الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشريعة ، والغَزْو وهو النصرة ، والطاعة وهي العصمة ، والجماعة وهي الأُلفة ، والأمر بالمعروف وهو الوفاء ، والنهي عن المنكر وهو الحجة ، فأتمهن ، وقام بهن ، ووفَّى بهن ، فقال الله تعالى له:{إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: من الآية 124](1).
الكلام على تفضيل هذه الأشياء وأنَّ ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم منها مثلُها أو ما يوازيها على أتم مما أوتيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأكمل وأفضل
فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: {التَّائِبُونَ} [التوبة: من الآية 112] فقد أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم بل وكثير من أمَّته ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال:«استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» (2) ، وفي أمّته من يفعل ذلك وقريباً منه كثير ، وقوله:{الْعَابِدُونَ} [التوبة: من الآية 112] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لاتطاق ، فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه (3) ، ويصوم حتى يُقال لا يفطر ، وكنت لاتشاء أن تراه من الليل قائماً إلا رأيته (4) ، وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم
يقوم (5) وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة ، وكثير من أمَّته كان يُحيي
(1) انظر الأقوال في تأويل الآية: الكشف والبيان (1/ 268 - 269) ، للثعلبي.
(2)
أخرجه مسلم ، كتاب العلم ، باب استحاب الاستغفار والاستكثار منه ، بلفظ:«يا أيها الناس توبوا إلى الله ، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة» ، ح 2703.
(3)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 348.
(4)
أخرج البخاري في صحيحه (2/ 52) ، كتاب التهجد ، باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل من نومه وما نُسخ من قيام الليل ، ح 1141 ، عن أنس رضي الله عنه قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه ، ويصوم حتى نظن أن لا يُفطر منه شيئاً ، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصليّاً إلا رأيته ، ولا نائماً إلا رأيته".
(5)
قال الإمام ابن عبدالبر معلقاً على قول عائشة رضي الله عنها: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً قالت عائشة فقلت يا رسول الله أتنام قبل أن توتر فقال يا عائشة: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» "، قال ابن عبدالبر:"وأما قولها في هذا الحديث أتنام قبل أن توتر فإنه لا يوجد إلا في هذا الإسناد ففيه تقديم وتأخير لأنه في هذا الحديث بعد ذكر الوتر ، ومعناه أنه كان ينام قبل أن يصلي الثلاث التي ذكرت ، وهذا يدل على أنه كان يقوم ثم ينام ثم يقوم فينام ثم يقوم فيوتر ، ولهذا ما جاء في هذا الحديث أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً أظن ذلك والله أعلم من أجل أنه كان ينام بينهن فقالت أربعاً ثم أربعاً يعني بعد نوم ثم ثلاث بعد نوم ولهذا ما قالت له أتنام قبل أن توتر". التمهيد (21/ 72).
الليل ويصوم النهار ، وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل (1) فنهاهم عن ذلك (2) ، وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفاً عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه (3) ، وكان كثيراً ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتاً دون وقتٍ خوفاً أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم ، وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر ، وقوله:{الْحَامِدُونَ} [التوبة: من الآية 112] فقد كان محمد صلى الله عليه وسلم أعظم النَّاس [ق 11/ظ] حمداً لربِّه سبحانه ، وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة
بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين ، يقول الله: حمدني عبدي
…
» (الحديث)(4)(5) ، فجعل الله
(1) التبتل: الانقطاع عن النساء وترك النكاح. النهاية في غريب الأثر (1/ 228).
(2)
أخرج مسلم في صحيحه (2/ 1020) ، كتاب النكاح ، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم ، ح 1401 ، عن أنس رضي الله عنه: "أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم: لا آكل اللحم ، وقال بعضهم: لا أنام على فراش ، فحمد الله وأثنى عليه ، فقال:«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكنى أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .
(3)
أخرج البخاري في صحيحه (3/ 29) ، كتاب الصوم ، باب بركة السحور من غير إيجاب ، ح 1922: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل ، فواصل الناس ، فشق عليهم فناهم ، قالوا: إنك تواصل ، قال:«لست كهيئتكم إني أظل أطعم وأسقى» ؛ وأخرجه مسلم (2/ 774) ، بنحوه في كتاب الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم ، ح 1102.
(4)
لفظ "الحديث" ليس في ب.
(5)
أخرجه مسلم (1/ 296) ، كتاب الصلاة ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وإنه إذا لم يُحسن الفاتحة ولا أمكنه تعلمها قرأ ما تيسر له من غيرها ، ح 395 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] قال الله تعالى: حمدني عبدي
…
» الحديث؛ وأخرجه النسائي في السنن الصغرى (2/ 135) ، كتاب الافتتاح ، باب ترك قراءة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] في فاتحة الكتاب ، ح 909 ، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة ، الطبعة الثانية 1406 ، مكتبة المطبوعات الإسلامية ، حلب ، بلفظ:«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل» قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقراءوا يقول العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، يقول الله عز وجل: حمدني عبدي
…
» الحديث؛ وأخرجه أبو داود (1/ 261) ، بلفظ النسائي في كتاب الصلاة ، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب ، ح 861؛ وأخرجه الترمذي (5/ 201) ، بنحوه في أبواب تفسير القرآن ، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب ، ح 2953؛ وأخرجه ابن ماجه ، بنحوه في كتاب الأدب ، باب ثواب القرآن ، ح 3784.
هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمداً لله تعالى ، هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر ، ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم "الحمَّادون رُعاة الشمس"(1) يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة (2) زوال
الشمس وتحلّقها (3) وغروبها وغير ذلك ، فمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأمَّته الحمَّادون الله (4) على كل حال وفي كل نعمة ، وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد (5) (6)؛ وقوله:
(1) روى البغوي بسنده في تفسيره -معالم التنزيل- (3/ 279)، تحقيق: محمد النمر وعثمان ضميرية وسليمان الحرش ، الطبعة الرابعة 1417 ، دار طيبة ، عن كعب الأحبار "أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد
…
"؛ وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/ 385).
(2)
كذا في أونسخة بهامش ب. وفي ب "لمُرعاة".
(3)
في هامش ب "التحلُّق: استواء الشمس في الفلك".
(4)
في نسخة بهامش ب "لله" بالجر.
(5)
النجد: ما ارتفع من الأرض. النهاية (5/ 47).
(6)
روى البغوي بسنده في تفسيره (3/ 289)، عن كعب رضي الله عنه قال: "إني أجد في التوراة مكتوباً محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد
…
".
{السَّائِحُونَ} [التوبة: من الآية 112] يعني «الصّائمين» (1) رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم (2)، وقال سعيد بن جُبَيْر: هم الصائمون ألم تر أنّ الله تعالى إذاً ماذكر الصائمين (3)، وقال الحسن:{السَّائِحُونَ} [التوبة: من الآية 112] الصائمون عن الحلال الممسكون عن الحرام ، وقال عطاء:{السَّائِحُونَ} [التوبة: من الآية 112] الغُزَاةُ والمجتهدون ، وقال عُمَر بن نافع: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: {السَّائِحُونَ} [التوبة: من الآية 112] فقال: هم طلبة العلم (4) ، وقد أوتي محمَّد صلى الله عليه وسلم وأمَّته من هذا النصيب الأوفى فقد ذكرنا أنه كان يصوم حتى يُقال لايُفطر ، وقال بعض أصحابه وأراد التّبتل للعبادة: أما أنا فأصوم لا أُفْطر وهو عبدالله بن عمرو بن العاص وفعل ذلك مدَّة حتى نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك شفقةً عليه (5)، وأمّا كون السياحة الجهاد فقد باشر النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد بنفْسه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه وكان يَحْمل على الكَتيبَةِ ويقول:«أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب» (6) فيُوَلّي الكفارُ الأدبارَ ، وقد جاهد في الله تعالى حق جهاده ، وفي الصحيح أنَّ البراء قال: كنا والله
(1) في ب "الصائمون".
(2)
روي مرفوعاً وموقوفاً ، والموقوف أصح. انظر: تفسير ابن كثير (4/ 220).
(3)
قال سعيد بن جبير: "هم الصائمون ألم تر أن الله عز وجل إذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين ، وإذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين". تفسير الثعلبي (5/ 98).
(4)
انظر الأقوال في تأويل الآية: تفسير الثعلبي (5/ 98).
(5)
أخرج البخاري في صحيحه (8/ 31) ، كتاب الأدب ، باب حق الضيف ، ح 6134 ، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: "دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار» قلت: بلى ، قال: «فلا تفعل ، قم ونم ، وصم وأفطر ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزورك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً
…
» الحديث.
(6)
أخرجه البخاري (4/ 30) ، كتاب الجهاد والسير ، باب من قاد دابة غيره في الحرب ، ح 2864؛ وأخرجه مسلم (3/ 1401) ، كتاب الجهاد والسير ، باب في غزوة حنين ، ح 1776.
إذا احمرَّ البأس نتَّقي به وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به يعني [ق 12/و] النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، وكان من أُمَّته من إذا لقي العدو كسَر جَفْن سيفه (2)(3) وحمل عليهم (4)، ومنهم من كان في يده تمرات فلمَّا التقى الجمعان قال: لئن عشتُ حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة فألقى التمرات وقاتل حتّى قُتل (5) ومن هذا الجنس في أمّة محمد صلى الله عليه وسلم قديماً وحديثاً كثيرٌ معروف مشهور ، وأمَّا كون السِّياحة طلب العلم فإنَّ محمَّداً صلى الله عليه وسلم كان في بَدْء أمره يتزوَّد ويخرج إلى جبل حراء يتوقع نزولَ الوحي وتعلُّم العلم من الملَك ، ولم يُنقَل عن أحد من الأمم في كثرة طلب العلم ما في أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم حتى إنَّ أحدهم يرحل مسيرة الشهر في طلب الحديث الواحد ، ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده ، وقوله:{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ} [التوبة: من الآية 112]: يعني
(1) أخرجه مسلم (3/ 1401) ، كتاب الجهاد والسير ، باب في غزوة حنين ، ح 1776.
(2)
جفن السيف: غمده. لسان العرب (13/ 89).
(3)
في هامش ب "جفن السيف: غمده ، أي يقع الكسر في آلات حربه من غاية شجاعته كقوله: بهن فلول من قراع الكتائب".
(4)
أخرج مسلم في صحيحه (3/ 1511) ، كتاب الإمارة ، باب ثبوت الجنة للشهيد ، ح 1902 ، من طريق أبي بكر بن عبدالله بن قيس عن أبيه ، قال سمعت أبي ، وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» ، فقام رجل رث الهيئة ، فقال: يا أبا موسى ، آنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم ، قال فرجع إلى أصحابه ، فقال: أقرأ عليكم السلام ، ثم كسر جفن سيفه فألقاه ، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل".
(5)
وهو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي ، قال ابن الأثير في ترجمته: "قتل ببدر وهو أول قتيل من الأنصار في الإسلام في حرب
…
قال ابن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا دخل الجنة» ، وكان عمير واقفاً في الصف بيده تمرات يأكلهن فسمع ذلك فقال: بخ بخ ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء وألقى التمرات من يده وأخذ السيف فقاتل القوم وهو يقول:
ركضاً إلى الله بغير زاد
…
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
…
إن التقى من أعظم السداد
وخير ما قاد إلى الرشاد
…
وكل حي فإلى نفاد
ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل ، قتله خالد بن الأعلم". أسد الغابة (4/ 278 - 279).
المصلين ، وقد ذكرنا (1) أن محمداً صلى الله عليه وسلم صلَّى حتى تفطَّرت قدماه ، وأمَّتُه الموصوفون في التوراة بأنهم رُعاة الشمس يُوضِّؤون أطرافهم ويسجدون على جباههم وأن الأرض كلها لهم مسجد وترابها طَهُور ، فليس في الأمم أعظم صلاة منهم كما هو وصفهم في التوراة أنهم يصفّون في صلاتهم صفوف الملائكة وأصواتهم في مساجدهم كَدوي النحل (2) ، وأن موسى عليه السلام قد كان أراد بني إسرائيل على أقلّ من خمس صلوات فلم يقدروا ولم يفعلوا كما في حديث الإسراء ، وفي أمّة محمد صلى الله عليه وسلم مَن يُصلي الخمس ثم يصلي من النوافل أضعافها ، فصلاة محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته على أتمّ الوجوه وأكمل الأحوال؛ وقوله:{الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: من الآية 112] وكان لمحمد صلى الله عليه وسلم من ذلك النصيب الأوفى والحظ الأسنى كما أوحى الله تعالى إليه في شأن أهل الكتاب أنه صلى الله عليه وسلم {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: من الآية 157] فأخبر سبحانه وتعالى أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل بهذه الصفات وكذلك صفة [ق 12/ظ] أمته في التوراة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (3)، وقوله:{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: من الآية 112] قال ابن عباس رضي الله عنهما: القائمون على طاعة الله (4)، وهذا من خواص ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم أنّ دينه لا يزال قائماً حتى تقوم الساعة كما في الصحيح: «لا تزال
(1) في ب "ذكر".
(2)
أخرج الدارمي في سننه (1/ 158) ، كتاب دلائل النبوة ، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب قبل مبعثه ، ح 7 ، تحقيق: حسن سليم ، الطبعة الأولى 1412 ، دار المغني ، عن كعب رضي الله عنه قال:"محمد رسول الله أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء يحمدون الله في كل منزله ، ويكبرون على كل شرف ، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، ويأتزرون على أوساطهم ، ويوضؤن أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جو السماء كصوت النحل".
(3)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 356.
(4)
تفسير الثعلبي (5/ 98).
طائفة من أمتي يدعون إلى الحقّ لايضرهم مَن خذلهم ولا مَن خالفهم حتى تقوم الساعة» (1)، وقال الحسن: الحافظون لحدود الله هم أهل الوفاء ببيعته (2) كما قال له بعض أصحابه حين ندبهم إلى الجهاد: والله لانقول لك كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون ، واللهِ لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادَها إلى بَرك الغِماد لفعلنا (3). ولما نودي في أصحابه يوم هوازن حين ولّوا لما رَمَوهم بالنّبل نادى العباس: يا أصحاب السَمُرة يا أصحاب سورة البقرة فذكّرهم عقد البيعة التي بايعوا بها محمّداً صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة عَطَفوا عطفة (4) البقر على أولادها يقولون
: يالبيّك يالبيّك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«الآن حين حمي الوطيس» (5) وأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172]؛ وأما تفصيل العشر التي في الأحزاب وأن محمّداً صلى الله عليه وسلم أوتيها على أكمل الأحوال وأتمّ الأفعال فقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
…
} الآية
(1) أخرج البخاري في صحيحه (4/ 207) ، كتاب المناقب ، ح 3641 ، بلفظ:«لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ، ولا من خالفهم ، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» ؛ وأخرج مسلم في صحيحه (3/ 1524) ، كتاب الإمارة ، باب قوله صلى الله عليه وسلم:«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ، ح 1037 ، بلفظ:«لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم ، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» .
(2)
تفسير الثعلبي (5/ 98 - 99).
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 105) ح 12045 ، من طريق أنس رضي الله عنه ، بلفظ:"لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر خرج فاستشار الناس ، فأشار عليه أبو بكر ، ثم استشارهم ، فأشار عليه عمر ، فسكت ، فقال رجل من الأنصار: إنما يريدكم ، فقالوا: يا رسول الله ، والله لا نكون كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههانا قاعدون ، ولكن والله لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد لكنا معك".
قال ابن كثير: "وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح". البداية والنهاية (3/ 321).
(4)
عطف عطفاً وعطوفاً: مال وانحنى. المعجم الوسيط (2/ 608).
(5)
أخرجه مسلم (3/ 1398) ، كتاب الجهاد والسير ، باب في غزو حنين ، ح 1775 ، بلفظ:«هذا حين حمي الوطيس» .
[الأحزاب: 35] فقد روي أن مقاتل بن حَيَّان قال: بلَغني أنّ أسماء بنت عُمَيس رضي الله عنها رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما (1) فدخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت (2): هل نزل فينا شئ من القرآن ، قلن: لا ، فأتَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خَيبةٍ وخسارٍ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ومِمَّ ذاك» ، قالت: لأنهنّ لا يُذكَرْن [ق 13/و] بخير كما يُذكَر الرجال فأنزل الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35](3) ولا ريب أنّ هذه الأمور كانت من محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل الأحوال وفي كثير من أمّته كانت وتكون على الأحوال الكاملة ، وقد قال عطاء بن أبي رباح رحمة الله عليه: من فوَّض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن أقرّ بأنَّ الله ربّه وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسوله ولم يخالف قلبُه لسانَه فهو داخل في قوله:{وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن أطاع الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم في السنَّة فهو داخل في قوله:{وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن صان لسانه عن الكذب فهو داخل في قوله:{وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن صَلَّى فلم يَعرفْ مَن عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله:{وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ}
(1) في هامش أ "أي عن الزوج والزوجة" -الترضي-.
