المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ معركة عنابة (*) 1959 - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ١٠

[بسام العسلي]

الفصل: ‌ معركة عنابة (*) 1959

9 -

‌ معركة عنابة (*) 1959

وقعت معركة عنابة يوم (24 جوان - حزيران - 1959) وما إن ظهرت تفاصيلها الأولى حتى تناقلتها وكالات الأنباء العالمية، واطلع عليها العالم أجمع في دهشة وإعجاب. ولم تتمكن القيادة الإفرنسية، هذه المرة، أن تتستر على هذه المعركة لأنها وقعت في ضاحية من ضواحي (عنابة) ولأن المدنيين من جزائريين وإفرنسيين، كانوا يتابعون بأبصارهم نيران اللهب والطائرات المتساقطة والفوضى التي هيمنت على القوات الإفرنسية بسبب ما أصابها من ذعر. كما كانوا يسمعون ضجيج المعركة الصاخب طوال اثنتي عشرة ساعة وكان من بين الذين شاهدوا المعركة من ميناء (عنابة) ضابط بحرية بريطاني، ولما شاهد عنف المعركة، ووفرة عدد الجنود الإفرنسيين، والاستعدادات الضخمة سأل شخصا كان بجانبه: كم عدد الثوار الذين تحاربونهم الآن؟ فأجابه الآخر: يقال أن عددهم حوالي السبعين، فابتسم الضابط البريطاني ابتسامة سخرية، وقال معلقا: إذن فإن باستطاعة حلف شمال الأطلسي

(*) المرجع: مجلة (المجاهد) الجزائرية -العدد 46 - 13/ 7/ 1959.

ص: 177

الاعتماد على الجيش الإفرنسي - ضد الاتحاد السوفييتي. وتلك هي بعض ملامح المعركة كما وردت في تقرير أحد الأبطال الذين عاشوا تجربتها:

(هي فرقة من مغاوير (كوماندوس) جيش التحرير الوطني، لا يزيد عدد أفرادها على الستين رجلا، كلفتها قيادة جيش التحرير بتنفيذ مهمة في (عنابة)، غير أن العدو اكتشفها قبل أن تصل إلى هدفها، وذلك عندما وصلت إلى مسافة تبعد ثلاثين كيلومترا عن مدينة (عنابة) وكانت الساعة (10 ، 19) مساء وما أن اكتشف الافرنسيون أمر هذه القوة حتى أخذوا في تنظيم حصار محكم حولها، ودفعوا لهذه الغاية (فرق القوم والحركة) و (فرق اللفيف الأجنبي) و (فرق المظليين - أصحاب القبعات الحمر والخضر) و (الفرقة الرابعة عشر للمصفحات) و (وحدات أخرى مختلفة من الشرطة - البوليس) و (س. ر. س) وقد اسقدمت هذه الفرق من (قالمة) و (سوق السبت) و (قسنطينة) و (سطيف) و (سكيكده) و (واد العنف)، بل إن بعضها استقدم من جنوب ولاية وهران بواسطة الطائرات.

وقد عمل الإفرنسيون طوال الليل من أجل إعداد هذه القوات وزجها بأعدادها الضخمة والتي بلغ مجموعها ثلاثة وعشرين ألف جندي تقريبا، كل ذلك لتنظيم حصار حول ستين رجلا.

لم تبق فرقة المغاوير - الكوماندوس - متوقفة عن كل نشاط طوال الليل، فواصلت سيرها داخل دائرة الحصار المضروب حولها، متوجهة إلى مدينة (عنابة) وكلها عزم وتصميم على تنفيذ واجبها مهما كان الثمن، ولم تحاول الرجوع إلى الوراء بالرغم من أنه كان باستطاعتها الإفادة من ظلمة الليل لاختراق الحصار والعودة إلى

ص: 178

قواعدها. وفي الساعة الرابعة من صباح يوم 24 جوان - حزيران - وصلت إلى ضاحية (سيدي سالم) من ضواحي مدينة (عنابة) وأشرقت عليها الشمس قبل أن تدخل المدينة، فتمركزت في مزرعة مشجرة محصنة يقع (وادي سيبوس) من ورائها. ثم نظمت مواقعها الدفاعية، ووضعت خطة خروجها من الميدان، وحفرت الخنادق لأنها كانت تعرف جيدا ما - يواجهها من عتاد حربي وتنوع، ومن أسلحة مختلفة (طيران، مدفعية ثقيلة، مدرعات، الخ

) واستعدت فرقة المغاوير - الكوماندوس - لمواجهة العدو استعدادا كاملا.

