المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تفسير سورة البروج - روح البيان - جـ ١٠

[إسماعيل حقي]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء العاشر

- ‌تفسير سورة التغابن

- ‌تفسير سورة الطلاق

- ‌تفسير سورة التحريم

- ‌سورة الملك مكية

- ‌تفسير سورة ن

- ‌تفسير سورة الحاقة

- ‌تفسير سورة المعارج

- ‌سورة نوح

- ‌تفسير سورة الجن

- ‌تفسير سورة المزمل

- ‌تفسير سورة المدثر

- ‌تفسير سورة القيامة

- ‌تفسير سورة الإنسان

- ‌تفسير سورة المرسلات

- ‌تفسير سورة النبأ

- ‌تفسير سورة النازعات

- ‌تفسير سورة عبس

- ‌تفسير سورة التكوير

- ‌تفسير سورة الانفطار

- ‌تفسير سورة المطففين

- ‌تفسير سورة الانشقاق

- ‌تفسير سورة البروج

- ‌تفسير سورة الطارق

- ‌تفسير سورة الأعلى

- ‌تفسير سورة الغاشية

- ‌تفسير سورة الفجر

- ‌تفسير سورة البلد

- ‌تفسير سورة الشمس

- ‌تفسير سورة الليل

- ‌تفسير سورة الضحى

- ‌تفسير سورة الم نشرح

- ‌تفسير سورة التين

- ‌تفسير سورة العلق

- ‌تفسير سورة القدر

- ‌تفسير سورة القيامة

- ‌تفسير سورة الزلزلة

- ‌تفسير سورة العاديات

- ‌تفسير سورة القارعة

- ‌تفسير سورة التكاثر

- ‌تفسير سورة العصر

- ‌تفسير سورة الهمزة

- ‌تفسير سورة الفيل

- ‌تفسير سورة الإيلاف

- ‌تفسير سورة الماعون

- ‌تفسير سورة الكوثر

- ‌تفسير سورة الكافرين

- ‌تفسير سورة النصر

- ‌تفسير سورة المسد

- ‌تفسير سورة الإخلاص

- ‌تفسير سورة الفلق

- ‌تفسير سورة الناس

الفصل: ‌تفسير سورة البروج

المأجور استحق الأجر بعمله إطاعة لربه وان كان ذلك الاستحقاق من فضل الله كما ان إعطاء القدرة على العمل والهداية اليه من فضله أيضا. حسن بصرى قدس سره كفت كسانى را يافتم كه ايشان بدنيا جوانمرد وسخى بودند همه دنيا بدادندى ومنت ننهادند وبوقت خويش چنان بخيل بودند كه يك نفس از روزگار خويش نه به پدر دادندى ونه بفرزند. قال القاشاني لهم أجر من ثواب الآثار والصفات فى جنة النفس والقلب غير مقطوع لبرآءته من الكون والفساد وتجرده عن المواد وفى التأويلات النجمية الا الذين آمنوا من الروح والسر والقلب وقواهم الروحانية وعملوا الصالحات من الاعراض عن الدنيا والإقبال على الله لهم أجر غير ممنون بمنة نفسهم واجتهادهم واكتسابهم بل بفضل الله ورحمته. قال بعض العلماء النكتة فى ترتيب السور الثلاث ان فى انفطرت التعريف بالحفظة الكاتبين وفى المطففين التعريف بمستقر تلك الكتب وفى هذه السورة اى الانشقاق ايتاؤها يوم القيامة عند العرض والله تعالى اعلم تمت سورة الانشقاق بعون الملك الخلاق فى سلخ صفر الخير من سنة سبع عشرة ومائة وألف

‌تفسير سورة البروج

ثنتان وعشرون آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم

وَالسَّماءِ كل جرم علوى فهو سماء فدخل فيه العرش ذاتِ الْبُرُوجِ جمع برج بمعنى القصر بالفارسية كوشك. والمراد البروج الاثنا عشر التي فى الفلك الأعلى فالمراد بالسماء فلك الافلاك قال سعدى المفتى لكن المعهود فى لسان الشرع اطلاق العرش عليه دون السماء ويجوز أن يراد الفلك الأقرب إلينا فالآية كقوله تعالى ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح انتهى وجوابه ما أشرنا اليه فى عنوان السماء ثم انها شبهت بروج السماء بالقصور التي تنزل فيها الأكابر والاشراف لانها منازل السيارات ومقر الثوابت قال الامام السهيلي رحمه الله اسماء البروج الحمل وبه يبدأ لان استدارة الافلاك كان مبدأها من برج الحمل فيما ذكروا وفى شهر هذا البرج نيسان حيث تم العشرون منه كان مولد النبي عليه السلام وكان مولده عنده طلوع الغفر وهو بفتح الغين المعجمة وسكون الفاء منزل للقمر ثلاثة أنجم صغار والغفر يطلع فى ظاهر الشهر أول الليل لان وقته النطح وهو الشرطان بالمعجمة وبفتحتين وهما نجمان من الحمل هما قرناه والى جنب الجنوبي منهما وفى القاموس والى جانب الشمالي منهما كوكب صغير ومنهم من يعده معهما فيقول هذا المنزل ثلاثة كواكب ويسميها الاشراط والى الحمل أيضا يضاف البطين وهو كزبير منزل للقمر ثلاثة كواكب صغار كأنها أثافي وهو بطن الحمل وبعد الحمل الثور ثم الجوزاء ويقال لها النسر والجبار والتوأمان قال فى القاموس التوأم منزل للجوزاء انتهى وهامة الجوزاء الهقعة وهى ثلاثة كواكب فوق منكبى الجوزاء كما لا نافى إذا طلعت مع الفجر اشتد حر

ص: 383

الصيف ثم السرطان المهملة ثم الأسد ثم السنبلة ثم الميزان ثم العقرب وبين الزبانيين من العقرب وهما قرناها وكوكبان نيران فى قرنى العقرب كما فى القاموس وبين وركي الأسد ورجليه وهما السماك ككتاب يطلع الغفر الذي به مولد الأنبياء عليهم السلام وفيه قالوا

