المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلوأما ما أوتي سليمان عليه الصلاة والسلام - خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب

[السرمري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة التحقيق

- ‌المبحث الأولالتعريف بالكتاب

- ‌المطلب الأول: اسم الكتاب:

- ‌المطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:

- ‌المطلب الثالث: موضوع الكتاب ، ومجمل مباحثه:

- ‌المطلب الرابع: أهمية الكتاب ، وقيمته العلمية:

- ‌المطلب الخامس: منهج المؤلف فيه:

- ‌المطلب السادس: مصادره في الكتاب:

- ‌المطلب السابع: تقويم الكتاب:

- ‌المبحث الثانيالتعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات

- ‌المطلب الأول: التعريف بالخصائص:

- ‌المطلب الثاني: التعريف بالمناقب:

- ‌المطلب الثالث: التعريف بالمعجزات:

- ‌المبحث الثالثوصف النسخ الخطية

- ‌النسخة الأولى:

- ‌النسخة الثانية:

- ‌النسخة الثالثة:

- ‌نماذج من النسختين الخطية

- ‌فصلاعلم أن التفضيل إنما يكون إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لايوجد للمفضول مثلُه

- ‌فصلفأمّا فضيلة نوح عليه السلام فظاهرة

- ‌الكلام على تفضيل هذه الأشياء وأنَّ ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم منها مثلُها أو ما يوازيها على أتم مما أوتيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأكمل وأفضل

- ‌فصلوأما عيسى صلى الله عليه وسلم فَرُوح الله ، وكلمته

- ‌فصلقال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [

- ‌فصلوأما صالح عليه السلام

- ‌فصلوأما ردّ الشمس ليوشع بن نون عليه السلام

- ‌فصلوأما داود عليه السلام

- ‌فصلوأما ما أوتي سليمان عليه الصلاة والسلام

- ‌فصلوأمّا الخصائص التي اختصّ بها محمد صلى الله عليه وسلم دون غيره

- ‌فصلومن خصائص محمد صلى الله عليه وسلم أيضاً تضاعُف الصلاة على من صلى عليه

- ‌ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنّه لما ولد فخرج من بطن أمّه [ق 62/و] وقع صلى الله عليه وسلم على الأرض ساجداً

- ‌فصلومن خصائصه صلى الله عليه وسلم التي اختصّ بها دون الأمّة أنه لم يكن يحتلم قط

- ‌فصلفي طيب ريحه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلومن خصائصه أنه لم يكن أحَدٌ يَغلِبه بالقوّة

- ‌فصلومن خصائصه صلى الله عليه وسلم في أسمائه

- ‌فصلومن خصائصه صلى الله عليه وسلم الإسراء

- ‌فصلواختص بأن جمع فيه معاني وصفات لم تجتمع في غيره

- ‌فصلوفي حديث الإسراء والمعراج فوائد جليلة

- ‌فصل جامع لمقاصد الكتاب

- ‌فصلفيما خصه الله تعالى به في الآخرة

- ‌فهرس المصادر والمراجع

الفصل: ‌فصلوأما ما أوتي سليمان عليه الصلاة والسلام

‌فصل

وأما ما أوتي سليمان عليه الصلاة والسلام

فإنه قال: رب اغفر لي وهب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ، يقول الله تعالى:{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 36 - 39] فقد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم قال: «زُوِيَتْ لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها» (1) وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض فأباها [وردها](2) بحذافيرها وعرضَ له أن يجعل (له)(3) بطحاء مكّة ذهباً فقال: «لا يا رب - ثلاثاً-[ق 41/و] ، فإذا جُعتُ تضرّعتُ إليك وذكرتُك ، وإذا شبعتُ حمدتك وشكرتك» (4) واختار صلى الله عليه وسلم أن يجوع يوماً ويشبع يوماً فإذا جاع صَبر وتضرّع إلى الله ، وإذا شبع حمد الله

وشكره (5) ، وهاتان الحالتان الصبر والشكر هما من أرفع مراتب العبادة التي يحصل بها المُلْك الكبير الذي لا ينقطع وهو صلى الله عليه وسلم مَلِك الآخرة من بني آدم ، وفي حديث جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أُتيتُ بمقاليد الدنيا على فرس أبلق» كما سيأتي ، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها:«يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب ، جاءني ملك إنّ حُجزته (6) لَتُسَاوِي الكعبةَ ، فقال: إنّ ربّك يقرأ عليك السّلام (7) ويقول لك: إن شئت نبيّاً عبداً وإن شئت نبيّاً مَلِكاً ، فنظر إليّ جبريل فأشار إليّ أن ضَعْ نفْسك ، فقلت: نبيّاً عبداً» (8) والأحاديث في ذلك مشهورة كثيرة.

(1) تقدم تخريجه ، انظر: ص 337.

(2)

مابين المعقوفتين بياض في الأصل ، وما ذكرته من ب.

(3)

"له" ليس في ب.

(4)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 430.

(5)

في ب "وشكر" بدون الضمير.

(6)

أصل الحجزة: موضع شد الإزار. النهاية (1/ 897).

(7)

في ب "يقرئك السلام".

(8)

أخرجه أبو يعلى في مسنده (8/ 318) ح 4920 ، وأخرجه بنحوه: أبو نعيم في الدلائل (2/ 595 - 596) ح 541 ، قال الألباني:"وهذا إسناد ضعيف؛ أبو معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي؛ قال الحافظ في "التقريب ": ضعيف. نعم؛ الحديث صحيح دون جملة الحجزة، وبلفظ: " بل عبداً رسولاً"، فقد جاء

كذلك من حديث أبي هريرة بسند صحيح". سلسلة الأحاديث الضعيفة (5/ 65) ح 2045.

ص: 454

فإن قيل: إن سليمان عليه السلام سُخرت له الرّيح تسير به في بلاد الله تعالى ، وكان غدوّها شهراً ورواحها شهراً ، قلنا: الذي أعطي محمّد صلى الله عليه وسلم أعظم فإنه سار في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسيرة شهر ، وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقلّ من ثُلث ليلة فدخل السموات سماءً سماءً ، ورأى عجائبها ، وطيف به في الجنّة ، وعرضت عليه النار ، وعرضت عليه أعمال أمّته ، وصلى بالأنبياء وبملائكة السموات ، وخرق من الحُجُب ما لا يعلمه إلا الله ، وأراه الله من آياته الكبرى ، ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إلى عبده ما أوحى ، وأعطاه الله تعالى خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، وعهد إليه أن يظْهر دينه على الأديان كلّها حتى لا يبقى في شرق ولا غرب إلا دينه ، أو يؤدّي إلى (1) أهل دينه الجزية عن يد وهم صاغرون ، وفرض عليه الصلوات الخمس ، ولقي

موسى عليهما الصلاة والسلام ، وسأله مراجعة ربه تعالى في التخفيف عن أمّته مراراً؛ هذا كله في بعض ليلةٍ فأيّما أعجب.

فإن قيل: (إنّ)(2) سليمان سُخرت له الجن وأنها كانت تعتاص عليه حتى يصفّدها كما ذكر الله تعالى: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38]، قيل: ما أعطي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وذلك أن النّفر التسْعة (3) الذين هم أشراف الجن وعظماؤهم (4)[ق 41/ظ] الذين وصفهم الله تعالى فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ

} الآية [الأحقاف: 29]

(1) في ب "إليه" ، وهو خطأ.

(2)

"إن" ليس في ب.

(3)

اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف: من الآية 29] فقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين وهم أشراف الجن وساداتهم ، وقال زر بن حبيش: بل كانوا تسعة نفر ، أحدهم زوبعة. انظر: تفسير الطبري (22/ 134 - 135).

(4)

اختلف أهل التأويل في مبلغ عدد النفر الذين قال الله: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف: من الآية 29] فقال ابن عباس: كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين ، وقال زر بن حبيش: بل كانوا تسعة نفر ، أحدهم زوبعة. انظر: تفسير الطبري (22/ 135).

ص: 455

فإنهم أتوه طائعين راغبين في دينه ، معظّمين لشأنه ، مصدّقين لرسالته ولما جاء به ، مؤمنين بنبوّته ، متّبعين لأمْره ، مستمدّين منه ، ومستمنحين له ، سائلين لهم ولدوابّهم الزّاد والعلف ، فجعل لهم كلّ عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديهم أوفر ما يكون لحماً ، وكل روثة وبعرة علف لدوابهم ، وعند ذلك نهى [النبي] (1) صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يستنجوا بهما وقال:«إنهما طعام إخوانكم الجن» (2) ، فجعل الجن إخوان المسلمين ، ثم إن محمّداً صلى الله عليه وسلم كان يجتمع بهم ويعلمهم ويتلو عليهم القرآن ، فلمّا سمعوه قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)

} الآيات [الجن: من الآية 1 - 7] وأقبلت إليه وفودهم ليلة الجنّ المعروفةَ ألوفاً (3) مؤلّفة متبايعين له على الصوم والصلاة (4) والنصح للمسلمين ، واعتذروا إليه عن قولهم على الله سبحانه الشّطط ، فإنهم كانوا يزعمون أن لله (5) سبحانه وتعالى ولداً ، فسبحان من سخّرهم له وأذل أعناقهم بين يديه ، ولقد تمرّد عليه في بعض الأوقات عفريت ليقطع عليه صلاته (قال) (6):«فأمكنني الله منه فذعَتُّه حتى سال لُعابُه على يدي فذكرت دعوة أخي سليمان فأطلَقتُه ولولا ذاك لأصبح مُوثَقاً يلعب به الوالدان» وقد تقدم ذلك ، فهذا الغاية القصوى والدرجة العليا في التمكين والتمكن منهم والتحكّم فيهم حتى يصير العفريت الذي أُعطي من القوّة ما يحمل الجبل فَيَقلِبُه أعلاه أسفلَه ، آل حاله معه في الذل إلى

(1)"النبي" زيادة من ب.

(2)

أخرجه مسلم (1/ 332) ، كتاب الصلاة ، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن ، ح 450 ، من علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه ، بلفظ: "كنا مع رسول الله ذات ليلة ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب ، فقلنا: استُطير او اغتيل ، قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم ، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء ، قال: فقلنا يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجد ، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم ، فقال:«أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» ، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد ، فقال: لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم» .

(3)

في أ "ألوف" بالرفع ، ويصح بتقدير محذوف ، وما أثبته من ب هو الوجه.

(4)

في ب "الصلاة والصوم" بتقديم وتأخير.

(5)

في ب لفظ "الله" الاسم ، وهو خطأ.

(6)

"قال" ليس في ب.

ص: 456

أن أراد أن يسلّمه إلى ولدان أهل المدينة يلعبون به فأيّ حكم أبلغ من هذا ، وتسخيرهم لسليمان عليه الصلاة والسلام كان في الأعمال الدنيوية ومحمد صلى الله عليه وسلم كان معرضاً عنها وغاية ما كان يحتاج من العون في الجهاد وقتال المشركين فأعطاه الله تعالى أصحاباً كَفاه بهم ما أراد وزيادة وأمدّه عند الحاجة بالملائكة (فقاتَلوا معه ولو أراد أن يسخّر الجن لما امتنع عليه ، فكان إمداده بالملائكة)(1) أعظم من عون الجنّ والإنس؛ وتحصنه من [ق 42/و] مردة الشياطين بالأذكار التي علّمه رَبُّه تعالى إيّاها وعلّمها (هو)(2) صلى الله عليه وسلم (أصحابَه)(3) معلوم يضيق هذا الموضع عن استقصائه ، وروى أبو نعيم عن عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير (4) قال حدثنا كثير بن عبدالله (5) عن أبيه عن جدّه عن بلال

بن الحرث (6) قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فخرج لحاجته ، وكان إذا خرج لحاجته أبعدَ فأتيته بإدواة من ماء فانطلق ، فسمعت عنده خصومةَ رِجال ولغطاً لم أسمع مثلها ، فجاء فقال:«بلال» ، فقلت: بلال ، (قال) (7):«أمعك ماء» ، قلت: نعم ، قال:«أصبتَ» وأخَذه مني فتوضأ ، فقلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومةً

(1) مابين القوسين ليس في ب.

(2)

"هو" ليس في ب.

(3)

"أصحابه" ليس في ب.

(4)

في الدلائل لأبي نعيم (2/ 597): "عبدالله بن كثير بن حفص" ، وما ذكره السرمري هو المذكور في رواية ابن ماجه في سننه (1/ 121) ، كتاب الطهارة وسننها ، باب التباعد للبراز في القضاء ، ح 336 ، وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب (5/ 320 - 321): "عبدالله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير الانصاري الزرقي مولاهم ، أبو عمر المديني

روى له ابن ماجه حديثاً واحداً في الأبعاد لقضاء الحاجة

".

(5)

هو كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة اليشكري المزني المدني ، قال الشافعي: أحد الكذابين أو أحد أركان الكذب ، وقال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية إلا على جهة التعجب ، وقال ابن السكن: يروي عن أبيه عن جده أحاديث فيها نظر ، وقال الحاكم: حدث عن أبيه عن جده نسخة فيها مناكير. انظر: تهذيب التهذيب (8/ 377 - 378).

(6)

هو بلال بن الحرث المزني ، أبو عبد الرحمن ، وفد في رجب سنة خمس ، وكان معه لواء مزينة يوم الفتح ، له ثمانية أحاديث ، مات سنة ستين عن ثمانين سنة. انظر: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال ص 53 ، للحافظ صفي الدين الخزرجي ، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة ، 1416 ، دار البشائر ، بيروت.

(7)

"قال" ليس في ب.

ص: 457

ولغط رجالٍ ما سمعتُ (1) أحَدّ من ألسنتهم ، قال:«اختصم عندي الجنّ المسلمون والجنّ المشركون ، سألوني فأسكنتُ المسلمين الجَلْسَ وأسكنت المشركين الغورَ» قال عبدالله بن كثير: قلت لكثير [بن عبدالله](2): ما الجَلْس ، قال: القرى والجبال ، والغور: ما بين الجبال والبحار ، قال كثير: ما رأينا أحداً أصيب بالجلس إلا سلم ولا أصيب أحد بالغور إلا لم يكد يسلم (3)؛ وعن أبي أُسَيد الخزرجي (4) أنه قطع ثمر حائطه وجعله في غُرفة له فكانت الغُول تخالفه إلى مَشربته فتَسرق ثمره (5) وتُفْسِدُ عليه ، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«تلك الغُول يا أبا أسيد (6) ، فاستمع لها فإذا سمعت اقتحامها - يعني: وجبتها - فقل: بسم الله أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم» فأخذها ، فقالت الغول: يا أبا أسيد اعفني أن تكلفني اذهب إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم وأعطيك موثقاً من الله أن لا أخالفك إلى بيتك ولا أسرق ثمرك وأدلّك على آية من كتاب الله تعالى لتقرأها على بيتك فلا يُخالَفُ إلى أهلك وتقرأ بها على إنائك فلا يُكشف غطاؤه (7) ، فأعطَتْهُ الموثق الذي رضي به منها ، فقال: والآية التي قلتِ أدلك عليها ، (قالت) (8): هي آية الكرسي ، ثم حَلَّت استها تضرط ، فأتى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقصّ عليه القصّة ، قال: جئتُ ولها ولها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«صدقت وهي كذوب» (9)؛ وعن أبيّ بن كعب [ق 42/ظ]رضي الله عنه أنه كان له جُرن (10) فيه تمر ، وكان يتعاهدها فوجده ينقص فحرسَه ذات ليلة فإذا بدابّةٍ شبه الغلام المحتلم ، قال: فسلّمت فردّ السلام ، فقال: من أنتَ ، أجنّ أم إنس ، قال: لا بل

(1) في ب "لم أسمع".

(2)

مابين المعقوفتين زيادة من ب.

(3)

دلائل النبوة (2/ 597 - 598) ح 542 ، وأخرجه ابن ماجه مختصراً ، بلفظ:«كان إذا أراد الحاجة أبعد» .

(4)

تقدم ذكر ترجمته ، انظر: ص 438.

(5)

في ب "ثمرته".

(6)

في ب تكرار "تلك الغول" بعد "يا أبا أسيد".

(7)

في ب "فلا نكشف غطاءه".

(8)

"قالت" ليس في ب.

(9)

أخرجه الطبراني بنحوه في المعجم الكبير (19/ 263) ح 16255 ، قال الهيثمي (6/ 322 - 323):"رواه الطبراني ورجاله وثقوا كلهم ، وفي بعضهم ضعف".

(10)

الجرن: هو موضع تجفيف التمر. النهاية (1/ 738).

ص: 458

جنّ ، قال: قلت: ناولني يدك ، فناولني يده ، فإذا يد كلب وشعر كلب ، فقلت: أهكذا خَلْقُ الجنّ ، قال: قد عَلِمَتِ الجنّ ما فيهم أشدُّ مني ، قلت: وما حملك على ما صنعت ، قال: بلغنا أنك رجل تحبّ الصدقة وأحببنا أن نصيب من طعامك ، قال له أبيّ: فما الذي يجيرنا منكم ، قال: آية الكرسي ، فجاء النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرَه بذلك ، فقال:«صَدَق الخبيث» (1).

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه كان له سَهْوة (2) له فيها طعام ، فكانت الغول تجيء فتأخذ منه ، فشكاها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا رأيتها فقل: بسم الله ، أجيبي

رسول الله» قال: فجاءت ، فقال لها فأخذها ، فقالت: إنّي لا أعود ، فأرسلها ، فجاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:«ما فعل أسيرك» ، فقال: أخذتها فقالت لا أعود فأرسلتها ، فقال:«إنها عائدة» ، فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك (تقول) (3): لا أعود ، وَيجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:«ما فعل أسيرك» ، فيقول (4): أخذتها فقالت لا أعود ، فيقول:«إنها عائدة» ، فأخذتها فقالت: أرسلني وأعلّمك شيئاً تقوله ولا يقربُك شيء آية الكرسي ، فأتى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:«صَدَقَتْ وهي كذوب» (5)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6/ 239) ، بنحوه في كتاب عمل اليوم والليلة ، ذكر ما يجير من الجن والشياطين وذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي فيه ، ح 10730 ، تحقيق: حسن عبدالمنعم شلبي ، الطبعة الأولى 1421 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت؛ وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (2/ 599) ح 544؛ والبيهقي في الدلائل (8/ 173) ح 3034 ، والطبراني في المعجم الكبير (1/ 201) ح 544 ، وابن حبان في صحيحه (3/ 63) ، باب قراءة القرآن ، ذكر الاحتراز من الشياطين نعوذ بالله منهم بقراءة آية الكرسي ، ح 784؛ والحاكم في مستدركه (1/ 749) ، كتاب فضائل القرآن ، أخبار في فضل سورة البقرة ، ح 2064 ، وقال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني:"رواه النسائي والطبراني بإسناد جيد". صحيح الترغيب والترهيب (1/ 418) ح 662.

(2)

السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالمُخْدَع والخِزانة ، وقيل: هو كالصُّفة تكون بين يدي البيت ، وقيل شبيه بالرف أو الطاق يُوضع فيه الشيء. النهاية (2/ 1047).