(2)
في ب "فقال" ، وهو تصحيف.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي (8/ 45).
[الأحزاب: من الآية 35]، ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرَّزيئة (1) (2) فهو داخل في قوله:{وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن تصدَّق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله تعالى:{وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن صام في كل شهر أيام البيض: ثالث عشر ورابع عشر وخامس عشر فهو داخل في قوله: {وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن حفظ فرجَه عمّا لا يحل له فهو داخل في قوله:{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب: من الآية 35]، ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله:{وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: من الآية 35](3) ، فمحمَّد صلى الله عليه وسلم في الإسلام جبل راسخ ، وفي الإيمان عَلَم شامخ ، وفي القنوت بحر طافح ، وفي الصدق [ق 13/ظ] سحاب سافح (4) ، وفي الخشوع إمام ، وفي الصبر على الطاعة هُمام ، وكان أبعد الناس عن المعصية ، وأصبرهم على المَرْزِية ، وكان أعظم الخلق بالصّدقة إيثاراً ، وفي الهَواجر (5)
على مواظبة الصوم اصطباراً ، وكان صلى الله عليه وسلم أمْلَكَ الخلق لإربه في الحلال فكيف عن الحرام ، وأشد الناس مُثابرة على الصلوات والناس نيام ، وكم في أمّته من قُطْبٍ (6) استنَّ بسنّته ، وكم فيهم من
(1) في ب "الرزيّة" بالتسهيل وكلاهما صحيح ، فقد جاء في المعجم الوسيط:"الرزيئة ويقال الرزية بالتسهيل". المعجم الوسيط ، إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبدالقادر ومحمد النجار ، تحقيق: مجمع اللغة العربية ، دار الدعوة؛ وفي نسخة بهامش ب "الذريئة".
(2)
الرزيئة بالمد والرزية: المصيبة. مختار الصحاح ص 267.
(3)
انظر: تفسير الثعلبي (8/ 46).
(4)
سافح: اسم لـ (سفح)، وقال ابن فارس:" السين والفاء والحاء أصل واحد يدل على إِراقة شيء ، يقال سفح الدم إذا صبَّه" معجم مقاييس اللغة (3/ 61).
(5)
الهواجر: شدة الحر. لسان العرب (5/ 250).
(6)
القطب: كل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطناً أو ظاهراً ، فهو قطب ذلك الأمر ومداره ، سواءٌ كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته ، أمر دينها أو دنياها ، باطناً أو ظاهراً ، لكن الممدوح من ذلك من كان مداراً لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا ، وهي من الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة ، وليست موجودة في كتاب الله تعالى ، ولا هي أيضاً مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف. انظر: مجموع الفتاوى (11/ 433 ، 440).
وليٍّ سار بسيرته ، وليس ذلك لغير محمد صلى الله عليه وسلم (كما لَه ، وليس لواحد من الأمم مثل ما)(1) ولأمّته (2) ، ولا اجتمع في أهل ملل غير أهل ملّته.
…
فقد مضى ذكر الإيمان والخشوع وهنا ذكر الخشوع في الصلاة فإنّه أوكَدُ منه في غير الصلاة واللغو القبيح من القول وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إني لم أُبْعَثْ لعَّاناً ولا فحَّاشاً ولا سخَّاباً في الأسواق» (3)، وقوله:{لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: من الآية 4] ولم يكن صلى الله عليه وسلم صاحبَ مال ، وعُرضت عليه صلى الله عليه وسلم كنوز الأرض فأباها (4) ولم يكن فقره كفقر غيره من الناس الذين يأكلون الصدقات فإن الصدقة محرّمة
عليه وعلى ذريّته وبَني عمّه إلى يوم القيامة ، [ففقره أعلى درجة من درجة الملوك](5) ، وهذه المرتبة أكمل من مرتبة صاحب مالٍ يُسأل من أين اكتسبه وفيما أنفقه (6) ، وفي أمّة محمد
(1) ما بين القوسين ليس في ب.
(2)
في ب "وأمته" بدون اللام ، وهو تصحيف.
(3)
أخرجه مسلم (4/ 2006) ، كتاب البر والصلة والآداب ، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ، ح 2599 ، بلفظ:«إني لم أبعث لعاناً ، وإنما بعثت رحمة» .
(4)
أخرج الإمام أحمد في مسنده (12/ 76) ح 7160 ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنظر إلى السماء ، فإذا ملك ينزل ، فقال جبريل ، إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة ، فلما نزل قال: يا محمد أرسلني إليك ربم ، أفملكاً نبياً يجعلك ، أو عبداً رسولاً ، قال جبريل: تواضع لربك يا محمد ، قال:«بل عبداً رسولاً» .
(5)
الزيادة من نسخة في ب ، وفي هامش أكذلك.
(6)
في أ "أخرجه" ، وما أثبته في ب ونسخة بهامش أوهي اللفظة الواردة في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي (4/ 612) ، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع ، باب في القيامة ، ح 2417.
- صلى الله عليه وسلم من أولياء الله الصّالحين مَن سُئل عن قدر الزكاة ماهو فقال للسائل: عندنا أو عندكم ، وكان السائل فقيهاً ، فقال السائل: وهل عندكم غير ماعندنا ، قال: نعم ، أنتم عندكم في كلّ مائتي درهم خمسة دراهم حقّ الله ، ونحن عندنا أنّ الكلّ حقّ الله (1) و [ق 14/و] لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (2) وكان صلى الله عليه وسلم لا (3) يدّخر شيئاً لغد ، وكان يعطي عطاء من لايخشى الفاقة.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5] فقد تقدم شرف النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام ، وأنه كان أملك الخلق لإربه ، وفي أمّته عجائب في حفظ الفروج ومجانبة الزّنا كما يروى عن مَن حُصِر في بيت وأُغلق عليه ودُعي إلى الفاحشة فمنهم من ألقى نفسه من أعالي البيت فسَلِم ، ومنهم من دخل الخلاء وتلطَّخ بالعَذرة وخرج في زيّ مجنون ، وأمثال هذه الأمور كما سيأتي في قصّة يوسف عليه الصلاة والسلام ، كل ذلك حفظاً للفروج وخوفاً من الله تعالى عن تعدِّي حدوده (4) واللائمة يوم القيامة ، وتقدّم الكلام في مراعاة العهود والوفاء بها والمحافظة على القيام بها.
وأما المحافظة على الصلوات فكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم من المحافظة عليها في أوقاتها من الغاية ، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطأ ليلة فلم يخرج إليهم حتى ذهب ما شاء الله من الليل فقالوا: أبطأت عنّا يا رسول الله ، فقال:«أبشروا فإنه ليس أحد ينتظر الصلاة غيركم» (5) ولم يكن يومئذ يُصلَّى بغير المدينة ، ولهم اختصاص الانتظار للصلاة
(1) نسبها بعضهم إلى أن السائل: هو الإمام أحمد بن حنبل ، والمسؤول: هو بشر الحافي؛ وعلق الشيخ عبدالرحمن الوكيل على القصة بقوله: "تبرق عيون الصوفية بالسرور السكران -أي من جواب بشر الحافي-، وتميد أعطافهم من نشوة الخمر الصوفي! ! ، هؤلاء ينسون الإثم الكبير في قول الصوفي الحافي: "عندنا أم عندكم" فإنه نزغة من الأسطورة الصوفية التي تزعم: أن الدين شريعة وحقيقة". هذه هي الصوفية ص 153 ، لعبدالرحمن الوكيل ، الطبعة الرابعة 1984 م ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
(2)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 346.
(3)
في نسخة بهامش ب "لم".
(4)
في ب "حدود الله".
(5)
أخرجه البخاري (1/ 118) ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب النوم قبل العشاء لمن غلب ، ح 570؛ وأخرجه مسلم (1/ 442) ، في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب وقت العشاء وتأخيرها ، ح 639 ، من طريق عبدالله بن عمر رضي الله عنه ، بلفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شُغل عنها ليلةً ، فأخرها حتى رقدنا في المسجد ، ثم استيقظنا ، ثم رقدنا ، ثم استيقظنا ، ثم خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال:«ليس أحد من أهل الأرض ينتظر الصلاة غيركم» .
بعد الصلاة ، والمراعاة للجماعات والمشي إليها في الظلمات ، حتى إنّ في هذه الأمّة من ذُكِر أنه لم يفته صلاة في جماعة إلا مرّة فصلى سبعاً وعشرين صلاة لما بلغه أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة الواحد سبعاً وعشرين ضعفاً والحكاية معروفة (1) ، وفي إسباغ الوضوء في المكروهات والمشي إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلوات يَختصم الملأ الأعلى كما جاء في الحديث المشهور (2) ، فأولئك هم الوارثون
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ، وهذا الميراث إنما هو أنّ هذه الصلوات عرضت على من كان قبلهم فأضاعوها ، كما قال تعالى:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: من الآية 59] فأوْرَثَ الله هذه الأمّة [ق 14/ظ] مكانهم الذي وعدهم على حفظ الصلوات لو حفظوها والله تعالى أعلم؛ واستثنى الله تعالى في
(1) الحكاية تروى عن (عبيد الله بن عمر القواريري) -شيخ البخاري ومسلم- ، يقول القواريري:"لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة ، فنزل بي ضيف، فشغلت به ، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة ، فإذا الناس قد صلوا ، فقلت في نفسي: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ إحدى وعشرين درجة» ، وروي: «خمساً وعشرين درجة» وروي: «سبعاً وعشرين»، فانقلبت إلى منزلي، فصليت العتمة سبعاً وعشرين مرة، ثم رقدت فرأيتني مع قوم راكبي أفراس، وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم ، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا ، قال: فقلت: ولم؟ لأنا صلينا العتمة في جماعة". سير أعلام النبلاء (11/ 444) ، تهذيب الكمال (19/ 134) ، للإمام المزي ، تحقيق: د. بشار عواد معروف ، الطبعة الأولى 1400 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت؛ الوافي بالوفيات (19/ 262) ، تاريخ بغداد (12/ 25).
(2)
أخرجه الترمذي (5/ 366) ، أبواب تفسير القرآن ، باب ومن سورة ص ، ح 3235 ، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس ، فخرج سريعاً فثوب بالصلاة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجوز في صلاته ، فلما سلم دعا بصوته قال لنا:«على مصافِّكم كما أنتم» ثم انْفَتَلَ إلينا ثم فقال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة: أني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت ، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمد ، قلت: لبيك رب ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري -قالها ثلاثاً- ، قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثديي ، فتجلى لي كل شيء وعرفت ، فقال: يا محمد ، قلت: لبيك رب ، قال فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات ، قال: ما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الحسنات ، والجلوس في المساجد بعد الصلوات ، وإسباغ الوضوء حين المكروهات
…
» الحديث.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
سورة (سأل سائل) المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون ممّن ذمّهم بالهَلع والجزع ، وجعل الدائمين عليها المحافظين في جنّات مكرمين (1).
وأما العشرة التي ذكرها طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما من الفطرة التي أوتيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم وزيادة عليها ففعلها هو صلى الله عليه وسلم وأمَّته على الوجه الكامل والحال الفاضل.
وأما قول مجاهد بأنها قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: من الآية 124] فقد كانت إمامة محمد صلى الله عليه وسلم أظهر وتبع الخلق له على دينه أشهر.
وأما قول الحسن أنها سبعة أشياء الكوكب والقمر والشمس فقد ذكرنا (2) أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أوتي في صباه من الحفظ والإيقان والسلامة من أسباب الإشراك وإلهام التوفيق إلى الحق مافيه كفاية ، وكذلك ذكرنا صبره صلى الله عليه وسلم على القتل بنفسه والتّغْرير بها في طاعة الله تعالى ماهو أعظم من الصبر على فقد الولد وألم الختان وصبره في هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وبلواه كانت أعظم من صبر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في هجرته ، فإنه خرج مختفياً وقد بيَّته القوم كما ذكر الله عز وجل في كتابه ليقتلوه ، ولما علموا أنه قد خرج بعثوا في طلبه في جميع الطرق وبذلوا الأموال الكثيرة لمن يقتله أو يأتي به ، وقصته مع سُراقة في ذلك معروفة حتى قدم المدينة.
وأما قول أبي رَوْق أنها قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)
…
} [الشعراء: 78][الآيات](3) فإنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كان من هذه الأمور بالمنزلة التي لايصل إليها غيره وهي ظاهرة مِن سيرته صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا الكلام على قول بعضهم أنها ابتلاؤه (4) في ماله وولده ونفسه وقلبه وأنّ الله اتخذه لذلك خليلاً ، فمحمّد صلى الله عليه وسلم كان في هذه الأمور أكمل قدراً وأعظم أجْرًا فإن الله تعالى اتخذه خليلاً حبيباً.
(1) في ب "مكرمون".
(2)
في أ "ذكر".
(3)
"الآيات" زيادة من ب.
(4)
في ب "ابتلاه".
وأما قول من قال: هي سهام الإسلام وهي عشرة شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة فقد كان محمّد صلى الله عليه وسلم يدعوا إليها على [ق 15/و] الوجه الأتمّ ، والحال الأعمّ كما صعد صلى الله عليه وسلم على الصّفا ونادى «يا صباحاه» فاجتمعوا فقال:«أرأيتم لو أخبرتكم (1) أنّ عدوّاً يُصَبّحكم أو يُمَسّيكم أكنتم مصدِّقي» ، قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً ، قال:«فإني نذير لكم بين يدَي عذاب شديد» (2) يعني أن تقولوا لا إله إلا الله ، وكان يدعو إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادلهم بالتي هي أحسن كما أمره الله تعالى حتى أذن له في جهادهم فجاهدهم حتى أقام الدّين وظهر أمْرُ الله وهم كارهون وأقام الملّة العوجاء وقالوا: لا إله إلا الله ، وأما الصلاة فقد تقدم الكلام فيها وقال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة
…
» الحديث (3) ، وكذلك الحج والجهاد والطاعة والجماعة والألفة (4) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أشرنا إلى ذلك وأنَّ محمّداً صلى الله عليه وسلم فعل هذه الأمور مع غيرها من شريعته وسنّته على أتمّ النظام وأكمل الأقْسام ، فمرتبة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام جليلة (5) ، ومزيّته نبيلة ، ودرجته أثيلة (6) ، ولا كمحمّد صلى الله عليه وسلم صاحب الوسيلة والمنزلة الرفيعة العريضة الطويلة صلوات الله وسلامه عليهما ، وبركاته وتحيّاته واصلة إليهما ، فقد تبين بالبرهان الواضح ، والدليل الرّاجح ، أن ماوَفّى محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ مما وفّى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه بلغ ما أوحي إليه من ربِّه سبحانه البلاغ المبين ولم يألُ جهداً في توضيح أصول الدين ، ولم يكتم شيئاً ممّا أوحي إليه ، وسواءً كان ذلك له أو عليه كما قالت عائشة رضي الله
(1) في ب "أخيرتكم" ، وهو تصحيف.
(2)
أخرجه البخاري (6/ 122) ، بنحوه في كتاب تفسير القرآن ، باب قوله:{إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: من الآية 46] ، ح 4801 ، من طريق ابن عباس رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري (1/ 14) ، بنحوه في كتاب الإيمان ، باب:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: من الآية 5] ، ح 25؛ وأخرجه مسلم (1/ 53) ، بنحوه في كتاب الإيمان ، باب الأمر بتقال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ح 22.
(4)
في هامش ب "لم يذكر الصوم وجعل الجماعة والألفة اثنين وهو واحد".
(5)
في هامش ب "أي خُلّتُه".
(6)
أثيل: أصيل. المعجم الوسيط (1/ 6).