خير المنازل فى الأبد

بين الزباني والأسد

لانه يليه من الأسد ذنبه ولا ضرر فيه ومن العقرب زبانياها ولا ضرر فيهما وانما تضر بذنبها إذا شالته اى رفعته وهو الشولة فى المنازل اى ما تشول العقرب من ذنبها وكوكبان نيران ينزلهما القمر يقال لهما حمة العقرب ثم القوس ثم الجدى ثم الدلو ثم رشاء الدلو وهو منزل للقمر وهو الحوت يحسب فى البروج وفى المنازل وجعل الله الشهور على عدد هذه البروج فقال تعالى ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا قال فى كشف الاسرار واين برجها بر چهار فصل است يك فصل از ان وقت بهار است سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در حمل وثور وجوزا باشد وفصل دوم روزكار صيف است تابستان كرم سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در سرطان واسد وسنبله باشد وفصل سوم روزكار خريف است سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در ميزان وعقرب وقوس باشد وفصل چهارم روزكار زمستانست سه ماه وآفتاب اندرين سه ماه در جدى ودلو وحوت باشد وهر فصلى را طبعى ديكرست وكردش او ديكر. يقول الفقير أيده الله القدير الفصل الربيعي عبارة عن ثلاثة أشهر يعبر عن أولها بأذار وعن الثاني بنيسان وعن الثالث بأيار فاذا مضت سبع عشرة ليلة من الشهر الاول استوى الليل والنهار بأن يكون كل منهما ثنتى عشرة ساعة ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى إذا مضت سبعة عشر يوما من حزيران وهو أول فصل الصيف وبعده تموز ثم اغستوس يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعات ويكون اليوم أطول الأيام كما ان الليلة تكون أقصر الليالى ثم يأخذ الليل من النهار على عكس ما سبق فينتقص من النهار كل يوم شعيرة حتى إذا مضت سبعة عشر يوما من أيلول وهو أول فصل الخريف وبعده تشرين الاول الذي هو اوسط الخريف ثم تشرين الثاني الذي هو آخره استوى الليل والنهار ايضا ثم يتزايد الليل كل يوم شعيرة حتى إذا كان سبعة عشر يوما من كانون الاول وهو أول فصل الشتاء وبعده كانون الثاني ثم شباط ينتهى طول الليل بان يكون خمس عشرة ساعة وقصر النهار بأن يكون تسع ساعات فهذا الحساب يعود ويدور أبدا انى ساعة القيام فالله تعالى يولج الليل فى النهار اى يدخله فيه بأن ينقص من ساعات الليل

ويزيد فى ساعات النهار وذلك إذا مضى من كانون الاول سبعة عشر يوما الى ان يمضى من حزيران هذا العدد وذلك ستة أشهر وهى كانون الاول وكانون الثاني وشباط وأذار ونيسان وأيار ويولج لنهار فى الليل اى يدخله فيه بأن ينقص من ساعات النهار ويزيد فى ساعات الليل وذلك ستة أشهر أيضا وهى حزيران وتموز واغستوس وأيلول وتشرين الاول

ص: 384

وتشرين الثاني وهذا كله بتقدير العزيز العليم واداراته الاجرام العلوية على نهج مستقيم ويقال المراد بالبروج هى النجوم التي هى منزل القمر وهى ثمانيه وعشرون نجما ينزل القمر كل ليلة فى واحد منها لا يتخطاها ولا يتقصر عنها وذا صار القمر الى آخر منازله دق واستقوس ويستتر ليلتين ان كان الشهر ثلاثين يوما وان كان تسعة وعشرين فليلة واحدة واطلاق البروج على هذه النجوم مبنى على تشبهها بالقصور من حيث ان القمر ينزل فيها ولظهورها ايضا بالنسبة الى بعض الناس كالعرب لان البرج ينبئ عن الظهور مع الاشتمال على المحاسن يقال تبرجت المرأة اى تشهت بالبرج فى اظهار المحاسن واما البروج الاثناعشر فليس لها ظهور حيث لا تدرك حسا والبروج الاثنا عشر منقسمة الى هذه المنازل الثمانية والعشرين والشمس تسير فى تمام هذه البروج الاثني عشر فى كل سنة والقمر فى كل شهر وقد تعلقت بها منافع ومصالح للعباد فاقسم الله تعالى بها إظهارا لقدرها وشرفها وفيه اشارة الى الروح الإنساني ذات المقامات فى الترقي والدرجات وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ اى يوم القيامة اقسم الله تعالى به تنبيها على قدره وعظمه ايضا من حيث كونه يوم الفصل والجزاء ويوما تفرد الله بالملك والحكم فيه وفيه اشارة الى آخر درجات الروح من كشف التوحيد الذاتي وهى القيامة الكبرى وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ اى ومن يشهد فى ذلك اليوم من الأولين والآخرين والانس والجن والملائكة والأنبياء وما يحضر فيه من العجائب فالشاهد بمعنى الحاضر من الشهود بمعنى الحضور لا بمعنى الشاهد الذي نثبت به الدعاوى والحقوق وتنكيرهما للابهام فى الوصف اى وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما ويقال المشهود يوم الجمعة والشاهد من يحضره من المسلمين للصلاة ولذكر الله ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مومن يدعو الله فيها خيرا الا استجاب له ولا يستعيذه من سوء الا أعاذه منه وفى الحديث أكثروا على من الصلاة يوم الجمعة فانه يوم مشهود تشهده الملائكة ويقال المشهود يوم عرفة والشاهد من يحضره من الحاج وحسن القسم به تعظيما لامر الحج وعددهم هفتصد هزار كما فى كشف الاسرار ويقال الشاهد كل يوم والمشهود اهله فيكون المشهود بمعنى المشهود عليه والشاهد من الشهادة كما قال الحسن البصري رحمه الله ما من يوم الا وينادى انى يوم جديد وانى على ما يفعل فى شهيد فاغتنمنى فلو غابت شمس لم تدكنى الى يوم القيامة.