(3)

"تقول" ليس في ب.

(4)

في ب "فقال".

(5)

أخرجه أحمد بنحوه في مسنده (38/ 563) ح 23592 ، وأبو نعيم في الدلائل (2/ 599 - 600) ح 545 ، والترمذي (5/ 158) ، في أبواب فضائل القرآن ، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ، ح 2880 ، وقال:"هذا حديث حسن غريب".

ص: 459

وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فذكر نحوه (1)؛ وعن أبي الأسود الدّؤليّ قال: قلت لمعاذ بن جبل رضي الله عنه أخبرني عن قصّة الشيطان ، قال: جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم على تمر الصّدقة ، فكنت أدخل الغرفة فأجد في التمر نقصاً فذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«إن الشيطان يأخذه» ، قال: ودخلت الغرفة وأسْفَقْتُ الباب عليّ فجاء سوادٌ (2) عظيم ، فغشي البابَ ثم دخل من شَقّ الباب ثم تحول في صورة فيل ، وجعل يأكل ، فشددتُ ثوبي على وسطي ، فأخذته فالتفَّت [ق 43/و] يداي على وسطه قال: قلت: ياعدوّ الله ما أدخلك بيتي تأكل التمر؟ ، قال: أنا شيخ كبير فقير ذو عيال وقد كانت لنا هذه الغُرفة قبل أن بُعث صاحبك فلمّا بعث خرجنا منها ونحن من جنّ نصيبين ، خَلِّ عني فإني لن أعود إليك ، وجاء جبريل عليه السلام فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بخبره ، فلمّا صلّى الغداة نادى مناديه أين معاذ؟ ، ما فعل أسيرُك؟ فأخبرته ، فقال:«أما إنه سَيعود إليك» فجئت إلى الغرفة ليلاً وأغلقت الباب ، فجاء فجعل يأكل التمر فقبضت يدي عليه فقلت: يا عدوّ الله ، قال: إني لن أعود إليك بعد ، قال: قد قلت: إنك لا تعود ، قال: فإني أخبرك

بشيء إذا قلتَه لم يَدخل الشيطان البيتَ {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

} إلى آخر السورة [البقرة: 284 - 286](3)؛ وروى الدّارميّ في جامعه عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: لقي رجل (4) من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً من الجنّ ، فصارعَه فصرعه الإنسيّ ، فقال له الإنسيّ: إنّي لأراك ضَئيلاً شَحيباً (5) ، كأنّ ذُرَيِّعَتَيْك ذُرَيِّعَتا كلب ، فكذلك أنتم معشر الجن ، أم أنت من بينهم كذلك؟ ، قال: لا والله إنّي منهم لضليع ، ولكن عاوِدني الثانية ،

(1) أخرجه البخاري (4/ 123) ، كتاب بدء الخلق ، باب صفة إبليس وجنوده ، ح 3275.

(2)

في ب "سواداء" ، وهو تصحيف.

(3)

أخرجه بنحوه أبو نعيم في الدلائل (2/ 600 - 601) ح 547 ، والبيهقي في الدلائل (8/ 175) ح 3035 ،

(4)

الرجل هو: عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كما جاء في المعجم الكبير للطبراني (9/ 166) ح 8845:"قال رجل من القوم: يا أبا عبدالرحمن -يقصد: عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من ذاك الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: فعبس عبدالله وأقبل عليه ، وقال: من يكون هو إلا عمر رضي الله عنه ".

(5)

في سنن الدارمي (4/ 2128) ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي ، ح 3423:"شخيتاً"، والشخت والشخيت: النحيف الجسم الدقيقة. النهاية (2/ 1115).

ص: 460

فإن صرعتَني علّمتك شيئاً ينفعك ، [فعاوده فصرعه ، قال: هات علمني](1)، قال: نعم ، قال: تقرأ {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

} [البقرة: 255]، قال: نعم ، (قال) (2): فإنك لا تَقرأوها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خَبَجٌ كخَبَج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح ، قال الدارمي: الضئيل: الدقيق ، والشحيب: المهزول ، والضّليع: الجيّد الأضلاع ، والخبج: الريح يعني الضراط (3)؛ وأبلغ من ذلك أن عماراً رضي الله عنه صارع جنيّاً فصرعه عمّار (4) رضي الله عنه؛ وإن صح حديث قتال علي بن أبي طالب رضي الله عنه

للجنّ في بئر ذات العلم كان غاية في هذا الموضع ، وقد رواه من الحفاظ أبو الفضل ابن ناصر (5) شيخ ابن الجوزي ولكن ردّه غيره وقالوا (6) الحديث فيه موضوع فالله أعلم (7) ، والمقاتلة إنما مع العاصي ، والجنّ

(1) الزيادة من سنن الدارمي (4/ 2128) ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي ، ح 3423.

(2)

"قال" ليس في ب.

(3)

سنن الدارمي (4/ 2128) ، كتاب فضائل القرآن ، باب فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي ، ح 3423؛ والخبر أخرجه أبضاً الطبراني في المعجم الكبير (9/ 165) ح 8843 ، (9/ 166) ح 8845؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/ 71) ح 14444 - 14445:"رواهما الطبراني بإسنادين ، ورجال الرواية رجال الصحيح إلا أن الشعبي لم يسمع من ابن مسعود ، ولكنه أدركه ، ورواة الطريق الأولى فيهم المسعودي ، وهو ثقة اختلط فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي".

(4)

أخرج البيهقي في الدلائل (8/ 195) ح 3048 بإسنادين ، من طريق الحسن البصري عن عمار بن ياسر رضي الله عنه ، بلفظ:"قد قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن والإنس فقيل: هذا الإنس قد قاتلت. فكيف قاتلت الجن؟ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر أستقي منها، فلقيت الشيطان في صورته، حتى قاتلني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر معي أو حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عمارا لقي الشيطان عند بئر فقاتله» فلما رجعت سألني، فأخبرته بالأمر فقال: «ذاك شيطان»؛ وقال: "الإسناد الأخير صحيح إلى الحسن البصري".

(5)

هو أبو الفضل محمد بن ناصر بن حمد بن علي السلامي ، ولد سنة 467 ، وكان حافظاً ، ضابطاً ، ثقة ، وكان كثير الذكر ، سريع الدمعة ، توفي سنة 550. انظر: مشيخة ابن الجوزي ص 126 - 129 ، لأبي الفرج ابن الجوزي ، تحقيق: محمد محفوظ ، الطبعة الثالثة 2006 م ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت.

(6)

في ب "وقال".

(7)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لم يقاتل علي ولا غيره من الصحابة الجن ، ولا قاتل الجن أحد من الإنس ، لا في بئر ذات العلم ولا غيرها ، والحديث المروي في قتاله للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة". مجموع الفتاوى (4/ 492).

في هامش أ "قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام - رحمه الله تعالى ورضي عنه -: الحديث المروي في قتال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه للجن موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة".

ص: 461

قد جاءوه طائعين فما [ق 43/ظ] احتاج إلى قتالهم ، وذلك أبلغ ممن كان يستعصي على سليمان عليه الصلاة والسلام حتى يُصَفدهم ويستعملهم.

فإن قيل: إن سليمان عليه الصلاة والسلام سخرت له الجنّ يستعملهم في أمور الدنيا فكانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وكان يستعملهم و (1) يستعين بهم في أموره ويكلفهم ما أحبّ (2)، قلنا: نعم وذلك فضيلة عظيمة ونعمة [جسيمة](3) كبيرة مما أنعم به على آل داود عليه السلام و (لكن)(4) سليمان عليه السلام طلب ذلك فإنه سأل ربَّه سبحانه وتعالى من المُلْك الذي لا يؤتاه غيره ، فكان من مقتضى ذلك الأعمال الصّعبة التي لا يقدر عليها بنو آدم فسخّر الله تعالى له الجنّ يعملونها له ، ومحمّد صلى الله عليه وسلم لما عُرض عليه الملك وأن تجرى له بطحاء مكة وجبالها ذهباً

اختار الفقر على الملك (5) لما أراد الله تعالى (له)(6) من عظم المنزلة في الآخرة ، فلم يحتج إلى عمل يُكَلف فيه الجن ، وإنما كان يحتاج إلى الجهاد ، وكان في أصحابه رضي الله عنهم كفاية ، ولمّا احتاج في بعض الأوقات إلى مزيد (7) مساعدة في الجهاد أنزل عليه الملائكة فقاتلت معه ، فكان عون محمد صلوات الله وسلامه عليه بالملائكة أعظم من عون سليمان عليه الصلاة والسلام بالجن ، وقد أشرنا إلى نحو ذلك فيما تقدم ، وأما أمور محمد صلى الله عليه وسلم الدنيويَةُ التي احتاج فيها إلى مساعد ومعاضد فإنه لما تظاهر عليه بعض أزواجه في الغيرة أنزل الله تعالى يخوفهن من التظاهر والتواطؤ عليه فيما يسوؤه فقال تعالى:{وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم: من الآية 4] فأيّ ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا ،

(1) في ب "في" بدل حرف العطف ، وهو خطأ.

(2)

في ب "يحب".

(3)

"جسيمة" زيادة من ب.

(4)

"لكن" ليس في ب.

(5)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 430.

(6)

"له" ليس في ب.

(7)

في ب "مزيدة" بزيادة التاء المربوطة ، وهو خطأ.

ص: 462

فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره صلى الله عليه وسلم ، وأعوانه ، يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاً ، ويمنعون عنه، ويدافعون دونه ، ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه ، وقد دخل المسجد يصلّي ، فسمعوا صوتاً ما ظنّوا [ق 44/و] أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته ، ثم رجع إلى أهله سالماً ، ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى ، فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى [التقت](1) إحداهما (2) بالأخرى ، فحالتا بينه وبينهم (3)، ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّياً فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وقد تقدم ذلك.

فإن قيل: إن سليمان عليه الصلاة والسلام كان عنده من عُلماء الكتاب مَن أتى بعرش بلقيس (قبل أن يرتدّ إليه طرفه)(4)، قيل: لنبيّنا صلى الله عليه وسلم أعظم منه ففي حديث الإسراء أن قريشاً لمّا كذّبته في حديثه عن بيت المقدس وكان فيهم من قد رأى المسجد قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ ، قال:«نعم» ، قال:«فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علَيّ» وكان قد جاءه ليلاً ، قال:«فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وُضع دون دار عَقيل فَنَعَتُّ المسجدَ وأنا أنظر إليه» ، فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب (5)؛ فهذا قد حُمل له بيت المقدس (في لحظة حتى وُضع بإزائه ينظر إليه ويخبرهم عنه ، وحمل بيت المقدس)(6) من مكانه إلى مكّة أعظم من حمل عرش بلقيس

(1) في أ ، ب "التقى" ، وما أثبته من دلائل النبوة لأبي نعيم (1/ 209 - 210) ح 160.

(2)

في ب "إحديهما".

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3/ 213) ح 3167 ، من طريق قيس بن حبتر ، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (1/ 209 - 210) ح 160؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 227) ح 13870:"رواه الطبراني ، ورجاله ثقات غير بنت الحكم فلم أعرفها".

(4)

" قبل أن يرتدّ إليه طرفه" ليس في ب.

(5)

أخرجه أحمد (5/ 28 - 29) ح 2819 ، والبزار في مسنده (2/ 213) ح 5305 ، والطبراني في المعجم الأوسط (3/ 52) ح 2447 ، وفي المعجم الكبير (12/ 167) ح 12782 ، والبيهقي في الدلائل (2/ 250) ح 656 ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 65):"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ، ورجال أحمد رجال الصحيح".

(6)

مابين القوسين ليس في ب.

ص: 463

إلى سليمان عليه الصلاة والسلام ، وفي حديث الإسراء أيضاً أنهم سألوه عن أشياء منها أنهم سألوه عن عيرهم قال:«مررت بها بالتّنعيم» ، قالوا: فما عِدّتها وأحمالها وهيئَتُها ، قال:«كنت في شغل عن ذلك» ، قال:«ثم مُثِّلَتْ له بعدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» ، فقال:«نعم هيئتها كذا وكذا ، وفيها فلان وفلان يقدُمها جمل أورق (1) عليه غرارتان محيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس» فأحصَوا جميع ذلك فوجَدوه كما أخبر (2)؛ وحَمل البعير بأحمالها وما فيها أعظم [ق 44/ظ] من حمل عرش بلقيس ، ومن ذلك أن النّجاشي لما مات ضرب جبريل عليه السلام الجبال بجناحه فتوطأت حتى نظر

النبي صلى الله عليه وسلم إلى نعشه فصلّى عليه فيما قيل (3)، وأعظم من ذلك كله ما في صحيح مسلم في حديثٍ ذكره عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إنّي صُوّرت لي الجنّة والنّار ، فرأيتهما دون هذا الحائط» (4) ، (وأعظم)(5) من ذلك حمله على البراق إلى (فوق)(6) سبع سموات وإلى فوق سدرة المنتهى وخرق الحجب حتى دنا من ربّه تعالى وتقدس فكان قاب قوسين أو أدنى ، فكل ذلك أعظم من حمل عرش بلقيس من مسافة من الأرض قربت (7) أو بعدت ،

(1) في ب "ورق"، قال ابن الأثير في النهاية (5/ 386):"الأورق: الأسمر ، والورقة: السمرة ، يقال: جمل أورق وناقة ورقاء".

(2)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/ 432) ح 21079 ، من طريق أم هانئ بن أبي طالب رضي الله عنها ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 76):"رواه الطبراني في الكبير ، وفيه عبدالأعلى بن أبي المساور ، متروك كذاب".

(3)

انظر: رد المحتار على الدر المختار (2/ 209) ، لابن عابدين ، الطبعة الثانية 1412 ، دار الفكر ، بيروت؛ البحر الرائق شرح كنز الدقائق (2/ 315) ، لابن نجيم الحنفي ، الطبعة الأولى 1418 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ وقد جاءت الإشارة إليه في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه الذي أخرجه ابن حبان في صحيحه (7/ 369) ح 3102 ، فصل في الصلاة على الجنازة ، ذكر البيان بأن المصطفى صلى الله عليه وسلم نعى إلى الناس النجاشي في اليوم الذي توفيه فيه، بلفظ:"أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخاكم النجاشي توفي ، فقوموا فصلوا عليه ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصفوا خلفه ، وكبر أربعاً ، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه"، قال شعيب الأرنوؤط:"إسناده صحيح".

(4)

أخرجه مسلم (4/ 1834) ، كتاب الفضائل ، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك ، ح 2359.

(5)

"وأعظم" ليس في ب.

(6)

"فوق" ليس في ب.

(7)

في ب "أقربت" بزيادة الهمزة.

ص: 464

وعمل الملائكة مع محمد صلى الله عليه وسلم مع إيمانهم بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر أعظم وأكمل من عمل الشياطين مع كفرهم بالله سبحانه وتعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وتمرّدهم ، وما صبروا عليه من التسخير إلا تحكم سليمان عليه الصلاة والسلام فيهم ، وخوفهم من عقوبته إيّاهم ، فلما مات ولم يَعلموا بموته تَمُّوا في (العمل)(1) كما أخبر الله تعالى عنهم ، وقد كانوا يوهمون الإنسَ أنّهم يَعلمون الغيب فلبثوا معبَّدين في العمل ما شاء الله أن يلبثوا ، وسليمان عليه الصلاة والسلام مَيِّتٌ مُتَوكّئ على مِنسَأتِه ، فلمّا أكلتها الأرضة وقع ، فعلمت الإنس أن الجن كانت كاذبة في إدعائها علم الغيب ، لأنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ، وسليمان عليه السلام ميّت في تلك المدّة ، فأين تسخير هؤلاء المعاندين الكفّار المجتهدين في أذى سليمان عليه الصلاة والسلام وغيره من الإنس وانتظار غِرَّتهم كما يُذكر عن صَخرٍ المارد من الكيد والغدر لو قدر على ذلك من إسعاد الملائكة وإعانتهم ونصرهم لمحمّد صلى الله عليه وسلم وجنده في غير موطن كيوم بدر والأحزاب وغيرهما قال الله تعالى:{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ [ق 45/و] مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ (بِهِ) (2) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 124 - 126]، وقال (تعالى) (3):{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ (بِهِ قُلُوبُكُمْ) (4) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 9 - 10] وقال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى

(1)"العمل" ليس في ب.

(2)

"به" ليس في ب ، وهو خطأ ظاهر.

(3)

"تعالى" ليس في ب.

(4)

في ب "به قلوبكم" بتقديم وتأخير ، وهو خطأ ظاهر.

ص: 465

الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] وقد قال بعض الصحابة رضي الله عنهم: "إنّي لأتْبَعُ رجلاً من المشركين لأضرِبه إذ وقع رأسُه قبل أن يَصل إليه سيفي فعرَفتُ أنّ غيري قتله"(1) ، ولمّا أسَر أبو اليَسَر (2) العبّاسَ ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كيف أسرتَه» وكان العباس أشدّ بطشاً منه قال: لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا ، فقال (له) (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لقد أعانك عليه ملَك كريم» (4).

فإن قيل: إن سليمان عليه [الصلاة و](5) السلام كان يفهم كلام الطّير كما قال تعالى عنه: {عُلِّمْنَا (6) مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: من الآية 16] وقصّة الهدهد ، ورسالته به إلى بلقيس ، وكلام النملة له ونحو هذا ، قلنا: لا شك في أنّ هذا فضل مبين ، وشرَف متين ، والفضل (بيده)(7) تعالى يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم ، فقد أخبر الله تعالى أن الفضل الذي آتاه سليمانَ عليه السلام مبين ،

(1) أخرجه أحمد بنحوه (39/ 195) ح 23778 ، وأبو نعيم في الدلائل (2/ 472) ح 404 ، من حديث أبي داود المازني رضي الله عنه ، وأخرجه البيهقي في الدلائل (3/ 43) ح 909 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (67/ 277) ، من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 83) ح 9991:"رواه أحمد ، وفيه رجل لم يسم" ، وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما عند مسلم (3/ 1383) ، كتاب الجهاد والسير ، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم ، ح 1763.

(2)

هو كعب بن عمرو ابن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي ، أبو اليسر ، شهد بدراً بعد العقبة ، فهو عقبي بدري ، يعد في أهل المدينة وبها كانت وفاته سنة خمس وخمسين. انظر: الاستيعاب (2/ 72).

(3)

"له" ليس في ب.

(4)

أخرجه أحمد (5/ 334) ح 3309 ، وأبو نعيم في الدلائل (2/ 471 - 472) ح 402 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (26/ 288)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 86) ح 10006:"رواه أحمد ، وفيه راو لم يُسم ، وبقية رجاله ثقات".

(5)

"الصلاة و" زيادة من ب.

(6)

في أ ، ب "وعلمنا" بزيادة الواو ، وهو خطأ ظاهر.

(7)

"بيده" ليس في ب.