عنها لمّا نزلت قصّة زيد رضي الله عنه من قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} [الأحزاب: من الآية 37]: "لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي كتم هذه الآية"(1) فلم يمنعه من تبيلغ الوحي مانعٌ ، ولا دفعه عن قول الحق دافعٌ ، كما قال بعض أصحابه:"لقد تَرَكَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومامن طائر يطير بين السماء والأرض إلا وقد ذكر لنا منه علماً"(2) واستنطق الناس في أعظم حَفْلٍ وأكثر جمعٍ [ق 15/ظ] يوم حجّة الوداع «ألا هل بلّغت» فيقولون: نعم ، فيرفع يده إلى فوق وينكبها (3) إليهم ويقول:«اللهم اشهد» (4)، وأما قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ
رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} [الأنبياء: من الآية 51] وقوله في الكوكب والقمر والشمس وإلهامُه أن قال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: من الآية 79] فإنَّ حال محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأتمّ وأقوى في التبليغ وأنجع في قلوب السامعين ، وروى أبو نعيم بسنده عن النَّزَّال بن سَبْرَة عن علي رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: هل عبدت وثناً قطّ قال: «لا» ، قالوا: هل شربت خمراً قطّ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» (5)، وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال:
(1) أخرجه الترمذي (5/ 353) ، أبواب تفسير القرآن ، باب: ومن سورة الأحزاب ، ح 3208 ، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".
(2)
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 472) ح 13973 ، عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، بلفظ:"لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في السماء طائر يطير بجناحيه إلا ذكرنا منه علماً"، وقال:"رجاله رجال الصحيح"؛ وأخرجه أحمد في مسنده (35/ 290) ح 21361 ، من طريق أبي ذر رضي الله عنه ، بلفظ:"لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما" قال الهيثمي: "رواه: الإمام أحمد، والطبراني
…
ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة ، وفي إسناد أحمد من لم يسم".
(3)
ينكبها: أي يُمِلها إليهم يريد بذلك أن يُشْهِدَ الله عليهم. النهاية (5/ 235).
(4)
أخرجه البخاري (2/ 176) ، بنحوه في كتاب الحج ، باب الخطبة أيام منى ، ح 1741 ، من طريق أبي بكرة رضي الله عنه؛ وأخرجه مسلم (3/ 1307) ، بنحوه في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ، ح 1679.
(5)
لم أقف على الحديث في كتب أبي نعيم ، ولعله سقط من نسختي المطبوعة عن كتاب الدلائل ، وقد عزاه أيضاً لأبي نعيم وابن عساكر: السيوطي في الخصائص الكبرى ص 149 ، الشوكاني في فتح القدير (4/ 546) وعزاه لكتاب الدلائل ، والمتقى الهندي في كنز العمال (12/ 406) وعزاه أيضاً لكتاب الدلائل.
«لمّا نشأتُ بُغضت إليّ أوثان قريش وبُغض إليَّ الشعر» (1)، وعن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جُبير رضي الله عنه قال: كانت قريش إنَّما تدفع (2) من المزدلفة وتقول: نحن الحُمْس (3) فلا نخرج من الحرم ، وقد تركوا الموقف بعرفة ، قال: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة ثم يدفع بدفعهم إذا دَفعُوا (4) ، وأمثال هذا كثير من تجنُّبه لشركهم وضلالهم وكل ذلك بتوفيق من الله تعالى له.
وقيل له: متى كنت نبيّاً ، قال:«وآدم مُنْجدلٌ (5) في طينته» (6) فمن يكون هذا حاله كيف يتطرق إليه شرك أو (7) شكّ وقد جرى بينه وبين رجل من قريش كلامٌ فقال له
(1) ذكره البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (7/ 17) ، كتاب علامات النبوة ، باب ما جاء أول أمره ومولده وإرضاعه وغير ذلك مما يَذكر صلى الله عليه وسلم ، ح 6319 ، تحقيق: دار المشكاة ، الطبعة الأولى 1420 ، دار الوطن ، الرياض ، وقال في إسناده:"هذا إسناد ضعيف لضعف عمر بن صبح ، والرواي عنه محمد بن يعلى الكوفي"؛ وذكره ابن حجر في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (17/ 185) ح 4207 ، تنسيق: د. سعد الشثري ، الطبعة الأولى 1419 ، دار العاصمة؛ وعزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (1/ 99) لأبي نعيم وابن عساكر.
(2)
في هامش ب "أي: ترجع قريش".
(3)
الحُمْس: جمع الأحْمَس: وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس ، سُمُّوا حمساً لأنهم تحمسوا في دينهم: أي تشددوا ، كانوا يقفون بمزدلفة ولا يقفون بعرفة ، ويقولون: نحن أهل الله فلا نخرج من الحرم ، وكانوا لا يدخلون البيوت من أبوابها وهم محرمون. انظر: النهاية (1/ 1046).
(4)
أخرجه البخاري (2/ 162) ، كتاب الحج ، باب الوقوف بعرفة ، ح 1664 ، بلفظ:"أضللت بعيراً لي ، فذهبت أطلبه يوم عرفة ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفة ، فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا" ، وأخرجه مسلم (2/ 894) ، كتاب الحج ، باب في الوقوف وقوله تعالى:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [البقرة: من الآية 199] ، ح 1220 ، بلفظ:"أضللت بعيراً لي ، فذهبت أطلبه يوم عرفة ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً مع الناس بعرفة ، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس ، فما شأنه هاهنا ، وكانت قريش تُعَدُّ من الحمس".
(5)
منجدل: أي مُلقى على الجَدَالة وهي الأرض. النهاية (1/ 707).
(6)
أخرجه أحمد في مسنده (28/ 395) ح 17163 ، بلفظ: «إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته
…
» الحديث ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط:"صحيح لغيره" ، وأخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2/ 453) ، كتاب التفسير ، تفسير سورة الأحزاب ، ح 3566 ، تحقيق: مصطفى عبدالقدار عطا ، الطبعة الأولى 1411 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بلفظ:«إني عبدالله وخاتم النبيين ، وأبي منجدل في طينته» وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
(7)
في ب "و".
القرشيّ: احلف باللات والعزى فقال: «والله ما أبغضتُ شيئاً ما أبغضتهما وإنّي لأمُرُّ بهما فأعرِض عنهما» ، فقال له القرشي [ق 16/و]: أنت صادق فيما تقول (1)؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم قبل الوحي يتألَّه ويتحنَّث ويتعبَّد لله تعالى كما قد ثبت في الصحاح وغيرها من سيرته صلى الله عليه وسلم وكل ذلك رُشد آتاه الله تعالى إيَّاه في صغره وتوفيق مَنَحه إيَّاه في طفوليته ، وذلك (من)(2) فضل الله الذي يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم؛ وأما تبليغ دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم لمّا بنى البيت بالحج في الناس فبلغ صوته مَن قضى الله أن يحجّ ، قلنا لمحمد صلى الله عليه وسلم أبلغ من ذلك فإنه زُويت (3) له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وقال:«سيبلغ مُلْك أمّتي مازوي لي منها» (4) ولو أراد أن يبلّغ الله صوته ما بلغ نظره لكان ذلك ، وما أُعطي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم مما أُعطي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وقد أعطى الله بعض أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن بلغ صوته حيث أراد وكشف عن بصيرته وبصره المسافة البعيدة مسيرة شهر وذلك ما
رواه أبو نعيم بإسناده عن عمرو بن الحارث قال: "بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا ساري (5)(6) الجبل مرتين أو ثلاثاً ثم أقبل على خطبته ، فقال أولئك النظراءُ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: لقد جُنَّ إنه لمجنون ، بينا (7) هو في خطبته قال: يا ساري الجبل ، فدخل عليه عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان يطمئنّ إليه فقال: لشدّ ما ألُومُهم عليه أنك لتجعل لهم على نفسك مقالاً بينا أنت تخطب إذ أنت
(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (1/ 128) ح 105 ، بلفظ:«ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما» .
(2)
"من" ليس في ب.
(3)
زويت: أي جُمعت: يقال زويته أزويه زيّاً. النهاية (2/ 801).
(4)
أخرجه مسلم (4/ 2215) ، كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ، ح 2889 ، بلفظ:«وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها» .
(5)
هو سارية بن زنيم الكناني ، اختلف في صحبته ، توفي نحو 30 هـ. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 4 - 5)؛ الأعلام (3/ 69 - 70).
(6)
ساري بحذف تاء التأنيث: من باب الترخيم ، والوارد في الدلائل بإثبات التاء "سارية".
(7)
في ب "بينما".
تصيح: يا ساري الجبل أيّ شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك أن رأيتهم يقاتلون عند جبل يُؤتَون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت: يا ساري الجبل ليلحقوا بالجبل ، فلبثوا إلى (1) أن جاء رسول سارية بكتابه أنّ القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصّبح حتى إذا حضرت الجمعة وسمعنا منادياً ينادي: يا ساري الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوِّنا حتى هزمهم الله تعالى وقتلهم ، فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا (2) هذا الرجل فإنه مصنوع له (3) " (4).
(1) في ب "إذا" ، وهو خطأ.
(2)
في أ "دعوه".
(3)
في هامش ب "أي الله تعالى صنع لعمر عجائب وأسراراً لم نصل إليه".
(4)
انظر: دلائل النبوة (1/ 580 - 581) ح 528.
(فصل)(1)
فأما موسى عليه الصلاة والسلام فهو صفي الله تعالى [ق 16/ظ] ونجيّه وكليمه ونبيّه ورسوله ، ففضله ليس يخفى ، ونور جلاله قدره لا يَطفا ، عالج القبط وبني إسرائيل ، وقاسى شدائد منهم شرحُها طويل ، وجاهد أعداء الله تعالى (ونصر كلمته ، وصابر وثابر لله تعالى)(2) وبلّغ رسالته ، فصلوات الله عليه ما كان أصبره ، وبمُداراة القوم ومُدارأتهم (3) ما أخبره ، وقد أُعطي محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما تُعقد عليه البنان الخمس ، وسار في الآفاق مسير القمر والشّمس ، فكل فضيلة أوتيها موسى ، وكل قضيّة (4) لقيها نعمى وبؤسى ، فلمحمّد صلى الله عليه وسلم نظيرتها وأكبر ، وأوضح منها لمن تأمّلها وأظهر ، وكلٌّ كان عند الله وجيهاً ، وكل منهما قد كان نبيّاً نبيهاً ، فمن ذلك معجز موسى عليه الصلاة والسلام في العصا واليد وانفجار الماء من الحجر في التّيه ، فإن الله تعالى أعطى محمّداً صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أو أعجب وأعظم فإن العصي (5)(لموسى)(6) عليه الصلاة والسلام كانت من خشب يجعلها الله تعالى له ثعباناً حيّاً يتلقف ما يأفك سحرة فرعون ثم تعود إلى خاصيتها وسيرتها الأولى ، وكان لموسى عليه الصلاة والسلام فيها مآرب أخرى فما ذاك بأعجب من جذع يابس كان محمد صلى الله عليه وسلم يخطب عليه ، فلما عمل المنبر وتحوّل إليه حنّ ذلك الجذع إليه كحنين العشار إلى أولادها ، وجعل يَخُور كما يخور الثور حتى سمع أهل المسجد ذلك ، فلم يزل كذلك يحنّ ويئنّ حتى جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتضنه وضمّه إليه فسكن وقال: «والذي نفسي بيده لو (لم)(7) ألتزمه لما زال كذلك حتى تقوم الساعة
جزعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم» (8) ، وأعجب من ذلك أنه دعا شجرةً من أقصى الوادي فجاءت تَخُدّ الأرض (9)
(1)"فصل" ليس في ب.
(2)
"ونصر كلمته وصابر وثابر لله تعالى" ليس في ب.
(3)
مدارأتهم: من درأ يدرأ درءاً إذا دفع. النهاية (2/ 244).
(4)
في ب "فضيلة".
(5)
في ب "العصا".
(6)
"لموسى" ليس في ب.
(7)
"لم" ليس في ب.
(8)
أخرجه البخاري (4/ 195) ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3583 ، بلفظ:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع ، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنَّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه"؛ وأخرجه أحمد في مسنده (10/ 127) ح 5886 ، من طريق عبدالله بن عمر رضي الله عنه ، بلفظ:"كان جذع في المسجد يسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إليه إذا كان يوم جمعة ، أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس ، فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئاً كقدر قيامك؟ قال: «لا عليكم أن تفعلوا» ، فصنعوا له منبراً ثلاث مراقي ، قال: فجلس عليه ، قال: فخار الجذع كما تخور البقرة جزعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتزمه ومسحه وسكن"؛ وأخرجه الطحاوي بنحوه في شرح مشكل الآثار (10/ 378) ح 4179 ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ، الطبعة الأولى 1415 ، مؤسسة الرسالة.
(9)
تخد الأرض: أي تشقها. انظر: لسان العرب (2/ 160).
حتى وقفت بين يديه ثم أمرها فرجعت إلى منبتها فقامت كما كانت (1) ، ونحو ذلك دعاؤه للعذق من رأس النخلة فانْحدَرَ وجاءه يَنقُزُ حتى صار بين يديه ثم أمره أن يعود حيث كان فصعد كذلك (2) ، وأعجب من ذلك أنه كان بالحَجون (3)
وهو كئيب حزين فقال
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (14/ 434) ، كتاب التاريخ ، باب المعجزات ، ح 6505 ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ، الطبعة الثانية 1414 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، من طريق ابن عمر رضي الله عنه ، بلفظ:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين تريد؟ قال: إلى أهلي قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال صلى الله عليه وسلم هذه السمرة ، فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خداً حتى كانت بين يديه فاستشهدها ثلاثاً فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك فكنت معك"، علق عليه شعيب الأرنؤوط:"رجاله ثقات"؛ وأخرجه الهيثمي بنحو لفظ ابن حبان في مجمع الزوائد (8/ 517) ح 14085 ، وقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ، وأخرجه البيهقي بنحو لفظ ابن حبان في دلائل النبوة (6/ 140) ح 2262.
(2)
أخرجه الإمام أحمد (3/ 424) ح 1954 ، من طريق ابن عباس رضي الله عنه ، بلفظ:"أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر ، فقال: يا رسول الله ، أرني الخاتم الذي بين كتفيك ، فإني من أطب الناس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أريك آية» ، قال: بلى ، قال: فنظر إلى نخلة ، فقال: «ادع ذلك العذق» ، قال: فدعاه ، فجاء ينقز ، حتى قام بين يديه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجع» ، فرجع إلى مكانه ، فقال العامري: يا آل بني عامر ، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر" ، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط ، عادل المرشد ، وآخرون ، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده صحيح على شرط الشيخين".
(3)
الحَجُون -بفتح الحاء المهملة ثم جيم مضمومة وآخره نون-: يقول الشيخ حمد الجاسر في تهميشه لكتاب (الأماكن) أو (ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة) أن العلماء قد اختلفوا في تحديد موقع الحجون، مع اتفاقهم على أنه في أعلى مكة بقرب المقبرة، فالمتأخرون وبعض المتقدمين منهم يرونه الجبل الذي تقع المقبرة بسفحه مما يلي الأبطح، ومسجد الجن (مسجد بيعتهم) ، وفيه شقت ثنيه كداء (ثنية الحجون) وهذا هو المعروف عند المتأخرين ، إلا أن الشيخ الجاسر يقول أنه ورد في «أخبار مكة» ما يفهم منه أنه الجبل المقابل لهذا في الجانب الآخر من المعلاه، يدعه المتجه إلى منى على يمينه. انظر: هامش الأماكن أو ما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأمكنة ص 322 - 323 ، لأبي بكر الحازمي ، تحقيق: حمد الجاسر ، 1415 ، دار اليمامة.
- صلى الله عليه وسلم: «اللهم أرني اليوم آيةً لا أبالي من كذّبني بعدها من قومي [ق 17/و] فأُمِر أن ينادي شجرةً من عقبة المدينة فناداها فجاءت تَشُق الأرض حتى انتهت إليه فسلّمت عليه ثم أمَرها فذهبت فقال: ما أبالي من كذّبني بعدها من قومي» (1)، وأعجب من هذا أو أبلغ أنه كان حين بُعث لا يمرّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يارسول الله ، وقال:«كان حجر بمكة يسلّم عليّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن» (2) ونحوه تسبيح الحصى في يديه ، وتسبيح الطعام وهو يؤكل عنده وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى وهذا بابٌ (واسع)(3).
