الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل فِي زَكَاة الْفطر وَيُقَال صَدَقَة الْفطر
سميت بذلك لِأَن وُجُوبهَا بِدُخُول الْفطر وَيُقَال أَيْضا زَكَاة الْفطْرَة بِكَسْر الْفَاء وَالتَّاء فِي آخرهَا كَأَنَّهَا من الْفطْرَة الَّتِي هِيَ الْخلقَة المرادة بقوله تَعَالَى {فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا} قَالَ وَكِيع بن الْجراح زَكَاة الْفطر لشهر رَمَضَان كسجدة السَّهْو للصَّلَاة تجبر نُقْصَان الصَّوْم كَمَا يجْبر السُّجُود نُقْصَان الصَّلَاة
وَالْأَصْل فِي وُجُوبهَا قبل الْإِجْمَاع خبر ابْن عمر رضي الله عنهما فرض رَسُول الله صلى الله عليه وسلم زَكَاة الْفطر من رَمَضَان على النَّاس صَاعا من تمر أَو صَاعا من شعير على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين (وَتجب زَكَاة الْفطر بِثَلَاثَة شَرَائِط) بل بأَرْبعَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) فَلَا زَكَاة على كَافِر أُصَلِّي لقَوْله صلى الله عليه وسلم من الْمُسلمين وَهُوَ إِجْمَاع قَالَه الْمَاوَرْدِيّ لِأَنَّهَا طهرة وَهُوَ لَيْسَ من أَهلهَا وَالْمرَاد أَنه لَيْسَ مطالبا بإخراجها وَلَكِن يُعَاقب عَلَيْهَا فِي الْآخِرَة وَأما فطْرَة الْمُرْتَد وَمن عَلَيْهِ مُؤْنَته فموقوفة على عوده إِلَى الْإِسْلَام وَكَذَا العَبْد الْمُرْتَد وَلَو غربت الشَّمْس وَمن تلْزم الْكَافِر نَفَقَته مُرْتَد لم تلْزمهُ فطرته حَتَّى يعود إِلَى الْإِسْلَام وَتلْزم الْكَافِر الْأَصْلِيّ فطْرَة رَقِيقه الْمُسلم وقريبه الْمُسلم كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِمَا
(و) الشَّرْط الثَّانِي (بغروب) كل (الشَّمْس من آخر يَوْم من رَمَضَان) لِأَنَّهَا مُضَافَة فِي الحَدِيث إِلَى الْفطر من رَمَضَان فِي الْخَبَر الْمَاضِي وَلَا بُد من إِدْرَاك جُزْء من رَمَضَان وجزء من لَيْلَة شَوَّال وَيظْهر أثر ذَلِك فِيمَا إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر مَعَ أول جُزْء من أول لَيْلَة شَوَّال أَو مَعَ آخر جُزْء من رَمَضَان أَو كَانَ هُنَاكَ مُهَايَأَة فِي رَقِيق بَين اثْنَيْنِ بليلة وَيَوْم أَو نَفَقَة قريب بَين اثْنَيْنِ كَذَلِك فَهِيَ عَلَيْهِمَا لِأَن وَقت الْوُجُوب حصل فِي نوبتيهما فَتخرج عَمَّن مَاتَ بعد الْغُرُوب دون من ولد بعده وَيسن أَن تخرج قبل صَلَاة
الْعِيد لِلِاتِّبَاعِ وَهَذَا جري على الْغَالِب من فعل الصَّلَاة أول النَّهَار فَإِن أخرت اسْتحبَّ الْأَدَاء أول النَّهَار وَيحرم تَأْخِيرهَا عَن يَوْم الْعِيد بِلَا عذر كغيبة مَاله أَو الْمُسْتَحقّين
(و) الثَّالِث من الشُّرُوط (وجود الْفضل) أَي الْفَاضِل (عَن قوته وقوت) من تلْزمهُ نَفَقَته من (عِيَاله) من زوجية أَو بعضية أَو ملكية (فِي ذَلِك الْيَوْم) أَي يَوْم الْعِيد (وَلَيْلَته) وَيشْتَرط أَيْضا أَن يكون فَاضلا عَن مسكن وخادم لائقين بِهِ يحْتَاج إِلَيْهِمَا كَمَا فِي الْكَفَّارَة
بِجَامِع التَّطْهِير وَالْمرَاد بحاجة الْخَادِم أَن يَحْتَاجهُ لخدمته أَو خدمَة ممونه أما حَاجته لعمله فِي أرضه أَو مَاشِيَته فَلَا أثر لَهَا وَخرج باللائق بِهِ مَا لَو كَانَا نفيسين يُمكن إبدالهما بلائق بِهِ وَيخرج التَّفَاوُت فَيلْزمهُ ذَلِك كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الْحَج نعم لَو ثبتَتْ الْفطْرَة فِي ذمَّة إِنْسَان فَإِنَّهُ يُبَاع فِيهَا مَسْكَنه وخادمه لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ التحقت بالديون وَيشْتَرط أَيْضا كَونه فَاضلا عَن دست ثوب يَلِيق بِهِ وبممونه كَمَا أَنه يبْقى لَهُ فِي الدُّيُون وَلَا يشْتَرط كَونه فَاضلا عَن دينه وَلَو لآدَمِيّ كَمَا رَجحه فِي الْمَجْمُوع