دريغا كه بگذشت عمر عزيز

بخواهد كذشت اين دمى چند نيز

كذشت آنچهـ در ناصوابى كذشت

در اين نيز هم در نيابى كذشت

ويقال الشاهد هو الحق من حنث الجمعية والمشهود هو ايضا من حيث التفرقة وان شئت قلت من حيث الإجمال ومن حيث التفصيل لا يراه بالحقيقة أحد الا هو ويقال الشاهد نفس الروح والمشهود نفس الطبع وقال الحسين رحمه الله فى هذه الآية علامة انه ما انفصل الكون عن المكون ولا قارنه قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ جواب القسم بحذف اللام المؤكدة

ص: 385

على انه خبر لا دعاء بمعنى لقد قتل اى أهلك بغضب الله ولعنته والأظهر أن الجملة دعائية دالة على الجواب لا خبرية والقتل كناية عن اللعن من حيث ان القتل لكونه اغلظ العقوبات لا يقع الا عن سخط عظيم يوجب الابعاد عن الخير والرحمة الذي هو معنى اللعن فكان القتل من لوازم اللعن كأنه قيل اقسم بهذه الأشياء ان كفار مكة ملعونون كما لعن اصحاب الأخدود وجه الاظهرية ان السورة وردت لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الايمان وتصبيرهم على اذية الكفرة وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الايمان وصبرهم على ذلك حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم ويعلموا ان هؤلاء عند الله بمنزلة أولئك المعذبين ملعونون مثلهم أحقاء بأن يقال فيهم ما قد قيل فيهم فظهر من هذا التقرير انه ليس دعاء على اصحاب الأخدود من قبل المقسم وهو الله تعالى لانه ليس بعاجز وقد سبق تحقيقه فى سورة عبس ونحوها والأخدود الخد فى الأرض وهو شق مستطيل كالنهر غامض اى عميق القرار وأصل ذلك من خدى الإنسان وهما ما اكتفا الانف على اليمين والشمال وفى عين المعاني ومنه الخد لمجارى الدموع عليه واصحاب الأخدود كانوا ثلاثة وهم انطيانوس الرومي بالشأم وبخت نصر بفارس ويوسف ذو نواس بنجران وهو بتقديم النون وتأخير الجيم موضع باليمن فتح سنة عشر سمى بنجران بن زيدان بن سبأ شق كل واحد منهم شقا عظيما فى الأرض كان طوله أربعين ذراعا وعرضه اثنى عشر ذراعا وهو الأخدود وملأوه نارا وألقوا فيه من لم يرتد عن دينه من المؤمنين قالوا والقرآن انما نزل فى الذين بنجران يعنى ان اصحاب الأخدود هم ذو نواس الحميرى اليهودي وجنوده وذلك ان عبدا صالحا يقال له عبد الله بن الثامر وقع الى نجران وكان على دين عيسى عليه السلام فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس بجنود من حمير فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا فحفر الخنادق واضرم فيها النيران فجعل يلقى فيها كل من اتبع ابن الثامر حتى أحرق نحوا من اثنى عشر ألفا او عشرين ألفا أو سبعين ألفا وذو نواس اسمه زرعة بن حسان ملك حمير وما حولها وكان ايضا يسمى يوسف وكانت له غدائر من شعر أى ذوائب تنوس اى تضطرب فسمى ذانواس (روى) انه انفلت من اهل نجران رجل اسمه دوس ذو ثعلبان ووجد انجيلا محترقا بعضه فأتى به ملك الحبشة وكان نصرانيا فقال ان اهل دينك او قدت لهم نار فأحرقوابها وأحرقت كتبهم وهذا بعضها فأراه الذي جاءبه ففزع لذلك فكتب الى صاحب الروم يستمده نجارين يعملون له السفن فبعث اليه صاحب الروم من عمل له السفن فركبوا فيها فخرجوا الى ساحل اليمن فخرج إليهم اهل اليمن فلقوهم بتهامة واقتيلوا فلم ير ملك حمير له بهم طاقة وتخوف ان يأخذوه فضرب فرسه حتى وقع فى الحرب فمات فيه او ألقى نفسه فى البحر فاستولى الحبشة على حمير وما حولها وتملكوا وبقي الملك لهم الى وقت الإسلام وقال فى كشف الاسرار اصحاب الأخدود ايشان بت پرستان بوده اند از اصحاب ذو نواس يمنى ودر زمان او ساحرى بود كاهن ومشعبذ كه مدار ملك بدو بودى چون بسن شيخوخه رسيد بعرض ملك رسانيد كه من پير شده ام وضعف كلى بقواى من راه يافته

ص: 386

ديده از هر شعاع تيره شود

كوش وقت سماع خيره شود

نه زبانرا مجال كويايى

نه تن خسته را توانا پى

صلاح در آنست كه جوان عاقل تيز فهم بمن سپار تا آنچهـ دانسته ام بوى آموزم وبعد از من خلفى باشد كه امور ملك بوى منتظم تواند بود. كما جاء فى حديث المشارق كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر بكسر الباء اى شاخ وطعن فى السن قال للملك انى كبرت فابعث الى غلاما اعلمه السحر فبعث اليه غلاما يعلمه فكان فى طريقه إذا سلك اى الغلام راهب فقعد اليه اى متوجها الى الراهب وسمع كلامه فأعجبه اى اعجب كلام الراهب ذلك الغلام فكان إذا اتى الساحر مر بالراهب وقعد اليه فاذا أتى الساحر ضربه اى ضرب الساحر الغلام لمكثه فشكا ذلك الى الراهب فقال اى الراهب للغلام إذا خشيت الساحر فقل حبسنى قد حبست الناس اى على أسد أو حية يقال لها بالفارسية اژدر. فقال اى الغلام اليوم اعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل فأخذ حجرا وقال اللهم ان كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضى الناس فرماها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال الراهب اى بنى أنت اليوم أفضل منى قد بلغ من أمرك ما أدرى وانك ستبتلى فان ابتليت فلا تدل على وكان الغلام يبرئ الأكمه وهو الذي ولد أعمى والأبرص ويداوى الناس بسائر الأدواء فسمع جليس للملك كان قد عمى فأتاه بهدايا كثيرة فقال ما هاهنا لك اجمع ان أنت شفيتنى قال انى لا نشفى أحدا انما يشفى الله فان آمنت بالله دعوت الله فشفاك فآمن بالله فشفاه الله فاتى الملك فجلس اليه كما كان يجلس فقال الملك من رد عليك بصرك قال ربى فقال أو لك رب غيرى قال ربى وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فجيئ بالغلام فقال له الملك اى بنى قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل يعنى تداوى مرضا كذا وتداوى كذا فقال اى الغلام انى لا أشفي أحدا انما يشفى الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب فجيئ بالراهب فقيل ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيئ بجليس الملك فقيل له ارجع عن ديتك فأبى فوضع المنشار فى مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ثم جيئ بالغلام فقيل ارجع عن دينك فأبى فدفعه الى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به الى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فاذا بلغتم ذروته فان رجع عن دينه والا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال اى الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت يعنى ادفع عنى شرهم بأى سبب شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشى الى الملك فقاله الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فدفعه الى نفر من أصحابه فقال اذهبوا به فاحملوه فى قرقور أي سفينة صغيرة فتوسطوا به البحر فان رجع عن دينه والا فاقذفوه فذهبوا به فقال اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة اى مالت وانقلبت فغرقوا وجاء يمشى الى الملك فقال له الملك ما فعل أصحابك قال كفانيهم الله فقال للملك انك لست بقاتلي حتى تفعل ما أمرك به قال وما هو قال تجمع الناس فى صعيد واحد اى ارض بارزة وتصلبنى على