وأما ضرب موسى عليه السلام بالحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً وهم في التيه فليس بأعجب من أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم كان في سفر فأعوز القوم من الماء فدعا بقدح فجعل أصابعه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى روي القوم أجمعون (4) ، وخروج الماء
من الأحجار أمْرٌ معتاد قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ
(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل (1/ 333) ح 280 ، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (6/ 138) ، وأخرجه بنحوه البزار (1/ 76) ح 310؛ وأخرجه بنحوه أبو يعلى (1/ 190) ح 215 ، تحقيق: حسين سليم أسد ، الطبعة الأولى 1404 ، دار المأمون ، دمشق؛ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 10):"رواه البزار وأبو يعلى ، وإسناد أبي يعلى حسن" ،
(2)
أخرجه مسلم (4/ 1782) ، كتاب الفضائل ، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ، ح 2277 ، بلفظ:«إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث إني لأعرفه الآن» .
(3)
"واسع" ليس في ب.
(4)
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (7/ 76) ح 6435 ، تحقيق: حمدي السلفي ، الطبعة الثانية 1404 ، مكتبة العلوم والحكم ، الموصل ، من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ، بلفظ:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابنا عطش شديد ، فشكونا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: «هل فضل ماء في إداوة؟ » فأتاه رجل بفضلة ماء في إداوة ، فحفر النبي صلى الله عليه وسلم في الأرض حفرة ووضع عليها نطعاً ، ووضع كفه على الأرض ، ثم قال لصاحب الإداوة: «صب الماء على كفي واذكر اسم الله» ، ففعل ، قال أبو ليلى: قد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى روي القوم وسقوا ركابهم" قال الهيثمي (8/ 301) ح 14107: "وفي إسناده: خالد بن نافع الأشعري ضعفه أبو زرعة وأبو داود والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بقوي ، يُكتب حديثه ، وقد روى عنه أحمد بن حسر ، وقد اشتهر أن شيوخه كلهم ثقات عنده"
مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ (1)} [البقرة: من الآية 74] ، وأما من بين الأصابع فلا يعهده أحد لغير (2) محمد صلى الله عليه وسلم فهو أعظم وأعجب ، وذلك ماروى عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قال: حدثني أبي قال: "كُنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها فأصاب الناس مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبّ فيها ، (ثم مجّ فيها) (3) ، وتكلم بما شاء الله أن يتكلم ، ثم أدخل خنصره فيها ، فَأُقسِمُ بالله لقد رأيت أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفجَّر ينابيع الماء ، ثم أمر الناس فسَقوا وشربوا وملأوا قِربهم وإداواتهم"(4) ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة مشهورة معلومة في كتب الصّحاح (5) والسنن والسِّير وغير ذلك.
فإن قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام انفلق له البحر لما ضربه بعصاه فجازه هو وأصحابه لما تبعهم فرعون وجنوده ، قيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم أعجب من ذلك (6) فإنه لم يحتج إلى عبور البحر بل بعض أصحابه قال: "والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها"(7) ، ولم يشترطوا انفلاق البحر وهم صادقون فيما قالوا وقد حقّق هذا الفعل بعض أصحابه في حياته وبعد موته وهو العلاء بن الحضرميّ رضي الله عنه لما كان بالبحرين واضطر إلى عبور [ق 17/ظ] البحر فعبر هو وأصحابه ولم يبتل لهم ثوب ، وذلك ما
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرميّ إلى البحرين تبعتُه
(1) في ب زيادة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} وهو زيادة على الشاهد غير مرادة.
(2)
في ب "ولغيره".
(3)
"ثم مجّ فيها" ليس في ب.
(4)
أخرجه مطولاً الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 26) ح 63 ، وفي المعجم الكبير (1/ 211) ح 579؛ وقال الهيثمي في إسناده:"ورجاله ثقات". مجمع الزوائد (1/ 20) ح 28.
(5)
منها: ما أخرجه البخاري (4/ 193) ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3576 ، من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما ، بلفظ:"عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ ، فجهش الناس نحوه ، فقال: «ما لكم؟ » ، قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك ، فوضع يده في الركوة ، فجعل الماء يثور بين أصابعه ، فشربنا وتوضأنا ، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة".
(6)
في ب زيادة "فإنه صلى الله عليه وسلم أعجب من ذلك" وهو تكرار لمعنى الجملة السابقة.
(7)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 360.
فرأيت منه خصالاً ثلاثاً لا أدري أيتهن أعجب ، انتهينا إلى شاطئ البحر فقال: سموا الله تعالى واقتحِمُوا ، فسمّينا واقتحمنا فعَبرنا فما بلّ الماء إلا أسافل (1) أخفاف الإبل ، فلما قفلنا جُزنا معه بفلاة من الأرض وليس معنا ماء فشكونا إليه فصلّى ركعتين ثم دعا فإذا سحابة مثل الترس ثم أرخت عَزالَيْها (2) فسَقينا واستقينا (3) ومات فدفنّاه ، فلما سرنا غير بعيد قلنا: يجيء سبع فيأكله فرجعنا فلم نره" (4) وقد تقدمت (5) هذه القصّة بأتم من هذا السياق عند ذكر نوح عليه الصلاة والسلام ، وكذلك قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فإنه لما فرغ من أمر القادسية ونزل بالمسلمين الكوفةَ ومدائن (6) كسرى بالأجناد والرجال فافتتحوها وهرب منها أردشير (7) فدخل المسلمون مدينة (8) نهرشير (9) وهي المدينة الدُنيا
(1) في ب "سافل".
(2)
العزالي: جمع العزْلاء وهو فم المزادة الأسفل ، فشبّه اتساع المطر واندفاقه بالذي يخرج من فم المزادة". النهاية (3/ 459).
(3)
في ب "واسقينا".
(4)
أخرجه الطبراني بنحوه في المعجم الأوسط (4/ 15) ح 3495 ، وفي المعجم الكبير (18/ 95) ح 14877 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 376) ح 16007:"وفيه إبراهيم بن معمر الهروي والد إسماعيل ولم أعرفه ، وبقية رجاله ثقات".
(5)
في ب "مر".
(6)
المدائن: وهي مدينة قديمة على دجلة تحت بغداد سبعة فراسخ ، واسمها بالفارسية: طيسفون ، وهذا الموضع كان مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية وغيره ، وسميت بالجمع -مدائن- لأن كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها. انظر: شرح سنن أبي داود (3/ 103) ، لبدر الدين العيني ، تحقيق: أبو المنذر خالد المصري ، الطبعة الأولى 1420 ، مكتبة الرشد ، الرياض؛ معجم البلدان (5/ 74).
(7)
هو يزدجرد بن شهريار ابن كسرى ، ينتهي نسبه إلى أردشير بن بابك -أول ملوك الفرس الساسانية- ، انهزم من جيش عمر فاستولوا على العراق، وانهزم هو إلى مرو وولت أيامه، ثم ثار عليه أمراء دولته وقتلوه سنة ثلاثين ، وقيل: بل بيَّته الترك وقتلوا خواصه، وهرب هو واختفى في بيت، فغدر به صاحب البيت فقتله، ثم قتلوه به ، وكان آخر ملك من آل أردشير بن بابك. انظر: سير أعلام النبلاء (2/ 109) ، الكامل في التاريخ (3/ 18) لأبي الحسن الشيباني ، تحقيق: عبدالله القاضي ، الطبعة الثانية 1415 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
(8)
في ب "المدينة".
(9)
في تاريخ الطبري: "بهر سير" ، وفي معجم البلدان (بَهُرَ سِير) -بالفتح ثم الضم وفتح الراء وكسر السين المهملة وياء ساكنة وراء- من نواحي سواد بغداد قرب المدائن ، وهي معربة من (ده أردشير) أو (به أردشير) كأن معناه: خير مدينة أردشير ، وهي في غربي دجلة. انظر: تاريخ الأمم والملوك (2/ 460) ، لأبي جعفر الطبري ، الطبعة الأولى 1407 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ معجم البلدان (1/ 515).
في جوف الليل ، فلاح لهم القصر الأبيض قال المسلمون: الله أكبر هذا أبيض كسرى الذي وعدنا الله تعالى ورسولُهُ صلى الله عليه وسلم وتابعوا التكبير حتى أصبحوا وذلك في صفر سنة ست عشرة وكان هذا القصر الأبيض مدينة كسرى القصوى التي فيها منزله فوقف المسلمون على دجلة وطلب سعد السفن ليعبر بالناس إلى المدينة القصوى فلم يقدروا على شيء منها ووجدهم قد ضمّوا السفن فأقاموا بنهرشير أياماً يريدونه على العبور فيمنعه الإبقاء على المسلمين حتى أتاه أعلاجٌ (1) فَدلُّوهُ على مَخاضَةٍ فأبى وتردّد عن ذلك وفجئهم المَدُّ فرأى رؤيا أن خيول المسلمين اقتحمتها فعبرت وقد أقبلت يعني دجلة من المدّ بأمر عظيم فعزم لتأويل رؤياه على العبور فجمع سعدٌ الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن عدوّكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم وهم (2) يخلصون إليكم إذا شاءوا فَيُناوشونكم (3)(4) في سُفنهم وليس وراءكم [ق 18/و] شيء تخافون أن تُؤتَوا منه وإنّي قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعاً: عزم الله لنا ولك على الرّشد فافعل ، فندَب سعدٌ (الناسَ) (5) للعبور فقال: من يبدأ ويَحمي لنا العِرَاصَ (6) حتى يَتلاحق به الناس لكي لايمنعوهم من الخروج فانتدب له عاصم بن عمرو (7) وانتدب (له)(8) ستمائة رجل من أهل النجدَات فاستعمل عليهم عاصماً فسار بهم حتى وقف على شاطئ دجلة ثم قال: من ينتدب معي يمنع العراص من عدوّكم فانتدب
له ستون منهم فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أسلس لعَوْم الخيل إذا اقتحموا دجلة فلما رأى سعد عاصماً على العراص قد منعها أذن للناس في الاقتحام وقال: قولوا نستعين بالله ونتوكّل عليه ،
(1) أعلاج: جمع علج ، والعلج: الكافر ، ويقال للرجل الضخم من الكفار عِلج. لسان العرب (2/ 326).
(2)
في ب "وهذا" ، وهو خطأ.
(3)
في ب "فيناوشوونكم" بزيادة واو.
(4)
تناوش القوم في القتال: تناول بعضهم بعضاً بالرماح ، ولم يتدانوا كل التداني. المعجم الوسيط (2/ 963).
(5)
"الناس" ليس في ب.
(6)
العراص: جمع عرصة: وهي كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء ، والمراد به هنا مكان نزول الجند. انظر: مختار الصحاح ص 467.
(7)
عاصم بن عمرو التميمي: أحد الشعراء الفرسان ، أخو القعقاع بن عمرو ، له أخبار وأشعار في فتوح العراق ، اختلف في صحبته. انظر: الأعلام (3/ 248 - 249) ، الإصابة (3/ 574).
(8)
"له" ليس في ب.
حسبنا الله ونعم الوكيل ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وتلاحق عظم الجند فركبوا اللجة وإنَّ دجلة لترمي بالزَّبد وإنّها لمسودّة وإن الناس ليتحدّثون في عومهم وقد اقترنوا كما يتحدّثون في مسيرهم على الأرض ففجئوا أهلَ فارس بأمرٍ لم يكن في حسابهم فَأجهَضُوهم وأعجلوهم عن جُمهور أموالهم (1) ودخلها المسلمون واستولوا على كل مابقي في بيوت كسرى من الثلاثة ألف ألف ألفٍ وما جمع شِيرِينُ ومَن بعده (2)، وروى أبو بكر بن حفص بن عمر قال:"الذي كان يُساير سعداً في الماء سلمان الفارسي رضي الله عنهما فعامَتْ بهم الخيل وسعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل ، والله لينصرن الله وليَّه وليظهرنّ دينه ، وليهزمنّ عدوَّه ، وإن يكن في الجيش بغي وذنوب تغلبُ الحسناتُ ، فقال سلمان: إن الإسلام جديد ذلَّل لهم والله البحارَ كما ذلّل لهم البَرّ ، أمَا والذي نفس سلمان بيده ليَخرُجُنّ أفواجاً كما دخلوه أفواجاً ، وطبَّقُوا (3) الماء حتى ما يُرى الماءُ من الشاطئ ، ولهم فيه أكثر حديثاً منهم في البَر ، فخرجوا منه لم يفقدوا شيئاً ولم يغرق منهم أحد"(4)، وعن حبيب ابن صُهْبَان (5) قال: "شهدتُ القادسية -قال: - فانهزَمُوا حتى أتوا المدائن وتبعناهم -قال: - فانتهينا إلى دجلة وقد قطعوا الجسور وذهبوا بالسفن فانتهينا إليها وهي تَطْفَح فأقحم رجل (6) منّا فرسَه وقرأ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ق 18/ظ] كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: من الآية 145] قال: فعبر ثم تبعه النّاس أجمعون فعبروا فما
فقدوا عِقالاً ما عدا رجلاً منهم انقطع قَدحٌ له كان معلّقاً بسَرْجه فرأيته يدور في الماء ، قال: فلما رأونا انهزموا من غير قتال فبلغ سهم
(1) في ب "أحوالهم".
(2)
أخرجه أبو نعيم في الدلائل (2/ 574 - 575) ح 522.
(3)
الطَّبَق: كل غطاء لازم على الشيء. النهاية (3/ 250)، والمراد به هنا: أي غطت الخيول والرجال وجه الماء.
(4)
أخرجه أبو نعيم في الدلائل (2/ 576) ح 522.
(5)
حبيب بن صهبان -بضم المهملة- أبو مالك الأسدي الكوفي ، ثقة من الثانية ، قتله المختار سنة ست وستين. انظر: تقريب التهذيب ص 151 ، تاريخ بغداد (9/ 157) ، الطبقات ص 143 ، لخليفة بن خياط ، تحقيق: د. أكرم ضياء العمري ، الطبعة الثانية 1402 ، دار طيبة ، الرياض.
(6)
وهو حجر بن عدي رضي الله عنه. انظر: تاريخ بغداد (9/ 157) ، تفسير ابن كثير (2/ 129).
الرجل منا ثلاث عشرة دابة وأصابوا من الجامات (1) الذهب والفضة فكان الرجل منا يَعرِض الصحفة (2) الذهبَ يبدلها بصحفة (3) من فضة يُعجبه بياضُها فيقول: من يأخذ صفراء ببيضاء (4)، وعن أبي عثمان النهدي (5) قال: سَلِمُوا من عند آخرهم إلا رَجل من بَارِق (6) يُدعى غَرْقَدة (7) زال عن ظهر فرس له أشقر كأني انظر إليها تَنفُضُ أعرافَها (8)(9) عُرْياً والغريق طافي فثنى القعقاعُ بن عمرو (10) عنان فرسه إليه وأخذه بيده فجرَّه حتى عبر قال:
(1) الجام: إناء للشراب والطعام. المعجم الوسيط (1/ 149).
(2)
في ب "الصفحة".
(3)
في ب "بصفحة".
(4)
أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (9/ 157) ، وأخرجه ابن كثير في تفسيره (2/ 129)، بلفظ:"قال رجل من المسلمين -وهو حجر بن عدي-: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو؟ هذه النطفة -يعني دجلة-؟ {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: من الآية 145] ، ثم أقحم فرسه دجلة ، فلما أقحم أقحم الناس ، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان ، فهربوا".
(5)
أبو عثمان النهدي: هو عبدالرحمن بن مل -بكسر الميم وضمها- النهدي ، قال أسلمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأديت إليه ثلاث صدقات ولم ألقه ، وغزوت على عهد عمر ، قال ابن عبد البر: شهد القادسية وجلولاء وتستر ونهاوند واليرموك ومهران ورستم ، يقال أنه عاش في الجاهلية أزيد من ستين سنة وفي الإسلام مثل ذلك وكان يقول بلغت من العمر مائة وثلاثين سنة ، وتوفي سنة خمس وتسعين للهجرة ، وروى له الجماعة. انظر: الوافي بالوفيات (18/ 168).
(6)
بارِق -بكسر الراء-: جبل باليمن ، نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن عامر فنسبوا إليه. انظر: فتح الباري (6/ 634).
(7)
قال ابن حجر في الإصابة (5/ 341): " غرقدة غير منسوب له إدراك ، ذكر الطبري في تاريخه أن المسلمين حين عبروا دجلة سلموا عن آخرهم الا رجلاً من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء فرمى القعقاع بن عمرو إليه عنان فرسه فأخذ بيده حتى عبره".
(8)
في ب "أعراقها".
(9)
عرف الفرس: منبت الشعر من العنق. لسان العرب (9/ 236).