(و) الشَّرْط الرَّابِع الَّذِي تَركه المُصَنّف الْحُرِّيَّة فَلَا فطْرَة على رَقِيق لَا عَن نَفسه وَلَا عَن غَيره أما غير الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة فلعدم ملكه وَأما الْمكَاتب الْمَذْكُور فلضعف ملكه إِذْ لَا يجب عَلَيْهِ زَكَاة مَاله وَلَا نَفَقَة قَرِيبه وَلَا فطْرَة على سَيّده عَنهُ لاستقلاله بِخِلَاف الْمكَاتب كِتَابَة فَاسِدَة فَإِن فطرته على سَيّده وَإِن لم تجب عَلَيْهِ نَفَقَته وَمن بعضه حر يلْزمه من الْفطْرَة بِقدر مَا فِيهِ من الْحُرِّيَّة وباقيها على مَالك الْبَاقِي هَذَا حَيْثُ لَا مُهَايَأَة بَينه وَبَين مَالك بعضه فَإِن كَانَت مُهَايَأَة اخْتصّت الْفطْرَة مِمَّن وَقعت فِي نوبَته وَمثله فِي ذَلِك الرَّقِيق الْمُشْتَرك (ويزكي عَن نَفسه وَعَمن تلْزمهُ نَفَقَته من) زَوجته وَبَعضه ورقيقه (الْمُسلمين)
تَنْبِيه ضَابِط ذَلِك من لزمَه فطْرَة نَفسه لزمَه فطْرَة من تلْزمهُ نَفَقَته بِملك أَو قرَابَة أَو زوجية إِذا كَانُوا مُسلمين وَوجد مَا يُؤَدِّي عَنْهُم وَاسْتثنى من هَذَا الضَّابِط مسَائِل مِنْهَا لَا يلْزم الْمُسلم فطْرَة الرَّقِيق والقريب وَالزَّوْجَة الْكفَّار وَإِن وَجَبت نَفَقَتهم لقَوْله صلى الله عليه وسلم فِي الْخَبَر السَّابِق من الْمُسلمين وَمِنْهَا لَا يلْزم العَبْد فطْرَة زَوجته حرَّة كَانَت أَو غَيرهَا وَإِن أَوجَبْنَا نَفَقَتهَا فِي كَسبه وَنَحْوه لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا لفطرة نَفسه فَكيف يتَحَمَّل عَن غَيره وَمِنْهَا لَا يلْزم الابْن فطْرَة زَوْجَة أَبِيه ومستولدته وَإِن وَجَبت نفقتهما على الْوَلَد لِأَن النَّفَقَة لَازِمَة للْأَب مَعَ إِعْسَاره فيتحملها الْوَلَد بِخِلَاف الْفطْرَة وَمِنْهَا عبد بَيت المَال تجب نَفَقَته دون فطرته وَمِنْهَا الْفَقِير الْعَاجِز عَن الْكسْب يلْزم الْمُسلمين نَفَقَته دون فطرته وَمِنْهَا مَا نَص عَلَيْهِ فِي الْأُم أَنه لَو آجر عَبده وَشرط نَفَقَته على الْمُسْتَأْجر فَإِن الْفطْرَة على سَيّده وَمِنْهَا عبد الْمَالِك فِي الْمُسَاقَاة والقراض إِذا شَرط عمله مَعَ الْعَامِل فنفقته عَلَيْهِ وفطرته على سَيّده وَمِنْهَا مَا لَو حج بِالنَّفَقَةِ وَمِنْهَا عبد الْمَسْجِد فَلَا تجب فطرتهما وَإِن وَجَبت نفقتهما سَوَاء أَكَانَ عبد الْمَسْجِد ملكا لَهُ أَو مَوْقُوفا
عَلَيْهِ وَمِنْهَا الْمَوْقُوف على جِهَة أَو معِين كَرجل ومدرسة ورباط وَلَو أعْسر الزَّوْج وَقت الْوُجُوب أَو كَانَ عبدا لزم سيد الزَّوْجَة الْأمة فطرتها لَا الْحرَّة فَلَا تلزمها وَلَا زَوجهَا لانْتِفَاء يسَاره وَالْفرق كَمَال تَسْلِيم الْحرَّة نَفسهَا بِخِلَاف الْأمة لاستخدام السَّيِّد لَهَا
ويزكي عَن نَفسه وجوبا (صَاعا من) غَالب (قوت بَلَده) إِن كَانَ بلديا وَفِي غَيره من غَالب قوت مَحَله لِأَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف النواحي وَالْمُعْتَبر فِي غَالب الْقُوت غَالب قوت السّنة كَمَا فِي الْمَجْمُوع لَا غَالب قوت وَقت الْوُجُوب خلافًا للغزالي فِي وسيطه