ص: 466

وأخبر أنّ ما آتى محمّد صلى الله عليه وسلم من الفضل كان عظيماً (كما)(1) قال تعالى: {وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: من الآية 113] ، فكان ما أوتي سليمان عليه (الصلاة و)(2) السلام فضلاً مبيناً ، وما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم فضلاً عظيماً ، والعظيم أبلغ وأكمل وأفضل من المبين ، وليس منطق الطير والنملة بأعظم من منطق الذئب والغَزال والضبّ والجمل والحمار وغير ذلك ، بل ومنطق الجَماد كحنِين الجِذْع وتسليم الأحجار والأشجار [ق 45/ظ] وتسبيح الحصا والطعام في يده صلى الله عليه وسلم وفي أيدي أصحابه كما تقدم ، وتكليم (3) ذراع الشاة المسمومة ، وفَهْمُ هذه (الأشياء) (4) كلامه صلى الله عليه وسلم وفهمه كلامها كما أخبر عن الجمل أنه قال: أنّ صاحبه يُدْئِبُهُ ويجيعه، وأن الغزالة لها أولاد

صغار، كما أشرنا إليه ونبّهنا عليه على أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد كان يفهم كلام الطير ويعرف مراده كما في الحديث أن بعض أصحابه أخذ فِراخَ حمّرة فجاءت الحمّرة فجعلت تُرَشِش على رؤوسهم فقال صلى الله عليه وسلم:«مَن فجع هذه بِفراخها» ثم أمره بردّها (5)، فقد روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أتَى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر حمارٌ أسودُ فوقف بين يديه فقال: «من أنت؟ » ، قال: أنا (6) عمرو بن فلان ،كنّا سبعةَ إخوة وكلّنا رَكِبَنَا الأنبياء وأنا أصغرهم ، وكنت لك فمَلكَنَي رجل من اليهود ، فكنت إذا (7) ذَكَركَ يعني بسوء كبَوت به فيُوجِعُني ضَرْباً ، وفي رواية: فكنت أعْثُرُ (به)(8) عمداً (9)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فأنتَ يَعْفور (10)» (11) ، وقد كلّمته ذِراعُ

(1)"كما" ليس في ب.

(2)

"الصلاة و" ليس في ب.

(3)

في ب "وتَكلُّم".

(4)

"الأشياء" ليس في ب.

(5)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 451.

(6)

في ب "أبا" ، وهو تصحيف.

(7)

في ب "إذ".

(8)

"به" ليس في ب.

(9)

الرواية الثانية أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (4/ 232)، بلفظ:"وكنت أتعثر به عمداً".

(10)

قال ابن الأثير في النهاية (3/ 516): "قيل سمي يعفوراً للونه من العُفرة كما قيل في أخضر: يخضور؛ وقيل: سمي بها تشبيهاً في عَدوه باليعفور وهو الظبي".

(11)

أخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (2/ 386 - 387) ح 288 ، قال ابن كثير في البداية والنهاية:(6/ 12): "هذا حديث غريب جداً"؛ وقال في موضع آخر (6/ 322): "وهذا الحديث فيه نكارة شديدة".

ص: 467

الشاة المسمومة وقالت: فيَّ سَمّ فلا تأكلْني (1) ، فكلّ هذه الأمور وما يشابهها أعجب من كلام الطير والنملة ، وكان في تكليم هذه الأشياء لنبيّنا صلى الله عليه وسلم معجزات كالتسليم عليه بالنبوة ، والشهادة له بالرسالة ، والتصديق لما (2) جاء به ، والتوسّل إليه والتشفع (3) به في الشدائد ، بخلاف كلام الطير والنملة ، فإنّ ذلك لم يكن لإظهار المعجز لسليمان عليه الصلاة والسلام ، وإنما كان شيئاً علّمه إيّاه فسمع ذلك فيفهمه (4) كما يسمع من يعرف لسان الفارسي فارسيّاً يتكلم أو يُكلّمه فيفهم ما يقول ، فهي فضيلة واحدة: وهي فهم كلامِ ذلك المتكلم ، وفهم محمّد صلى الله عليه وسلم لتلك الأشياء كان فيه هذه الفضيلة وفيه معجزة تخبر برسالته وأمور أخرى كما تقدّم ، وإنما كان تبليغ الهدهد رسالةَ سليمان عليه الصلاة والسلام إعانة له على تبليغها ، وقد كان يمكنه إرسالها مع غير الهدهد مما سخّر الله تعالى له [ق 46/و] من الريح والجنّ وغير ذلك ، ومُبلّغوا رَسائل محمّد صلى الله عليه وسلم كانوا أصحابَه الذين يتكلّمون بما لا يمكن غيرهم من التبليغ ما يمكنهم كما هو معروف في سيرته ، وأما النملة فإنما كان كلامُها لمصلحتها ومصلحة النمل ، لا لمصلحة سليمان عليه الصلاة والسلام ولا إظهاراً لمعجزته ، بل خوفاً من أن يحطمها سليمانُ وجنوده وهم لا يشعرون ، ففهّم الله تعالى سليمان عليه الصلاة والسلام كلامَها ، وهو فضيلة جليلة لكن فضيلة محمّد صلى الله عليه وسلم أعظمُ لما قدّمناه ، وأبلغ من ذلك أن الحجر والشجر الجمادَين يكلّمان أمّةَ محمّد صلى الله عليه وسلم ، وذلك ما روي في الصحاح وغيرها عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لاتقوم السّاعة حتى يُقاتل المسلمون اليهودَ ، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشّجر ، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله هذا يهوديّ خلفي فتعال فاقتله ، إلا (5) الغرقد فإنّه من شجر اليهود» (6).

(1) تقدم تخريجه ، انظر: ص 411 - 412.

(2)

في ب "بما".

(3)

في ب "والنفع".

(4)

في ب "فيفهم" بدون الهاء.

(5)

في ب "إلى" ، وهو خطأ ظاهر.

(6)

أخرجه مسلم (4/ 2239) ، في كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء ، ح 2922.

ص: 468

(فصل)(1)

فأمّا ما أوتي يعقوب عليه السلام فلا شكّ في فضله ، ولا مرية (2) في نبْله ، فهو أحدُ الكرماء الذين شهد نبيّنا صلى الله عليه وسلم لهم بالكرم (3) ، فإنّه الكريم ابن الكريم (ابن الكريم)(4) ،

وله القدم الصدق ، والعقب المبارك عليه ، فمن نسله الأسباط (5) ، ومن ذريّته الهُداة ، ومنهم مريم بنت عمران سيّدة نساء العالمين ، وجعل فيهم الحُكم والنبوّة والكتاب؛ قلنا: نعم ، وهو حقيق بذلك وبما هو أكبر منه ، ولكن لنبينا صلى الله عليه وسلم أعظم نصيباً ، وأرفع ذكْراً في العالمين ، وأجلّ خطراً في الأولين والآخِرين ، فإنه أفضل الخلق كما بينّا من شأنه ، وقرّرنا من برهانه ، ومن ذرّيته ابنتهُ فاطمة عليها السلام سيّدة نساء المسلمين الذين هم خير أمّة أخرجت للناس ، والحسنُ والحسين اللذان هما سيّدا شباب (6) أهل الجنة وهم أغصان شجرته وثمرة جُرثومته (7) ، والمهديّ الذي يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً من أهل بيته وعترته ، فأما الأصل فإنّ [ق 46/ظ] محمّداً صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم ، ويعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، ولا شكّ في فضل إسماعيل على إسحاق عليهما الصلاة والسلام (8) ، ولا يضرّ محمّداً صلى الله عليه وسلم ما بينه وبين

(1) ما بين القوسين بياض في ب.

(2)

في ب "مزية" ، وهو خطأ ظاهر.

(3)

أخرج البخاري (4/ 151) ، في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ} [يوسف: 7] ، ح 3390 ، من طريق ابن عمر رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام» .

(4)

"ابن الكريم" الثاني ليس في ب.

(5)

قال محمد الطاهر بن عاشور في تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد (6/ 33) ، 1984 م ، الدار التونسية ، تونس: "الأسباط هم أسباط إسحاق: أي أحفاده ، وهم أبناء يعقوب ، اثنا عشر ابناً

فأما يوسف فكان رسولاً لقومه بمصر

وأما بقية الأسباط فكان كل منهم قائماً بدعوة شريعة إبراهيم في بنيه وقومه ، والوحي إلى هؤلاء متفاوت".

(6)

في ب "شبّان".

(7)

جُرثومة الشيء -بالضم-: أصله. تاج العروس (31/ 395).

(8)

أخرج أحمد (28/ 194) ح 16987 ، والترمذي (5/ 583) ، أبواب المناقب ، باب في فضل النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 3605 ، من طريق واثلة بن الأسقع ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة

» الحديث؛ قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"؛ وقال الألباني في كتابه صحيح الترمذي (3/ 189) ح 2855: "صحيح دون الإصطفاء الأول" ، والله أعلم.

ص: 469

إسماعيل من بعد الآباء وكثرتهم وكفر من كان كافراً (1) ، كما لايضرّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كفر أبيه ولا كفر من كان كافراً فيما بينه وبين نوح عليه الصلاة والسلام ، على أن الفضل بالآباء والأبناء ليس بالخطب الجليل ، مع أنّ لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم فيه من الفضل ماجاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «إنّ الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني في

خيرهم قسماً ثم جعل القسم أثلاثاً فجعلني في خيرهم» وقد تقدم الحديث في أول الكتاب ، وعنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث آخر: «إنّ الله اختار بني آدم ، واختار من بني آدم العرب ، واختار من العرب مضر ، واختار من مضر قريشاً ، واختار من قريش بني هاشم ، واختارني من بني هاشم فأنا خير من خيار

» (2) الحديث.

فأما تفضيل يعقوب عليه الصلاة والسلام لكون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أولاده كثير ، فنبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه من الفضيلة التي استقرّت قواعدها ، وعلت أركانها ، كان خاتم النبيين لانبيّ بعده ، وكانت رسالته إلى جميع الخلق ، ودعوته قائمة إلى يوم القيامة ، فلم تحتج الأمّة بعده إلى نبيّ ، فكتابه محفوظ بحفْظ الله تعالى ، ودينه ظاهر بتأييد الله تعالى ، ودعوته قائمة إلى يوم القيامة ، وسلطانه حاكم إلى يوم الطّامّة ، وقد قال بعض أصحابه: لو كان بعده نبيّ لعاش ابنه إبراهيم (3)، وقال:«لو كان بعدي نبيّ لكان عمر بن الخطاب» (4) ، فنبوّته صلى الله عليه وسلم قائمة إلى يوم القيامة لم تنسخ ،

(1) في هامش ب "حاشا نبينا صلى الله عليه وآله أن يكون مس أحداً ضلال أو كفر إلى آدم عليه السلام ومن أين تبين هذا بل المنقول من أهل بيته عليه السلام خلاف ذلك وأما إبراهيم فلم يكن والده آزر بل كان عمه ورباه والعرب قد يسمون العم أباً فلا تكن في مرية من ذلك فتضل وتضل فتكون من الخاسرين".

(2)

أخرجه الطبراني بنحوه في المعجم الأوسط (6/ 199) ح 6182 ، وفي المعجم الكبير (12/ 455) ح 13684؛ قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 215) ح 13823:"فيه حماد بن واقد وهو ضعيف يُعتبر به ، وبقية رجاله وثقوا".

(3)

أخرجه البخاري (8/ 43) ، في كتاب الأدب ، باب من سمي بأسماء الأنبياء ، ح 6194 ، من حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه.

(4)

أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 92) ، كتاب معرفة الصحابة رضي الله عنهم ، ح 4495 ، من طريق عقبة بن عامر رضي الله عنه ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأخرجه بنحوه: أحمد (28/ 624) ح 17405 ، والترمذي (5/ 619) ، بنحوه في أبواب المناقب ، ح 3686 ، وقال: "هذا حديث حسن غريب".

ص: 470

بل يعمل بها العباد إلى يوم الأشهاد ، فالحاصل من هذا أن كل فضيلة في نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين من وجه من الوجوه فقد جعل الله تعالى لمحمّد صلى الله عليه وسلم من جنسها ماهو أفضل منها ، وأكثر ، وأكبر ، وسواء كانت في [ق 47/و] النفس ، أو في الأصل ، أو (في)(1) النسل ، أو في المعجزة ، أو في الكتاب ، أو في الأمّة ، أو في غير ذلك من الأمور التي تتفاضل فيها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وتتباين بها درجاتهم وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فإن قيل: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام فقد ولدَه يوسف عليه الصلاة والسلام وكان يحبّه حُبّاً شديداً فقال: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 18 - 83] ، ولا يخفى ما للصابرين عند الله من المنزلة ، قيل: إن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان له أحد عشر ولداً ذُكْراناً غير يوسف عليه السلام ، أكبرَ سنّاً منه ، نَصْبَ عينه ، يروحون ويَغدُون عليه ، وبكى على يوسف حتّى عنّفه أولاده فقالوا له:{تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ} [يوسف: من الآية 85]، فقال:{إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: من الآية 86] يعني: أنه حيّ وأن الله تعالى جامع به الشّمل ، ولكن بكائي شوقاً إليه وحُزناً عليه؛ وأمّا محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكن له حيّ غير ولد واحدٍ ذكرٍ وهو إبراهيم ، فمات فصبر عليه ، ولم يظهر منه جزع ، وإنما كان بكاؤه عليه ساعةَ الموت رحمةً فجمع (صلى الله عليه وسلم بين حالتين هما من أشرف الأحوال الصّبر والرحمة ، صبر بلا قسوة ، ورحمة)(2) بلا جزع ، هذا وكان واحدَه ، وقرّة عينه ، لم يكن له ولد ذكر غيره ، فصبر على فراقه الذي لا طمع في رجوعه ، ويعقوب عليه الصلاة والسلام كان له أحد عشر ابناً غيره نصب عينه ، وكان

(1)"في" ليس في ب.

(2)

مابين القوسين ليس في ب.

ص: 471

يرجو لقاء المفقود (1)، وقال:{يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: من الآية 84]، ومحمد صبر واحتسب ولم يتأسّف بل قال:«تدمع العين ويحزن القلب ولانقول إلا ما يُرضي ربّنا» (2).

(فصل)(3)

وأمّا يوسف الصّدّيق الكريم صلى الله عليه وسلم الموصوف بالحسن والجمال ، والعلم والعقل والأفضال ، الذي قصّته في القرآن أحسن القصص ، وسيرته أجمل السّير ، المبتلى بأنواع من البلاء ، وصبر فيها أحسن الصبر ، وآل به صبره فيها إلى أحسن ما آل صبر على ما كان من إخوته في حقه فآل أمرهم إلى أن سجدوا [ق 47/ظ] له وقالوا:{تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: من الآية 91]، وابتُلي بكيد النّساء فآل أمره بعد سجنه سبع سنين إلى أن قالت غريمته:{(الْآنَ) (4) حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: من الآية 51]، وابتُلي بالسجن عند صاحب مصر فآل أمره إلى أن صار تدبير مُلْكه إليه؛ كتب بعضهم إلى صديق له وهو في شدّة:

وراء مضيق الخوف متّسَع الأمن

وأوّل مفرُوح به آخر الحزن

فلا تَيْأسنْ فالله مَلّكَ يوسفاً

خزائنَهُ بعد الخلاص من السجن (5)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم دُعِيتُ لأجَبْتُ الدّاعي ولأسرعت» (6) وذلك أنّ الملِك لما قال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: من الآية

(1) في ب "المفترد".

(2)

أخرجه مسلم (4/ 1807) ، كتاب الفضائل ، باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك ، ح 2315.

(3)

ما بين القوسين بياض في ب.

(4)

"الآن" ليس في ب.

(5)

القائل: هو زيد بن محمد بن زيد العلوي ، أبو الحسن ، كان أديباً مليح الشعر ، وكان أبوه القائم بطبرستان ، أسر في الواقعة التي استشهد فيها أبوه ، مات سنة 314. انظر: الوافي بالوفيات (15/ 29).

(6)

أخرجه البخاري (4/ 147) ، في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله عز وجل:{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} [الحِجر: 51 - ومن الآية 52] ، ح 3372 ، ومسلم (4/ 1839) ، في كتاب الفضائل ، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ، ح 152 ، كلاهما من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:«ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» .

ص: 472

54] ، فجاءه الرسول بذلك فقال (له) (1):{ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: من الآية 50] ، وأراد بذلك أن يتحقق

الملك حقيقةَ الحال ، وبراءة ساحته ، لئلا يكون بين يديه فيَذكر (2) من شأنه ماوقر في صدره من شيء الحقُّ خلافه ، فيشوش قلبَه ، فأراد أن يكون بين يديه على أحسن الأحوال وهذه حال حسنة جميلة ، ومرتبة جليلة نبيلة ، وقول نبينا صلى الله عليه وسلم:«لأسرَعت إلى الداعي» أيضاً من أحسن الأحوال ، وأكمل الخلال ، ولنبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور النصيب الأوفى ، والكأس الأروى ، فأمّا الكرم المذكور ليوسف عليه الصلاة والسلام ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل من أكرم الناس فقال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم

» (3) الحديثَ ، وقد ثبت أن نبيّنا محمداً صلى الله عليه وسلم كان أكرم خلق الله على الله ، فقد روى التّرمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يئسوا وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر» (4)، وفي رواية:«أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله عز وجل ولا فخر» (5) وسنذكر (من ذلك)(6) فيما بعد طرفاً صالحاً بعون الله ، ومن كرامته عليه قرن اسمه مع اسمه فلا يُذكر إلا ذُكر معه [ق 48/و] ، وجعل طاعته مقرونة بطاعته

(1)"له" ليس في ب.

(2)

في ب "منكر" ، وهو خطأ.

(3)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 469.

(4)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 347.

(5)

أخرجه الدارمي في السنن (1/ 194) ، كتاب دلائل النبوة ، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ، ح 48 ، وأخرجه الترمذي (5/ 587) ، في أبواب المناقب ، ح 3616 ، من طريق ابن عباس رضي الله عنهما ، بدون قوله:«على الله عز وجل» ، قال الترمذي:"هذا حديث غريب"؛ وقال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (3/ 252) ح 5762 ، لمحمد بن عبدالله الخطيب التبريزي ، الطبعة الثالثة 1405 ، المكتب الإسلامي ، بيروت:"ضعيف".

(6)

"من ذلك" ليس في ب.

ص: 473

فقال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: من الآية 32] وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

فأمّا الجمال والحسن فلمحمد صلى الله عليه وسلم فيه أمْرٌ قد علا ، ومَورِدٌ قد عَذُبَ وحَلا (1) ، ولا يخفى ابنُ جَلا (2)، ففي حديث هند بن أبي هالة (3) المشهور المعروف الطويلِ في صفته صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مفخماً ، يتلألَأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب (4) ، عظيم الهامة ، رَجِل الشعر ، إن (5) انفرقت عَقِيقَتُه (6) فرَق وإلا فلا ، يُجاوز شعره شحمةَ أذنيه إذا هو وَفّره ، أزهر اللون (7) ، واسع الجبين ، أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عِرقٌ يُدِرُّه الغضب ، أقنى العِرنين (8) له نور يعلوه ، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ (9) ، كثّ اللحية ، سهل الخدّين ، ضليع الفم ، أشنب (10)(11)، مفلج الأسنان -أي: مفرق الأسنان- ، دقيق المَسْرُبَة (12) ،كأن عنقه جيدُ

(1) في ب "جلا".