(10)
القعقاع بن عمرو التميمي: أحد فرسان العرب وأبطالهم في الجاهلية والاسلام ، له صحبة، شهد اليرموك وفتح دمشق وأكثر وقائع أهل العراق مع الفرس ، وسكن الكوفة، وأدرك وقعة صفين فحضرها مع علي ، وكان يتقلد في أوقات الزينة سيف هرقل (ملك الروم) ويلبس درع بهرام (ملك الفرس) وهما مما أصابه من الغنائم في حروب فارس ، وكان شاعراً فحلاً ، قال أبو بكر: صوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل ، توفي نحو 40. الأعلام (5/ 21 - 22).
وما ذهب لهم في الماء شيء إلا قدح كانت علاقته رثَّةً (1) ، فانقطعت ، فذهب به الماء ، فقال الرجل الذي يعاومه صاحبُ القدح: أصابه القدرُ -معزِّياً له- فقال: والله إنِّي لعلى طريقة ما كان (الله)(2) ليَسلُبَني قدحي من بين أهل العسكر ، فلمّا عبروا إذا رجل ممن كان يحمي (3) العراصَ وإذا (بالقدح)(4) قد ضربته الرّياح والأمواج حتى وقع إلى الشاطئ فتناوله برمحه فجاء به إلى العسكر يعرّفه وأخذه صاحبه (5)، وعن عمير الصائدي (6) قال: "لما أقحم سعدٌ الناسَ في دجلة اقترنوا ، فكان سلمانُ قرين سعدٍ إلى جانبه يسايره في الماء ، فقال سعد: ذلك تقدير العزيز العليم ، والماء يطمُو (7) بهم وما يَزال فرسٌ يستوي قائماً قد أعيا ، تنشِزُ له تَلْعَةٌ (8) فيستريح عليها كأنه على الأرض ، فلم يكن في المدائن أمر أعجب من ذلك ، ولذلك كان يدعى يوم الجراثيم لا يعيي أحدٌ إلا نشزت (له)(9) جرثومة (10) يُريح عليها ، وقال حبيب بن صُهبان (11): لمّا عبر المسلمون يوم المدائن دجلة فنظر الفُرسُ إليهم وهم يعبرون فجعلوا يقولون بالفارسية: ديوانان (12) يعنون أنّ هؤلاء مجانين ، وقال بعضهم: والله إنكم لم تقاتلوا الإنس وما تقاتلون إلا الجنّ فانهزموا (13) ، فهذا في
الفضيلة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من الفضيلة لموسى صلى الله عليه وسلم في
(1) الرث: الخَلق البالي. معجم مقاييس اللغة (2/ 384).
(2)
لفظ "الله" ليس في ب.
(3)
في ب "يحي" ، وهو تصحيف.
(4)
"بالقدح" ليس في ب.
(5)
أخرجه أبو نعيم في الدلائل (2/ 576 - 577) ح 522 ، وأخرجه الطبري في تاريخه (2/ 462).
(6)
قال ابن حبان في الثقات (8/ 509): "عمير بن عمار الصائدي ، يروي عن إبراهيم بن سعد ، روى عنه الكوفيون".
(7)
طما الماء يطموا طموًّا: ارتفع وعلا وملأ النهر. لسان العرب (15/ 15).
(8)
التلعة: ما ارتفع من الأرض. القاموس المحيط ص 913.
(9)
"له" ليس في ب.
(10)
قال ابن الأثير في النهاية (1/ 722): "في حديث ابن الزّبير (لمّا أراد هدم الكعبة وبناءها كانت في المسجد جراثيم) أي: كان فيها أماكن مجتمعة من تراب أو طين ، أراد أن أرض المسجد لم تكن مستوية".
(11)
تقدم ذكر ترجمته ، انظر: ص 378.
(12)
في ب "ديوافان".
(13)
أخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (2/ 577 - 578) ح 522.
عبور [ق 19/و] البحر ، فإنّ ذلك كان في صحبة موسى وأخيه هارون وهما اللذان تقدَّما القومَ ، وهذا كان من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم بعد موته بمدّة ، وأيضاً فإن التغرير بالنفس في خوض دجلة مع شدّة جريانها وعظم طغيانها أعظم من اقتحام البحر مع سكونه وعدم (1) جنونه ، وأيضاً فإن موسى وأصحابه إنما دخلوا البحر لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وظهرت أرض البحر فمشوا عليها كما قال (الله) (2) تعالى:{فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: من الآية 77] فلما تبعهم فرعون بجنوده أطبقه الله عليهم وأغرقهم ونجى موسى وأصحابه ، وأيضاً فإنّ أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام عبروا البحر وهم مطلوبون خائفون كما قال تعالى عنهم قالوا:{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: من الآية 61] ، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا طالبين لعدوّهم ، وفرق عظيم بين من يغرّر بنفسه في طلب عدوّه ليقتله وبين من يغرّر بنفسه فارًّا منه في طلب النجاة لئلّا يقتله ، وأيضاً فمشي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على وجه الماء أعظم من مشي أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام على أرض البحر اليابسة ، فإن المشي على الأرض شيء معتاد معروف بخلاف المشي على وجه الماء.
فأما توريث الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام وأصحابه أموال فرعون وقومه كما قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} [الأعراف: من الآية 137] فليس هذا بأعظم مما ورّث الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إكراماً لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فإن الأرض التي أُورثها موسى وقومه هي أرض فرعون التي كان يحكم فيها لا جميع الأرض التي خلق الله تعالى بدليل قوله:{الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: من الآية 137] وليس كل الأرض بارك الله فيها ، وقد أورث الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من آل كسرى ما لا يعد ولا يحصى من الذهب والفضّة والجواهر والأمتعة
والفرش والأواني والعُدد والسلاح والدوابّ إلى غير ذلك من سائر أنواع الجواهر
(1) في ب "عدمه" بزيادة الهاء ، وهو خطأ.
(2)
لفظ "الله" ليس في ب.
والمزارع والأملاك وغير ذلك ، وحُمل ذلك أو معظمه إلى عمر (1) رضي الله عنه فلما رآه قال: إنّ قوماً أدَّوا هذا لَذَوُو أمانة ، فقال له علي رضي الله عنه: إنك عَففت [ق 19/ظ] فعفّت الرعيّة (2)، وقال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما:"والله الذي لا إله إلا هو ما اطّلعنا على أحد من أهل القادسية وما بعدها من المدائن أنّه يريد الدنيا والآخرة ولقد إئتمنا ثلاثة نفر فما رأينا مثل أمانتهم وزهدهم وهم: طُليحة بن خويلد (3) ، وعمرو بن معدي كرب (4) ، وقيس بن المكشوح (5) (6) "(7) ، وكان من جملة ما أصابوه أسفاط (8) فيها تاج كسرى وحلته ووشاحه
ودرعه التي كان يلبس للمباهاة والثياب التي كان يلبس من الديباج المنسوج بالذهب
(1) في ب تكرار "إلى عمر" ، وهو خطأ ظاهر.
(2)
أخرجه أبو القاسم التيمي في الحجة (2/ 385) ، وأخرجه الطبري في تاريخه (2/ 466) ، كما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (44/ 343)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي ، 1415 ، دار الفكر.
(3)
هو طليحة بن خويلد الأسدي ، متنبئ، شجاع، من الفصحاء، كان يقال له (طليحة الكذاب) ، من أشجع العرب، يعد بألف فارس ، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني أسد سنة 9 هـ وأسلموا ، ولما رجعوا ارتد طليحة وادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قدم زمن عمر رضي الله عنه وأسلم بعد أن أسلمت أسد وغطفان كافة ، فبايعه في المدينة ، ثم شهد طليحة القادسية فأبلى فيها بلاء حسناً ، توفي سنة 21. انظر: الاستيعاب (1/ 233 - 234) ، الأعلام (3/ 230).
(4)
هو عمرو بن معدي كرب بن ربيعة بن عبد الله الزبيدي: فارس اليمن، وصاحب الغارات المذكورة ، وفد على المدينة سنة 9 في عشرة من بني زبيد، فأسلم وأسلموا وعادوا ، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو في اليمن ، ثم رجع إلى الاسلام، فبعثه أبو بكر إلى الشام، فشهد اليرموك، وذهبت فيها إحدى عينيه ، وبعثه عمر إلى العراق، فشهد القادسية ، يكنى أبا ثور ، وأخبار شجاعته كثيرة ، توفي سنة 21. الأعلام (5/ 86).
(5)
في أ "المكشوخ" بالخاء المعجمة ، وهو تصحيف.
(6)
هو قيس بن المكشوح أبو شداد ، واختلف في اسم أبيه فقيل: عبد يغوث ، وقيل: هبيرة بن هلال وهو الأكثر ، قال أبو عمر: إنما قيل له المكشوح لأنه كوي ، وقيل: لأنه ضرب على كشحه؛ قيل: له صحبة وقيل: لا صحبة له باللقاء والرؤية ، وهو الذي أعان على قتل الأسود العنسي مع فيروز ، وهذا يدل على إسلامه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، له آثار صالحة في قتال الفرس بالقادسية وغيرها وشهد مع النعمان بن مقرن نهاوند ثم قتل بصفين مع علي. وكان فارسا بطلا شاعرا وهو ابن أخت عمرو بن معد يكرب. انظر: أسد الغابة (4/ 425).
(7)
أخرجه الطبري في تاريخه (2/ 466)، بلفظ: "ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كالذي هجمنا عليه من أمانتهم وزهدهم
…
" ، وأخرجه الواقدي في فتوح الشام (2/ 189) ، الطبعة الأولى 1417 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ بلفظ: "ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فاتبعناهم فعجزنا عن وصف أمانتهم وزهدهم
…
".
(8)
السفط: وعاء يوضع فيه الطيب ونحوه من أدوات النساء ، ووعاء من قضبان الشجر ونحوها توضع فيه الأشياء كالفاكهة ونحوها. المعجم الوسيط (1/ 433).
المنظوم بالجوهر ، وأصابوا أيضاً عَيُبَتَيْنِ (1) في غِلافين (2) ، في الواحد منهما خمسة أسياف وفي الأخرى ستة أسياف وأدراع فيها درع كسرى ومغفره (3) وساقاه وساعده ودرع هرقل ودرع خاقان (ودرع دَاهِر (4)) (5) ودرع بهرام (6) ودرع سِيا خُرْس (7) ودرع النعمان (8) كانوا سَبَوْها أيام عزِّهم ، فبعث بذلك إلى عمر ليراه المسلمون ويسمع بذلك العرب ، ومما وُجد أيضاً سَفَطانِ في إحداهما فرس من ذهب مسرّج بسرج من فضة على ثفره (9) ولبته (10) الياقوت والزمرّذ (11) منظوماً ولجام كذلك وفارسُه من فضة مكلّل بالجوهر ، وسَفط فيه ناقة من فضّة عليها شليلٌ (12) من ذهب زمامُها من ذهب وكل ذلك منظوم بالياقوت والجوهر وعليها رجل من ذهب مكلل
بالجوهر كان (13) كسرى يضعهما إلى
(1) العيبة: وعاء من أدم ونحوه يكون فيه المتاع. المعجم الوسيط (2/ 639).
(2)
الغلاف: الغشاء يغشى به الشيء. المعجم الوسيط (2/ 659).
(3)
المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. المعجم الوسيط (2/ 656).
(4)
داهر: ملك الهند. الكامل (2/ 361).
(5)
"ودرع داهر" ليس في ب.
(6)
بهرام: من ملوك الفرس. شذرات الذهب (1/ 196).
(7)
في ب "سبا خرس"، وفي تاريخ الطبري (2/ 465) والكامل (2/ 361):"سياوخش"، وهو: سياوخش بن مرهان بن بهرام جوبين ، ملك الري. الكامل (2/ 426).
(8)
هو النعمان (الثالث) ابن المنذر (الرابع) بن امرئ القيس اللخمي ، أبو قابوس: من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية ، كان داهية مقداماً ، ملك الحيرة إرثاً عن أبيه، وكانت تابعة للفرس، فأقره عليها كسرى فاستمر إلى أن نقم عليه كسرى (أبرويز) أمراً، فعزله ونفاه إلى خانقين، فسجن فيها إلى أن مات نحو 15 ق هـ؛ وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة فوطئته فهلك ، وفي صحاح الجوهري: قال أبو عبيدة: إن العرب كانت تسمي ملوك الحيرة -أي كل من ملكها- "النعمان" لأنه كان آخرهم. انظر: الأعلام (8/ 42 - 43).
(9)
ثفر الدابة: السير الذي في مؤخر السرج. لسان العرب (4/ 105).
(10)
اللبة: ما يُشد في صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل. القاموس المحيط ص 170.
(11)
في ب "الزمرد"، قال الزبيدي في التاج (9/ 415):"قال ابن قتيبة: دال مهملة ، وصوَّب الأصمعي الإعجام ، ونقله في البارع -البارع في اللغة لأبي علي القالي- وصححه ، وقال بعضٌ بالوجهين".
(12)
في أ ، ب "تليل" ، وفي تاريخ الطبري (2/ 465) والاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء (4/ 247)، تحقيق: د. محمد كمال الدين ، الطبعة الأولى 1417 ، عالم الكتب، بيروت ، كما أثبته؛ والشليل: مِسحٌ من صوف أو شعر يُجعل على عجز البعير من وراء الرحل. لسان العرب (11/ 360).
(13)
في ب "وكان" بزيادة الواو.
اسطوانتي التاج ، وأقبل رجل بِحُقّ إلى صاحب الأقْباض، في ذلك الحُقّ صنوف من نفيس الجوهر ، فقال له صاحب الأقباض ومن كان معه: ما رأينا مثل هذا قط ولا يَعدله ما عندنا ولا يقاربه ، وقال للرجل: هل أخذتَ منه شيئاً فقال: أما والله لولا الله ما أتيتُكم به فعرفوا أن للرجل شأناً ، فقالوا له: مَن أنت؟ قال: لا والله (لا)(1) أُخبركم ، فأتبعوه رجلا حتّى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبدقيس (2)(3).
وأيضاً (4) فإنّ قهر أصحاب موسى عليه السلام لفرعون وقومه كان بما أطبقه الله تعالى عليهم من البحر وإغراقهم وقهر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لكسرى وقومه كان بمباشرتهم وسيوفهم ورماحهم وقوّتهم وأسلم من أسلم واستسلم على الجزية والصَّغار [ق 20/و] مَن استسلم فكان أبلغ في النكاية على العدوّ وأعظم لظهور الإسلام وأدحر (5) لمعالم الكفر والطغيان ، فأصحاب موسى عليه السلام كانوا فارّين من عدوّهم وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا طالبين لعدوّهم وفرق بين هؤلاء وهؤلاء والله يؤيد بنصره من يشاء ، وكان ذلك أبلغ مما لو أهلكهم جميعاً فإنه أبقى في أعقابهم الذّلّ والصَّغار ليُعتبر بهم ، وجعل ما يؤخذ منهم قوّة للمسلمين وزيادة في أموالهم واستمراراً للذلّة (6) في عدوّهم ، ثم إنّ ما علمنا أنّ المسلمين غنموه (7) من آل كسرى أعظم مما علمنا أن أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام غنموه من آل فرعون وذلك أن سعداً رضي الله عنه لمّا قسم المغانم بين العسكر جمع
(1)"لا" ليس في ب.
(2)
في أ "قيس بن سعد رضي الله عنه " ، وفي ب "سعد بن قيس" ، وفي تاريخ الطبري (2/ 465) والكامل في التاريخ (2/ 362) كما أثبته ، وهو: عامر بن عبد الله المعروف بابن عبد قيس العنبري ، تابعي، من بني العنبر ، وهو من أقران أويس القرني وأبي مسلم الخولاني ، مات ببيت المقدس في خلافة معاوية سنة 55. انظر: الأعلام (3/ 252 - 253).
(3)
أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (2/ 464 - 465) ، وذكره أيضاً أبو الحسن الشيباني في الكامل (2/ 361 - 362).
(4)
في ب "أيضاً" بدون الواو.
(5)
في ب "وأدخر": أي أصغر وأذل. المعجم الوسيط (1/ 274).
(6)
في ب "للذة" ، وهو تصحيف.
(7)
في ب "غنموا" ، وهو خطأ.