ص: 387

جذع ثم خذسهما من كنانتى وهى التي يجعل فيها السهام ثم ضع السهم فى كبد القوس وهو مقبضها عند الرمي ثم قل بسم الله رب الغلام ففعل كما قال الغلام ثم رماه فوقع السهم فى صدغه وهو ما بين العين والاذن فوضع يده على صدغه فى موضع السهم فمات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فأتى الملك فقيل له يعنى أتى الملك آت فقال أرأيت ما كنت تحذر والله قد نزل بك حذرك اى والله قد نزل بك ما كنت تحذر منه وتخاف قد آمن الناس فأمر بالأخدود أي بحفر شق مستطيل فى أفواه السكك اى فى أبواب الطرق فخدت اى شقت واضرم النيران اى أوقدها واشعلها وقال من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها اى فاطرحوه فيها كرها ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبى رضيع لها فتقاعست اى تأخرت أن تقع فيها فقال لها الغلام يا أماه اصبري فانك على الحق وفى أهلي اى منعونى وإذا خشيت أهلك فقل حبسنى الساحر فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة بعض الروايات كان للمرأة ثلاثة أولاد أحدهم رضيع فقال لها الملك ارجعي عن دينك والا ألقيتك وأولادك فى النار فأبت فأخذابنها الأكبر فألقاه فى النار ثم قال لها ارجعي عن دينك فأبت فألقى ابنها الأوسط ثم قال ارجعي عن دينك فأبت فأخذوا الصبى ليلقوه فيها فهمت بالرجوع فقال الصبى يا أماه لا ترجعى عن الإسلام فانك على الحق ولا بأس عليك وفى كشف الاسرار فان بين يديك نارا لاتطفأ فألقى الصبى فى النار وامه على اثره وكان هو ممن تكلم فى المهد وهو رضيع وقد سبق عددهم فى سورة يوسف وكانت هذه القصة قبل مولده عليه السلام بتسعين سنة وفيما ذكر من الحديث اثبات كرامات الأولياء وجواز الكذب عند خوف الهلاك سوآء كان الهالك هو الكاذب او غيره وروى ان خربة اختفرت فى زمن عمر بن الخطاب فوجد الغلام الذي قتله الملك وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل وفى بعض التفاسير فوجدوا عبد الله بن الثامر واضعا أصبعه على صدغه فى رأسه إذا اميطت يده عنها سال دمه وإذا تركت على حالها انقطع وفى يده خاتم من حديد فيه ربى الله فكتبوا الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه فكتب بأن يواروه ويعيدوا التراب عليه وفى بعض التفاسير فكتب إليهم عمر رضى الله عنه ان ذلك الغلام صاحب الأخدود فاتركوه على حاله حتى يبعثه الله يوم القيامة على حاله وعن على رضى الله عنه ان بعض الملوك المجوس وقع على أخته وهو سكران فلما صحاندم وطلب المخرج فأمرته ان يخطب الناس فيقول ان قد أحل نكاح الأخوات ثم يخطبهم بعد ذلك ويقول ان الله حرمه فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له ابسط فيهم السوط ففعل فلم يقبلوا فأمرته بالاخاديد وإيقاد النار وطرح من أبى فيها فهم الذين أرادهم تعالى بقوله قتل اصحاب الأخدود النَّارِ بدل اشتمال من الأخدود لان الأخدود مشتمل على النار وهو بها يكون مهيبا مشتد الهول والتقدير النار فيه او أقيم ال مقام الضمير على اختلاف مذهبى اهل البصرة والكوفة ذاتِ الْوَقُودِ خداوند آتش باهيمه يعنى افروخته بهيزم. وهو بفتح الواو ما يوقد به وفيه وصف لها بغاية العظم وارتفاع اللهب وكثرة ما يوجبه من

ص: 388

الحطب وأبدان الناس ما يدل عليه التعريف الاستغراقى ولو لم يحمل على هذا المعنى لم يظهر فائدة التوصيف إذ من المعلوم ان النار لا تخلو من حطب إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ ظرف لقتل والضمير لاصحاب الأخدود وقعود جمع قاعد اى لعنوا حين احرقوا بالنار قاعدين حولها فى مكان مشرف عليها من حافات الأخدود ولفظ على مشعر بذلك تقول مررت عليه تريد مستطيا بمكان يقرب منه وفى بعض التفاسير على سرر وكراسى قعود عند النار ولو قعدوا على نفس النار لاحترقوا فالقاتلون كانوا جالسين فى مكان مشرف او نحوه ويعرضون المؤمنين على النار قمن كان يترك دينه تركوه ومن كان يصر ألقوه فى النار وأحرقوه وكان عليه السلام إذا ذكر اصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء وهو الحالة التي يختار عليها الموت او كثرة العيال والفقر كما فى القاموس والجهد بالفتح المشقة وجهد عيشه كفرح نكد واشتد وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ جمع شاهد أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأن أحدا لم يقصر فيما امر به وفوض اليه من التعذيب بالإحراق من غير ترحم واشفاق او أنهم شهود يشهدون بما فعلوا بالمؤمنين يوم القيامة يعنى تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون هذا هو الذي يستدعيه النظم الكريم وتنطق به الروايات المشهورة وقد ذهب بعضهم الى ان الجبابرة لما القوا المؤمنين فى النار وهم قعود حولها علقت بهم النار وفى رواية ارتفعت فوقهم أربعين ذراعا فوقعت عليهم فأخرقتهم ونجى الله المؤمنين سالمين ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله وقبض الله أرواحهم قبلى ان تمسهم النار كما فعل ذلك بآسية امرأة فرعون على ما سبق وعلى ذلك حملوا قوله تعالى ولهم عذاب الحريق اى لهم عذاب جهنم فى الآخرة ولهم عذاب الحريق فى الدنيا وفيه اشارة الى النفوس المتمردة الشاردة النافرة عن جناب الحق المستحقة لأخاديد النيران والخذلان والخسران الموقدة بأحطاب اخلاقهم الرديئة المؤصدة بأحجار أوصافهم الخبيثة النفسية الهوائية إذ هم عليها قعود بارتكاب الشهوات وانكبابهم على اللذات والنفس والهوى وقواهم الطبيعية يشهد بعضهم على بعض بما يفعلون بمؤمنى الروح والسر والقلب من المخالفة والمجادلة والمخاصمة وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ اى وما أنكروا من المؤمنين وما عابوا يقال نقم الأمر إذا عابه وكرهه وفى المفردات نقمت الشيء إذا أنكرته اما باللسان واما بالعقوبة إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قال بلفظ المضارع مع ان الايمان وجد منهم فى الماضي لارادة الاستمرار والدوام عليه فانهم ما عذبوهم لايمانهم فى الماضي بل لدوامهم عليه فى الآتي ولو كفروا فى المستقبل لم يعذبوا على ما مضى فكانه قيل الا ان يستمروا على ايمانهم واما قوله تعالى حكاية وما تنقم منا الا ان آمنا بآيات ربنا فلان مجرد ايمان السحرة بموسى عليه السلام كان منكرا واجب الانتقام عندهم والاستثناء مفرغ مفصح عن براءتهم مما يعاب وينكر بالكلية على منهاج قوله