(2)

في ب "بن الجلا" بدون الهمزة؛ وابن جلا: أي الظاهر الذي لا يخفى وكل أحد يعرفه ، يقال ذلك للرجل إذا كان على الشرف بمكان لا يخفى. انظر: تاج العروس (37/ 366).

(3)

هو هند بن نباش بن زرارة التميمي ، وهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمه خديجه بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قيل استشهد يوم الجمل مع علي ، وقيل عاش بعد ذلك. انظر: أسد الغابة (5/ 293 ، 389) ، تقريب التهذيب ص 574.

(4)

في ب "الشذب"، والمشذب: هو الطويل البائن الطول مع نقص لحمه ، وأصله من النخلة الطويلة التي شُذّب عنها جَريدها: أي قطع وفُرّق. النهاية (2/ 1124).

(5)

في ب "إذا".

(6)

عقيقته: أي شعره ، سُمي عقيقة تشبيهاً بشعر المولود. النهاية (3/ 533).

(7)

الأزهر: الأبيض المستنير ، والزهر والزَّهرة: البياض النير وهو أحسن الألوان. النهاية (2/ 804).

(8)

العِرْنين: الأنف ، وقيل رأسه. النهاية (3/ 449).

(9)

الشَّمم: ارتفاع قصبة الأنف ، واستواء أعلاهء وإشراف الأرنبة قليلاً. النهاية (2/ 1223).

(10)

في ب "أشبب".

(11)

الشنب: البياض والبريق والتحديد في الأسنان. النهاية (2/ 1226).

(12)

المسرُبة -بضم الراء-: ما دق من شعر الصدر سائلاً إلى الجوف. النهاية (2/ 903).

ص: 474

دُمية في صفاء الفضّة ، معتدل الخلق ، بادن متماسك ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكرادِيس (1) ، أنورَ المتجرَّدِ (2) ، موصول ما بين

السُّرّة واللَّبَّةِ (3) بشعرٍ يَجْري كالخطّ ، عارِي الثَّدْيَيْن والبَطْنِ مما سوى ذلك ، أشعر (4) الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزَنْدين ، رحب الراحة ، شثنَ الكفين والقدمين (5) ، سائل الأطراف (6) ، خمصان الأخمصين (7) ، مسيح القدمين (8) يَنبُو عنهما الماء ، إذا زال زال تقلعاً (9) ، يَخْطُو تَكَفِئاً ، ويَمشي هَوْناً ، ذريع المشية إذا مشى كأنّما ينحط من صبَب ، وإذا التفت التفت جميعاً ، خافض الطرف ، نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء ، جلّ (10) نظره الملاحظة ، يسوق أصحابَهُ ، يَبْدُرُ من لقي بالسّلام" (11)؛ وفي حديث عائشة رضي الله عنها الطويل في صفته صلى الله عليه وسلم: وكأنّ عَرَقه في

(1) الكراديس: هي رؤوس العظام واحدها: كردوس ، وقيل: هي ملتقى كل عظمين ضخمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين ، أراد أنه ضخم الأعضاء". النهاية (4/ 290).

(2)

أنور المتجرد: أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكُشف ، يريد أنه كان مشرق الجسد. النهاية (1/ 727).

(3)

واللبة: وسط الصدر ، والمنحر. لسان العرب (1/ 729).

(4)

في ب "شعر" بدون الهمزة.

(5)

أي أنهما يميلان إلى الغِلط والقصر ، وقيل: هو الذي أنامله غلظ بلا قصر ، ويُحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم ويُذم في النساء. النهاية (2/ 1094).

(6)

سائل الأطراف: أي ممتدها. النهاية (2/ 1060).

(7)

قال ابن الأثير في النهاية (2/ 151): "الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء ، والخمصان المبالغ منه: أي أن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض ، وسُئل ابن الأعرابي عنه فقال: إذا طكان الأخمص بقدر لم يرتفع جداً ولم يستو أسفل القدم جداً فهو أحسن ما يكون وإذا استوى أو ارتفع فهو مذموم ، فيكون المعنى: أن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأول".

(8)

مسيح القدمين: أي ملساوان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق فإذا أصابهما الماء نبا عنهما. النهاية (4/ 699).

(9)

أي يزول قالعاً لرجله من الأرض؛ والمقصود قوة مشيه وأنه كان يرفع رجليه من الأرض إذا مشى رفعاً بائناً بقوة ، لا كمن يمشي اختيالاً وتنعماً ويُقارب خطاه فإن ذلك من مشي النساء ويوصفن به. انظر: النهاية (4/ 157) ، لسان العرب (8/ 290).

(10)

في ب "أجل" بزيادة الهمزة ، وهو خطأ.

(11)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/ 24) ، فصل في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقه ، ح 1362 ، وفي الدلائل (1/ 268) ح 236 ، وأخرجه أبو نعيم بنحوه في الدلائل (2/ 627 - 629) ح 565 ، والترمذي في الشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية (1/ 34) ، باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ح 8 ، تحقيق: سيد عباس الجليمي ، الطبعة الأولى 1413 ، المكتبة التجارية ، مكة؛ والطبراني بنحوه في المعجم الكبير (22/ 155) ح 18265؛ قال الألباني:"ضعيف". السلسلة الصحيحة (5/ 52) ح 2053.

ص: 475

وجهه مثل اللّؤلؤ أطيب من المسك الأذفر - وفيه - وكان إذا امتشط بالمُشْط كأنّه حُبُكُ الرمال

وكأنّه المتون (1) التي في الغُدُر إذا سَفَقَتْها الرياح ، وكان ربما جعله (2) غدَائر ، يُخرِج الأذن اليمنى [ق 48/ظ] من بين غديرتين يتكنّفانها ، ويُخرج الأذنَ اليسرى من بين غديرتين يتكنفانها ، ينظر من يتأمّلها من بين تلك الغدائر كأنّهما (3) تَوَقُّدُ الكواكب الدُريّة بين سواد شعره ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس وجهاً ، وأنورَهم لوناً ،لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر ويقول: هو أحسن في أعيننا من القمر ، أزهر يتلألأ وجهُه تلألؤ القمر كما وصفه صاحبه وصدّيقه وخليفته أبو بكر رضي الله عنه:

أمينٌ مصطفى للخير يَدْعُو

كضوء البدر زايَلَهُ الظَّلامُ

وكما كان عمر رضي الله عنه يُنشد قول زهير بن أبي سُلْمى:

لو كنتَ من شيء سوى بشر

كنتَ المُنوَّرَ ليلةَ القدر" (4)

وكان (كل)(5) من سُئل عنه صلى الله عليه وسلم ممن رآه فإمّا يشبّهه بالشمس أو بالقمر وأحسن من ذلك ، ومنهم من يقول (6) ناعِتُه: لم أر قبله ولا بعده مثله؛ وقد روي عن [جابر بن سمرة رضي الله عنه](7) قال: نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه حُلّة حمراء ونظرت إلى القمر ليلة

(1) المتون: جوانب الأرض في إشراف. لسان العرب (13/ 398).

(2)

في ب "يجعله".

(3)

في ب "كأنها" وهو الوارد في دلائل البيهقي (1/ 298) ، وما أثبته من أهو الوارد في دلائل أبي نعيم (2/ 640) ح 566.

(4)

أخرجه مطولاً أبو نعيم في الدلائل (2/ 636 - 640) ح 566 ، والبيهقي في الدلائل (1/ 298).

(5)

"كل" ليس في ب.

(6)

في أتكرار "يقول".

(7)

في أ ، ب "جابر بن عبدالله رضي الله عنهما" ، وما أثبته من المعجم الكبير للطبراني (2/ 206) ح 1843 ، والمستدرك للحاكم (4/ 206) ، كتاب اللباس ، ح 7383 ، وسنن الدارمي (1/ 202) ، كتاب دلائل النبوة ، باب في حسن النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 58 ، وسنن الترمذي (5/ 118) ، في أبواب الأدب ، باب ما جاء في الرخصة في لبس الحمرة للرجال ، ح 2811.

ص: 476

البدر فلَهُوَ (1) أحسن في عيني من القمر (2)؛ وسُئلَتِ الرُّبَيّع بنت مُعوذ من صفته صلى الله عليه وسلم

فقالت: لو رأيته رأيتَ الشمس طالعةً (3)؛ وقيل لجابر بن سمرة رضي الله عنه أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال: لا بل مثل الشمس والقمر (4)، فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان إذا مرّ بأزِقَّةِ مصرَ يتلألأ نوره على الجدران تلألؤ الشمس والماء على الجُدران ، قيل: محمّد صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى في الشمس لا يوجَد له ظلّ من شدّة نوره على نور الشمس (5)، وهذا أعظم من تلألؤ نور يوسف عليه السلام على الجدران في الأزِقَة؛ وقد روى هاشم بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم (عندي)(6) جالساً وأنا [ق 49/و] أغزل فَبُهِتُّ انظر إليه وقد عَرِق صُدْغُه وقَذالُه ، وجعلت لا أنظر إلى شيء منه إلا حُوّل في عيني منه نوراً ، فسَكن مغزلي ، فلمّا رآني قد سكن مغزلي

(1) في ب "وهو".

(2)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (2/ 206) ح 1843 ، والحاكم في المستدرك (4/ 206) ، كتاب اللباس ، ح 7383 ، وقال:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، وأخرجه الدارمي في السنن (1/ 202) ، كتاب دلائل النبوة ، باب في حسن النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 58 ، كلهم بلفظ:" رأيت رسول صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء قال: فجعلت أنظر إليه وإلى القمر ، فلهو أحسن في عيني من القمر" ، وأخرجه الترمذي (5/ 118) ، في أبواب الأدب ، باب ما جاء في الرخصة في لبس الحمرة للرجال ، ح 2811 ، بلفظ:"فإذا هو عندي أحسن من القمر".

(3)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (18/ 12) ح 20159 ، وفي المعجم الاوسط (4/ 368 - 369) ح 4458 ، والبيهقي في الدلائل (1/ 200) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 313) ، والدارمي في السنن (1/ 204) ، كتاب دلائل البنوة ، باب في حسن النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 61 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 280) ح 14034:"رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا".

(4)

أخرجه مسلم (4/ 1823) في كتاب الفضائل ، باب شيبه صلى الله عليه وسلم ، ح 2344.

(5)

قال الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 158): "خصوصياته عليه السلام إنما تثبت بالنص الصحيح، فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيراً من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه ، ومنهم من يثبت له عليه السلام ما لم يثبت مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل؛ والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له".

(6)

"عندي" ليس في ب.

ص: 477

نظر إليّ وقال: «مالكِ يا عائشة؟ » فقلت: واللهِ يا رسولَ اللهِ إنّكَ لأنتَ أحقُّ بقول أبي كبير ، قال:«وما قال أبو كبير» قلت: قال أبو كبير (1):

ومُبرّإٍ من كل غُبَّرِ (2) حيضةٍ

وفسَاد مُرضعةٍ (3) وداءٍ مُغيل

فإذا نظرتَ إلى أسِرَّة وجهِه

بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارض المتهلّل" (4).

وفي الجملة فيوسف عليه السلام كان من أحسن الناس ، فأما محمد صلى الله عليه وسلم فإنّه كان أحسنَ الناس وقد روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«هبط عليّ جبريل فقال يا محمّد إن الله عز وجل يقول: كسوت حسن يوسف من نور الكرسي ، وكسوت نور وجهك من نور عرشي» (5)؛ ولاشك أن العرش أعظم من الكرسي ونوره أعظم من نوره ، وفي حديث الإسراء من رواية مسلم في صحيحه:«فإذا يوسف وإذا هو قد أُعطي شطر الحسن» (6) فمحمّد صلى الله عليه وسلم قد أُعطي الحسن كلّه.

(1) البيتان في شرح أشعار الهذليين (3/ 1073) من قصيدة لابي كبير الهذلي - واسمه عامر بن الحُلَيْس أحد بني سعد بن الهذليين مطلعها: أزهير هل عن شيبة من معدل

أم لا سبيل إلى الشباب الاول. انظر: شرح أشعار الهذليين (3/ 1069) ، لأبي سعيد السكري ، تحقيق: عبدالستار أحمد فراج ، مكتبة دار العروبة ، القاهرة.

(2)

قال السكري: "الغبر: البقية". شرح أشعار الهذليين (3/ 1073).

(3)

قال السكري: "وقوله فساد مرضعة: يقول لم تحمل عليه فتسقيه الغيل ، وليس به داء شديد قد أعضل". شرح أشعار الهذليين (3/ 1073).

(4)

أخرجه بنحوه: المزي في تهذيب الكمال (28/ 319) ، والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 693) ، باب الحيض على الحمل ، ح 15427 ، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا ، الطبعة الثالثة 1424 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/ 45 - 46) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 307)، قال الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (9/ 166 - 168) ح 4144: "كذب موضوع

قصة تولد النور من عرقه صلى الله عليه وسلم التي لا أصل لها في شيء من أحاديث خصائصه وشمائله صلى الله عليه وسلم؛ حتى ولا في كتاب السيوطي (الخصائص الكبرى) الذي جمع فيه من الروايات ما صح وما لم يصح حتى الموضوعات! ".

(5)

أخرجه ابن عساكر بنحوه في تاريخ دمشق (53/ 326) ، قال ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (1/ 291)، تحقيق: عبدالرحمن محمد عثمان ، الطبعة الأولى 1386 ، المكتبة السلفية ، المدينة:"هذا حديث موضوع والمتهم به أبو بكر الأشناني وكان يضع الحديث".

(6)

أخرجه مسلم (1/ 145) ، في كتاب الإيمان ، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات ، ح 162 ، من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه ، بلفظ:«فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم ، إذا هو قد أُعطي شطر الحسن» .

ص: 478

فأما علم يوسف عليه الصلاة والسلام بالتعبير للرؤيا ، فإنّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم كان أعلم خلق الله بها وكان من شأنه أنه إذا صلى الصبح واستقبل الناس قال:«هل رأى أحد منكم رؤيا» فيقصّها ويخبره بالجواب (1) ، وكان أوّل ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة فكان

لايرى (2) رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح (3) ، ورأى منامات كثيرةً فعبّرها فوقعت كما عبّرها ، كما عبَر في رؤياه السوارين من الذهب بكذّابين يخرجان بعدَه فكان كذلك خرج الأسوَدُ (4) العنسي ومسيلمة الكذّاب (5) ، وكذلك رُؤياه البقر التي رآها تُنحَرُ فكان ما عَبره بأن نفراً من أصحابه يُقتلون فكان كذلك (6) ، وهكذا رؤياه في السيف الذي هزّه في

(1) أخرج البخاري (2/ 100) ، في كتاب الجنائز ، باب ما قيل في أولاد المشركين ، ح 1386 ، من طريق سمرة بن جندب ، قال "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال:«من رأي منكم الليلة رؤيا» قال: فإن رأى أحد قصّضها ، فيقول:«ما شاء الله» ، فسألنا يوماً فقال:«هل رأى أحد منكم رؤيا»

"؛ وأخرج مسلم (4/ 1778) ، كتاب الرؤيا ، باب في تأويل الرؤيا ، ح 2269 ، من طريق ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها له» ، فجاء رجل فقال

".

(2)

في ب "رأى" ، وهو خطأ.

(3)

أخرج البخاري (6/ 173) ، في كتاب تفسير القرآن ، باب {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضُّحى: 3] ، ح 4953 ، ومسلم (1/ 139) ، في كتاب الإيمان ، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ح 160 ، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(4)

في ب "أسود".

(5)

أخرج البخاري (4/ 203) ، في كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، ح 3620 ، ومسلم (4/ 1781) ، في كتاب الرؤيا ، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 2274 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما أنا نائم ، رأيت في يدي سوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما ، فأوحي إليَّ في المنام: أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأولتهما كذابين يخرجان بعدي فكان أحدهما العنسي ، والآخر مسيلمة الكذاب صحاب اليمامة» واللفظ للبخاري.

(6)

أخرج أحمد في المسند (4/ 259) ح 2445 ، من طريق عبدالله بن عباس رضي الله عنهما ، بلفظ:"وهو الذي رأى الرؤيا يوم أحد فقال: «رأيت في سيفي ذي الفقار فلًّا ، فأولته ، فلًّا يكون فيكم ، ورأيت أني مردف كبشاً ، فأولته: كبش الكتيبة ، ورأيت أني في درع حصينة ، فأولتها: المدينة ، ورأيت بقراً تُذبح ، فبقرٌ والله خير ، فبقرٌ والله خير» فكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "؛ قال الألباني: "صحيح". صحيح الجامع الصغير (13/ 161) ح 5789؛ وأخرجه النسائي في السنن الكبرى (7/ 115) ، كتاب التعبير ، باب الرؤيا ، ح 7600 ، من طريق جابر بن عبدالله ، بلفظ: "استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم أحد فقال: «إني رأيت فيما يرى النائم كأني لفي درع حصينة وكأن بقراً تنحر وتباع ففسرت الدرع المدينة ، والبقر نفراً والله خير

».

ص: 479

المنام فاندقّ صدره ثم هزّه فعاد كما كان عبره بهزيمة أصحابه ثم يُنصرون بعد ذلك فكان كذلك (1) ، ومن الشواهد على علمه بالتعبير العلم التامّ الكامل [ق 49/ظ] ما قصّه

عبدالله بن سلام رضي الله عنه (عليه)(2) ، فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه بأبي أنت دعني فأعبُرَها ، فقال:«اعبُرْها» فتكلم عليها أبو بكر رضي الله عنه ثم قال: والله لتُخبرنّي يا رسولَ الله أصبتُ أم أخطأتُ ، فقال:«أصبتَ بعضاً وأخطأتَ بعضاً» ، فقال: والله لتخبرنّي ما الذي أصبتُ وما الذي أخطأتُ ، فقال:«لاتقسم» (3)؛ ولولا وفور علمه لما انتقَد على أبي بكر هذا الانتقاد ، وقد كان في أمّة محمّد صلى الله عليه وسلم مَن يَعْبُرُ الرؤيا من السلف والخلف أمور عجيبة وأحوال غريبة ليس هذا مكان شرحها لكثرتها.