كل شئ (أراد)(1) أن يتعجّب منه عمر من ثياب كسرى وحليه وسيفه وغير ذلك مما كانت العرب تعجب أن يقع إليهم (2) ويصير بأيديهم ، فمن ذلك أنه أخرج بساطاً يعرف بالقطيف (3) مقدار سَعته جريبٌ أرضُهُ مُذهبَةٌ فيه صور (4) مختلفة ووشي وفصوص كالنُوار (5) في خلالها صُور النخل والشجر وفي حافاتها طُرْزٌ كالأرض المزروعة والأرض المُبقِلة بالنبات في الربيع معمولاً بالحرير وعليه قضبان من ذهب ونُواره معمول بالذهب والفضة وغرائب الألوان البديعة ، كان كسرى يبسطه في الشتاء إذا ذهب النوار والرياحين ويَشرب عليه مع رجاله كأنهم في روضةٍ ، فلم تَعتدل قسمته فقال سعد للمسلمين: هل لكم في أن تطَّيبوا نَفْساً على أربعة أخماسه ونبعثه إلى عمر ليضعه حيث يرى فإنا (6) لا نراه تتّفق قسمته علينا وهو قليل بيننا وسيقع من أهل المدينة موقعاً فقالوا: نعم (7)، وبعث به سعد إلى عمر رضي الله عنهما فلما قدم عليه بالمدينة جمع الناس فاستشارهم بالبساط وأخبرهم خبره فمن بين مُشير عليه بقبضه وآخر مُفوِّض إليه وآخر متوقف فقام علي رضي الله عنه فقال له: إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت ، أو لبست فأبليت ، أو أكلت فأفنيت ، فقال: صدقتني ، فقطَّعه وقسمه بين الناس وقال: إن الأخماس يُنفِّل منها (8) من شهد ومن غاب من أهل البلاء فأصاب عليّاً (9) قطعةٌ من البساط فباعها بعشرين ألفاً وما هي بأجود تلك القطع (10)[ق 20/ظ] ولما أُتي (11) عمر رضي الله عنه
بحلي كسرى
(1)"أراد" ليس في ب.
(2)
في ب "عليهم" ، وهو خطأ.
(3)
القطيف: بساط واحد طوله ستون ذراعاً وعرضه ستون ذراعاً كانت الأكاسرة تعده للشتاء. الكامل (2/ 362).
(4)
في ب "صوره" ، وهو خطأ.
(5)
النوار: الزهر ، واحدته نوارة. المعجم الوسيط (2/ 962).
(6)
في ب "فإنه" ، وهو خطأ.
(7)
أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (2/ 466 - 467).
(8)
في ب "فيها".
(9)
في ب "فأصاب عليه" ، وهو تصحيف.
(10)
أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (2/ 467).
(11)
في ب "إلى" ، وهو تصحيف.
وزيّه في المباهاة وزيّه في غير المباهاة وكان له عند كل حالة زيّ قال: عَلَيَّ بمُحَلِّمٍ (1) ، وكان من أجسم عربي يومئذ بالمدينة ، فأُلبس تاجَ كسرى على عمودين وخشب ، ثم صبّ عليه أوشِحَتُه وقلائده وثيابه وأجلس للناس ، فنظر إليه عمر والناس معه فرأوا أمراً عظيماً من أمر الدّنيا وفتنتها ، ثم قام عن ذلك فألبس زيّاً آخر فنظروا إلى مثل ذلك في غير ما نوع ، ثم ألبس سلاحه وقلّد سيفه فنظروا إليه في ذلك ، ونفّل عمر رضي الله عنه مُحَلِّماً سيف كسرى وقال: أحمِق بامرئٍ من المسلمين غرّته الدنيا هل يبلغنّ مغرور منها إلا دون هذا ومثلَه (2)؛ فهذا الذي أوتي محمد عليه الصلاة والسلام أعظم مما أوتي موسى عليه الصلاة والسلام من فلق البحر وميراث آل فرعون ، ثم إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لما فرغوا من هذه الغزوة وبعثوا الأموال إلى عمر رضي الله عنه توجّهوا إلى غزوة أخرى وهي الوقعة المعروفة بجَلُولاء وغيرها لا يَشغلهم ما أصابوا من الأموال والأنفال عن غزو أعداء الله تعالى والجهاد في سبيل الله تعالى ، وقوم موسى عليه الصلاة والسلام لمّا نجوا من البحر أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، قال: إنكم قوم تجهلون ، إنّ هؤلاء متبّر ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون ، وأصحاب (محمد) (3) صلى الله عليه وسلم لما فرغوا من أمر الفرس وانتهى سعد رضي الله عنه إلى إيوان (4) كسرى ورأى المدائن وخُلُوَّها وما تركوا فيها فقرأ:{كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] فصلى سعد رضي الله عنه في الإيوان صلاة (5) الفتح ثمان ركعات لا يفصل بينهنّ (6) ، وأتم الصلاة
(1) قال الكلاعي في الاكتفاء (4/ 250): " هكذا وقع ذكر محلم في هذا الحديث ولا أعرف ولا أعلم في ذلك الصدر من اسمه محلم إلا محلم بن جثامة ويقال إنه توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصته في الدم الذي أصابه والعفو عند وجوب القود ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم لما مثل بين يديه قصة مشهورة ، وقد قيل: إنه عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم فالله أعلم
، وكذلك قيل: إن الذي ألبسه عمر سواري كسرى هو سراقة بن مالك المدلجي".
(2)
أخرجه بنحوه الطبري في تاريخه (2/ 467).
(3)
"محمد" ليس في ب.
(4)
الإيوان والإوان: مجلس كبير على هيئة صفة واسعة لها سقف محمول من الأمام على عقد يجلس فيها كبار القوم. المعجم الوسيط (1/ 33).
(5)
في ب "وصلاة" بزيادة الواو.
(6)
أخرجه الطبري بنحوه في تاريخه (2/ 463 - 464).
يوم دخل المدائن لأنه أراد المقام بها ، وكانت أول جمعة جمعت بالمدائن ، واتّخذ سعد رضي الله عنه الإيوان مصلّى للأعياد واتخذ فيه منبراً؛ فقد تبين فضل محمد صلى الله عليه وسلم على موسى صلى الله عليه وسلم وفضل أمّة محمد صلى الله عليه وسلم على أمة موسى صلى الله عليه وسلم ، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً.
فإن قيل [ق 21/و]: إنّ موسى عليه الصلاة والسلام أتى فرعون وقومَه بالعذاب الأليم الجراد والقمل والضفادع والدّم على ما أخبر الله تعالى في كتابه ، قلنا: نعم هو كذلك وكان لموسى عليه الصلاة والسلام من المنزلة أعظم من هذا ، ولكن لمحمّد صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك ، فإنّ قريشاً لمّا عتوا وتجبّروا ولم يجيبوا (1) إلى الإسلام دعا عليهم محمد صلى الله عليه وسلم أن يعينه عليهم بسنين كسني يوسف فقال:«اللهم اشدد وطأتك على مُضَر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» (2)، فتوالت عليهم السنون بالجَدْب حتى أكلوا العظام والجيف وكان أحدهم ينظر فيما بينه وبين السّماء فيرى كهيئة الدّخان قال الله تعالى:{فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: من الآية 11](فقالوا)(3): {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: 12] فقال الله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 15 - 16] يعني: يوم بدر فإنه لما كشف عنهم
العذاب في الأولى عادوا إلى كفرهم فسلّط الله تعالى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم فانتقم منهم بأن جعل هلاكهم بسيفه ، فشفى صدره وصدور (4) المؤمنين منهم (5).
(1) في ب "يحببوا".
(2)
أخرجه البخاري (1/ 160) ، كتاب الأذان ، باب يهوي بالتكبير حين يسجد ، 804؛ وأخرجه مسلم (1/ 466) ، بنحوه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة ، ح 675.
(3)
"فقالوا" ليس في ب.
(4)
في ب "وصدر".
(5)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 334.
فإن قيل: إن موسى عليه السلام أنزل الله عليه وعلى قومه المن والسلوى وظلّل عليهم الغمام ، قلنا: لمحمّد صلى الله عليه وسلم أفضل من ذلك فإنّ المنّ والسلوى رزق رزقهم الله تعالى كُفُوا فيه السّعي والاكتساب على ماكانوا قد منعوا منه من الطيبات كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: من الآية 160] وكانوا لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى محصورين في التّيه يتيهون ، فهي (1) نعمة في طيّ نَقِمَةٍ تفضّلاً من الله تعالى عليهم ، فإنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم ولا يمنع عاصياً رزقَه المكتوب له لأجل معصيته ، فإنه لابدّ له من القوت أيّام حياته مطيعاً وعاصياً.
فأما محمّد صلى الله عليه وسلم (فإنه)(2) ما أملق (3) أصحابه أو عطشوا إلا دعا لهم (4) بالبركة في الطعام والشراب حتى يكتفوا ويفضل عنهم وكان في ذلك [ق 21/ظ] فضيلة أخرى وهي جعل البركة في القليل حتى يكفي النفر الجليل ، فقد كان يصيب أصحابَه الفاقَةُ في غزواتهم ويَقلّ عليهم الطعام والماء فيدعو بما يكون قد بقي معهم من ذلك ، فيوجَد الشيء اليسير فيدعو فيه فيبارَك فيه حتى يأكلوا ويشربوا ويكتفوا ويفضل منهم (5) كما هو مستفيض في المنقول ، وأحلّ لهم الغنائم ولم يحلّ لأحد كان قبلهم رحمةً لهم ولطفاً بهم لأنّه رأى ضعفهم فأحلّها (6) لهم وقوّاهم بها على عدوّهم وعلى أمور دينهم ودنياهم ، فأدّوا الأمانة فيما أمروا به من اجتناب الغلول (7) وحمل ما يحصل من الغنائم إلى الإمام
ورضاهم بما يحصل لهم بالقسمة كما ذكرنا من خبر قيس بن سعد (8) حين وَجَدَ الحُقَّ
(1) في ب "في".
(2)
"فإنه" ليس في ب.
(3)
أملق إملاقاً: افتقر واحتاج. المعجم الوسيط (2/ 885) ، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي (2/ 579) ، لأحمد الفيومي ، المكتبة العلمية ، بيروت.
(4)
في ب "دعاهم" ، وهو خطأ.
(5)
في ب "فيهم".
(6)
في ب "فأحلت".
(7)
الغلول: وهو الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القِسمة. يقال: غَلَّ في المغنم يَغُلُّ غُلولاً فهو غَالٌّ. وكلُّ مَن خان في شيء خفية فقد غَل. وسُمِّيت غُلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة: أي ممنوعة مجعول فيها غلٌّ وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه. النهاية (3/ 717).
(8)
تقدم ذكر أن الخبر لعامر بن عبدقيس ، وليس قيس بن سعد رضي الله عنه ، انظر: ص 384.
الذي فيه من الأموال ما تستغني به عِدَةُ أهل أبياتٍ غِنَى الأبد فردَّهُ وقال لهم: لولا الله ما رأيتموه؛ وأما قوم موسى عليه السلام فإنه يكفل لهم بأن المنّ (1) والسلوى ينزل عليهم كل يوم قدر كفايتهم وأمرهم أن لا يدّخروا شيئاً فخانوا وخالفوا (2) وادخروا فأنتن ما ادخرُوا وَدَادَ (3) وفسد فقطعه الله تعالى عنهم كما جاء في الحديث: «لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم وَلولا حوّاء لم تخن أنثى زوجَها الدهرَ» (4) فأين هؤلاء من هؤلاء؟ ! وأبلغ من ذلك أنّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يخرجون في غزواتهم فيحصل لهم الحاجة فيجدون ما يكفيهم ويفضل كالذين خرجوا إلى ساحل البحر وقلّت أزوادهم فوجدوا حوتاً قد قذفه البحر فأكلوا منه شهراً وادّهنوا حتى سمنوا (5)؛ وأما دعاؤه صلى الله عليه وسلم لأحاد من الناس بالبركة
ونحو ذلك فيضيق الوقت عن حصْرِه كَعُكّة (6) أم سُلَيم التي أهدت له (فيها)(7) سمناً
(1) في ب "يكفل لهم بالمن".
(2)
في ب "أن لايدخروا فخالفوه".
(3)
في هامش أ "أي صار فيه الدود".
(4)
أخرجه البخاري (4/ 154) ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قول الله تعالى:{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] ، ح 3399؛ وأخرجه مسلم (2/ 1092) ، كتاب الرضاع ، باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر ، ح 1470 ، بلفظ:"لولا بنو إسرائيل ، لم يخبث الطعام ، ولم يخنز اللحم ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر".
(5)
أخرجه مسلم (3/ 1535) ، كتاب الإمارة ، باب إباحة ميتات البحر ، ح 1935 ، من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه ، بلفظ:"بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمَّر علينا أبا عبيدة ، نتلقى عيراً لقريش ، وزوَّدنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره ، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة ، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي ، ثم نشرب عليها من الماء ، فتكفينا يومنا إلى الليل ، وكنا نضرب بعصينا الخبط ، ثم نبله بالماء فنأكله ، قال: وانطلقنا على ساحل البحر ، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا هي دابة تُدعى العنبر ، قال: قال أبو عبيدة: ميتة ، ثم قال: لا ، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا ، قال: فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاث مائة حتى سمنا ، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن ، ونقتطع منه الفدر كالثور ، أو كقدر الثور ، فقلد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً ، فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رحل أعظم بعير معنا ، فمر من تحتها وتزونا من لحمه وشائق ، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرنا ذلك له ، فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم ، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا» ، قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله".
(6)
عُكّة بضم العين وتشديد الكاف: وعاء صغير من جلد للسمن خاصة. شرح النووي على مسلم (13/ 219).
(7)
"فيها" ليس في ب.
فردّها ولم يعصرها فكانت كلّما أرادت (1) سَمْناً أخذت منها حتى عصَرتها ففني فقال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تَعصرها لأخذَتْ منها وقام لها أدم بيتها
…
» الحديث (2) ، وكجراب أبي هريرة رضي الله عنه الذي كان فيه دون عشرين تمرة فدعا فيه بالبركة فأكل وجهّز في سبيل الله كذا وكذا وسقا وبقي يأكل منه ويطعم إلى أن قتل عثمان [ق 22/و] بن عفّان رضي الله عنه ففقد الجراب في تلك الواقعة (3) ، وكشعير عائشة رضي الله عنها الذي دعا فيه فكانت تأكل منه حتى كالته ففني (4) وهذا باب واسع؛ وأيضاً فإنّ بني إسرائيل لمّا رزقوا المنّ والسّلوى كانوا (5) محجوراً عليهم في التّيه ، معاقَبين (6) على مخالفة الأمر بالدخول إلى الأرض المقدّسة لما
احتجوا بأنّ فيها قوماً جبّارين ، فقالوا: إنّا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها ، وقالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ، فجعلهم يتيهون في أرض التّيه تلك المدّة ، فهذا كان حالهم لما أنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى وأصحاب نبيّنا صلى الله عليه وسلم لمّا أمرهم بالقتال قالوا: اوْمُرْنا بما شئت فوالله لو
(1) في ب "أراد" بدون تاء التأنيث.
(2)
أخرجه مسلم (4/ 1784) ، كتاب الفضائل ، باب في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 2280 ، من طريق جابر رضي الله عنه ، بلفظ: "أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمناً ، فيأتيها بنوها فيسألون الأُدم ، وليس عندهم شيء ، فتعمد إلى الذي كانت تُهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ، فتجد فيه سمناً ، فما زال يقيم لها أُدم بيتها حتى عصرته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«عصرتيها» ، قالت: نعم ، قال:«لو تركتيها ما زال قائماً» .
(3)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده (14/ 276) ح 8628 ، من طريق أبي العالية عن أبي هريرة ، بلفظ:"أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً بتمرات ، فقلت: ادع الله لي فيهن بالبركة ، قال: فصفَّهن بين يديه ، قال: ثم دعا ، فقال لي: «اجعلهن في مزود ، فأدخل يدك ولا تنثره» قال: فحملت منه كذا وكذا وسقاً في سبيل الله ، ونأكل ، ونُطعم ، وكان لا يفارق حقوي ، فلما قتل عثمان رضي الله عنه انقطع عن حقوي فسقط"؛ وأخرجه الترمذي (5/ 685) ، بنحو لفظ المسند في أبواب المناقب ، باب مناقب أبي هريرة رضي الله عنه ، ح 3839 ، وقال:"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي هريرة"، وقال الألباني:" حسن الإسناد". صحيح سنن الترمذي (3/ 560) ، للإمام الألباني ، الطبعة الأولى 1420 ، مكتبة المعارف ، الرياض.
(4)
أخرجه البخاري (8/ 96) ، كتاب الرقاق ، باب فضل الفقر ، ح 6451؛ وأخرجه مسلم (4/ 2282) ، كتاب الزهد والرقائق ، ح 2973 ، عن عائشة رضي الله عنها ، بلفظ:"لقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وما في رفِّي من شيء يأكله ذو كبد ، إلا شطر بعير في رف لي ، فأكلت منه ، حتى طال عليَّ ، فَكِلته ففني".
