الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6 -
الفدائيون في المدن
وحل مشكلة التسلح
من واجب الثورات أن تسير قدما، وإلى الأمام دائما، وإلا فإنها تبدو في طريق التخاذل والضعف، فعلى الصعيد العسكري، كان من الضروري أن يتسع نطاق الصراع في العام 1956 على غرار الهجمات التي وقعت في العشرين من أوت - آب - 1955. والتي تركت بعض الآثار النفسية الرائعة. وكان النشاط العسكري قد استمر في جميع الولايات طوال الأشهر التي سبقت مؤتمر (وادي الصومام) وتلته، ولكنه لم يترك أثرا ملحوظا في فرنسا نفسها. وفكرت الجبهة بأنها لو تمكنت من القيام بنوع من العمل في قلب المدينة (العاصمة) فإن تبدلا ملحوظا قد يطرأ على الرأي العام الإفرنسي والسلطات العسكرية بالنسبة إلى تقديراتها لقوة جبهة التحرير. وترى الجبهة أن الثورة الجزائرية، حققت أكبر انتصار لها، كما منيت بأكبر هزيمة في - معركة مدينة الجزائر، ولعل من أروع ما قامت به الجبهة من أعمال تنظيمية، هو أنها جعلت من العاصمة منطقة مستقلة، تضم بالإضافة إلى الضباط العاديين المختصين بالنشاط السياسي والعسكري والاعلامي وتأمين الارتباط، جهازا خاصا لإلقاء القنابل، ولجانا للمثقفين والتجار والعمال الفنيين. وكانت هذه اللجان تتولى
بالإضافة إلى أعمالها الخاصة جمع الضرائب للجبهة التي بلغت أحيانا (300) ألف دولار في الشهر الواحد. ولم يكن تنظيم الجبهة في نطاقه الخارجي في العاصمة يضم أكثر من (4500) شخص في مدينة يسكنها نحو من أربعمائة ألف من الجزائريين وثلاثمائة ألف من الأوروبيين. ولم يكن الجهاز العسكري الفعال وجماعات قاذفي القنابل، تضم أكثر من مائتي شخص، بينما كان مجموع الجهاز العامل في مختلف الحقول والميادين لا يزيد على الألف والخمسمائة. ولعل من أبرز مظاهر الثورة، أن هذا العدد الضئيل تمكن من أن يستمر في إلقاء الرعب في العاصمة أكثر من سنة كاملة. وقد استخدمت جبهة التحرير في الهجمات التي شنتها في مدينة الجزائر كل طريق ممكن، وكان الاتحاد العمالي، التابع للجبهة، يتولى تأمين التأييد السياسي والدعم المالي. وقد بدأت المعركة في (20 سبتمبر - أيلول - 1956) بانفجار قنبلة في مشرب، وأخرى في مطعم في شارع (ميشيليه) مما أدى الى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ستة وأربعين بجراح. وفي هذه الأثناء سيطرت الجبهة على (حي القصبة)؛ وأقامت مصنعا صغيرا للقنابل اليدوية والقنابل الحارقة.
استمرت عمليات إلقاء القنابل في العاصمة عدة أشهر، وخلقت جوا من الرعب وعدم الاطمئنان فيها. وفزعت السلطابت الإفرنسية من الحالة المرعبة، فأوفدت (الجنرال جاك ماسو) على رأس قواته من فرقة المظليين العاشرة إلى المدينة في جانفي - كانون الثاني - 1957. وأسفرت المعركة أخيرا عن سيطرة القوات الإفرنسية. فقد عثرت على مخابيء القنابل في العاصمة، واعتقلت المجاهدين، وبينهم عدد من القادة الاكفاء، (من أمثال محمد العربي بن مهيدي -
عضو لجنة التنسيق والتنفيذ) الذي حوكم وأعدم. وعلى الرغم من عدم وجود أي خلاف منذ البداية على موضوع ممارسة أعمال الإرهاب في المدن، واستخدام هذا الإرهاب سلاحا مضادا للارهاب الاستعماري بهدف دعم الثورة. إلا أن مفعول هذا السلاح ينتهي عادة عندما تبدأ الثورة الحقيقية ولقد اعتبر بعض زعماء الجبهة بأن (عملية الجزائر) هي خطيئة عسكرية. فقد تمكن الإفرنسيون في الأشهر الأخيرة من المعركة، من عزل (حي القصبة) تماما عن بقية المدينة بالأسلاك الشائكة. وفرض دوريات نهارية وليلية عليه. وكان الثمن الذي تكبدته الجبهة في الأرواح البشرية باهظا للغاية، فقد وجدت أنه ليس بإمكانها تأمين الدفاع عن السكان المدنيين أمام إجراءات الإفرنسيين الانتقامية العنيفة، ولكن مما لا شك فيه أيضا أن معركة مدينة الجزائر، قد لفتت أنظار العالم الى الثورة الجزائرية بصورة