ولا عيب فيهم غير أن ضيوفهم

ثلام بنسيان الاحبة والوطن

فى ان ما أنكروه ليس منكرا فى الواقع وغير حقيق بالإنكار كما ان ما جعله الشاعر عيبا

ص: 389

ليس عيبا ولا ينبغى ان يعد عيبا ولا يضر ذلك كون الاستثناء فى قول الشاعر مبنيا على الادعاء بخلاف ما فى نظم القرآن فانهم أنكروا الايمان حقيقة ووصفه تعالى بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه حميدا منعما يرجى ثوابه وتأكيد ذلك بقوله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ للاشعار بمناط ايمانهم والملك بالفارسية پادشاهى. وأخر هذه الصفة لان الملك التام لا يحصل الا عند حصول الكمال فى القدرة التي دل عليها العزيز وفى العلم الذي دل عليه الحميد لان من لا يكون تام العلم لا يمكنه ان يفعل الافعال الحميدة وفى كشف الاسرار وانما وصف ذاته بهذه الصفات ليعلم انه لم يمهل الكفار لاجل أنه غير قادر لكنه أراد أن يبلغ بهؤلاء المؤمنين مبلغا من الثواب لم يكونوا يبلغونه الا بمثل ذلك الصبر وان يعاقب أولئك الكافرين عقابا لم يكونوا يستوجبونه الا بمثل ذلك الفعل وكان قد جرى بذلك قضاؤه على الفريقين جميعا فى سابق تدبيره وعلمه وفيه تشنيع على الكفار بغاية جهلهم حيث عدواما هو منقبة هى سبب المدح منقصة هى سبب القدح وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وخدا بر همه چيزها از افعال واقوال مؤمن وكافر كواهست وبآن دانا.

وهو وعد لهم ووعيد شديد لمعذبيهم فان علمه تعالى بجميع الأشياء التي من جملتها أعمال الفريقين يستدعى توفير جزاء كل منهما حتما قال الامام القشيري الشهيد العليم ومنه قوله تعالى شهد الله اى علم الله والشهيد الحاضر وحضوره بمعنى علمه ورؤيته وقدرته والشهيد مبالغة من الشاهد وإذا علم العبد أن الله تعالى شهيد يعلم أفعاله ويرى أحواله سهل عليه ما يقاسيه لاجله (حكى) ان رجلا كان يضرب بالسياط وهو يصبر ولا يصبح فقال له بعض الحاضرين أما يؤلمك الضرب فقال نعم قال فلم لا تصيح قال فى الحاضرين لى محبوب يرقبنى فأخاف أن يذهب ماء وجهى عنده ان صحت فمن ادعى محبة الحق ولم يصبر على قرص نملة او بعوضة أو أدنى أذية كيف يكون صادقا فى دعواه ولذا قالوا دلت القصة على ان المكره على الكفر بنوع من العذاب الاولى أن يصبر على ما خوف منه وان كان اظهار الكفر كالرخصة فى ذلك (حكى) ان مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي عليه السلام فقال لاحدهما تشهد أنى رسول الله فقال نعم فتركه وقال للآخر مثله فقال لا بل أنت كذاب فقتله فقال النبي عليه السلام اما الذي تركه فأخذ بالرخصة فلا تبعة عليه واما الذي صبر فأخذ بالفضل فهنيئا له وفى التأويلات النجمية والله على كل شىء من سموات الأرواح وأرض الأشباح والأجساد شهيداى حاضر لمظهرية الكل وظهوره فيها ذاتا وصفات واسماء لاستلزام الذات جميع التوابع الوجودية إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الفتن الإحراق والفتنة بالفارسية آزمون. اى محنوهم فى دينهم وآذوهم وعذبوهم بأى عذاب كان ليرجعوا عنه كاصحاب الأخدود ونحوهم كما روى ان قريشا كانوا يعذبون بلالا ونحوه فالموصول الجنس وانما لم يدفع البلاء قبل الابتلاء لان أهل الولاء لا يخلو عن البلاء

وهيهات هيهات الصفاء لعاشق

وجنة عدن بالمكاره حفت

ثُمَّ اى بعد ما فعلوا ما فعلوا من الفتنة لَمْ يَتُوبُوا اى عن كفرهم وفتنتهم فان ما ذكر

ص: 390

من الفتنة فى الدين لا يتصور من دين الكافر قطعا وفى إيراد ثم اشعار بكمال حلمه وكرمه حيث لا يعجل فى القهر ويقبل التوبة وان طالت مدة الحوبة قال الامام وذلك يدل على ان توبة القاتل عمدا مقبولة فَلَهُمْ فى الآخرة بسبب كفرهم عَذابُ جَهَنَّمَ يعذبون به أبدا وَلَهُمْ بسبب فتنتهم للمؤمنين عَذابُ الْحَرِيقِ او عذاب عظيم زائد فى الإحراق على عذاب سائر أهل جهنم فظهرت المغايرة بين المعطوفين وان كان كل منهما حاصلا فى الآخرة ويحتمل أن يكون المراد بعذاب جهنم بردها وزمهريرها وبعذاب الحريق حرها فيرددون بين برد وحر على أن يكون الحر لاحراقهم المؤمنين فى الدنيا والبرد لغيره كما قالوا الجزاء من جنس العمل والحريق اسم بمعنى الاحتراق كالحرقة وقول الكاشفى

