الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
صراع مسلح في وهران
وصراع سياسي في الأمم المتحدة
اقترن الصراع المسلح للثورة الجزائرية بالصراع السياسي، وبطريقة مثيرة ومدهشة، وقد ظهر ذلك واضحا تماما في أعقاب انتصار (أوت - اغسطس -1955) حيث وظفت قيادة جبهة التحرير هذا النصر لدعم صراعها السياسي في هيئة الأمم المتحدة. ونجحت في الثلاثين من (سبتمبر - أيلول) بإحراز أول انتصار لها على (مستوى تدويل قضيتها)، إذ رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة التوصية السلبية التي قدمتها لجنتها التوجيهية، وقررت إدراج موضوع الجزائر في جدول أعمالها - ولو كان ذلك بأغلبية ضئيلة -. ثم قامت الجبهة في شهر (أكتوبر - تشرين الأول) وبعد أشهر من الإعداد الدقيق، بفتح جبهة جديدة لها في (وهران). وقد تولى القيادة في هذه الولاية التي تعتبر أكبر الولايات الشمالية الخمس، القائد (محمد العربي بن مهيدي) في بداية الأمر، ثم خلفه القائد (عبد الحفيظ بوصوف). وقد قام هذان القائدان بتنظيم الكثير من جنودهما، وتزويدهما بالعتاد في (ناضور) في المغرب (الذي كانت تحتله اسبانيا، حيث تكون فيه أيضا جيش التحرير المغربي - المراكشي). وانتقلت القيادة بعد ذلك الى (أوغده - أو وجده) في ولاية وهران، حيث ظلت جبهة التحرير
تفيد من طبيعة المنطقة الجبلية، ومن حصانة الحدود المغربية (المراكشية) وقد بدأ الهجوم في أواخر سبتمبر - أيلول - ومطلع شهر تشرين الأول - اكتوبر - في منطقة (تلمسان) أولا. وبامتداد القتال الى جبهة وهران، بقيت منطقة الجزائر الوسطى والجنوبية فقط، خالية من النشاط الثوري الواسع النطاق.
أدى اتساع النشاط القتالي وتعاظمه (في شهر أكتوبر - تشرين الثاني) إلى إضفاء الكثير من المرارة على مناقشات الأمم المتحدة للقضية الجزائرية. فقد رفض الوفد الإفرنسي الاشتراك في المناقشات، وغادر قاعة الجمعية العامة. وتمسكت الحكومة الإفرنسية بزعمها الذي طرحته من قبل وهو (أن المشكلة الجزائرية قضية داخلية صرفة). وبعد أن رفضت الجمعية العامة مشروع القرار الذي تقدمت به دول أمريكا الجنوبية، والذي كان من المقدر له لو قبل أن يحذف القضية من جدول الأعمال كلية، أمكن الوصول إلى قرار وسط، قبل بالإجماع، وينص على أن الجمعية العامة:(تقرر عدم الاستمرار في مناقشة هذا البند في جدول أعمالها، ولهذا فهي تتوقف عن مناقشته) وقد شعر الجزائريون الذين كانوا قد أوفدوا أحد أعضاء بعثتهم الخارجية الى نيويورك، للاشتراك في المناقشات وعرض وجهة نظرهم بالكثير من خيبة الأمل لهذا التطور، ولكنهم أعربوا عن أملهم في أن تؤدي هذه المهلة المعطاة الى فرنسا إلى تسوية سلمية، ولا سيما على ضوء نتائج الانتخابات الإفرنسية القادمة.
شهدت نهاية العام الأول من الثورة الجزائرية، تفوق القضايا العسكرية على السياسية، كما شهدت تزايد قوة وأهمية زعماء الداخل على أعضاء البعثة الخارجية. إذ لم تكن هذه البعثة قد
تمكنت بعد من توسيع برنامج عملها السياسي، كما لم تتمكن من تذليل العقبات الكثيرة التي واجهتها للحصول على الأسلحة، وتزويد الداخل بها.