بارزة الى أبعد الحدود. وأدت عمليات إلقاء القنابل في كل مكان الى وقوع أعداد كبيرة من المدنيين بين الضحايا، مما زاد في أرقام الاصابات، وبرهن على قوة جبهة التحرير. كما أن أعمال التعذيب التي لجأ اليها المظليون الإفرنسيون للحصول على المعلومات، عن نشاط الجبهة في المدينة، أثارت أزمة أخلاقية في فرنسا ذاتها. ولا ريب في أن نقمة الجيش الإفرنسي التي تبدت في شهر (ماي - أيار - 1958) لم تنجم فقط عن اضطرار لخوض معارك مضنية مع المجاهدين الجزائريين وفقا للأوضاع التي يقررونها هم، وعن قيامه بأعمال حقيرة، وممارسته لواجبات الشرطة العادية فحسب، بل نجمت أيضا عن الشعور الضمني بالذنب، وعذاب الضمير من الأساليب الوحشية التي لجأ اليها في محاولاته للقضاء على الثورة.
***
التدريب على السلاح في كل مكان
أدى تطوير الصراع وتصعيده مع توسيع دوائره الى ظهور أزمة حادة تتعلق بالتسلح وذلك مع نهاية السنة الثانية للثورة (1956). وزاد الأمر سوءا بسبب الفوضى النسبية التي سيطرت على شريط الحدود الجزائري - التونسي. فقد أسفر اعتقال زعماء البعثة الخارجية (ابن بيللا ورفاقه) عن ضياع التنظيم السابق في عملية تأمين الأسلحة والمواد التموينية من الخارج. وأصدرت لجنة التنسيق والتنفيذ أمرها الى (محمد الأمين دباغين) بالتوجه من القاهرة الى تونس بمهمة علاج الموقف، ووضع حد لهذا الاضطراب. وفي الوقت ذاته، انتقل (عمارنة) من الداخل الى (تونس) على نحو ما فعل (ابن بيللا) من قبل، من أجل تنظيم عملية نقل الأسلحة الى داخل البلاد. ولم يكن قد مضى على استقلال الحكومة التونسية التي يرأسها (الحبيب بورقيبة) أكثر - من ستة أشهر، وكانت لا تزال تجاهد لحل بعض المشاكل الداخلية، عندما رأت هذا السيل الكبير من اللاجئين والمحاربين وهو يتدفق عبر الحدود مطالبا دعمه ومساعدته. ولم يكن باستطاعة تونس رغم كل أوضاعها الحرجة التقصير في واجها تجاه أخوتها. وكان من مصلحتها ومن مصلحة جهة التحرير أيضا الوصول الى نوع من الاتفاق لتنسيق التعاون. وقد تم هذا الاتفاق فعلا في شهر (فيفري - شباط - 1975) بين الرئيس الحبيب بورقيبة وممثل جبهة التحرير (*) أدى هذا الاتفاق مع بعض
(*) ظهر بعض التباس في نصوص هذا الاتفاق وقد ذكر (برومبر غرسيرج) في كتابه (الثوار الجزائريون - 1958) هذا الاتفاق كالتالي: (1 - يكون الحرس الوطني التونيي وحده مسؤولا عن نقل الأسلحة والمعدات على الأرض التونسية الى المناطق المعينة على الحدود. 2 - تتولى لجنة فرعية من جبهة التحرير الوطني في تونس إعداد الترتيبات الخاصة لشحن الأسلحة وتسليمها. 3 - تعطى إجازات - رخص - خاصة لهؤلاء الذين يتولون إيصال المؤن والأسلحة الى قوات جيش التحرير. 4 - يسمح للمحاربين الجزائريين =
الاجراءات العسكرية الى عودة فرض السيطرة المباشرة للجبهة، عن طريق لجنة التنسيق والتنفيذ على مناطق الحدود المهمة للغاية وعينت الجبهة في مطلع العام (1957) المجاهد (محمود شريف) ليكون قائدا لجبهة الأوراس، وهي من الولايات التي كانت الفوضى لا تزال تعمها. وأخذ (عمارنة) يعمل جادا في سبيل الحصول على السلاح من الخارج. وكان (ابن بللا) قد بعث برسالة إلى لجنة (التنسيق والتنفيذ) ضمنها قائمة بشحنات الأسلحة التي تم التعاقد عليها حتى وقت اعتقاله. وكان هناك نحو من ثمانية آلاف قطعة سلاح، قد نقلت، أو أنها في طريق النقل، إلى المجاهدين، ولا تزال إما في (ليبيا) أو في (تونس) أو في (وهران). والتقط (عمارنة) خيوط شبكة الإمداد التي كان (ابن بيللا) قد نظمها، وتابع السير فيها، فانتقل من تونس إلى بعض بلاد الشرق الأوسط الأخرى وأوروبا. ويبدو أنه تعامل في هذه الفترة بموازنة تبلغ عدة مليارات من الفرنكات، كما أنه تلقى في فترة من الفترات، أثناء أزمة السويس وبعدها، العون من بعض الجماعات الاسلامية في المغربي العربي الاسلامي.