فى تفسيره عذاب الحريق عذاب آتش سوزان

يشير الى ان الحريق بمعنى النار المحرقة

كما قال فى المفردات الحريق النار وكذا الحرق بالتحريك النار أو لهبها كما فى القاموس وحرق الشيء إيقاع حرارة فى الشيء من غير لهب كحرق الثوب بالدق والإحراق إيقاع نار ذات لهب فى شىء ومنه استعير أحرقنى بلومه إذا بالغ فى أذيته بلوم يقول الفقير الظاهر أن الحريق هنا بمعنى المحرق كالأليم بمعنى المؤلم فيكون اضافة العذاب الحريق من قبيل اضافة الموصوف الى صفته ويستفاد زيادة الإحراق من المقابلة فان العطف من باب الترقي بحسب العذاب المترتب على الترقي من حيث العمل إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ على الإطلاق من المفتونين وغيرهم لَهُمْ بسبب ما ذكر من الايمان والعمل الصالح الذي من جملته الصبر على أذى الكفار وإحراقهم وإيراد الفاء اولا وتركها ثانيا يدل على جواز الامرين جَنَّاتٌ يجازون بها بمقابلة النار ونحوها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يجازون بذلك بمقابلة الاحتراق والحرارة ونحو ذلك قال فى الإرشاد ان أريد بالجنات الأشجار فجريان الأنهار من تحتها ظاهر وان أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جريها الظاهر فان أشجارها ساترة لساحتها كما يعرب عنه اسم الجنة ذلِكَ المذكور العظيم الشان وهو حصول الجنان الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الذي تصغر عنده الدنيا وما فيها من فنون الرغائب بحذافيرها فالحصر إضافي قال فى برهان القرآن ذلك مبتدأ والفوز خبره والكبير صفته وليس له فى القرآن نظير والفوز النجاة من الشر والظفر بالخير فان أشير بذلك الى الجنات نفسها فهو مصدر أطلق على المفعول مبالغة والا فهو مصدر على حاله قال الامام انما قال ذلك الفوز ولم يقل تلك لدقيقة لطيفة وهى ان قوله ذلك اشارة الى اخبار الله بحصول هذه الجنات ولو قال تلك لكانت الاشارة الى نفس الجنات واخبار الله عن ذلك يدل على كونه راضيا والفوز الكبير هو رضى الله لا حصول الجنة يقول الفقير وعندى ان حصول الجنات هو الفوز الكبير وحصول رضى الله هو الفوز الأكبر كما قال تعالى ورضوان من الله اكبر وانما لم يقل تلك لان نفس الجنات من حيث هى ليست بفوز وانما الفوز حصولها ودخولها إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ استئناف خوطب به النبي عليه السلام إيذانا بأن لكفار قومه نصيبا موفورا من مضمونه كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الاضافة

ص: 391

الى ضميره عليه السلام والبطش تناول الشيء بصولة والأخذ بعنف يقال يد باطشة وحيث وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم وهو بطشه بالجبابرة والظلمة وأخذه إياهم بالعذاب والانتقام وان كان بعد امهال فانه عن حكمة لا عن عجز إِنَّهُ هُوَ وحده يُبْدِئُ وَيُعِيدُ اى يبدئ الخلق ويخرجهم من العدم الى الوجود ثم يميتهم ويعيدهم احياء للمجازاة على الخير والشر من غير دخل الأحد فى شىء منهما ففيه مزيد تقدير لشدة بطشه او هو يبدئ البطش بالكفرة فى الدنيا ويعيده فى الآخرة يعنى آشكار كند بطش خود را بر كافران در دنيا وباز كرداند هم آنرا بديشان در آخرت واين نشانه عدلست.

اى يبدئ البطش او العذاب فى الآخرة ثم يعيده فيها كقوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها قال ابن عباس رضى الله عنهما ان أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فيها فحما ثم يعيدهم خلقا جديدا فهو المراد من الآية وقال حذيفة بن اليمان رضى الله عنه اسر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا فى النار فقال يا حذيفة ان فى جهنم لسباعا من نار وكلابا من نار وسيوفا من نار وكلاليب من نار وانه يبعث ملائكة يعلقون أهل النار بتلك الكلاليب بأحناكهم ويقطعونهم بتلك السيوف عضوا عضوا ويلقونها الى تلك السباع والكلاب كلما قطعوا عضوا عاد آخر مكانه غضا طريا او يبدئ من التراب ويعيده فيه او من النطفة ويعيده فى الآخرة يقال بدأ الله الخلق وأبدأهم فهو بادئهم ومبدئهم بمعنى واحد والمبدئ المظهر ابتداء والمعيد المنشئ بعد ما عدم فالاعادة ابتداء ثان قال الامام الغزالي رحمه الله المبدئ المعيد معناه الموجد لكن الإيجاد إذا لم يكن مسبوقا بمثله يسمى ابداء وان كان مسبوقا بمثله يسمى إعادة والله تعالى بدأ خلق الإنسان ثم هو الذي يعيدهم اى يحشرهم فالاشياء كلها منه بدت واليه تعود وبه بدت وبه تعود وفى المفردات والله هو المبدئ والمعيد اى هو السبب فى المبدأ والنهاية وقال بعضهم الإبداء هو الإظهار على وجه التطوير المهيئ للاعادة وهى الرجوع على مدرج تطوير الإبداء فهو سبحانه بدأ الخلق على حكم ما يعيدهم عليه فسمى بذلك المبدئ المعيد ونما قبل فيهما انهما اسم واحد لان معنى الاول يتم بالثاني وكذا كل اسم لا يتم معناه فيما يرجع الى كمال اسماء الله الا باسم يتم به معناه قال الامام القشيري رحمه الله ان الله تعالى يبدئ فضله وإحسانه لعبيده ثم يعيده ويكرره فان الكريم من يرب صنائعه وخاصية الاسم المبدئ أن يقرأ على بطن الحامل سحرا تسعا وعشرين مرة فان ما فى بطنها يثبت ولا بزاق وخاصية الاسم المعيد يذكر مرارا لتذكار المحفوظ إذا نسى لا سيما إذا أضيف له الاسم المبدئ وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب عن الكفر وآمن وكذا لمن تاب عن غيره من المعاصي ولمن لم يتب أيضا ان شاء الْوَدُودُ المحب لمن أطاع او تاب كما قال ان الله يحب التوابين واين نشانه فضل است بعدل بگذارد ونابود سازد وبفضل بنوازد وبرافرازد