فأما قوله لصاحبي (4) السجن: {لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا (5) ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: من الآية 37] ، فهذا لمحمّد صلى الله عليه وسلم وأمثالُه بل لغيره من الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم ، على أن محمّداً صلى الله عليه وسلم قد أُعطي من هذا الباب النّصيب الأوفى ، فإنّه صلى الله عليه وسلم أخبر قريشاً بما فعلت الأرضة بكتابهم الذي كتبوا بينه وبينهم وأنّها قد لَحِسَتْ ما فيه من الجور وأبقت ما فيه من العدل والصلاح (6) ، وأخبر عمَّه العبّاسَ رضي الله عنه بما كان دَفع إلى زوجته حين خرج من مكّة ولم يعلم به أحد إلا الله (7) ،

(1) أخرج البخاري (5/ 102) ، في كتاب المغازي ، باب من قتل من المسلمين يوم أحد ، ح 4081 ، ومسلم (4/ 1779) ، في كتاب الرؤيا ، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ، ح 2272 ، من طريق أبي موسى رضي الله عنه ، بلفظ: "أُرى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في رؤياي أني هززت سيفاً فانقطع صدره ، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان ، فإذا هو ما جاء به الله من الفتح واجتماع المؤمنين ، ورأيت فيها بقراً والله خير ، فإذا هم المؤمنون يوم أحد» واللفظ للبخاري.

(2)

"عليه" ليس في ب.

(3)

أخرجه البخاري (9/ 43) ، كتاب التعبير ، باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب ، ح 7046 ، ومسلم (4/ 1777) ، كتاب الرؤيا ، باب في تأويل الرؤيا ، ح 2269 ، من طريق عبدالله بن عباس رضي الله عنهما.

(4)

في ب "لصاحب".

(5)

في ب "يأتكما".

(6)

أخرج أبو نعيم في الدلائل (2/ 272 - 275) ح 205 ، من طريق عروة بن الزبير؛ وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (2/ 313 - 314).

(7)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 419.

ص: 480

وأخبر ممّا (1) سيكون قبل كونه بأمور عظيمة منها: إخبارُه بغلب الروم وأنهم سيغلبون في بضع سنين ، ومنها ظهور كذّاب ومبير (2) ، وأمور يطول ذكرها وقع بعضها والباقي سيقع لا محالة ، (كالدّجال)(3) ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ، وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك ، وقد تقدّم من ذلك جملة ، وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى أشياء أخر في أماكنها.

وأمّا عقل يوسف عليه الصلاة والسلام ، وحلْمه ، وصبره على الأذى ، وما لقي أوّلاً من إخوتِه ، ثم آخراً لمّا وُجد الصّاع في رحل (4) أخيه قالوا:{إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: من الآية 77] ، ولمّا قدموا المرّة الأولى فعرفهم وهم له منكرون ، وهو حينئذ على خزائن الملْك ، فلم [ق 50/و] يَهِجْهُ ما فعلوا به ، ولم تحرّكه القدرة عليهم على الانتقام منهم ، بل قال:{ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [يوسف: من الآية 59]، ثم لمّا عَرفوه حين قال:{أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: من الآية 90]، قالوا له:{تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91]، فقال هو:{لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: من الآية 92]؛ وهذا غاية في الحِلْم ، فإنه عفا عنهم من قبل أن يَسألوه العفو ، وأبوهم يعقوب عليه الصلاة والسلام لمّا قالوا له:{اسْتَغْفِرْ لَنَا [ذُنُوبَنَا] (5)} [يوسف: من الآية 97]، قال:{سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} [يوسف: من الآية 98] ، قلنا هذه صفات حسنة ، وأخلاق جميلة ، وطباع كريمة ، ولمحمّد صلى الله عليه وسلم في ذلك عجائب لا يدرك مداها ، ولا يبلغ منتهاها ، من ذلك: أن اليهود

(1) في ب "بما".

(2)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 425.

(3)

"كالدجال" ليس في ب.

(4)

في ب "رحال".

(5)

"ذنوبنا" زيادة من ب.

ص: 481

سحروه وأخبره جبريل عليه السلام بالسّحر وبمن سحرَه ولم يعاقبه (1) مع ما كان مستحقّاً

للعقوبة مع مخالفته لدينه وغدره وخيانته لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، وكذلك اليهوديّة التي جعلت السُمّ في طعامه فإنه عفا عنهما ولم يعاقبهما (2) ، وهذا أعظم من عفو يوسف عليه الصلاة والسلام (عن إخوته)(3) ، فإنّ القرابة والرّحم قلّ أن تسمح النّفس بالعقوبة لهم ، ولا سيما مع طول المُدَد وتقادُم العهد ، فإن جمرة الغضب إذا طال الزمان تَطفئ ، وبَوادرَ الانتقام تسكن حينئذ وتخفى، وأمّا حلم (4) محمد صلى الله عليه وسلم عن قومه وما بالغوا معه في الأذى قولاً وفعلاً ولمّا مكّنه (5) الله تعالى منهم يوم الفتح قال:«من دخل بيته فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن» ونحو ذلك (6) ، مع شدّة ما أسلفوه من العداوة ،

(1) أخرج البيهقي في الدلائل (7/ 92) ، من طريق عائشة رضي الله عنها ، بلفظ:" فقيل: يا رسول الله، لو قتلت اليهودي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عافاني الله عز وجل، وما وراءه من عذاب الله أشد» ، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (6/ 260) ح 2761: "وهذا إسناد ضعيف جداً"؛ وذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 196) ، تحقيق: إحسان عباس ، الطبعة الأولى 1968 م ، دار صادر ، بيروت: : أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى التبس بصره وعاده أصحابه ، ثم إن جبريل وميكائيل أخبراه ، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف فاستخرج السحر من الجب من تحت البئر ، ثم نزعه فحله ، فكُشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعفا عنه"، وأخرج ابن سعد في موضع آخر من الطبقات الكبرى (2/ 199) عن عكرمة:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عنه" وقال: "قال عكرمة: ثم كان يراه بعد عفوه فيعرض عنه، قال محمد بن عمر -الواقدي-: وهذا أثبت عندنا ممن روي أنه قتله".

(2)

قال النووي في شرح صحيح مسلم (14/ 179): "اختلف الآثار والعلماء هل قتلها النبي صلى الله عليه وسلم أم لا، فوقع فى صحيح مسلم أنهم قالوا: ألا نقتلها ، قال «لا» ،ومثله عن أبي هريرة وجابر ، وعن جابر من رواية أبى سلمة: أنه صلى الله عليه وسلم قتلها ، وفى رواية ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر بن البراء بن معرور وكان أكل منها فمات بها فقتلوها ، وقال ابن سحنون: أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلها ، قال القاضي: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها أولاً حين اطلع على سمها وقيل له اقتلها فقال «لا» ، فلما مات بشر بن البراء من ذلك سلمها لأوليائه فقتلوها قصاصاً ، فيصح قولهم: لم يقتلها أى فى الحال ، ويصح قولهم: قتلها أي بعد ذلك ، والله أعلم".

(3)

"عن إخوته" ليس في ب.

(4)

في ب "حكم".

(5)

في ب "أمكنه" بزيادة الهمزة.

(6)

أخرجه مسلم (3/ 1407) ، كتاب الجهاد والسير ، باب فتح مكة ، ح 1780 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:«من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن» .

ص: 482

وما أبدوه في حقّه من الأذى ، قابلهم بهذا الحلم (1) الوافر ، والإحسان العظيم ، على تقارب العهد ، والجرح طري ولم يندمل ، حتى قالت الأنصار رضي الله عنهم: أما الرجل فأدركته الرأفَة بقومه والرغبة في قريته (2) ، على أن له من العقل والحلم والأفضال مما أشرنا إليه ،

وما سنذكر منه ما (3) ييسّر اللهُ تعالى بعونه ومشيئته على من آذاه ، وسبَّه ، وقصد مضرّتَه ، بل وقتله من الكفار والمنافقين واليهود وغيرهم فضلاً عن الذين آذوه من قومه وأهله وبني عمّه ما تضيق عن حصره مجلّدات (4) كثيرة ، فعفوه عن الأجانب من المشركين واليهود وغيرهم [ق 50/ظ] أعظم من عفوه عن أهله ، وإن كان أذاهم مُمِضّاً مُرْمِضاً كما قال طَرفَة (5):

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً (6)

على المرء من وقع الحسام المهنَّد

وكما جرى في قصّة غَوْرَث (7) الذي جاء والنبي صلى الله عليه وسلم نائم فاخترَط سيفه فانتبَه النبي صلى الله عليه وسلم وغَورَث قائم على رأسه بالسيف صلتاً فقال له: مَن يمنعك منّي؟ ، فقال:«الله» ، فألقى السيف من يده فلم يؤاخذه ولم يعاقبه (8) ، وكما ذكرنا من قصّة الساحر لبيد بن الأعصم اليهودي ، واليهوديّة التي جعلت السمّ في طعامه ليأكله فيموت (9) ، وكالأعرابي الذي جاءه من خلْفه فجبذه بردائه حتّى أثّرت حاشية الرّداء في عنقه وقال أعطني من

(1) في ب "حكم".

(2)

أخرجه مسلم (3/ 1407) ، كتاب الجهاد والسير ، باب فتح مكة ، ح 1780 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:"أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ، ورغبة في قريته".

(3)

في ب "مما".

(4)

في ب "مجارات".

(5)

طرفة بن العبد بن سفيان بن مالك البكري الوائلي. انظر: شرح المعلقات التسع ص 38 ، منسوب لأبي عمرو الشيباني ، تحقيق: عبدالمجيد همو ، الطبعة الأولى 1422 ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت.

(6)

أشد مضاضة: أي أشد حرقة. شرح المعلقات التسع ص 73.

(7)

غورث بن الحارث ، ويحتمل أن يكون هو دعثور بن الحارث الغطفاني ، فيكون أحد الاسمين لقب. انظر: الإصابة (2/ 387) ، (5/ 328 - 329).

(8)

أخرج القصة مسلم (4/ 1786) ، في كتاب الفضائل ، باب توكله على الله تعالى ، وعصمة الله تعالى له من الناس ، ح 2281 ، من طريق جابر بن عبدالله رضي الله عنه ، وجاء التصريح باسمه وعفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه في الدلائل للبيهقي (3/ 456) ح 1272 ، وفي المعجم الأوسط للطبراني (9/ 52) ح 91112.

(9)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 411 - 412.

ص: 483

مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه فضحك وأمر له بعطاء (1) ، وأشباه هذا مما يطول عَدُّهُ

وقد قدمنا قصّته (2) مع أبي جهل حين أراد كيده والذي وضع الفرث والسّلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك.

وأما عصمة الله تعالى وتقدّس ليوسف عليه الصلاة والسلام من امرأة العزيز ، فإن الله تعالى رزق محمّدًا صلى الله عليه وسلم العصمة الكاملة ، والنعمة الشاملة ، ولم يبتله بما ابتلى به يوسف عليه الصلاة والسلام حتى ضجّ إلى الله تعالى فقال:{وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: من الآية 33]، {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 34] ، فأما محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى (مع)(3) ما أعطاه من القوّة على الجماع حتى إنه كان يدور على نسائه رضي الله عنهن في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة ، قيل لأنس: وهل كان يطيق ذلك ، قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوة ثلاثين يعني ثلاثين امرأة ، ويروي أنه تسّع لتسع نسوة (4) ، وقد كان يقبّل النساء وهو صائم فقيل له في ذلك ، فقال:«أنا أملككم لإرْبه (5)» (6) والمراد بالإرب العضو ، ويروى لأرَبه والمعنى لحاجته إلى النكاح (7) ، ومِلكُ الإرب والأربة التي

(1) أخرج البخاري بنحوه (8/ 24) ، في كتاب الأدب ، باب التبسم والضحك ، ح 6088 ، ومسلم (2/ 730) ، في كتاب الزكاة ، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة ، ح 1057 ، من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه ، بلفظ "كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء" واللفظ لمسلم.

(2)

في ب "قصة".

(3)

"مع" ليس في ب.

(4)

أخرج الروايتين عن أنس رضي الله عنه البخاري (1/ 62) ، في كتاب الغسل ، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد ، ح 268.

(5)

في ب "بأرَبه" بفتح الهمزة.

(6)

أخرجه البخاري (3/ 30) ، في كتاب الصوم ، باب المباشرة للصائم ، ح 1927 ، ومسلم (2/ 777) في كتاب الصيام ، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته ، ح 1106 ، من طريق عائشة رضي الله عنها ، بلفظ:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويُباشر وهو صائم ، وكان أملككم لإربه" واللفظ للبخاري.

(7)

قال ابن الأثير في النهاية (1/ 71): "أكثر المحدِّثين يروونه بفتح الهمزة والراء يعنون الحاجة ، وبعضهم يرويه بكسر الهمزة وسكون الراء وله تأويلان: أَحدهما أنه الحاجه يقال فيها الأرَبُ والإِرْبُ والإِرْبَةُ والمَأْرَبَةُ ، والثاني: أرادت به العضو وعنت به من الأعضاء الذكر خاصة".

ص: 484

[ق 51/و] أعطيها محمّد صلى الله عليه وسلم أعظم من (ملك)(1) حالة يوسف عليه الصلاة والسلام (لهما)(2) وأكمل ، وأبلغ من ذلك أن الله تعالى عَصَم آباءَهُ من لدن عبدالله بن (عبد)(3)

المطّلب إلى آدم عليه الصلاة والسلام مِن السّفاح ، فما التقى لمحمد صلى الله عليه وسلم أبوان على سِفاح من سفاح الجاهلية (4) ولا عَهْرٍ من عَهْرها حتى ولد طيباً طاهراً منزّهاً من كل عيبٍ وريب فقد عصمه الله تعالى وهو في ظهر أبيه أن يشتمل عليه فرجان من حرام كما في حديث الخثعميّة والمُرِيَّة لمّا مرّ أبوه عليهما ونور النبوّة بين عينيه فكل منهما قد دَعته إلى نفسها وبذلت له مائة من الإبل على أن يقع عليها فصانه الله تعالى وحفظه من أن يُلم أبوه بحرام إكراماً له صلى الله عليه وسلم (5) ، مع أنّ في أمّته من رُزق من الكرامة ماهي شبيهة بهذه

(1)"ملك" ليس في ب.

(2)

"لهما" ليس في ب.

(3)

"عبد" ليس في ب.

(4)

أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (3/ 402) ، وأبو نعيم في الدلائل (1/ 57) ح 14 ، من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء» ، قال الألباني في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (6/-329 - 334) ح 1914 ، الطبعة الثانية 1405 ، المكتبة الإسلامي ، بيروت ، في تخريجه حديث:«ولدت من نكاح لا سفاح» روي من حديث علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس وعائشة وأبي هريرة

وخلاصته أن الحديث من قسم الحسن لغيره".

(5)

قال ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 95 - 97)، في ذكر المرأة التي عرضت نفسها على عبدالله بن عبدالمطلب: " وقد أختلف علينا فيها فمنهم من يقول: كانت قتيلة بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي أخت ورقة بن نوفل ، ومنهم من يقول: كانت فاطمة بنت مر الخثعمية ، -قال: - أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال حدثني محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن عروة قال وحدثنا عبيد الله بن محمد بن صفوان عن أبيه وحدثنا إسحاق بن عبيد الله عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم قالوا جميعاً هي قتيلة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل وكانت تنظر وتعتاف فمر بها عبد الله بن عبد المطلب فدعته يستبضع منها ولزمت طرف ثوبه فأبى وقال حتى آتيك وخرج سريعاً حتى دخل على آمنة بنت وهب فوقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع عبد الله بن عبد المطلب إلى المرأة فوجدها تنظره فقال: هل لك في الذي عرضت علي فقالت: لا مررت وفي وجهك نور ساطع ثم رجعت وليس فيه ذلك النور ، وقال بعضهم: قالت مررت وبين عينيك غرة مثل غرة الفرس ورجعت وليس هي في وجهك؛ -قال: - أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن بن عباس أن المرأة التي عرضت على عبد الله بن عبد المطلب ما عرضت امرأة من بني أسد بن عبد العزى وهي أخت ورقة بن نوفل؛ -قال: =

ص: 485

وقد روي عن أبي بكر الزقاق (1) أنه قال: جاورت بمكة عشر سنين فكنت أشتهي اللبن ، فغلبتني نفسي يوماً فخرجت إلى عُسْفان (2)، واستضفت حيّاً من أحياء العرب فنظرت بعيني اليمنى إلى جارية حسناء لم أر أحسن منها فأخذت بقلبي فقلت: يا جارية قد أخذ كلّك بكلي فما فيّ لغيرك مطمع ، فقالت: تقبَح بك الدعاوى العالية وأنت في أسر شهوة لو كنت صادقاً قد ذهبت عنك شهوة اللبن ، قال: فقلعت عيني اليمنى التي نظرت (بها)(3) إليها ، فقالت لي مِثلُكَ من نظر لله ، فرَجعت إلى مكّة فطفت أسبوعاً ثم نمت فرأيت في منامي يوسفَ الصّدّيق عليه السلام فقلت: يا نبي الله أقرّ الله عينك بسلامتك مِنْ إزليخا (4) فقال لي: يا مبارك وأنت أقرّ الله (عينك)(5) بسلامتك من العسفانيّة ثم تلى

= وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي الفياض الخثعمي قال: مر عبد الله بن عبد المطلب بامراة من خثعم يقال لها فاطمة بنت مر وكانت من أجمل الناس وأشبه وأعفه وكانت قد قرأت الكتب وكان شباب قريش يتحدثون إليها فرأت نور النبوة في وجه عبد الله فقال يافتى من أنت فأخبرها قالت هل لك أن تقع علي وأعطيك مائة من الإبل فنظر إليها وقال: أما الحرام فالممات دونه

والحل لا حل فأستبينه

فكيف بالأمر الذي تنوينه ، ثم مضى إلى امرأته آمنة بنت وهب فكان معها ثم ذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها فلم ير منها من الإقبال عليه آخرا كما رآه منها أولاً فذهبت مثلاً وقالت أي شيء صنعت بعدي قال وقعت على زوجتي آمنة بنت وهب قالت: إني والله لست بصاحبة ريبة ولكني رأيت نور النبوة في وجهك فأردت أن يكون ذلك في ، وأبى الله إلا أن يجعله حيث جعله

" ، وأخرجه أبو نعيم في الدلائل (1/ 130) ح 72: من طريق عامر بن سعد عن أبيه سعد ، بلفظ " أقبل عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في بناء له، وعليه أثر الطين والغبار، فمر بامرأة من خثعم، فقال عامر بن سعد، عن أبيه في حديثه: فمر بليلى العدوية، فلما رأته، ورأت ما بين عينيه دعته إلى نفسها، وقالت له: إن وقعت بي فلك مائة من الإبل، فقال لها عبد الله بن عبد المطلب: حتى أغسل عني هذا الطين الذي علي، وأرجع إليك، فدخل عبد الله بن عبد المطلب على آمنة بنت وهب، فوقع بها، فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب المبارك، ثم رجع إلى الخثعمية، وقال عامر: إلى ليلى العدوية، فقال: هل لك فيما قلت؟ قالت: لا يا عبد الله، قال: ولم؟ قالت: لأنك مررت بي، وبين عينيك نور، ثم رجعت إلي، وقد انتزعته آمنة بنت وهب منك، فحملت آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم ".