انصرف العدو، بعد شروق الشمس، الى البحث عن آثار فرقة المغاوير - الكوماندوس - حتى أمكن له تحديد موقعها في الساعة السادسة صباحا. وحدث أول اشتباك بالنيران، وسقط النسق الأول من القوات الإفرنسية، ومعظم أفراده قتلوا، ثم تراجع الباقون على أعقابهم. وتأكدت القيادة الافرنسية من مكان تمركز المغاوير، فراحت تقذفه بقنابل المدفعية الثقيلة طوال ساعتين (من الثامنة حتى العاشرة) توقف القصف بعدها. وشرعت القيادة الإفرنسية في توجيه الهجوم ضد مواقع المغاوير الجزائريين. وكانت القوات الإفرنسية المهاجمة قد انتظمت على شكل أنساق متتالية: النسق الأول ويضم (فرق القوم والحركة). والنسق الثاني ويضم (فرق اللفيف الأجنبي). ثم النسق الثالث، ويضم (جنود المظلات). وبعدها تأتي أنساق بقية القوى.

كانت فرقة مغاوير جيش التحرير الوطني تملك من الأسلحة ما يساعدها على مواجهة مثل هذا الهجوم بقوة وفاعلية، فقد كان معها

ص: 179

(24)

رشاشة. ومدفع هاون وبازوكا و (4) مدافع رشاشة، والباقي بنادق حديثة. وكانت القيادة الافرنسية تعرف أن جنودها قد يترددون في مواجهة نيران جيش التحرير، ولهذا راحت تضرب مؤخرتهم بقنابل المدفعية الثقيلة حتى تجبرهم على التقدم والهجوم، وحتى لا يجدوا أمامهم مجالا للفرار. وكان كلما تقدم نسق من أنساق القوات الافرنسية حصدته نيران مغاوير جيش التحرير، وأبادت معظم أفراده. فتناثرت جثث القتلى في كل مكان. ولم يجد الجنود القلائل الذين نجوا من الموت في أنفسهم ما يكفي من الجرأة لمتابعة الهجوم، فانبطحوا أرضا، وتظاهروا بالموت، لأنهم لم يكونوا قادرين على الانسحاب نحو الخلف حيث كانت قنابل المدفعية الإفرنسية تحاصرهم وتمنعهم من التراجع.

واستمرت موجات الهجوم في التتابع طوال ساعتين كاملتين، وتأكدت القيادة الإفرنسية عندها من عقم الهجوم، وعدم الفائدة من متابعته أو تطويره. فأخذوا في الإعداد لقصف موقع المغاوير الجزائريين بقنابل الطائرات، ولكنهم عملوا قبل زج الطيران، على إرغام المدنيين الجزائريين على إخلاء قتلى الإفرنسيين وجرحاهم وذلك حتى لا تضربهم نيران المغاوير الجزائريين.

تدخل الطيران بعد ذلك، وراحت قنابله الثقيلة تدق الأرض دقا عنيفا، ومع ذلك، استطاع المغاوير إسقاط ثلاث طائرات (واحدة من نوع ب - 26 والثانية من نوع ت - 6 والثالثة طائرة استطلاع) وقد شاهد جميع المدنيين - جزائريين وإفرنسيين - الطائرات الافرنسية وهي تتهاوى طعمة للنيران. وبعد هذه الموجة من الهجوم الجوي، عادت القيادة الافرنسية الى تنظيم هجوم جديد بقواتها البرية. لكن

ص: 180

جنود اللفيف الأجنبي التابعين للفيلق الأجنبي المتمركز في (شابو جاندارم) رفضوا القتال، وألقوا بأسلحتهم أرضا، فقتل قادتهم الإفرنسيون أربعة منهم لإرغامهم على القتال. وبالرغم من ذلك فقد أصروا على الرفض، ولما تأكدت القيادة الإفرنسية أن الفشل قد نزل بقواتها، وأن الذعر قد هيمن على جنودها، وأنها لم تعد قادرة على إرغامهم - بأي حال من الأحوال - على خوض المعركة من جديد، قررت استئناف عملية القصف الجوي، إلا أنها استخدمت في هذه المرة الغازات الخانقة، فبلغ مجموع من استشهد من مغاوير جيش التحرير ثلاثة وثلاثون مجاهدا. أما الباقون، فقد تمكنوا من الانسحاب بعد أن عم الاضطراب صفوف القوات الإفرنسية.