جرت الانتخابات للجمعية الوطنية الإفرنسبة - البرلمان - في جانفي (كانون الثاني) 1956 وجاءت نتائج هذه الانتخابات لتشكل نقطة أخرى في تحول العلاقات الإفرنسية - الجزائرية. فقد فاز في الانتخابات - على نحو ما سبق ذكره - الاشتراكيون والراديكاليون الذين أعلنوا في برنامجهم الانتخابي المشترك: (أنهم يؤيدون تسوية سلمية للجزائر). وقد عين رئيس الوزارة - غي موليه - (الجنرال كاترو) ليكون مقيما عاما في الجزائر. وقرر - غي موليه - أن يذهب شخصيا الى الجزائر ليعالج هناك المشكلة بنفسه - وعلى الطبيعة -. وقد ظهر عجز غى موليه وقصوره في إدراك أبعاد القضية، الأمر الذي دفع قيادة جبهة التحرير لتعدل موقفها أيضا، وفي مقابلة صحافية جرت مع جبهة التحرير (يوم 3 فيفري - شباط - 1956) مع مراسل صحيفة (لوموند) الإفرنسية، برز هذا التحول من قضية التسوية مع فرنسا. حيث أدخلت تعديلات عكست نوعا من التصلب في آراء الجبهة وموقفها. فعندما طرح على الناطق باسم الجبهة سؤال:(عما إذا كان موقفها السابق لا يزال على حاله؟) حدد الشروط التي تضعها الجبهة لوقف إطلاق النار على النحو التالي:
أ - أن تصدر الحكومة الإفرنسية إعلانا رسميا باعترافها باستقلال الجزائر.
ب - إطلاق سراح المسجونين والمعتقلين والمحكوم عليهم بجرائم سياسية منذ العام 1930، وإعادة المبعدين السياسيين، ووقف العمليات الحربية من جانب الجيش الإفرنسي، وإيقاف
الإجراءات المتخذة ضد الوطنيين الجزائريين، وإصدار عفو عام عن جميع الأحكام الغيابية التي صدرت تحت اسم - الجرائم والجنح السياسية.
ج - تأليف حكومة جزائرية للتفاوض.
وأضاف: (إن قضية الانتخابات هي مسألة جزائرية صرفة. وإن من شأن الحكومة الجزائرية وحدها أن تقرر موعد الانتخابات ووسائلها). ثم انتهى الى القول: (وسيكون من واجب الحكومة الجزائرية التي يجب أن تتشكل قبل وقف إطلاق النار، تقرير نوع الادارة، وجهاز الشرطة على الأرض الجزائرية).
إن شروط جبهة التحرير هذه المرة لوقف إطلاق النار، تحتل جانبا كبيرا من الأهمية. ذلك لأنها تؤكد على (وجوب اعتراف فرنسا باستقلال الجزائر) بدلا من (مبدأ الاستقلال) أو (حق تقرير المصير) أو (الحق في الاستقلال). وقد بدت جبهة التحرير في هذه المرة، بعد أن دعمت موقفها بانتصاراتها العسكرية، وهي أكثر تصميما على أن تنتزع من فرنسا - بالقوة - حق السيادة المباشرة على بلادها.
قام (غي موليه) بزيارته للجزائر في (6 فيفري - شباط - 1956). فعزل (كاترو) بضغط من المستوطنين، وعين مكانه الاشتراكي (روبير لاكوست) وأعلن في (16 فيفري - شباط) عن (التحديد بلا مواربة للشكل التنظيمي الذي سيقوم عليه كيان الجزائر المقبل، على أساس علاقات لا تنفصم مع فرنسا، مع الاعتراف بالشخصية الجزائرية). وكان - غي موليه - قد أعلن قبل أيام: (بأن الحكومة ستناضل في سبيل البقاء في الجزائر، وستبقى فيها، فلا مستقبل للجزائر إلا بالبقاء مع فرنسا). وكان رد فعل جبهة التحرير -
واضحا في تصريحها التالي: (إن إعلان - غي موليه - لا يخرج عن نطاق السياسة الاستعمارية الإفرنسية التقليدية) وقد أكد الناطق باسم جبهة التحرير، بأن (جبهة التحرير تمثل الآن جميع الوطنيين الصادقين والمخلصين - وأن الحكومة الجزائرية المقبلة ستتألف من جبهة التحرير ليس إلا).