(1)

في ب "الدقاق" بالدال المهملة وهو تصحيف من الزقاق ، واسم أبي بكر: هو أحمد بن نصر ، أبو بكر الزقاق الكبير ، نسبة إلى بيع الزق وعمله ، توفي سنة 291. انظر: طبقات الأولياء ص 91 ، لابن الملقن ، تحقيق: نور الدين شريبه ، الطبعة الثانية 1415 ، مكتبة الخانجي ، القاهرة.

(2)

عسفان -بضم العين وسكون السين-: بلد من مسافة ثمانين كيلاً من مكة شمالاً على طريق المدينة. المعالم الأثيرة ص 191 - 192.

(3)

"بها" ليس في ب.

(4)

أكثر المفسرين يذكرون اسم امرأة العزيز: (زليخا) بدون الهمزة ، وممن وقفت عليه يذكر اسمها (إزليخا) بالهمزة: ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير (4/ 198) ، الطبعة الثالثة ذ 404 ، المكتب الإسلامي ، بيروت؛ ومقاتل بن سليمان في تفسيره (2/ 145)، تحقيق: أحمد فريد ، الطبعة الأولى 1424 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.

(5)

"عينك" ليس في ب.

ص: 486

- عليه السلام: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46] فَصِحتُ من طيب تلاوته ، ورخامة

صوته ، فانتبهت وإذا عيني المقلوعة صحيحة كما كانت (1)؛ على أنّ في بني إسرائيل من جرى له قريباً من هذا وليس هذا من خصائص يوسف عليه السلام وذلك ما ذكره ابن الجوزي في عيون حكاياته قال أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أخبرنا المبارك بن عبدالجبار قال أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أخبرنا أبو الحسن عبدالله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبدالله بن محمد قال حدثني أبو عبدالله البلخي: أن شابّاً كان [ق 51/ظ] في بني إسرائيل لم يُرَ شابّ قطّ أحسن منه ، وكان يبيع القِفَافَ (2) ، وبينا هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك (3) بني إسرائيل فلمّا رأته رجعت مبادرة ، فقالت لابنة الملك: يا فلانة ، إني رأيت بالباب شاباً يبيع القفاف لم أر شاباً قطّ أحسن منه ، فقالت: أدخليه فخرجت إليه ، فقالت: يا فتى أدخل نشتري منك ، فدخل ، فأغلقت الباب دونه ، ثم قامت فاستقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها ، فقال لها: استتري عافاك الله ، فقالت: إنّا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا -تعني: المراودة عن نفسه- ، فقال لها: اتّق الله ، قالت: إنّك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت عليّ تكابِرني عن نفسي ، فأبى ، ووعظها ، فأبت ، فقال: ضعوا لي وَضوءاً ، فقالت: أعليّ ، تعال يا جارية ضعي له وَضوءاً فوق الجوسق (4) وهو مكان لا يستطيع أن يفرّ ، ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعاً ، فلمّا صار في أعلى الجوسق قال: اللهمّ

(1) ذكره السفاريني في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب ص 70 ، تحقيق: محمد الخالدي، الطبعة الثانية 1423 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ وعزاه للأزرقي في تاريخ مكة ، ولم أقف عليه في نسختي المطبوعة من كتاب الأزرقي.

(2)

القُفَّة: شبه زبيل صغير من خوص يُجتني الرطب وتضع النساء فيه غزلهن. النهاية (4/ 143).

(3)

في ب "الملوك" بزيادة أل ، وهو خطأ.

(4)

الجوسق: القصر الصغير. المعجم الوسيط (1/ 147).

ص: 487

إني دُعيتُ إلى معصيتك [وإني](1) أختار أن أصبِر نفسي فألقِيها في هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال: بسم الله وألقى نفسه من (2) أعلى الجوسق ، -قال: - فأهبط

الله تعالى إليه ملكاً ، فأخذ بضَبْعَيْه فوقع قائماً على رجليه فلمّا صار في الأرض قال: اللهم إن شئت رزقتني رزقاً تغنيني عن بيع هذه القفاف ، فأرسل الله إليه جراداً من ذهبٍ فأخذ منه حتّى ملأ ثوبه ثم قال:(اللهم)(3) إن كان هذا رزقاً رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه ، وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي به ، قال: فنودي أن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءاً لِصبرك على إلقائك نفسك من هذا الجوسق ، فقال: اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة ، قال: فرفع (4)؛ وعفّة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من عفة يوسف عليه الصلاة والسلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم أملك لأربه وإربه عن جميع الخلائق.

وأما قول يوسف عليه الصلاة والسلام للملك: {اجْعَلْنِي (5) عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: من الآية 55] ، وولاية الملك له ذلك ، وحسن تصرفه في سني الجدب ، وما أعده لها في سني الخِصب؛ قلنا: هذا ما لا ريب فيه ولا شك يعتريه وحال محمد صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك أجمل ، وفضله أكمل [ق 52/و]، فإن يوسف عليه الصلاة والسلام قال للمَلِك:{اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ} [يوسف: من الآية 55] يعني: أرض مصر ، فإن ذلك المَلك لم يكن يملك غيرها ، وإن كانت حالة يوسف عليه السلام من النبوّة وتبليغ الرسالة وإظهار الشريعة أكبر من تدبير مملكة مصر والتصرف في خزائنها ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض وأن تجرى له بطحاء مكة ذهباً فأباها

(1) مابين المعقوفتين طمس في الأصل ، وما ذكرته من ب.

(2)

في ب "في" ، وهو خطأ.

(3)

"اللهم" ليس في ب.

(4)

وجدته في نسختي المطبوعة من عيون الحكايات بغير إسناد ، انظر عيون الحكايات لابن الجوزي: ص 142 - 143 ، تحقيق: عبدالعزيز سيد هاشم الغزولي ، الطبعة الثانية 1429 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ وقد ذكره ابن الجوزي أيضاً في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (2/ 182 - 183) ، وفي كتابه ذم الهوى ص 249 - 250 ، تحقيق: خالد عبداللطيف السبع العلمي ، الطبعة الأولى 1418 ، دار الكتاب العربي ، بيروت.

(5)

في ب زيادة "اللهم" قبل "اجعلني" ، وهو خطأ.

ص: 488

وقد قدّمنا هذا المعنى؛ ثم إنّ تدبير محمد صلى الله عليه وسلم في الجدب كان أصلح وأنفع للخلق (1) ، ومحمّد صلى الله عليه وسلم كان إذا أجدب قومُه دعا اللهَ (2) تعالى فأنزل الغيث فعمّ البلدان

[وأحياها](3) ، وأحيا أهلها (4) ، وتصرّفوا هم في معائشهم على مقتضى (5) مصالحهم واختيارهم من غير حجْرٍ ، ولا تقتير ، ولا تضييق ، وكانوا إذا أملقوا أو قلّت الأزواد سفراً وحضراً دعا بما بقي مَعَهم منها ثم دعا فيه بالبركة ثم أمرهم فأكلوا وتزوّدوا كما ذكرنا فيما مضى ، وكذلك في الماء إذا أعوزهم كما سبق ذكْره ، فهذا التدبير أكمل من تدبير يوسف عليه الصلاة والسلام ، وهذا التصرّف أنفع من تصرّف يوسف عليه الصلاة والسلام ، وهذا النفع أعمّ من نفع تدبير (6) يوسف عليه الصلاة والسلام ، لكن كان ليوسف عليه الصلاة والسلام في ذلك مزيّة أخرى: وهو أنّ الله تعالى جَبَره (7) وطيّب قلبَه بعد أن كان (في)(8) قيد الاسترقاق ، بأن أعطاه هذا التدبير الحسن ، حتى ملّكه رقاب أهل مصر بأجمعهم ، فإنه لما فوّض إليه تدبير الخزائن وأمور الناس فعل ما علّمه الله تعالى من جمع الطعام في سنبله في السّبْع السّنين المُخْصِبَة ، وحفظه حتى دخلت السنون المُجدِبة فنفد ما عند الناس من الحبوب وسَلِم ماعنده ، فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه ، وباعهم في السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء ، وباعهم في السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع ، وباعهم في السَّنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى [ق 52/ظ] لم يبق عبْد ولا أمة في يد أحد ، وباعهم في السَّنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها ، وباعهم في السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم ، وباعهم في السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق

(1) في ب "الخلق" ، وهو خطأ.

(2)

في ب زيادة "إلى" قبل لفظ "الله" ، وهو خطأ.

(3)

"وأحياها" زيادة من ب.

(4)

في ب "أهلوها".

(5)

في ب "بمقتضى".

(6)

في ب "يد".

(7)

في ب "خيّره".

(8)

"في" ليس في ب.

ص: 489

بمصر حرّ ولا حرّة إلا صار قِنّاً (1) له ، فتعجب الناس من ذلك (2) ، فكان ذلك جبراً لقلبه الذي انكسر حال استرقاقه ، وتطييباً لنفسه حين ملّكه

رقاب جميع أهل مصر ، وهي عطيّة سنيّة ، ومنّة من الله تعالى عظيمة ، والذي أُعطي محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الجنس أعظم وهو ما تمالَأ (3) عليه المشركون من أن لا يبايعوا بني هاشم وبني المطلب ، ولا يناكحوهم ، حتى يُسلّموا إليهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، ففعلوا ذلك ، فلمّا فعلوهُ وكتبوا الكتاب وتعاقدوا فيه على ذلك وجعلوا الكتاب في جوف الكعبة توكيداً للأمر انحاز بنو هاشم وبنو (4) المطلب إلى أبي طالب ، فدخلوا معه في شعبِه ، وخرج منهم أبو لهَب وظاهرَ المشركين فأقاموا على ذلك (ثلاث)(5) سنين وقطعوا الميرَة والمادّة عنهم ، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم حتى بلغوا الجهد ، ثم إنّ الله تعالى غضب لمحمّد صلى الله عليه وسلم وسلّط الأرضة على صحيفتهم التي كتبوا فأكلت ما كان فيها من جور وظلم وبقي ما كان فيها من ذكر الله تعالى واطّلع نبيّه صلى الله عليه وسلم على ما كان من ذلك فذكرَه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّه أبي طالب فقال أبو طالب: أحَقٌ ما تخبرني به يا ابن أخي ، قال:«نعم واللهِ» فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال: والله ما كذَبني قط ، قالوا: فما ترى ، قال: أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم وتخرجوا إلى قريش فتذكروا ذلك لهم مِن قبل أن يبلغهم الخبر فخرجوا حتى دخلوا المسجد فقال أبو طالب: إنا قد جئنا في أمرٍ فأجيبوا (6) فيه ، قالوا: مرحباً بكم وأهلاً ، قال: إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يَكْذِبْني قطُّ أنّ الله تعالى سلّط على صحيفتكم الأرضة فَلَحِسَتْ كلّ ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقي فيها ما ذُكِرَ بهِ الله تعالى فإن كان ابن أخي [ق 53/و] صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم وإن كان كاذباً دفعته إليكم فقتلتموه أو استحييتموه (7) إن شئتم ، قالوا: قد أنصفتنا (8) فأرسلوا إلى

(1) القن: الذي مُلك هو وأبواه. النهاية في غريب الأثر (4/ 191).

(2)

انظر: تفسير الثعلبي (5/ 234) ، الجامع لأحكام القرآن (9/ 219).

(3)

في ب "وهو بمالأ" ، وهو خطأ ظاهر.

(4)

في أ "وبنوا" بزيادة الألف ، وهو خطأ.

(5)

"ثلاث" ليس في ب.

(6)

في ب "وأحسوا".

(7)

في ب "استحيتموه" بياء واحدة.

(8)

في ب "أنصفنا"بدون التاء.

ص: 490

الصحيفة فلمّا فتحوها إذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسُقط في أيدي القوم ثم نكسوا على رؤوسهم ، فقال أبو طالب هل تبيّن لكم أنكم أولى بالظّلم والقطيعة ، فلم يراجعه أحد منهم ، ثم انصرفوا (1) ، وقد كان اجتماعهم على كتابة الصحيفة وتمالؤهُم بخَيْف (2) بني كنانة وهو المكان المعروف بالمُحَصّب (3) ، فلمّا أظهر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم على قومه ونصره عليهم ، بعد أن أخرج مِن مكّة وبذلوا الأجعال والأموال لمن أتاهم به ، فسلّمه الله تعالى منهم فلما كان يوم الفتح -فتح مكة- سلّطه الله تعالى عليهم ، فقتل من قتل ، واستبقى من استبقى ، وعفا عمّن (4) عفا ، وملّكه الله تعالى أرضهم وديارهم ، وأكسبه أموالهم وأولادهم ، ثمّ لمّا حجّ قال لأصحابه يوم النحر وهو بمنى:«نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» يعني بذلك: المحَصَّب (5) ، فأراه الله تعالى نفسه والخلق طوع أمره (6) وتحت حكمه ، وأزمّة أمور العالم بيده في المكان ، وكذلك لمّا منعوه في عُمرة الحديبية أن يَدخل مكة ورجع هو وأصحابه سلّطه الله تعالى عليهم يوم الفتح ، ومكّنهم من رقابهم ، ودخلها عليهم عنوة ، وطاف حول الكعبة وجعل يشير إلى الأصنام التي حولها فتتساقط (7) وهو يقول:«{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: من الآية 81] ، {جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: من الآية 49]» (8) ، فكان ما أعطاه أعظم مما أعطى يوسف عليه

(1) تقدم تخريجه ، انظر: ص 480.

(2)

خَيْف -بفتح الأول وياء مثناة ساكنة-: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء. المعالم الأثيرة ص 110.

(3)

في ب "بالحصب"، والمحصب -بالضم ثم الفتح وصاد مهملة مشددة-: هو موضع فيما بين مكة ومنى ، وهو إلى منى أقرب ، ويعرف اليوم بمجر الكبش ، وهو مما يلي العقبة الكبرى من جهة مكة إلى منفرج الجبلين. المعالم الأثيرة ص 240.

(4)

في ب "من".

(5)

أخرجه البخاري (2/ 148) ، كتاب الحج ، باب نزول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ، ح 1590 ، ومسلم (2/ 952) ، كتاب الحج ، باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر ، ح 1314 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

(6)

في ب "أميره".

(7)

في ب "فتساقط" بتاء واحدة.

(8)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 342.

ص: 491

الصلاة والسلام من ملك مصر ، وتسلّطه على المشركين أكمل من تسلط يوسف على أهل مصر ، وقد كان محمد صلى الله عليه وسلم تأتيه الأموال

العظيمة من الفتوح فيقسمها بين الناس فما يقوم وقد بقي عنده منها شيء ، ولمّا غنم أموال هوازن وسَبى ذراريهم أمَتُّوا إليه بالرضاع فيهم فقال:«ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لله ولكم» ، فقالت الأنصار: ما (كان)(1) لنا فالله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، فردّ عليهم جميع سبيهم (2) ، فذُكر أنّ الذي أطلقه لهم قُوّم بخمس مائة ألف ألف درهم ، وكان عطاؤه صلى الله عليه وسلم عطاء من لا يخاف الفقر [ق 53/ظ] ولا يخشى الفاقة (3) ، كان يَقسم فيعطي الرجل المائةَ من الإبل والمائةَ من الغنم وأعطى مرّة غنماً بين جبلين (4) ، حتى استغنى أصحابه ، وتموّلوا حتّى صاروا أغنياء ، ومنهم من صار ملكاً كمعاوية ، وأمراء كغيره مما هو مشهور في كتب سيرهم وأخبارهم ، فكان حال الخلق في أيام محمد صلى الله عليه وسلم أحسن وأطيب من حال الناس في زمان يوسف عليه الصلاة والسلام ، وكان عتق محمد صلى الله عليه وسلم لهوازن ومنّه عليهم بذلك بعد تملّكهم أعظم من تملّك يوسف عليه الصلاة والسلام أهل مصر ، ولا ريب أنّ المعتق بعد التملّك أعظم درجة من المتملّك بغير عتق.

فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام لمّا رادوته امرأة العزيز عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت: هيت لك ، (قال) (5): معاذ الله ، فاستعصم عليه السلام عن إجابتها إلى ما أرادت فهدّدتْه بالسجن دعا ربَّه سبحانه فقال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ

(1)"كان" ليس في ب.

(2)

أخرجه الطبراني في المعجم الصغير (1/ 394) ح 661 ، تحقيق: محمد شكور ، الطبعة الأولى 1405 ، المكتب الإسلامي ، بيروت ، وفي المعجم الأوسط (5/ 45) ح 4630 ، وفي المعجم الكبير (5/ 269 - ) ح 5310 ، من طريق زهير بن صرد الجشمي ، وأخرجه مطولاً: الطبراني في المعجم الكبير (5/ 270) ح 5311 ، وأحمد (11/ 612 - 613) ح 7037 ، والنسائي (6/ 262) ، كتاب الهبة ، ح 3688 ، والبيهقي في الدلائل (5/ 194) ، من طريق عبدالله بن عمرو رضي الله عنه ، قال الألباني في صحيح سنن النسائي ص 570:"حسن".

(3)

أخرج مسلم (4/ 1806) ، في كتاب الفضائل ، باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال لا وكثرة عطائه ، ح 2312 ، من حديث أنس رضي الله عنه ، بلفظ:"ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين ، فرجع إلى قومه ، فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يُعطي عطاءً لا يخشى الفاقة".

(4)

تقدم في الحديث السابق.

(5)

"قال" ليس في ب.

ص: 492

وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: من الآية 33 - 34] ، ولا شكّ أنه لو دعا بالسلامة من السجن أيضاً لسلّمه الله تعالى منه ، ولكن كان في ضمن سجْنه (1) حِكَمٌ أظهرها الله سبحانه من براءة ساحته حتى أقرّت المرأة بأنها (هي التي)(2) راودته عن نفسه وأنه من الصادقين ، وغير ذلك من الحكم التي لبسطها مكان آخر؛ قلنا: قد استجاب الله تعالى دعاء من هو دون يوسف عليه الصلاة والسلام في النبوّة ، بل قد استجاب لكثير (3) من صالحي عباده ، وما أوتِيَهُ محمّد صلى الله عليه وسلم من ذلك مشهور معروف من إجابة (4) دعائه ونجاته من كيد مَن أراده بسوء ، كما دعا على الملأ من قريش الذين قتلهم الله تعالى على يديه يوم بدر (5) وكثير من أمثال ذلك مما يطول الكتاب جدّاً بذكره.

فإن قيل: إن يوسف عليه الصلاة والسلام قاسى مرارة الفرقة وامتُحِن بالغربة عن أبيه وأهله ووطنه ، قيل: الذي قاسى محمد صلى الله عليه وسلم من فراق بلدهِ الحرام والمشاعر العظام ووطنه ومسقط رأسه أعظم من ذلك ، فقد أُلجئ إلى مفارقة حَرَم الله الآمن ، فخرج متلفتاً إلى البيت وقال [ق 54/و] وهو حزين مستعبر:«والله إنّي لأعلم أنك أحبّ البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منكِ ما خرجت» (6)، ولما ورد المدينة كانت وبيئةً فوُعك أصحابُه رضي الله عنهم فقال:«اللهم العن فلاناً (و) (7) فلاناً كما أخرجونا من مكة» (8) ،

وأراهُ الله

(1) في ب "السجن".

