الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1 -
جيش التحرير في وثائق الثورة
قد يكون من الممتع والمفيد في آن واحد، استقراء ملامح جيش التحرير وتطوره وأعماله القتالية من خلال المنشورات والوثائق التي صدرت خلال مرحلة الثورة. ذلك أن هذه الوثائق والمنشورات مميزة بمجموعة من الخصائص، لعل من أبرزها صدقها في تصوير الأحداث، ومعالجتها للمواقف المختلفة بصورة موضوعية هذا علاوة على ما تفيض به من صدق العاطفة. وفي الواقع، فقد اعتمدت قيادة جيش التحرير على النشرات الدورية من أجل شرح حقائق الموقف للمقاتلين، ومعالجة مشكلاتهم، والرد على أساليب الحرب النفسية للقوات الاستعمارية. وكان من بين هذه النشرات الدورية - وفي طليعتها أيضا - (مجلة المجاهد) ثم جريدة (الشباب) وجريدة (المقاومة) التي دمجت فيما بعد بمجلة المجاهد. وكذلك (صدى الجبال). هذا بالإضافة الى تلك النشرات الرسمية التي كانت تصدر عن القيادة العامة، سواء في مجال التنظيم، أو من أجل توجيه مجاهدي جيش التحرير وتثقيفهم في أمور معينة (مثل أعمال الاستطلاع ومحاربة الجاسوسية الخ ..).
وفي الواقع، ربما كان من الصعب إعطاء صورة واضحة وكاملة
عن كل ما تتضمنه تلك المنشورات والوثائق، إذ من الصعب الإحاطة بها لوفرتها، وإذن فلا بد من انتقاء بعض هذه الوثائق، بقدر ما هو ضروري لإبراز تطور جيش التحرير وأعماله.
وعلى سبيل المثال - لا الحصر - وفي مجال (إقامة السدود) ومحاولة عزل الجزائر، كتبت نشرة جزائرية ما يلي:
(كان الجيش الأفرنسي يحاول عزل الجزائر عن بقية العالم ببناء السد المكهرب الغربي، خلال شتاء 1956، والسد الشرقي المسمى بخط موريس، أثناء النصف الثاني من سنة 1957. وكانت معركة الحدود هذه تعتمد بالنسبة للقوات الاستعمارية على طرد (280) ألف جزائري من ديارهم وقراهم وأرضهم وتكوين سد مجمد على جهتي الحدود. وبلغ عدد اللاجئين الجزائريين حده الأقصى خلال شتاء (1957 - 1958). ورد جيش التحرير على ذلك بالتمركز في الأماكن الواقعة على حدود البلاد والسد المكهرب الذي أقيم حول الخطوط الحديدية.
لكن هذا السد الذي كان من المقرر أن يستخدم (لخنق الجزائر) لم يكن في الواقع إلا عملا باهظ التكاليف وقليل الفاعلية، جندت فرنسا من أجله جهازا حربيا صخما، وألقى جيش التحرير لتجميد هذا الجهاز بجزء من قواته فقط، كما أفاد من هذه العطالة لتطوير تدريبه وتسلحه، ثم قام بهجمات محلية أو عامة بداية من جويليه - تموز - 1958. ولم ينفك جيش التحرير الوطني من متابعة حربه ضد السد المكهرب (في إطار العصابات) مع تأمين إرسال الأسلحة الحديثة وزيادة عدته وعتاده.
ففي هذه الفترة بالذات تألفت شبكة استعلامات على المستوى الوطني، شملت تأمين الاتصال بين الولايات ولجنة التنسيق والتنفيذ، وبين المناطق في كل ولاية) (*) إن مطالعة النص السابق وحده يبرز مجموعة من الحقائق: أولها - إدراك القيادة الجزائرية لأهداف العدو والكامنة وراء كل إجراء من إجراءاته. وثانيها -مجابهة كل موقف بالحلول المناسبة له، وثالثها - الإفادة من أخطاء العدو لإضعافه وتدميره - ماديا ومعنويا - مع زيادة القدرة الذاتية لقوات الثورة. وهذا ما يبرز أهمية العودة لوثائق الثورة.
(*) المرجع: الجمهورية الجزائرية - وزارة الداخلية، نشرية داخلية (رقم 13) مارس 1962 ص 8 - 9.