فضل او دلنواز غمخواران

عدل او سينه سوز جباران

عمر بن الخطاب رضى الله عنه در بتخانه مقبول وسيئات او مغفور كه وهو الغفور الودود وعبد الله بن أبى در مسجد مخذول وحسنات او مردود كه ان بطش ربك لشديد. فالودود فعول

ص: 392

بمعنى الفاعل هاهنا وهو الذي يقتضيه المقام وقال سهل رحمه الله الودود المحب الى عباده بإسباغ النعم عليهم ودوام العافية فيكون بمعنى المفعول لانه يحبه عباده الصالحون ومحبة العبد لله طاعته له وموافقته لامره او تعظيمه له وهيبته فى قلبه واجمع أهل الحقيقة ان كل محبة تكون عن ملاحظة عوض فهى معلولة بل المحبة الصحيحة هى المحبة الصافية عن كل طمع والأثر ان الله تعالى يقول ان أود الأوداء الى من عبدنى لغير نوال لكن ليعطى الربوبية حقها قال بعض الكبار العشق التفاف الروحين والحب صفاء ذلك الالتفاف وخلوصه والود ثباته وتمكنه من القلب والهوى أول وقوع الحب فى القلب وفى التأويلات النجمية الودود لمن يتوجه اليه بالمحبة على سنة من تقرب الى شبرا تقربت اليه زراعا فمن تقرب اليه بالمحبة تقرب اليه بالود لان الود أثبت فى أرض القلب من المحبة لاشتقاقه من الوتد انتهى قال فى القاموس الود الوتد وقال الامام الغزالي رحمه الله الودود هو الذي يحب الخير الجميع الخلق فيحسن إليهم ويثنى عليهم وهو قريب من معنى الرحيم لكن الرحمة اضافة الى المرحوم والمرحوم هو المحتاج والمضطر وأفعال الرحيم تستدعى مرحوما ضعيفا وأفعال الودود لا تستدعى ذلك بل الانعام على سبيل الابتداء من نتائج الود كما ان معنى رحمته تعالى إرادته الخير للمرحوم وكفايته له وهو منزه عن رقة الرحمة فكذلك وده إرادته للكرامة والنعمة وهو منزه عن ميل المودة والودود من عباد الله من يريد لخلق الله كل ما يريده لنفسه وأعلى من ذلك من يؤثرهم على نفسه كمن قال منهم أريد أن أكون جسرا على النار يعبر على الخلق ولا يتأذون بها وكمال ذلك أن لا يمنعه من الإيثار والإحسان الحقد والغضب وما يناله من الأذى كما قال عليه السلام حين كسرت رباعيته ودمى وجهه وضرب اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون فلم يمنعه سؤء صنيعهم عن ارادة الخير لهم وكما أمر عليه السلام عليا رضى الله عنه حيث قال ان أردت أن تسبق المقربين فصل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك وخاصية الاسم الودود ثبوت الوداد لا سيما بين الزوجين فمن قرأه ألف مر على طعام وأكله مع زوجته غلبتها محبته ولم يمكنها سوى طاعته وقد روى انه اسم الله الأعظم فى دعاء التاجر الذي قال فيه يا ودود بإذا العرش المجيد يا مبدئ يا معيد أسألك بنور وجهك الذي ملأ اركان عرشك وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك وبرحمتك التي وسعت كل شىء لا اله الا أنت يا مغيث أغثنى يا مغيث أغثنى يا مغيث أغثنى الحديث قد ذكره غير واحد من الائمة. يقول الفقير كنت اذكر فى السحر الأعلى يا ودود وذلك بلسان القلب فصدر منى بلا اختيار أن أقول يا رب اجعلنى محيطا فعرفت ان للاسم المذكور تأثيرا عظيما فى الإحاطة وذلك ان الودود بمعنى المحبوب ولا شك ان جميع الأسماء الهية يود الاسم الأعظم ويميل اليه فالاسم الأعظم ودود بمعنى المفعول وغيره ودود بمعنى الفاعل فمن ذكره كان ودودا بمعنى المودود فيحبه جميع المظاهر فيحصل له الإحاطة باسرار جميع الأسماء ويصل اليه جميع التوجهات ذُو الْعَرْشِ خالقه وقيل المراد بالعرش الملك مجازا اى ذو السلطنة القاهرة على المخلوقات السفلية والمخترعات العلوية وان لم يكن على السرير ويقال ثل عرش فلان إذا ذهب سلطانه