(5)
في ب "كان".
(6)
في ب زيادة "كانوا" قبل "معاقَبين".
أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ، إنّا لا نقول كما قال أصحاب موسى لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا (إنّا هاهنا قاعدون ، بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا)(1) إنا معكم مقاتلون (2) ، وقد تقدم هذا المعنى؛ فكان ما أعطي أصحاب موسى عليه السلام في مقام الرحمة ، وما أعطي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في مقام الكرامة والنعمة.
فإن قيل: إن موسى عليه السلام أعطي العصا لما حضرت السّحرة وألقوا حبالهم وعصيّهم ألقى موسى عليه السلام عصاه فتلقفت ما صنعوا واستغاث فرعون بموسى (3) عليه السلام رهبة وفرقاً منها ، قيل: فقد أُعطي (4) محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك ، وذلك أن أبا جهل بن هشام قال: يا معشر قريش إن محمّداً قد أبى إلا ماترون من عيب ديننا ، وشتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وإني أعاهد الله لأجلسنَّ له بحجر قدر ما أطيق حَمله ، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسَه ، فأسلموني (عند ذلك)(5) أو امنعوني ، فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم ، قالوا: لا والله لا نُسْلِمُكَ لشيء أبداً فاصنع ما تريد ، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف وجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو ، فقام يصلّي وقد قعدت قريش في أنديتهم [ق 22/ظ] ينتظرون ما أبو جهل صانع ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دَنا منه رجع مَبْهوُتاً ، مُنتقعاً لونه مَرْهُوباً ، قد يبسَتْ يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده
، وقامت (6) إليه رِجَالاتُ قريش وقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة ، فلما دنوت منه عَرض لي دونه فحل من الإبل ، (لا)(7) والله ما
(1) ما بين القوسين ليس في ب.
(2)
أخرجه الطبري في تفسيره (10/ 185)، قال الألباني:"وهذا إسناد مرسل صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين". انظر: هامش السلسلة الصحيحة (9/ 121) ح 3341.
(3)
في ب "لموسى".
(4)
في ب "قيل فأعطي" بدون "قد".
(5)
"عند ذلك" ليس في ب.
(6)
في ب "ثم قامت".
(7)
"لا" ليس في ب.
رأيت مثل هامته ولا قَصَرته ولا أنيابه ، فهمّ أن يأكلني ، فيُذكر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«ذاك جبريل لو دنا منّي لأخَذَه» (1)، وفي رواية أخرى: فلمّا أتاه وهو ساجد رفع يده وفيها الفِهرُ ليَدْمغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم (زعم)(2) ، فيبست يده على الحجر (3) ، فلم يستطع إرسال الحجر من يده ، فرجع إلى أصحابه فقالوا: أجَبُنتَ عن الرجل؟ ! فقال: لم أفعل ، ولكن هذا في يدي لا أستطيع إرسالَه ، فعجبوا من ذلك فوجدوا أصابعه قد يبست على الحجر فعالَجوها حتى خلصوها وقالوا: هذا شيء يُراد (4)، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل (5): هل يغفّر محمّدٌ وجهه بين أظهركم ، فقيل: نعم ، (فقال) (6): واللات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته أو لأعفِّرنَّ وجهه في التراب -قال-: فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم لِيَطَأ على رقبته ، فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه (7) -قال-: فقيل له: مالك ، قال: إنّ بيني وبينه لخندقاً من نار وهَولاً وأجنحةً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو دَنا مني لاختطفته الملائكة عُضواً عضواً
…
» الحديث (8)؛ فكيد سحرة فرعون وإن كان عظيماً فإنه كان لأجل فرعون إما رغبة وإمّا رهبة فلا يوازي كيد أبي جهل إذ كان يجهد لنفسه بنفسه في أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَشفي غيظ قلبه منه ، وليس من يسعى ويجهد لغيره في القوّة كمن يسعى لنفسه ، ثم إن من نُصر به محمد صلى الله عليه وسلم كان جبريل والملائكة عليه وعليهم السلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لو دنا منّي لاختطفتهُ الملائكةُ [ق 23/و] عضواً عضواً» (9) ،
(1) أخرجه البيهقي في الدلائل (2/ 65) ، وأخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (1/ 205) ح 156.
(2)
"زعم" ليس في ب.
(3)
في ب "حجره".
(4)
أخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (1/ 199) ح 152.
(5)
في ب "أبو جعفر" ، وهو خطأ.
(6)
"فقال" ليس في ب.
(7)
في ب "ببدنه" ، وهو تصحيف.
(8)
أخرجه مسلم (4/ 2154) ، كتاب صفة القيامة والجنة والنار ، باب قوله:{كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)} [العلق: 6 - 7] ، ح 2797.
(9)
تقدم تخريجه في الحديث السابق.
فهو أعظم مما نُصِر به موسى عليه الصلاة والسلام فإنه كان الثعبان المنقلب عن العصا وبينه وبين جبريل بَوْنٌ [بعيد](1) عظيم.
فإن قيل: انقلاب العصا الجماديّة ثعباناً حيّاً آية عظيمة وفضيلة جسيمة لموسى عليه السلام ، قيل: لمحمد صلى الله عليه وسلم أمثالها وأعظم فإنه قد سبّح الحصى في يده وفي يد أصحابه (2) فهذه حياة في جمادٍ ونطق بتسبيح يسمعه من حَضر ، وكذلك سبح الطعام وهو يؤكل بحضرته (3) ، والأحجار قد سلمت عليه (4) ، والأشجار قد دعاها فأقبلت
إليه (5) ، وكذلك العذق دعاه فنزل من رأس النخلة ينقز حتى وقف بين يديه فشهد برسالته ثلاثاً
(1)"بعيد" زيادة من ب.
(2)
أخرجه البيهقي في الدلائل (6/ 207) ح 2314 ، من طريق أبي ذر رضي الله عنه ، بلفظ:"لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته، كنت رجلا أتتبع خلوات رسول صلى الله عليه وسلم وسلم فرأيته يوماً جالساً وحده، فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه، فجاء أبو بكر فسلم ثم جلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء عمر فسلم فجلس عن يمين أبي بكر، ثم جاء عثمان فسلم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات، فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنيناً كحنين النحل ، ثم وضعهن فخرسن ، ثم أخذهن فوضعهن في يد أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنيناً كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنيناً كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنيناً كحنين النحل، ثم وضعهن فخرسن". وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (2/ 163) ح 522 ، وأخرجه البزار بنحوه في مسنده من طريق سويد بن زيد عن أبي ذر (9/ 431) ح 440 ، ومن طريق جبير بن نفير عن أبي ذر (9/ 434) ح 4044 ، قال الهيثمي:"رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات وفي بعضهم ضعف". مجمع الزوائد (8/ 527) ح 14103 ، وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (2/ 543) ح 1146 ، قال الألباني:"حديث صحيح ، ورجال إسناده ثقات غير عبدالحميد بن إبراهيم وهو أبو تقي فيه ضعف من قبل حفظه ، ولكنه قد توبع". السنة لابن أبي عاصم لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة (2/ 543) ، لمحمد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الأولى 1400 ، المكتب الإسلامي ، بيروت.
(3)
أخرجه البخاري (4/ 194) ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3579 ، من طريق عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، بلفظ:"كنا نعد الآيات بركة ، وأنتم تعدونها تخويفاً ، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقَل الماء ، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» ، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ، ثم قال: «حيَّ على الطهور المبارك ، والبركة من الله» ، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل".
(4)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 374.
(5)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 372.
ثم عاد ينقز إلى مكانه (1) ، وكذلك حنّ الجذع اليابس إليه حين فارقه فلمّا جاءه واحتضنه سكن (2).
فإن قيل: إن موسى عليه السلام لما وفد بخيار قومه وهم سبعون نَفْساً إلى الله تعالى وكانوا من أفاضلهم فلمّا صاروا في البَرِّيَّةِ غلب رَوحُ القُرْبة على قلبه ، وتحقق صدق الإجابة ، وظاهَرَهُ قوة الوصول ، أسرَعَ إلى ربّه ناسياً لقومه لما وجد من الوله قاصداً للمناجاة فقال الله تعالى (له) (3):{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى} [طه: 83] فقال: {هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: من الآية 84] ، وهذه حالة شريفة خصّ بها موسى عليه الصلاة والسلام دون سائر المرسلين عليهم السلام ، عبّر عن نفسه ودلّ على قصده ومراده ، قيل: إنّ الله عظّم شأن محمّد صلى الله عليه وسلم في آيتين أعلمه (فيهما)(4) رضاه عنه وأعطاه سؤله ومناه من غير سؤال منه ولا رغبة تقدمت منه فقال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: من الآية 144]، وقال في الآية الأخرى:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 5] فمنحه رضاه وأعطاه مُناه في جميع مايهواه ويتمنّاه ، وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام سألوا وطلبوا رضى مولاهم ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لما أنزلت هذه الآية: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} [الأحزاب: من الآية 51] قلتُ: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك"(5)، وخصه مع الرضى بالرحمة والرأفة [ق 23/ظ] فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
…
} الآية [آل عمران: 159] وكان رقيق القلب ، وأمر الله تعالى
(1) تقدم تخريجه ، انظر:373.
(2)
تقدم تخريجه ، انظر: ص 372.
(3)
"له" ليس في ب.
(4)
"فيهما" ليس في ب.
(5)
أخرجه البخاري (6/ 117) ، بنحوه في كتاب تفسير القرآن ، باب قوله تعالى:{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ} [الأحزاب: من الآية 51] ، ح 4788.
موسى عليه السلام بالملاينة لفرعون لما كان فيه من الفظاظة والغلظة وقال له ولأخيه: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: من الآية 44]، وذكر عن محمّد صلى الله عليه وسلم الملاينة والرأفة وأمره بضدّها فقال:{وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: من الآية 73] وإنّ لكلّ مقام مقالاً ، والذي اشتهر من حال موسى عليه الصلاة والسلام الحدّة وقلة التماسك عند ورود الملمات عليه كما فعل في إلقاء الألواح وفي أخذه برأس أخيه ولحيته وجرّه إليه ، وروى زيد بن (أسلم) (1) عن أبيه:"أن موسى عليه السلام كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً" من شدّة غضبه ذكره الثعلبي (2) ، ومحمد صلى الله عليه وسلم بُولغ في أذاه وفي خِلافه (3) وعداوته حتى ألقوا على ظهره السَّلا والفرث والدّم وهو ساجد ، وضربوه حتّى أدموه إلى غير ذلك من أصناف الأذى فعلاً وقولاً ، فقال:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (4) ، فكان عاقبة الصّبر النصر ، وأثنى الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم في سَعَةِ خُلقه وحسن سيرته وجميل صبره فقال:{وَإِنَّكَ (5) لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]؛ وأما شوقهُ صلى الله عليه وسلم إلى ربّه تعالى ولقائه (فإنّه)(6) حين جاءه (7) نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، وأكمل له الدّين وأتم عليه النعمة ، وكان العيش عند ذلك مطلوباً وطول البقاء في الدنيا محبوباً مَرِض فَخُيّر بين الحياة وبين لقاء رَبّه ، فاختار لقاء ربّه ولم يزل يقول:«الرفيق الأعلى» (حتى)(8) قُبض صلى الله عليه وسلم (9) ، وموسى
(1)"أسلم" ليس في ب.
(2)
لم أقف عليه في كتب الثعلبي ، وقد أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (61/ 161) ، وذكره ابن القيم في الروح (1/ 234) ، 1395 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
(3)
في ب "بولغ في أذاه بخلافه".
(4)
أخرجه البخاري (4/ 175) ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب حديث الغار ، ح 3477.
(5)
في ب {إِنَّكَ} بدون الواو.
(6)
"فإنه" ليس في ب.
(7)
في ب "جاء" بدون الهاء.
(8)
"حتى" ليس في ب.
(9)
أخرجه البخاري (6/ 10) ، كتاب المغازي ، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، ح 4438 ، من طريق عائشة رضي الله عنها ، بلفظ:«في الرفيق الأعلى» ؛ وأخرجه مسلم (4/ 1894) ، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، باب في فضل عائشة رضي الله تعالى عنها ، ح 2444 ، بلفظ:«اللهم الرفيق الأعلى» .
عليه الصلاة والسلام لمّا حضره ملك الموت ليقبض رُوحَه لطمه ففقأ عينه كما ثبت ذلك في الصحيح ، فرجع ملك الموت (إلى ربّه) (1) فقال: "ياربّ إنّك أرسلتني إلى عبد لك لايحب الموت وقد فقأ عيني فردّ الله عليه عينه
…
" الحديث (2)؛ ثم أين أصحاب موسى الذين اختارهم لميقات ربّه ثم تهجّموا على ربهم فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعاً فقال [ق 24/و] موسى: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي ، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ، رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل (3) وقد أهلكت خيارهم ، فلم يزل موسى يناشد ربَّه حتى أحياهم الله عز وجل (جميعاً) (4) رجلاً بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض (5) كيف يُحيَوْن فذلك قوله عز وجل:{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56](6) فهؤلاء الذين اختارهم موسى من قومه ، وقد روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا راح منّا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كالسبعين الذين وفدوا مع موسى عليه السلام وأفضل» (7) ، وأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فإن الإيمان كان أرسخ في (8) قلوبهم من الجبال الراسيات ، منهم من يغرر بنفسه ومالِه في نصرة الدين ، ومنهم من يهجر ولده ، ومنهم من يطلق زوجته ، ومنهم من يقتل قريبه ونسيبه ، ومنهم مَن يُعْرَض على القتل فيختار القتل والموت على الإسلام
(1)"إلى ربه" ليس في ب.
(2)
أخرجه البخاري (2/ 90) ، كتاب الجنائز ، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها ، ح 1339؛ وأخرجه مسلم (4/ 1842) ، كتاب الفضائل ، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم ، ح 2372 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ: " أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله إليه عينه
…
" واللفظ لمسلم.
(3)
في ب تكرار "إلى بني إسرائيل" ، وهو خطأ.
(4)
"جميعاً" ليس في ب.
(5)
في ب "ينظر بعضهم بعضاً".
(6)
انظر: تفسير الثعلبي (1/ 199 - 200).
(7)
أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (1/ 244) ح 799 ، قال الهيثمي:"رواه الطبراني في الأوسط وفيه أحمد بن بكر البالسي ، قال الأزدي: كان يضع الحديث" مجمع الزوائد (2/ 395) ح 3078؛ وقال الألباني: "موضوع". ضعيف الجامع الصغير (1/ 71) ح 1512.
(8)
في ب "إلى".
ولا يكفر ، ومنهم من يُعَذّب بأنواع العذاب كصهيب وبلال رضي الله عنهما وأرضاهما ونحوهما ، ومنهم من يقول:
ولست أبالي حين أُقتل مسلماً
…
على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
…
يبارك على أوصال شلو ممزّع (1)
وهو خُبَيب رضي الله عنه إلى غير ذلك من أحوال كثير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين.
فإن قيل: قد أكرم الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام بأن ألقى له المحبة في القلوب وكان بين عينيه نور لاينظر إليه أحد إلا أحبّه قال الله تعالى: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي} [طه: من الآية 39] وهذا أحد الأقوال في هذه المحبّة وهو الوارد في هذا المكان ، قيل: إنما كان ذلك في صغره لشدّة الحاجة إلى ذلك ، لأنه عليه الصلاة والسلام أُلقي في البحر وكان الأطفال في ذلك الوقت تذبح ولاتستبقى حتى (2) أُخرج من اليَمِّ والتقطه آل فرعون وجعلوا يطلبون (له) (3) المراضع ليُنْفذ الله تعالى حكمه ويمضي قدَره فقالت أخت موسى [ق 24/ظ]:{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: من الآية 12] ، فكان أولَ ما أخرج من اليمّ أحبّه (4) فرعون وامرأته حتى ربَّوه في دار المملكة (مكرماً)(5) معززاً إلى أن نشأ وكان من شأنه ما كان ، فظهر له منهم ومن بني إسرائيل من العداوة والشنآن ما الله به العليم حتى من أهله كقارون ونحوه فإنه لما قال لبني إسرائيل: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ
الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ (6) لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: من الآية 128] ،
(1) أخرجه البخاري (9/ 120) ، كتاب التوحيد ، باب ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ، بلفظ:"على أيِّ شق كان لله مصرعي".
