خَلَقَ هذا لهَذا ولا لهذا، ولا جعلَ سبحانَه أحدَ هذين علَّةً للآخر عندهم.
قالوا: فهكذا أمرُه، أمَرَ بقطِع السارق، لا لأجل حفظ الأموال، بل إذا قُطِعَ السارقُ حُفِظتَ الأموالُ، فاقترن هذا بهذا عادةَ، وإن لم يأمر بهذا لأجل هذا. فالمصلحة عندهم توجد عند
(1)
س: "في".
(2)
س:"بحكمة".
(3)
س: "اقتربت".
هذه الأسباب، لأنها والأفعال تَقتَرِنُ بها المصلحةُ عادةً، وإن لم تكن أسبابَا وعِلَلَا لها عندهم.
. فهذا قولهم، وهو
(1)
موجود في أقوال كثيرٍ
(2)
من المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد بن حنبل ومالك بن أنس والشافعي وغيرهم، وهي أقوال مُبتَدعة مخالِفة لنصوص الأئمة وأصولهم، ولنصوص الكتاب والسنة، وإجماعِ السلف، والعقلِ الصريح، كما قد بُسِط
(3)
في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن نفاةَ القياسِ لمّا سدوا على أنفسهم بابَ التمثيل والتعليل -وهو من الميزان والقسط الذي أنزل الله سبحانه- احتاجوا في معرفة الأحكام إلى مجرد الظواهر، [و]
(4)
صاروا معتصمين
(5)
بالظاهر والاستصحاب، فحيثُ فهموا
(6)
من النصّ حكمًا أثبتوه، وحيثُ لم يفهموه نَفَوه، وأثبتوا الأمرَ على موجب الاستصحاب. وهم وإن أحسنوا في كونهم قالوا: إن النصوص تَفِيْ بجميع الحوادث، وإن الله ورسوله بين الأحكام، وأكملَ الدين، وأغنى الناسَ عما سوى الكتاب والسنة، وأحسنوا في ردِّهم ما
(1)
ع: "وهذا".
(2)
س: "كثيرة".
(3)
ع: "قد بيناه".
(4)
زيادة على النسختين ليستقيم السياق.
(5)
ع: "متصرفين".
(6)
ع: "لم يثبتوه".