…
تجدر الاشارة إلى أن نشاط الفدائيين داخل المدن - وخارجها - لم يتوقف، بالرغم من الظروف العسيرة التي مرت بها قضية (الامداد بالسلاح). فقد آلى المجاهدون الفدائيون على أنفسهم الاستمرار في العمل - في الليل والنهار - لارهاق القوات الاستعمارية،
= بالتنقل بحرية في المناطق العسكرية على الحدود فقط.) أما الرواية التونسية لنص الاتفاقية فقد جاء كالتالي: (1 - تحترم جبهة التحرير الوطني الجزائري سيادة تونس، ولا تقوم بأية معركة أو اشتباكات على الأراضي التونسية. 2 - تقوم جبهة التحرير بإبلاغ الحرس الوطني التونسي الذي يعد القوافل اللازمة لنقل جميع الأسلحة، بقصد تجنب الاشتباك مع القوات الإفرنسية المرابطة في تونس).
ووضعها باستمرار في حالة من الاستنفار المرهق للأعصاب، في انتظار ضربة لا يمكن توقع مصدرها أو وقتها. وفي هذا المناخ، نشطت زمر التدمير التابعة لجيش التحرير، فأحرقت مستودعات النفط التابعة للجيش الافرنسي قرب مدينة (تلمسان) والتي كانت تضم (150) ألف صفيحة بنزين. كما هاجمت قوات جيش التحرير مصنعا للمتفجرات قرب (لافونتين) غربي منطقة القبائل، واشتبكت مع حراس المصنع في معركة دموية رهيبة.
وما كاد يحل شهر (ماي - أيار - 1956) حاملا معه ذكرى مذبحة سنة 1945، والتي ذبح الافرسيون فيها (45) ألف مسلم جزائري، حتى أظهر الثوار تصميمهم للانتقام ثأرا لتلك الضحايا البريئة. فوضعوا خطة لحصار (تلمسان) و (الغزوات). وأخذت القوات تتحرك بمجموعات صغيرة لتلتقي عند حدود مدينتي (تلمسان -و -الغزوات) بقوة تزيد على خمسة آلاف مقاتل. وقد حاول الافرنسيون فك الحصار، فتكبدوا خسائر فادحة. ثم تفرقت قوة المجاهدين بعد أن نفذت مهمتها بنجاح. وتابعت عملها في نصب الكمائن، والاغارات، التي غنم فيها الثوار المجاهدون كميات كبرى من الأسلحة والذخائر التي عوضت لهم بعض ما كانوا يحتاجونه في تلك الفترة الحرجة وهكذا، وبينما كانت هذه العمليات تجري في منطقة وهران، كانت مناطق الجزائر وشمالي قسنطينة والأوراس مسرحا لاشتباكات عنيفة وحوادث تدميرية. فكانت قوات الثورة تجد في عملياتها بعض ما يساعدها على تأمين متطلباتها، وتعمل في الوقت ذاته على حرمان قوات العدو من موارده الحياتية (بإحراق الحقول والمزارع التي يمتلكها الأجانب) ومن موارده القتالية، فتتزايد قوة على حساب ضعفه.