(2)

"هي التي" ليس في ب.

(3)

في ب "أكثر".

(4)

في ب "إجابته".

(5)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 333.

(6)

أخرجه الترمذي (5/ 722) ، أبواب المناقب ، باب في فضل مكة ، ح 3925 ، من طريق عبدالله بن عدي رضي الله عنه ، بلفظ:«والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» ، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح غريب" ، وأخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل (2/ 517).

(7)

"و" ليس في ب.

(8)

أخرجه البخاري (3/ 23) ، كتاب فضائل المدينة ، باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة ، ح 1889 ، من طريق عائشة رضي الله عنها ، بلفظ: «اللهم العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء

»

ص: 493

تعالى رؤيا أزال بها حزنه تُوازي رؤيا يوسف في التأويل ، حقق الله تعالى وقوعها كما قال الله تعالى:{لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27] ، وكان قد لقي من قومه وعشيرته أشد مما لقي يوسف عليه السلام من إخوته كما ذكرنا من تمالُؤ قريش عليه وعلى بني عمّه ، فكانت العاقبة والعافية في ذلك كلّه لمحمّد صلى الله عليه وسلم ، وردّ كيد الكفار في نحورهم ، ونصره عليهم ، وأُديل عليهم ، حتى دخلوا في دينه طوعاً وكرهاً ، وشفا الله تعالى صدره منهم وأظهره عليهم.

فإن قيل: إن يوسف عليه السلام دعا ربَّه بالموت شوقاً إلى لقائه ، قيل: فمحمد صلى الله عليه وسلم لما حضر أجله خُيّر بين الحياة والموت فاختار لقاء ربّه تعالى (و)(1) جعل يقول: «الرفيق الأعلى ، الرفيق الأعلى» حتى قبض ومالت يَدُه صلى الله عليه وسلم (2).

(فصل)(3)

فإن قيل: إن يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسّلام أوتي الحكم صبيّاً ، وكان يبكي من غير ذنب ، ويواصل الصّوم ، قيل: ما أعطي محمّد صلى الله عليه وسلم أفضل ، فإن يحيى عليه السلام وُلد في حجر الصالحين والأنبياء عليه السلام[و](4) لم يعرف غير عبادة الله تعالى وتوحيده ، ومحمد صلى الله عليه وسلم تَربّى في مكّة بين قوم جاهليّة أصحاب أصنام وأوثان لا يعرفون (5) عبادة الله تعالى فأُعطي الإيمان وعُصم من عبادة الأوثان ومداخلة أهل الشرك والضلال ، فلم يعكف معهم على صنم ، ولا دخل بينهم على وثن ، وليس عجيباً نسك من رَبِيَ في حجر النبوة وتردد بين الصالحين ونشأ بين العباد المجتهدين وقد كان أبواه بالمنزلة الرفيعة من العبادة فاعتاد من صغره على الخير كما قيل:

(1)"و" ليس في ب.

(2)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 395.

(3)

ما بين القوسين بياض في ب.

(4)

"و" زيادة من ب.

(5)

في ب "ما يعرفون".

ص: 494

يَنشَأ الصغير على ما كان والده (1) إن العروق عَليها يَنبُت الشّجر

وقال محمد صلى الله عليه وسلم[ق 54/ظ]: «المرء على دين خليله فانظر من يخالل» (2) ولكن العجب من محمد صلى الله عليه وسلم (الذي)(3) نشأ بين أهل (4) الكفر ، وتربّى بين عبدة الأوثان ، ونشأ عِندَ جاهلية جهلاء ، لا يرون ديناً غير عبادة الأصنام ، ولا يعرفون غير ذلك ، فغلبت العناية الإلهيّة والتّربية الربانيّة على تأثير الجليس السّوء في المجالس ، حتى غلبت رائحة مسك الجليس الصّالح على شرر نافح كير الكفر فأطفأه ، وطفا نورُ الإيمان ورَسا ، وطَفِئَ جَمْر الشرك ورسَب ، فكان إذا مرّ بمكان فيه شيء من أوثانهم أعرض وعرج (5) عنه ، وأُلهِمَ من صغره التوحيدَ وبُغضَ الأصنام وما كان عليه المشركون (6)؛ فهذا أعظم من حال يحيى عليه الصلاة والسلام ، فإنه نشأ بين أبويه يتأدّب بأدبهما ، ويأخذ عبادة ربّه عنهما ، ولم يكن له جليس إلا أهلُ الزّهد والعبادة ، (و)(7) فرق عظيم بين من أوتي الحكمة وهو في حجر النّبوّة وكنف أهل العلم والدّين وبين من أوتيها وهو بين أهلِ (8) الكفر والإشراك وعدم من يوحّدُ الله تعالى ويعبده.

فإن قيل: فقد أثنى الله على يحيى عليه السلام بقوله: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} [آل عمران: من الآية 39] والحصور الذي لا يأتي النّساء ، قيل: إنّ يحيى عليه السلام كان منفرداً بمراعاة شأنه ، وكان محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً إلى الخلق كافّة ليَقُودَهم وَيَحُوشَهُم إلى الله عز وجل قولاً وفعلاً ، فأظهر الله تعالى به الأحوال المختلفة ، والمقامات العالية المتفاوتة في متصرّفاته ، ليقتدي كل الخلق بأفعاله ويتشبّه بأوصافه ، فاقتدى به الصّدّيقون في حالاتهم ،

(1) في ب "ولده" ، وهو خطأ ظاهر.

(2)

أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (12/ 44) ح 8890 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:«المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» ، وأخرجه بنحوه أبو داود (4/ 259) ، في كتاب الأدب ، باب من يؤمر أن يجالس ، ح 4833 ، والترمذي (4/ 589) ، أبواب الزهد ، ح 2378 ، وقال:"هذا حديث حسن غريب".

(3)

"الذي" ليس في ب.

(4)

في ب "في حجر".

(5)

في ب "وعوج".

(6)

تقدم تخريج الأحاديث في حال النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من تجنبه الشرك وبغض الأصنام ، انظر: ص 368 - 369.

(7)

"و" ليس في ب.

(8)

في ب "في حجر".

ص: 495

والشهداء في مراتبهم ، والصالحون في أحوالهم ، ليأخذ العالي والداني والمتوسط من سيرته قسطاً وحظّاً ، والنكاح من أعظم حظوظ النفس وأبلغ الشهوات ، فلهذا أمره الله تعالى بالنكاح وأوجبه عليه لما جبل عليه النفوس وطبعها عليه ، ليتحصَّنُوا به من السِّفاح ، ولما كان المقصود من النكاح التناسل قال صلى الله عليه وسلم:«تناكحوا تكثروا فإنّي مُكاثر بكم الأمم (1)» (2) واجتمع عنده في وقت تسع نسوة وكان يطوف عليهن في الليلة الواحدة (3) هذا مع توفّره على العبادة التي حَيّرت الخلق ، فإنه كان يصلي حتى تورّم (4) قدماه ويقوم [ق 55/و] الليلَ كلّه بالآية يردّدها يناجي بها ربَّه سبحانه:{إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ويواصل في الصوم الأيام والليالي ويقول: «وأيّكم مثلي إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني» (5) على أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (6) فكان يبالغ في الصيام حتى يواصل فيه ومع ذلك فهذا شأنه في القوة على الجماع كما أشرنا (7) إليه ، ولما

(1) في هامش أ "وروى ابن الجوزي بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الناس بأربع بالسخاء والشجاعة وكثرة الجماع وشدة البطش» وسيأتي في موضعه".

(2)

أخرجه أبو داود (2/ 220) ، كتاب النكاح ، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ، ح 2050 ، والحاكم (2/ 176) ، كتاب النكاح ، ح 2685 ، من طريق معقل بن يسار ، بلفظ:«تزوجوا الودود الولود فأني مكاثر بكم الأمم» ، قال الحاكم:"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة" ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (9/ 328) ، كتاب النكاح ، ح 4028 ، من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال الألباني في آداب الزفاف في السنة المطهرة ص 60 ، 1409 ، المكتب الإسلامي ، بيروت:"حديث صحيح".

(3)

تقدم تخريج الأحاديث الواردة فيه ، انظر: ص 484.

(4)

في أ "ترم".

(5)

أخرجه مسلم (2/ 774) ، في كتاب الصيام ، باب النهي عن الوصال في الصوم ، ح 1103 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

(6)

أخرجه البخاري (7/ 3) ، في كتاب النكاح ، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج

» ، ح 5065 ، من طريق عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، بلفظ:«ومن لم يستطع» بالواو.

(7)

في ب "أشرت".

ص: 496

سئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله في بيته فقالت: وأيّكم يطيق ما كان (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ، كان عمله ديمةً صلى الله عليه وسلم (2) ، (والله أعلم)(3).

(فصل)(4)

ولم نورد ما أوردناه غضّاً على أحد من أنبياء الله صلى الله عليهم وسلم ، ولا تنقصاً بأحد منهم ، ونعوذ بالله تعالى من ذلك ، ومن خطوره بالبال أيضاً ، ولكن رأينا الله سبحانه قد فضّل بعض النّبيّين على بعض ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، ووقع إلينا من أخبارهم وأحوالهم ما وقع ، تبيّن لنا فضل نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم (عليهم)(5) ، وعرفنا من فضل بعضهم على بعض ما أشرنا إليه في هذا الكتاب ، مع أن كلّهم كان عند الله وجيهاً ، وكان كل منهم (نبيّاً) (6) نبيهاً صلى الله عليهم وبارك وسلم؛ وأمّا ما جاء من قوله صلى الله عليه وسلم:«لا تفضّلوني على يونس بن (7) متى» (8) ومن قوله: «لا تفضّلوا بين أنبياء الله» (9) فإن ذلك وقع منه صلى الله عليه وسلم في قضايا معيّنة كان مضمونها تفضيله والازراء على غيره فغضب لذلك

(1) في ب زيادة "يفعله" قبل "رسول الله".

(2)

أخرجه البخاري (3/ 42) ، بتقديم وتأخير في كتاب الصوم ، باب هل يخص شيئاً من الأيام ، ح 1987.

(3)

"والله أعلم" ليس في ب.

(4)

ما بين القوسين بياض في ب.

(5)

"عليهم" ليس في ب.

(6)

"نبيّاً" ليس في ب.

(7)

في ب "ابن" بزيادة الهمزة.

(8)

قال الشيخ الألباني في تخريج شرح العقيدة الطحاوية ، الطبعة الأولى 1426 ، دار السلام:"لا أعرف له أصلاً بهذا اللفظ"؛ والصحيح هو الرواية التي أخرجها البخاري (4/ 153) ، في كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قول الله تعالى:{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9)} [طه: 9] ، ح 3395 ، ومسلم (4/ 1846) ، في كتاب الفضائل ، باب في ذكر ينوس عليه السلام وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا ينبغي لعبد أنا خير من يونس بن متى» ، ح 2376 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ: لا ينبغي لعبد أن يقول: «أنا خير من يونس بن متى» .

(9)

أخرجه البخاري (4/ 159) ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب قوله تعالى:{وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 139] ، ح 3414 ، ومسلم (4/ 1843) ، كتاب الفضائل ، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم ، ح 2373.

ص: 497

ونهى عن التفضيل على هذا الوجه وقد صحّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر بيدي لواء الحمد يوم القيامة آدم فمن بعده تحت لوائي ولا فخر» (1).

(فصل)(2)

فأمّا (3) فضله صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذلك ما روى البخاري من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهُن أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر [ق 55/ظ] ، وجُعلَتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً فأيّما رجلٍ من أُمّتي أدركَتْه الصَّلاة فليُصلّ ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي ، وأُعطِيتُ الشّفاعةَ ، وكان النّبيّ يُبعث إلى قومه خاصّةً وبُعِثتُ إلى النّاس عامّة» (4)، وروى أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«بُعِثتُ بجوامع الكَلِم ، ونُصِرتُ بالرعب ، وبينا أنا نائمٌ رَأيتُني أُتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض فَوُضِعَت في يدي» (5) والحديثان في الصحيحين وغيرهما؛ وفي مسند الإمام أحمد وغيره عن أبي ذرّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهنّ أحد قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود ، وجُعلَتْ لي الأرض طَهُوراً ومسجداً ، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي ، ونُصِرتُ بالرّعب فيُرعَب العدوّ وهو منّي على مسيرة شهر ، وقيل لي: سل تعطه فاختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي فهي نائلة منكم إن شاء الله من لم يشرك بالله شيئاً» (6) وروى أيضاً من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم

(1) تقدم تخريجه ، انظر: ص 327.

(2)

ما بين القوسين بياض في ب.

(3)

في ب "أما" بدون الفاء.

(4)

أخرجه البخاري (1/ 74) ، كتاب التيمم ، ح 335 ، وأخرجه مسلم (1/ 370) ، بتقديم وتأخير في كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 521.

(5)

أخرجه البخاري (9/ 36) ، كتاب التعبير ، باب المفاتيح في اليد ، ح 7013 ، ومسلم (1/ 371) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 523 ، واللفظ للبخاري.

(6)

مسند الإمام أحمد (35/ 242 - 243) ح 21314 ، قال الألباني:"أخرجه أحمد بإسناد صحيح". انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 317) ، الطبعة الثانية 1405 ، المكتب الإسلامية ، بيروت.

ص: 498

يُعطَهُنَّ نبيّ قبلي

» وذكر نحوه (1)، وروي من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عنه (2) صلى الله عليه وسلم قال: «فُضّلتُ بأربع

» فذكر بمعناه غير أنه لم يذكر الشّفاعة (3)، وروى أيضاً من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:«أُعْطِيتُ ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء» فقلنا: يا رسول الله ما هو ، قال:«نُصِرتُ بالرّعب وأُعطيتُ مفاتيح (4) الأرض وسُمّيت أحمد وجُعل التّرابُ لي طَهوراً وجُعلت أُمَّتي خيرَ الأمم» (5)، وروى أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه فذكر قصّةً قال: وقال لهم يعني النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أُعطِيتُ الليلة خمساً ، ما أُعطيهن أحد قبلي: أمّا أنا فَأُرسِلتُ إلى الناس كلّهم عامّةً ، وكان مَن قبلي إنّما يُرسَل إلى قومه ، ونُصِرتُ على العدوّ بالرّعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلِئُوا (6) منّي رُعباً ، وأُحِلَّت لي الغنائم آكُلُها ، وكان من قبلي يُعَظمون أكْلَها ، كانوا يُحرقونَها ، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مساجد وطَهُوراً (7) ، أينما أدركَتْني الصلاة تَمسَّحت وصلّيتُ [ق 56/و] ، وكان من قبلي يُعَظِّمون ذلك ، إنما كانوا يصلّون في كنائسهم وبِيَعهم ، والخامسة هي ما (هي) (8) ، قيل لي: سل فإن كلّ نبيّ قد سأل ، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله» (9) ، وروى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النّبيَّ صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب ، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «أمُتَهَوِّكون (10) فيها يا ابن الخطّاب ، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء

(1) مسند الإمام أحمد (32/ 512 - 513) ح 19735؛ قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط ، عادل المرشد ، وآخرون ، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "صحيح لغيره".

(2)

في ب "أنه".

(3)

أخرجه أحمد (36/ 543) ح 22209 ، قال الألباني في إرواء الغليل (1/ 316):"إسناده صحيح".

(4)

في ب "بمفاتيح" ، وهو خطأ.

(5)

مسند الإمام أحمد (2/ 156) ح 762 ، قال محققوا المسند -شعيب الأرنؤوط ، عادل المرشد ، وآخرون ، بإشراف: د. عبدالله التركي-: "إسناده حسن".

(6)

في ب "مُلِئوا" بدون اللام.

(7)

في ب "وطهور" بدون ألف التنوين.

(8)

"هي" ليس في ب.

(9)

مسند الإمام أحمد (11/ 639) ح 7068؛ قال الألباني في إرواء الغليل (1/ 317): "أخرجه أحمد بسند حسن".

(10)

قال ابن الأثير: "التهوك كالتهور: وهو الوقوع في الأمر بغير روية ، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر ، وقيل: هو التحير". النهاية (5/ 660).

ص: 499

نقيّة ، لا تسألوهم عن شيء فيُخبرون بحقّ فتكذّبونه ، أو بباطل (1) فتصدّقونه ، والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه السلام كان حيّاً ما وسعه إلا أن يَتّبعني» (2) وروى مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو بَدا لكم موسى فاتبعتموه ثم تركتموني لضللتم عن سواء السبيل ، ولو كان موسى حيّاً ثم أدركني في نبوّتي لاتّبعني» (3) وروى مسلم من حديث حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «(فُضلنا) (4) على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجداً ، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء» (5)، وروى أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال) (6):«فضّلت على الأنبياء بستّ: أُعطيتُ جوامع الكَلِم ، ونُصِرتُ بالرّعب ، وأحلّت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، وأُرسِلتُ إلى الخلق كافّةً ، وخُتم بي النبيون» (7)، وعنه (8) أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم قال:«(و) (9) جُعلت لي الأرض طيّبة طهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى حيث كان» (10) وفي حديث

حذيفة رضي الله عنه: «وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وأوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي» (11) ، وروى

(1) في ب "أفباطل".

(2)

مسند الإمام أحمد (23/ 349) ح 15156؛ قال الألباني في إرواء الغليل (6/ 34): "هذا سند فيه ضعف".

(3)

أخرجه الدارمي بنحوه في سننه (1/ 403) ، كتاب العلم ، باب ما يتقى من تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقول غيره عند قوله صلى الله عليه وسلم ، ح 449؛ قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (1/ 42) ح 194:"حسن".

(4)

"فضلنا" ليس في ب.

(5)

صحيح مسلم (1/ 371) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 522.

(6)

"قال" ليس في ب.

(7)

صحيح مسلم (1/ 371) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 523.

(8)

إن كان الضمير في (عنه) عائد إلى الإمام مسلم فصحيح ، وإن كان عائد إلى أبي هريرة رضي الله عنه فخطأ ، فالرواية مخرجة من طريق جابر بن عبدالله رضي الله عنه كما سيأتي ، ولم أقف على من خرجها بهذا اللفظ من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

(9)

"و" ليس في ب.

(10)

أخرجها مسلم (1/ 370) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 521 ، من طريق جابر بن عبدالله رضي الله عنه ، بزيادة:«ومسجداً» بعد «طيبة وطهوراً» .

(11)

أخرجه النسائي في السنن الكبرى (7/ 260) ، كتاب فضائل القرآن ، ح 7968 ، وأخرجه بنحوه ابن حبان في صحيحه (14/ 310) ، كتاب التاريخ ، باب من صفته رضي الله عنهم وأخباره ، ح 6400 ، وأحمد (38/ 287) ح 23251 ، قال الألباني في السلسلة الصحيحة (4/ 56) ح 1482:"وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم".