ويجزىء الْقُوت الْأَعْلَى عَن الْقُوت الْأَدْنَى لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَلَا عكس لنقصه عَن الْحق وَالِاعْتِبَار فِي الْأَعْلَى والأدنى بِزِيَادَة الاقتيات لِأَنَّهُ الْمَقْصُود فالبر خير من التَّمْر والأرز وَمن الزَّبِيب وَالشعِير من الزَّبِيب فالشعير خير من التَّمْر لِأَنَّهُ أبلغ فِي الاقتيات وَالتَّمْر خير مِنْهُ بِالْأولَى وَيَنْبَغِي أَن يكون الشّعير خيرا من الْأرز وَأَن الْأرز خير من التَّمْر
وَله أَن يخرج عَن نَفسه من قوت وَاجِب وَعَمن تلْزمهُ فطرته كزوجته وَعَبده وقريبه أَو عَمَّن تبرع عَنهُ بِإِذْنِهِ أَعلَى مِنْهُ لِأَنَّهُ زَاد خيرا وَلَا يبعض الصَّاع الْمخْرج عَن الشَّخْص الْوَاحِد من جِنْسَيْنِ وَإِن كَانَ أحد الجنسين أَعلَى من الْوَاجِب كَمَا لَا يجزىء فِي كَفَّارَة الْيَمين أَن يكسو خَمْسَة وَيطْعم خَمْسَة أما لَو أخرج الصَّاع عَن اثْنَيْنِ كَأَن ملك وَاحِد نصفي عَبْدَيْنِ أَو مبعضين ببلدين مختلفي الْقُوت فَإِنَّهُ يجوز تبعيض الصَّاع أَو إِخْرَاجه من نَوْعَيْنِ فَإِنَّهُ جَائِز إِذا كَانَ من الْغَالِب وَلَو كَانَ فِي بلد أقوات لَا غَالب فِيهَا تخير وَالْأَفْضَل أَعْلَاهَا فِي الاقتيات لقَوْله تَعَالَى {لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون}
تَنْبِيه لَو كَانُوا يقتاتون الْقَمْح الْمَخْلُوط بِالشَّعِيرِ تخير إِن كَانَ الخليطان على حد سَوَاء فَإِن كَانَ أَحدهمَا أَكثر وَجب مِنْهُ فَإِن لم يجد إِلَّا نصفا من ذَا وَنصفا من ذَا فَوَجْهَانِ أوجههمَا أَنه يخرج النّصْف الْوَاجِب عَلَيْهِ وَلَا يجزىء الآخر لما مر أَنه لَا يجوز أَن يبعض الصَّاع من جِنْسَيْنِ وَأما من يُزكي عَن غَيره فَالْعِبْرَة بغالب قوت مَحل الْمُؤَدى عَنهُ فَلَو كَانَ الْمُؤَدِّي بِمحل آخر اعْتبرت بقوت مَحل الْمُؤَدى عَنهُ بِنَاء على الْأَصَح من أَن الْفطْرَة تجب أَولا عَلَيْهِ ثمَّ يتحملها عَنهُ الْمُؤَدِّي فَإِن لم يعرف مَحَله كَعبد آبق فَيحْتَمل كَمَا قَالَ جمَاعَة اسْتثِْنَاء هَذِه أَو يخرج فطرته من قوت آخر مَحل عهد وُصُوله إِلَيْهِ لِأَن الأَصْل أَنه فِيهِ أَو يخرج للْحَاكِم لِأَن لَهُ نقل الزَّكَاة فَإِن لم يكن قوت الْمحل الَّذِي يخرج مِنْهُ مجزيا اعْتبر أقرب الْمحَال إِلَيْهِ وَإِن كَانَ بِقُرْبِهِ محلان متساويان قربا تخير بَينهمَا
(وَقدره) أَي الصَّاع بِالْوَزْنِ (خَمْسَة أَرْطَال وَثلث) رَطْل (بالعراقي) أَي بالبغدادي
وَتقدم الْكَلَام فِي بَيَان رَطْل بَغْدَاد فِي مَوْضِعه وَالْأَصْل فِيهِ الْكَيْل وَإِنَّمَا قدر بِالْوَزْنِ استظهارا وَالْعبْرَة بالصاع النَّبَوِيّ إِن وجد أَو معياره فَإِن فقد أخرج قدرا يتَيَقَّن أَنه لَا ينقص عَن الصَّاع
قَالَ فِي الرَّوْضَة قَالَ جمَاعَة الصَّاع أَربع حفنات بكفي رجل معتدلهما انْتهى
والصاع بِالْكَيْلِ الْمصْرِيّ قدحان وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يزِيد شَيْئا يَسِيرا لاحْتِمَال اشتمالهما على طين أَو تبن أَو نَحْو ذَلِك
قَالَ ابْن الرّفْعَة كَانَ قَاضِي الْقُضَاة عماد الدّين السكرِي رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول حِين يخْطب بِمصْر خطْبَة عيد الْفطر والصاع قدحان بكيل بلدكم هَذِه سَالم من الطين وَالْعَيْب