ص: 393

الْمَجِيدُ هو الشريف ذاته الجميل أفعاله الجزيل عطاؤه نواله فكان شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمى مجيدا وهو الماجد أيضا ولكن أحدهما دل على المبالغة وكأنه يجمع من اسم الجليل واسم الوهاب والكريم قال فى القاموس المجيد الرفيع العال والكريم والشريف الفعال ومجده عظمه وأثنى عليه والعطاء كثره والتمجيد ذكر الصفات الحسنة وقرئ بالكسر صفة للعرش ومجد العرش علوه فى الجهة وعظم مقداره وحسن صورته وتركيبه فانه أحسن الأجسام تركيبا وصورة وفى الحديث (ما الكرسي فى جنب العرش الا كحلقة ملقاة فى أرض فلاة) فاذا كان الكرسي كذلك مع سعته فما ظنك بسائر الاجرام العلوية والسفلية قال سهل رحمه الله ظهر الله العرش إظهارا للقدرة لا مكانا للذات ولا احتياجا اليه قال بعضهم ومن العجب ان الله لو ملأ العرش مع تلك السعة من حبوب الذرة وخلق طيرا أكل حبة واحدة منها فى ألف سنة لنفدت الحبوب ولا تنقطع مدة الآخرة ومع هذا لا يخاف بنوا آدم من عذاب تلك المدة ويضيعون أعمارهم فى شىء حقير سريع الزوال وفيه اشارة الى قلب العارف المستوي للرحمن كما جاء فى الحديث (قلب العارف عرش الله) ومجده هو أنه ما وسع ذلك الواسع المجيد غيره وخاصية هذا الاسم تحصيل الجلالة والمجد والطهارة ظاهرا وباطنا حتى فى عالم الأبدان والصور فلقد قالوا إذا صام الأبرص أياما وقرأه كل ليلة عند الإفطار كثيرا فانه يبرأ بإذن الله تعالى اما بلا سبب او بسبب يفتح الله له به فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ بحيث لا يتخلف عن إرادته مراد من أفعاله تعالى وأفعال غيره فيكون دليلا لاهل الحق على انه لا يتخلف شىء عن إرادته وهو خبر مبتدأ محذوف وانما قال فعال مبالغة فاعل لان ما يريد ويفعل فى غاية الكثرة من الاحياء والاماتة والإعزاز والاذلال والإغناء والاقتار والشفاء والأمراض والتقريب والتبعيد والعمارة والتخريب والوصل والفرق والكشف والحجاب الى غير ذلك من شؤونه وفى التأويلات النجمية فعال لما يريد بالمؤمن والكافر وأرباب الأرواح والاسرار والقلوب وأصحاب النفوس وأهل الهوى ان أراد أن يجعل أرباب الأرواح من أرباب النفوس فهو قادر على ذلك وهو عادل فى ذلك وان أراد عكس ذلك فهو كذلك وهو مفضل فى ذلك يحجب من يريد بجلاله كالمنكرين ويتجلى لمن يريد بجماله كالمقربين ويعامل لمن يريد بافاضة كماله كالعارفين قال القفال يدخل أولياءه الجنة لا يمنعه مانع ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم ناصر ويمهل بعض العصاة على ما يشاء الى أن يجازيهم ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء فهو يفعل ما يريد (روى) ان أناسا دخلوا على أبى بكر الصديق رضى الله عنه يعودونه فقالوا الا نأتيك بطبيب قال قد رآنى قالوا فما قال لك قال انى فعال لما أريد هَلْ أَتاكَ آيا آمد بتو. اى قد أتاك لان الاستفهام للتقرير حَدِيثُ الْجُنُودِ اى خبر الجموع الكافرة التي تجندت على الأنبياء فى الماضي وخبرهم ما صدر عنهم من التمادي فى الكفر والضلال وما حصل بها من العذاب والنكال فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بدل من الجنود يعنى مع انه غير مطابق ظاهرا للمبدل منه فى الجمعية لان المراد بفرعون هو وقومه وقد يجعل من حذف المضاف بمعنى جنود فرعون اى هل أتاك حديثهم

ص: 394

وعرفت ما فعلوا من التكذيب وما فعل بهم من التعذيب فذكر قومك بشؤون الله وأنذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب أمثالهم وقد كانوا سمعوا قصة فرعون وجنوده قوم موسى عليه السلام ورأوا آثار هلاك ثمود قوم صالح عليه السلام لانها كانت فى ممرهم وفى بلادهم وأخر ثمود مع تقدمه على فرعون زمانا لرعاية الفواصل قال القاشاني هل أتاك حديث المحجوبين اما بالانانية كفرعون ومن يدين بدينه او بالآثار والأغيار كثمود ومن يتصل بهم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا من قومك فِي تَكْذِيبٍ إضراب عن مماثلتهم لهم وبيان لكونهم أشد منهم فى الكفر والطغيان وتنكير تكذيب للتعظيم كأنه قيل ليسوا مثلهم فى ذلك بل هم أشد منهم فى استحقاق العذاب واستيجاب العقاب فانهم مستقرون فى تكذيب شديد للقرءآن الناطق بذلك لكن لا انهم يكذبون بوقوع الحادثة بل يكذبون كون ما نطق به قرءانا من عند الله مع وضوح أمره وظهور حاله بالبينات الباهرة وفى التأويلات النجمية فى تكذيب لاشمال خلقهم وجبلتهم على صفة الكذب والتكذيب وأمن جبل على صفة لا يقدر على مفارقتها الا القليل من الكمل كما قال تعالى فمن لم يجعل الله له نورا اى فى الاستعداد فماله من نور.

خوى بد در طبيعتى كه نشست

نرهد جز بوقت مرك از دست

وفيه اشارة الى تكذيب المنكرين لاهل الحق ووقوفهم مع حالهم واحتجابهم عن حال من فوقهم وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ من خلفهم مُحِيطٌ بهم بالقدرة وهو تمثيل العدم نجاتهم من بأس الله بعدم فوت المحاط المحيط إذا سد عليه مسلكه بحيث لا يجد هربا منه وفى التأويلات النجمية محيط والمحيط لا يفوته المحاط ولا يفوت المحيط شىء لا حاطة الله سبحانه عند العارفين بالكافرين بل الموجودات كلها عبارة عن تجليه بصور الموجودات فهو سبحانه بأحدية جميع أسمائه سار فى الموجودات كلها ذاتا وحياة علما وقدرة الى غير ذلك من الصفات والمراد بإحاطته تعالى هذه السراية ولا يعزب عنه ذرة فى السموات والأرض وكل ما يعزب عنه يلتحق بالعدم وقالوا هذه الإحاطة ليست كاحاطة الظرف بالمظروف ولا كاحاطة الكل بأجزائه ولا كاحاطة الكلى بجزئياته بلى كاحاطة الملزوم بلازمه فان التعينات اللاحقة لذاته المطلقة انما هى لوازم له بواسطة او بغير واسطة وبشرط او بغير شرط ولا تقدح كثرة اللوازم فى وحدة الملزوم ولا تنافيها والله أعلم بالحقائق بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ اى ليس الأمر كما قالوا بل هذا الذي كذبوا به قرآن شريف عالى الطبقة فيما بين الكتب الالهية فى النظم والمعنى متضمن للمكارم الدنيوية والاخروية فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ اى من التحريف ووصول الشياطين اليه واللوح كل صحيفة عريضة خشبا او عظما كما فى القاموس قال الراغب اللوح واحد ألواح السفينة وما يكتب فيه من الخشب ونحوه والمراد به هنا ما قال ابن عباس رضى الله عنهما ان الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء دفناه ياقوتة حمراء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب ينظر الله فيه كل يوم ثلاثمائة وستين مرة يحيى ويميت ويعز

ص: 395