كان من الصعب جدا إحصاء خسائر الإفرنسيين ومعرفة عدد قتلاهم بدقة، وقد أكد المدنيون الجزائريون الذين أرغموا على نقل جثث القتلى أن عدد هؤلاء يزيد على بضع مئات (ما بين قتلى

وجرحى).

ولعل ما يؤكد الحجم الكبير للخسائر الإفرنسية في الأرواح، هو إقدام القيادة الإفرنسية على تخصيص أربع عشرة سيارة من سيارات الاسعاف لاخلاء الجرحى (عشر منها عسكرية وأربع مدنية) بالإضافة إلى تخصيص ثلاث طائرات عمودية (هيليكوبتر) لإخلاء الجرحى. وكذلك تخصيص ست مركبات كبيرة (من نوع ج. م. س) لإخلاء القتلى. أما في مجال الخسائر المادية، فبالإضافة إلى الطائرات الثلاث التي أسقطت محترقة، تمكن المغاوير من تدمير دبابة بنيران البازوكا - في بداية المعركة.

***

ص: 181

تلك هي بعض ملامح معركة (عنابة).

وقد كانت هذه المعركة البطولية الرائعة، مناسبة جديدة، أكد فيها جيش التحرير الوطني الجزائري تفوقه في ميدان الصراع المسلح، كما برهن فيها المجاهدون على قدرتهم في استيعاب الأسلحة الحديثة وكفاءتهم العالية في استخدامها.

واكتسبت معركة عنابة أهمية خاصة بسبب وقوعها في فترة كانت أجهزة الجمهورية الخامسة (حكومة ديغول) العسكرية منها والإعلامية والسياسية تزعم أنها في سبيلها إلى (تهدئة البلاد). فظهر للعالم أجمع أن الجزائر الثائرة هي أبعد ما تكون عن التهدئة بالوسائل القمعية. واكتسبت معركة عنابة أهمية خاصة أيضا لأنها وقعت في فترة حرجة كانت فيها حكومة ديغول تحاول الاعتماد على مراكز قوى تبادلية يمكن لفرنسا الاستعمارية أن تتفاهم معها - ضد جبهة التحرير الوطني - المتصلبة - على حد زعم الافرنسيين، فجاءت معركة عنابة لتبرهن للجميع بأن جبهة التحرير الوطني (وجيش التحرير الوطني - الجهاز التنفيذي للجبهة) هي القوة الوحيدة التي يمكن لها تقرير حق الجزائر في مستقبلها - بالحرب أوبالسلام -.

وكان لمعركة عنابة أهميتها الخاصة أيضا لأنها جاءت في فترة، حاولت فيها حكومة ديغول التنكر لكل العوامل التي أدت الى الثورة، ودفعت شعب الجزائر المجاهد لحمل السلاح، فظن ديغول - وحكومته - أنه يستطيع عن (طريق إقامة بعض المشاريع الصناعية والاقصادية) امتصاص نقمة الشعب الجزائري، فراح يشجع رؤوس الأموال الإيطالية على المساهمة في إقامة (معمل عنابة)، وانصرف إلى وضع مشروع (قسنطينة) لتطوير الولاية التي كانت

ص: 182

مهدا للثورة. وجاءت معركة عنابة لتحبط كل المشاريع الوهمية، ولتسقطها دفعة واحدة. وكان المدنيون الإفرنسيون - المستوطنون - وسواهم من الأوروبيين - يعتقدون حتى ذلك اليوم أن باستطاعة الجيش الافرنسي فرض وجوده والسيطرة على الموقف - إذا ما أراد ذلك - ولكن هؤلاء شاهدوا بأعينهم البرهان على ضعف الجيش الافرنسي المتفوق ماديا بالقوى والوسائط، وتأكدوا من تفوق جيش التحرير الوطني معنويا والذي بات يمتلك من الوسائط ما يؤهله ليكون متفوقا ماديا أيضا.

وباتت قضية حسم الصراع لمصلحة الثائر الجزائري قضية زمن لا أكثر. وكانت معركة عنابة نقطة من نقاط الانعطاف الحاسمة في تطور (جيش التحرير الوطني الجزائري).

ص: 183