(2)
في ب "حين".
(3)
"له" ليس في ب.
(4)
في ب "أخت".
(5)
"مكرماً" ليس في ب.
(6)
في ب "والعاقية" ، وهو خطأ ظاهر.
أجابوه بأبشع جواب وأشنعه فقالوا: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: من الآية 129] فقال لهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: من الآية 129] فكان رَدُّه (1) عليهم بهذا اللطف عن ذاك (2) الجفاء والغِلظة ، وأظهروا خلافه فيما أمرهم به من الدخول على الجبابرة في الأرض المقدّسة حتى قالوا (إنّا)(3) لن ندخلها أبداً ماداموا فيها كما تقدم ، وكما نهاهم عن الصيد يوم السبت فاحتالوا في حبس الحيتان ، وكما نهاهم عن الإدخار من المن والسلوى فادخروا ، ولما (4) غاب عنهم زمن المناجاة عَبَد العجل منهم الجم الغفير ، وقارون القريب النسيب (5) جرى في حقّه منه ما جرى وعاداه العداوة البليغة ، والسامري الذي كان من عظماء بني إسرائيل (6) نافَق وعمل ما عمل وكل ذلك في كبره وفي زمان النبوّة ، ولم يُسْلِمْ له ممن أحبّه طفلاً إلا امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون ، وقد قال لمحمد صلى الله عليه وعليه وسلم ليلةَ الإسراء: إنه عالج بني إسرائيل أشد المعالجة (7) ، واقترحوا عليه من الأمور المنكرة والأمور الدينية ما عُرف
به سوء أدبهم (معه)(8) وقلّة [معرفتهم و](9) احترامهم إياه ، كما أنه لما كان يعتزلهم في
(1) في ب "فرده".
(2)
في ب "ذلك".
(3)
"إنا" ليس في ب.
(4)
في ب "لما" بدون الواو.
(5)
قال بدر الدين العيني في قارون: "وفي نسبه إلى موسى ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان ابن عمه قاله سعيد بن جبير عن ابن عباس وبه قال ابن جريج وعبد الله بن الحارث ، والثاني: ابن خالته رواه عطاء عن ابن عباس ، والثالث: أنه عم موسى قاله ابن إسحاق". عمدة القاري (23/ 352).
(6)
قال قتادة: "كان السامري عظيماً من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدوّ الله نافق بعدما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلمّا مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فاغتنمها السامريّ، فاتّخذ العجل
…
". تفسير الثعلبي (6/ 258).
(7)
أخرجه البخاري (4/ 109) ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، ح 3207.
(8)
"معه" ليس في ب.
(9)
"معرفتهم و" زيادة من ب.
مغتسلهم وكانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم (سوءة)(1) بعض ، وكان موسى عليه الصلاة والسلام ستيراً فكان يغتسل وحده فقالوا: ما يمنع أن يغتسل معنا إلا أنّ به أدرة (2) أو آفة فقال الله لهذه الأمّة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا
…
} الآية (3)[الأحزاب: 69](4) ، وكما ذكرنا من سؤال الذين اختارهم أن يروا ربّهم جهرة ، والذين قالوا: ادع لنا ربّك يخرج لنا مما تنبت الأرض [ق 25/و] من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها ، قال: أتستبدلون الذي (5) هو أدنى بالذي هو خير ، وتعنّتهم في سؤالهم عن البقرة التي (6) أُمِرُوا بذبحها مرّةً بعد مرّةٍ (7) ، ولو أنهم ذبحوا بقرةً (في)(8) أوّل مرّةٍ أيّ شيء كانت لأجزأت عنهم ، لكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم ، فأمّا محمد (9) صلى الله عليه وسلم فإن محبّته كانت مغروزة في قلوب الخلق في صغره وكبره حتى إن الكفار الذين كانوا يخالفونه وينابذونه كان في قلوبهم منه هيبة ، وكان عندهم موقراً معزّزاً ، وكان يسمى فيهم الأمين ، وإذا قال قولاً لايشكّون في صدقه حتى عن الغائبات ، كما قيل لبعضهم (10) إن محمداً يزعم أنه قاتلك فقال: والله مايكذب محمد إذا حدّث [به](11) ،
(1) في ب "سوء".
(2)
الأدرة بالضم: نفخة في الخصية. النهاية في غريب الأثر (1/ 60).
(3)
في ب ذكر الآية بتمامها.
(4)
أخرجه البخاري (4/ 156) ، بنحوه في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب حديث الخضر مع موسى عليهما السلام ، ح 3404.
(5)
في ب "بالذي" بزيادة الباء.
(6)
في ب "الذي".
(7)
في ب "أخرى".
(8)
"في" ليس في ب.
(9)
في ب "فامحمد" ، وهو خطأ.
(10)
وهو أمية بن خلف؛ والقصة أخرجها البخاري (4/ 205) ، كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3632.
(11)
"به" زيادة من ب.
وبقي (1) ذلك الرجل متحرزاً مدّة حتى أنفذ (2) الله فيه حكمه بما وَعَد به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وما أظهروا عداوته إلا لما سَبّ آلهتهم وضلّل آبائهم وسفّه أحلامهم على عبادة غير الله.
فأمَّا محبّة المؤمنين له عليه الصلاة (والبركة)(3) والسلام فأمر ظاهر لايحتاج إلى برهان ، فإنه لما دعى (4) خواصهم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وعوامَهم رضي الله عنهم ، وآمنوا به ، أمرهم بالهجرة من بلادهم وعن أولادهم وعن قومهم وآبائهم وأمهاتهم وعشائرهم ومساقط رؤوسهم وأوطانهم ، هاجر أناس إلى الحبشة وأناس إلى غيرها ، وهجروا الأهل والمساكن والعشائر ، ولايخفى محبة العرب لعشائرهم وقومهم وشدّة خوفهم إذا بَعُدوا عنهم أو فارقوهم إلى غيرهم ، فهاجر من هاجر من مكّة وهي مركز دينهم وموضع شرفهم وعبادتهم التي فخروا بها على جميع الأمم وحسدهم عليها جميع الطوائف فتركوا بها الأهل والأموال ، وهاجروا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم رغبةً في الدين ومحبّة له حتى إنهم يوم بدر تكلموا في الأسارى فأشار كل قوم بما عندهم ، فقال عمر رضي الله عنه:"ما أرى الذي رأوا ولكن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليّاً من عَقيل فيضرب (5) عنقه ، وتمكّنني من فلان [ق 25/ظ] نسيب لعمر فأضرب عنقه ، فإنّ هؤلاء صناديد الكفر وأئمّته"(6)، وفي صلح الحديبية يقول قائل (7) الكفّار (8): والله ما رأيتُ أحداً يعظّم أحداً مايعظّم محمّداً أصحابُه ، لقد دخلت على الملوك فما رأيت قومهم يعظّمونهم كما يعظم محمّداً أصحابُه ، فإنهم إن تكلم أنصتوا ولا يرفعون أصواتهم عنده
إجلالاً له ، وما تنخّم نخامةً إلا وقعت في يد رجل منهم فدلك بها وجهه وجسده؛ ومثل
(1) في ب "ونفى" ، وهو تصحيف.
(2)
في ب "أنفذه" بزيادة الهاء ، وهو خطأ.
(3)
"والبركة" ليس في ب.
(4)
في ب "ادعى" بزيادة الهمزة ، وهو خطأ.
(5)
في ب زيادة "به" بعد "فيضرب".
(6)
أخرجه مسلم (3/ 1383) ، بنحوه في كتاب الجهاد والسير ، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم ، ح 1763.
(7)
في ب "قاتل الله".
(8)
وهو عروة بن مسعود رضي الله عنه ، والخبر أخرجه البخاري (3/ 193) ، كتاب الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ، ح 2731.
هذا كثير في الصحابة رضي الله عنهم؛ فأما الأنصار من أهل المدينة (1) فبايعوه بالأنفس والأموال والأولاد مع ماقيل لهم عند ذلك: إنّ هذا الأمر إن فعلتموه رمَتْكم العرب عن قوس واحدة (2)، فحملهم حُبُّهم له على معاداة جميع العرب ومحاربة جميع الخلق وقالوا: والذي بعثك بالحق لنمنعنّك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا ، فبايعوه وآووه (3) إلى بيوتهم ونصروه وعزّروه وواسوه له ولأصحابه ، ولما أمرهم بالقتال قالوا: والله لو أمرتنا أن نُخيضها البحر لأخضناها كما تقدّم ، ولما قال:«لن (4) يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وأهله وماله» (5)، فقال عمر: والله إنك لأحبُّ إليّ مِن كلّ شيء إلا نفسي ، فقال (له) (6):«لا حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» ، فقال: والله لأنتَ الآن أحبّ إليّ من نفسي ، فقال:«الآن يا عمر» (7) ، وهذا باب واسع في محبة أصحابه رضي الله عنهم (له)(8) صلى الله عليه وسلم ، ومحبة المؤمنين بَعْدَهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم عمن يأتي بعده حيث قال:«يأتي من بعدي قومٌ يَوَدّ أحدهم لو رآني بأهله وماله» (9) ، فهو كذلك بأبي وأمّي هو صلى الله عليه وسلم ، فمحمد وموسى صلى الله عليهما وسلم محبّتهما في قلب كل سعيد ، وكلما عظمت محبة الله للعبد أعظم محبّته في قلوب عباده ، ومحبّة الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر ،
فمحبته في قلوب الخلق أعظم ، وقد روى ثابت البُناني أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «موسى
(1) في ب "يثرب".
(2)
القائل هو: بحيرة بن فراس القشيري ، والخبر أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية (3/ 172 - 173)، بلفظ:"ما أعلم أحدًا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشد من شيء ترجعون به بدء ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة".
(3)
في ب "وأدوه".
(4)
في ب "لو" ، وهو خطأ.
(5)
أخرجه مسلم (1/ 67) ، كتاب الإيمان ، باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة ، ح 44 ، بلفظ:«لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين» .
(6)
"له" ليس في ب.
(7)
أخرجه البخاري (8/ 139) ، بنحوه في كتاب الإيمان والنذور ، باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 6632.
(8)
"له" ليس في ب.
(9)
أخرجه مسلم (4/ 2178) ، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب فيمن يود رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بأهله وماله ، ح 2832، بلفظ:«من أشد أمتي لي حباً ، ناس يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله» .
صفي الله وأنا حبيب الله» (1) ، ولا يخفى مابين الكليم والحبيب من التفاضل ، ولعظم منزلة محمّد صلى الله عليه وسلم عند الله في المحبّة لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله [ق 26/و]عز وجل:{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضُّحى: 1 - 5](2).
وأما تكليم الله لموسى عليه السلام ففضيلة عظيمة ولمحمّد صلى الله عليه وسلم مثلها وأعظم منها ، فإن موسى عليه الصلاة والسلام قد كلّمه الله تعالى وموسى في الأرض ، ومحمد صلى الله عليه وسلم كلّمه الله تعالى وهو في مقام قاب قوسين أو أدنى من فوق سبع سموات بما الله به عليم من العلوّ ، وموسى عليه السلام سأل رَبَّه الرّؤية فمُنِعها ، ومحمد صلى الله عليه وسلم أُعطِيها من غير سؤال ليلةَ المعراج في أحد قولي العلماء (3)، قال الله تعالى:{وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء: من الآية 55].
(1) أخرجه الدارمي في سننه (1/ 200) ، كتاب دلائل النبوة ، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ، ح 55 ، قال المحقق حسين الداراني:"في إسناده علتان: عبدالله بن صالح والانقطاع"؛ وقد تقدم التعليق على تفضيل وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالحبيب على الخليل ، انظر: ص 320 - 321.
(2)
أخرجه البخاري (6/ 182) ، كتاب فضائل القرآن ، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل ، ح 4983 ، من طريق الأسود بن قيس عن جندب ، بلفظ: "اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة ، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل الله عز وجل:{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضُّحى: 1 - 3]؛ وأخرجه مسلم (3/ 1422) ، بنحو لفظ البخاري في كتاب الجهاد والسير ، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين ، ح 1797.
(3)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الرؤية: فالذي ثبت فى الصحيح عن ابن عباس أنه قال: رأى محمد ربه بفؤاده مرتين، وعائشة أنكرت الرؤية. فمن الناس من جمع بينهما ، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين ، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد، والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد، تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد، ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الامام أحمد تارة يطلق الرؤية وتارة يقول: رآه بفؤاده؛ ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين ، وليس فى الأدلة ما يقتضى أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا فى الكتاب والسنة ما يدل على ذلك ، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل كما فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنَّى =
فإن قيل: قد قال الله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]، قيل: لايخفى مافي أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أئمة الهُدى والعدل ، وأئمة الهُدى والفقه كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وعثمان وعلي وغيرهم من أئمة الهدى والعدل ، ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبيّ وإنه لانبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا ، قال:«فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل وأعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم» (1) ، وكأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء ممن يهتدى به ويعدل في الأمة ، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى تقوم الساعة وهم ظاهرون» (2) وليس هذا في غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه النعمة ببركة قولهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم: سمعنا وأطعنا ، فإن الله خفف عنهم وغفر لهم ورفع عنهم الأغلال والآصار؛ وقوم موسى لما قالوا: سمعنا وعصينا ، ثقل عليهم وعاقبهم وجعل الآصار والأغلال عليهم والذل إلى يوم القيامة ، وسلبهم بركةَ الطاعة فجعلها في غيرهم وسلطهم عليهم كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ
…
} الآية [النساء: 160] ، وفي الجملة ففي [ق 26/ظ]
= أراه» ، وقد قال تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: من الآية 1] ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى، وكذلك قوله:{أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18] ولو كان رآه بعينه لكان ذِكْرُ ذلك أولى ، وفي الصحيحين عن ابن عباس في قوله:{وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} [الإسراء: من الآية 60] قال هي رؤيا عين أُريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به وهذه (رؤيا الآيات) لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه". مجموع الفتاوى (6/ 509 - 510).
(1)
أخرجه مسلم (3/ 1471) كتاب الإمارة ، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ، ح 1842.
(2)
أخرجه أحمد بنحوه في مسنده (28/ 116) ح 16911 ، قال الألباني في سنده:"وهذا سند صحيح على شرط مسلم". السلسلة الصحيحة (4/ 470) ح 1971؛ وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى في الصحيحين.
مسائل موسى عليه الصلاة والسلام ربَّه تعالى أنّه رأى في التوراة أمّةً صفتها كذا وكذا: ياربّ فاجعلها أمّتي ، فيقول ربّه: تلك أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم ، فقال: إني أجد في التوراة أمّة صفتهم كذا وكذا فاجلعهم أمتي ، قال (1) له ربّه: تلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، مراراً كثيرة يذكر أمّةً يجدهم في التوراة بصفات من الخير جليلة فيسأل ربّه أن يجعلهم أمّته وكل ذلك يقول له: تلك أمّة محمد صلى الله عليه وسلم (فلما رأى الخير كله في أمّة محمّد ، قال: يارب فاجعلني من أمّة محمّد)(2)(3)، والحديث الصحيح الذي رواه جابر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال:«أمتهوّكون (4) فيها يا ابن الخطّاب ، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه السلام كان حيّاً ما وسعه إلا أن يتبعني» (5)، وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو بدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضلَلتم عن سواء السبيل ، ولو كان موسى حيّاً ثم أدركني في نبوّتي لاتبعني» (6)، وهذه من خصائص محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: من الآية 81] ، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في محمد صلى الله عليه وسلم لئن أدركوه ليؤمننّ به
(1) في ب "فقال" بزيادة الفاء.
(2)
ما بين القوسين ليس في ب.
(3)
أخرجه ابن عساكر بنحوه في تاريخ دمشق (61/ 120)، وأخرجه الطبراني في تفسيره (13/ 123 - 124)؛ قال الدكتور محمد أبو شهبة:"إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه". الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 265 ، الطبعة الرابعة ، مكتبة السنة.
(4)
التهوك: كالتهوُّر ، وهو الوقوع في الأمر بغير رويَّة ، وقيل: هو التحيّر. النهاية (5/ 660).
(5)
أخرجه أحمد في مسنده (23/ 349) ح 15156؛ قال الهيثمي: "وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما". مجمع الزوائد (1/ 174).
(6)
أخرجه الذهبي في السير (13/ 324) من طريق مجالد عن الشعبي عن جابر رضي الله عنه ، وقال:"هذا حديث غريب ، ومجالد ضعيف الحديث". سير أعلام النبلاء (13/ 325).