ص: 500

أيضاً من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه فذكر قصّة الذي دخل المسجد وقرأ القراءة (1) التي أنكرها ، وحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر قوله:«أُرسِلَ إليّ أن اقرأ القرآن على حرف ، فرددت [ق 56/ظ] إليه أن هوّن على أمّتي -فذكرت ثلاث مرّات- قال: فردّ إليّ الثالثةَ اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكل ردّة رددتكها (2) مسألة تسألنيها ، فقلت: اللهم اغفر لأمّتي ، اللهم اغفر لأمّتي ، وأخرّتُ الثالثةَ ليوم يَرغب إليّ الخلق كلّهم حتى إبراهيم صلوات الله عليه» (3)، وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال:«إن الله فضّلني على الأنبياء ، وفضّل أمّتي على الأمم ، وأرسلني إلى الناس كافّة ، ونُصِرتُ بالرُّعب يسير بين يديّ قذفَهُ في قلوب أعدائي ، وجعل لي الأرض كلها مسجداً وطَهوراً فأيّما عبد أدركته الصلاة فعنده مسجده وطَهوره وأحلّت لي الغنائم» (4)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعطيتُ خمساً لم يُعطَهن أحد قبلي من الأنبياء: جُعِلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ، ولم يكن نبي من الأنبياء -يعني: - يصلي حتى يبلغ محرابه ، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرةُ شهرٍ يقذف (5) الله الرّعب في قلوبهم ، وكان النبي (6) يبعث خاصّة إلى قومه وبعثت إلى الجنّ والإنس ، وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أن أقسمه في فقراء أمّتي ، ولم يبق

(1) في ب "وقراءة القرآن".

(2)

في ب "لكل رد مددتكها".

(3)

صحيح مسلم (1/ 561) ، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب بيان أن القرآن على بعة أحرف وبيان معناه ، ح 820.

(4)

أخرجه أحمد (36/ 415) ح 22137 ، والبيهقي في سننه (1/ 340) ، باب التيمم بعد دخول وقت الصلاة ، ح 1059 ، بلفظ:«إن الله عز وجل قد فضلني على الأنبياء -أو قال: أمتي على الأمم- بأربع: أرسلني إلى الناس كافة ، وجعل الأرض كلها لي ولأمتي طهوراً ومسجداً فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعند طهوره ، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسير شهر يُقذف في قلوب أعدائي ، وأحلت لي الغنائم» واللفظ للبيهقي ، وروى الترمذي بعضه (4/ 123) ، باب ما جاء في الغنيمة ، ح 1553 ، وقال:"حديث أي أمامة حسن صحيح".

(5)

في أ "فيقذف" بزيادة الفاء.

(6)

في ب زيادة " صلى الله عليه وسلم " بعد "النبي" ، ولم أقف عليها في رواية الحديث.

ص: 501

نبيّ إلا قد أعطي سؤله وأخّرت أنا شفاعتي لأمّتي» (1) ، فإن اعترض معترض بأن سليمان عليه السلام كان له سراري ، والسراري والعبيد أثر الغنيمة ، فكيف يقول محمد صلى الله عليه وسلم:«أحلت لي الغنائم ولم تُحَلّ لأحد قبلي» قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي: "إن الأنبياء كانوا إذا جاهَدُوا وقدّموا الغنيمة التي هي أمتعة وأطعمة وأموال نزلت نار فأكلتها كلّها: حصّة ذلك النبي وسهام الأمّة ، كما في حديث أبي هريرة الذي في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال:«غزا نبيّ من الأنبياء فجمعوا الغنائم ، فأقبلت النّار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال النّبيّ: فيكم غلول ، فأخرجوا مثل رأس بقرة ذهباً فوضعوه في المال ، فأقبلت النار فأكلَتْه ، فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ، ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها [ق 57/و] لنا» فأما العبيد والإماء والحيوانات فإنها تكون ملكاً للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة السلام ، فلا يجوز للأنبياء عليهم السلام أخذ شيء منها بسبب الغنيمة بل بالابتياع و (2) الهدية ونحو ذلك ، ومن هذا تسرّي سليمان عليه الصلاة والسلام ، وكذلك تسري إبراهيم عليه الصلاة والسلام بهاجر أم إسماعيل عليه السلام لم يكن ملكه لها من جهة الغنيمة وإنما وصلت إليه من الهبة ، ومحمد صلى الله عليه وسلم كان (3) يجوز له ذلك فيأخذ (الخمس و)(4) الصفي (5) ويتصرف فيه ، وذلك من خصائصه دون الأنبياء صلى الله عليه وعليهم وسلم؛

(1) أخرجه البيهقي بنحوه في سننه (2/ 607) ، باب أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد وفي ذلك دلالة على أن أصل الأرض على الطهارة ما لم تعلم نجاسة ، ح 4266 ، والبزار في مسنده (2/ 166) ح 4776 ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 258) ح 13947:"رواه البزار ، وفيه من لم أعرفهم".

(2)

في أ "و" ، وما أثبته هو المذكور في الوفا بأحوال المصطفى (1/ 368) ، لأبي الفرج بن الجوزي ، تحقيق: مصطفى عبدالواحد ، الطبعة الأولى 1386 ، دار الكتب الحديثة ، القاهرة.

(3)

في ب "وكان" بزيادة الواو ، وهو خطأ.

(4)

"الخمس و" ليس في ب.

(5)

في الوفا لابن الجوزي (1/ 386)"الفيء"؛ والصفي: هو ما يختاره صلى الله عليه وسلم قبل القسمة من الغنيمة كجارية وسيف ودرع ومنه صفية أم المؤمنين رضي الله عنها. انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (11/ 197) ، لمنصور البهوتي ، تحقيق: لجنة بإشراف: عبدالعزيز بن قاسم ، 1430 ، وزارة العدل ، الرياض.

ص: 502

(قال)(1): فإن قيل: فالعبيد والإماء غنيمة أيضاً؟ قلنا: نعم ، لكن ذلك حرّم على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأحل لنبيّنا صلى الله عليه وسلم خاصّة من بينهم" (2).

فحكم العبيد والإماء والحيوان غير حكم الصامت من الأموال فإن الأموال غير ذوات الأرواح كانت تحرق والحيوان لا يحق تحريقه فهذا شيء ، وذاك شيء آخر.

وقد أعطي هو صلى الله عليه وسلم وأمّته الجمعة ولم يعطها من قبله (3) ، وخواصه وخواصّ أمته كثيرة كما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى ، وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد ، وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ، فيقول بعضهم لبعض: ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم عز وجل؟ فيقولون: آدم - فذكر حديث الشفاعة وتدافع الأنبياء عليهم السلام أمرها وكلٌ يقول: (لست) (4) لها - حتى يأتوني فأقول: أنا لها» (5) والحديث مشهور معروف في الصحاح وغيرها ، ففي هذا الحديث احتياج الخلق كلّهم إليه يوم القيامة ، وتقدمه على جميع الأنبياء صلى الله عليه وسلم ، وأنه إذا قام يشفع فيقال (6) (له) (7):«سل تعط ، واشفع تشفع» ، وليست هذه الرتبة لغيره ، وروى الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بُعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشّرهم إذا يَئسوا وأنا أكرم ولد على آدم على ربّي ولا فخر [ق 57/ظ]» (8) وفي روايةٍ له أنه قال: «أنا أكرم الأوّلين والآخرين على الله عز وجل ولا فخر» وقد تقدم ، وروى الدارمي عن أنس رضي الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا

(1)"قال" ليس في ب.

(2)

الوفا بأحوال المصطفى (1/ 367 - 368).

(3)

أخرج مسلم (2/ 586) ، في كتاب الجمعة ، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ، من طريق حذيفة رضي الله عنه ، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة

».

(4)

"لست" ليس في ب.

(5)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 406.

(6)

في ب "فيقول" ، وهو خطأ.

(7)

"له" ليس في ب.

(8)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 347.

ص: 503

أوّلهم خروجاً ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا ، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا ، وأنا مبشّرهم إذا يئسُوا ، والمفاتيح يومئذ بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون ، أو لؤلؤ منثور» (1)، وروى أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه ، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فتسمّع حديثهم ، [فإذا بعضهم] (2) يَقول: عجباً أن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله ، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم موسى تكليماً ، وقال آخر فعيسى كلمة الله وروحهُ ، وقال آخر:(وآدم)(3) اصطفاه الله ، (فخرج) (4) عليهم فسَلّم وقال:«قد سمعت كلامكم وعجبَكم أنّ إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى نجيّه وهو كذلك ، وعيسى روحه وهو كذلك ، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ، تحته آدم فمن دونه ولا فخر ، وأنا أوّل شافع وأول مشفّع يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أوّل من يحرّك غلق الجنّة ولا فخر ، فيفتح الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر» (5)، وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إبراهيم خليل الله ، وموسى كلّمه الله تكليماً ، وعيسى كلمة الله وروحه ، فما أُعطيتَ يا رسول الله؟ قال: «ولد آدم كلهم تحت رايتي ، وأنا أوّل من

يفتح له باب الجنّة» (6)، وروى أبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قلت: يا رب ،

(1) سنن الدارمي (1/ 196) ، كتاب دلائل النبوة ، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ، ح 49 ، قال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (3/ 253) ح 5765:"ضعيف".

(2)

في أ "قال: أبعضكم"، وفي ب "وقال: أبعضكم " بزيادة الواو ، وما أثبته من سنن الدارمي (1/ 194) ، كتاب دلائل النبوة ، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ، ح 48 ، وهو الصواب.

(3)

"وآدم" ليس في ب.

(4)

"فخرج" ليس في ب.

(5)

سنن الدارمي (1/ 194) ، بنحوه في كتاب دلائل النبوة ، باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل ، ح 48؛ وأخرجه الترمذي (5/ 587) ، في أبواب المناقب ، ح 3616 ، وقال:"هذا حديث غريب"، وقال الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (3/ 252) ح 5762:"ضعيف".

(6)

أخرجه ابن عساكر في معجم الشيوخ (1/ 280)، تحقيق: د. وفاء تقي الدين ، الطبعة الأولى 1421 ، دار البشائر ، دمشق ، وأخرجه أبو عبدالله الدقاق في معجم مشايخ أبي عبدالله محمد بن عبدالواحد بن محمد الدقاق ص 29 ، تحقيق: الشريف حاتم العوني ، الطبعة الأولى 1997 م ، مكتبة الرشد ، الرياض؛ قال ابن عساكر في المعجم:"هذا حديث حسن".

ص: 504

إنه لم يكن نبيّ إلا وقد أكرمتَه ، فجعلت إبراهيم خليلاً ، وموسى كليماً ، وسخّرت لداود الجبال ، ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلتَ لي؟ قال: أوليس (قد)(1) أعطيتك (أفضل)(2) من ذلك كله ، أن لا أُذكَر إلا ذُكِرتَ معي ، وجعلت صدور أمّتك أناجيل يقرأون القرآن ظاهراً [ق 58/و] ولم أعطها أمّةً» (3)، وعن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لما أسري بي إلى السّماء قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً ، ورفعت إدريس مكاناً علياً ، وأتيت داود زبوراً ، وأعطيت سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، فماذا لي يارب؟ ، فقال: يا محمد اتخذتك خليلاً كما اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمتك كما كلمت موسى ، وأعطيتك فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة ولم أعطها نبيّاً قبلك ، وأرسلتك إلى أهل الأرض أولهم وآخرهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبياً قبلك ، وجَعلتُ الأرض لك ولأمّتك مساجد وطهوراً ، وأطعمت أمّتك الفيءَ ولم أُحلّه لأمّة قبلها ، ونصرتك بالرعب حتى إن عدوّك لَيُرعَب منك ، وأنزلت عليك سيّد الكتب كلّها قرآناً عربيّاً ، ورفعت لك ذكْرك حتّى لا أُذكَر إلا ذكرت معي» (4)، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «(إن الله اختارني على جميع العالمين من النبيين

والمرسلين» (5) ،

(1)"قد" ليس في ب.

(2)

"أفضل" ليس في ب.

(3)

تقدم تخريجه ، انظر: ص 440 - 441.

(4)

أخرجه ابن الجوزي بنحوه في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (1/ 183)، تحقيق: خليل الميس ، الطبعة الأولى 1403 ، دار الكتب العلمية ، بيروت؛ وأخرجه الخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (3/ 1762) ح 1144 ، تحقيق: د. محمد صادق الحامدي ، الطبعة الأولى 1417 ، دار القادري ، دمشق ، بلفظ: «

وأعطيتك فاتحة الكتاب وفاتحة سورة البقرة

»؛ قال ابن الجوزي في العلل المنتاهية (1/ 183): "هذا حديث لا يصح".

(5)

أخرجه أبو نعيم في فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم ص 173 ح 228 ، تحقيق: صالح العقيل ، الطبعة الأولى 1417 ، دار البخاري ، المدينة ، بلفظ: «إن الله عز وجل اختارني على الأنبياء

»؛ وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (44/ 136)، بلفظ:«إن الله تبارك وتعالى اختارني على جميع العالمين إلا النبين والمرسلين» .

ص: 505

وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) (1): «إن الله عز وجل أعطى موسى الكلام ، وأعطاني الرؤية ، وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود» (2)، وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال:"ما خلق الله تعالى خلقاً ولا برأه أحبّ إليه من محمّد صلى الله عليه وسلم "(3)؛ ومن أنعم النظر في معجزات الأنبياء ، وتدبّر معجزات نبيّنا صلى الله عليه وسلم ، (وجد معجزات نبيّنا صلى الله عليه وسلم)(4) أضعاف ذلك ، مع مقابلة كل معجزة بما هو مثلها ، أو فوقها ، ووجد لنبينا صلى الله عليه وسلم غير ذلك مما تفرّد به ، ووجد كرامات الأولياء من أمّته أعظم ، وأكثر ، وأبلغ من كرامات الأولياء من أمم الأنبياء قبله.

فإن قيل: كيف قال محمد صلى الله عليه وسلم: «بُعِثتُ إلى الخلق كافة» (5) ومعلوم أن موسى عليه الصلاة والسلام لما بُعث إلى بني إسرائيل لو جاءه غيرهم (6) من الأمم يسألونه تبليغ ما جاء به عن الله تعالى لم يجز له كتمه ، بل كان يجب عليه إظهار ذلك لهم؟ ، ثم قد أهلك الله تعالى في زمن نوح صلى الله عليه وسلم الخلق وما كان ذلك إلا لعموم رسالته؟ ، فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء ابن عقيل (7) [ق 58/ظ] فقال: إن شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم جاءت ناسخة لكل

شريعة قبلها ، وقد كان يجتمع في العصر الواحد نبيّان وثلاثة يدعو كل واحد إلى شريعة تخصّه ، ولا يدعو غيره من الأنبياء إليها ولا ينسخها ، بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه دعا الكل

(1) ما بين القوسين ليس في ب.

(2)

أخرجه ابن الجوزي في كتاب الموضوعات (1/ 290)، وقال:"هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ".

(3)

أخرجه البيهقي بنحوه في الدلائل (5/ 487).

(4)

"وجد معجزات نبيّنا صلى الله عليه وسلم " ليس في ب.

(5)

أخرجه مسلم (1/ 371) ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، ح 523 ، من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ:«وأرسلت إلى الخلق كافة» .

(6)

في ب "غيره" بالافراد ، وهو خطأ.

(7)

هو علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، أبو الوفاء، يعرف بابن عقيل: عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته ، كان قوي الحجة، اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته ، وكان يعظم الحلاج، فأراد الحنابلة قتله ، ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور له تصانيف أعظمها " كتاب الفنون"، توفي سنة 513. انظر: الأعلام (4/ 313)؛ قال الذهبي: " رأيت شيخنا وغيره من علماء السنة والأثر يحطون على ابن عقيل لما تورط فيه من تأويل الجهمية، وتحريف النصوص، نسأل الله الستر والسلامة". تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (35/ 353) ، لشمس الدين الذهبي ، تحقيق: د. عمر عبدالسلام تدمري ، الطبعة الأولى 1407 ، دار الكتاب العربي ، بيروت.

ص: 506

ونسخ الكل وقال: «لو كان موسى حَيّاً ما وسعه إلا اتباعي» (1) وما كان يمكن عيسى صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا في حق موسى صلى الله عليه وسلم ، وأما نوح عليه الصلاة والسلام فإنه لم يكن في زمنه نبي يدعو إلى شريعته (2) ، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدم.

قلت: ولو قيل: إن كل نبي من الأنبياء المبعوثين إلى أممهم خاصّة أن تخصيصهم هذا (هو)(3) أنهم لا يدعون غير من أرسلوا إليه ، فإن طَرَى على أحد منهم طار من غير أمته واستفتاه فإنما يُفتيه بشريعته لا شريعة المستفتى فإن هذا لا مانع منه ، وإذا عمل هذا المستفتي بما أفتاه هذا المفتي لم يكن ضالّاً ولا معاقباً بمتابعة هذا النبي الآخر ، فإن أصل دين الأنبياء جميعهم شيء واحد ، فالأميّ إذا قلّد العالم في شيء جاز فكيف بتقليد النبي المعصوم عند الحاجة؛ وقريب من هذا المعنى في هذه الأمّة المحمّديّة الجامعة لكل خير ، المعصومة من الاجتماع على ضلالة ، لو سأل حنبليُّها شافعيَّها أو مالكيُّها حنفيَّها ونحو ذلك عن أمرٍ فأفتاه ذلك العالم بما هو مذهبه فعمل السائل بقوله لم يأثم ولم يكن ضالّاً بسؤال من ليس على مذهبه مع اتفاق أصل الدين ، ومع ذلك لا يجوز لهذا المفتي أن يَدعُوَ الناسَ إلى مذهبه ومفارقة مذاهبهم ونحو ذلك مثلاً إذا سكن رجل من بغداد في مصرَ أو غيرها واحتاج إلى شيء من الأمور الشرعيّة كالعقود والفسوخ وإقامة الحدود ونحو ذلك فإنه يكون تحت حكم قضاتها وولاتها يقضون فيما يوافق مذاهبهم و (إن)(4) كانت خلاف مذهبه ويلزمه قبول ذلك والتزامه ، ولا يتوقف الحال

على أن ينهى (5) ذلك إلى حكام (6) بلده لأن أصل الدين واحد والملّة واحدة والخلاف في

(1) تقدم تخريجه ، انظر: ص 404.

(2)

السؤال وجواب ابن عقيل عنه ذكره ابن الجوزي بمثله في الوفا بأحوال المصطفى (1/ 371 - 372) ، وذكره مطولاً في كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 41 ، 43) ح 1299 ، تحقيق: علي حسين النواب ، دار الوطن ، الرياض.

(3)

"هو" ليس في ب.

(4)

"إن" ليس في ب.

(5)

الإنهاء: هو تبليغ القاضي حكمه أو ما حصل عنده مما هو دونه كسماع الدعوى لقاضٍ آخر لأجل أن يُتمَّه. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 159) ، لمحمد عرفه الدسوقي ، تحقيق: محمد عليش ، دار الفكر ، بيروت.

(6)

في ب "أحكام" بزيادة الهمزة.

ص: 507