المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌كتاب الْحَج بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا لُغَتَانِ قرىء بهما فِي السَّبع وَهُوَ لُغَة - الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع - جـ ١

[الخطيب الشربيني]

فهرس الكتاب

- ‌هَذَا كتاب بَيَان أَحْكَام الطَّهَارَة

- ‌(وجلود) الْحَيَوَانَات (الْميتَة) كلهَا (تطهر) ظَاهرا وَبَاطنا (بالدباغ) وَلَو بإلقاء الدابغ عَلَيْهِ بِنَحْوِ ريح أَو بإلقائه على الدابغ كَذَلِك لقَوْله صلى الله عليه وسلم أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر رَوَاهُ مُسلم

- ‌(فصل فِي السِّوَاك)

- ‌(فصل فِي الْوضُوء)

- ‌(فصل فِي الِاسْتِنْجَاء)

- ‌فصل فِي بَيَان مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوضُوء

- ‌فصل فِي مُوجب الْغسْل

- ‌(فصل فِي أَحْكَام الْغسْل)

- ‌فصل فِي الأغسال المسنونة

- ‌فصل فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ

- ‌فرع لَو خرز خفه بِشعر نجس

- ‌فصل فِي التَّيَمُّم

- ‌فصل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة

- ‌فصل فِي الْحيض وَالنّفاس والاستحاضة

- ‌كتاب الصَّلَاة

- ‌فصل القَوْل فِيمَن تجب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَفِي بَيَان النَّوَافِل

- ‌فصل القَوْل فِي شُرُوط الصَّلَاة وَالسّنَن

- ‌فصل فِي أَرْكَان الصَّلَاة وسننها وهيئاتها

- ‌فصل فِيمَا يخْتَلف فِيهِ حكم الذّكر وَالْأُنْثَى فِي الصَّلَاة

- ‌فصل فِيمَا يبطل الصَّلَاة

- ‌فصل فِيمَا تشْتَمل عَلَيْهِ الصَّلَاة

- ‌فصل فِي سُجُود السَّهْو فِي الصَّلَاة فرضا كَانَت أَو نفلا

- ‌فصل فِي بَيَان الْأَوْقَات الَّتِي تكره فِيهَا الصَّلَاة بِلَا سَبَب

- ‌فصل فِي صَلَاة الْجَمَاعَة

- ‌فصل فِي صَلَاة الْمُسَافِر من حَيْثُ الْقصر وَالْجمع

- ‌فصل فِي صَلَاة الْجُمُعَة

- ‌فصل فِي صَلَاة الْعِيدَيْنِ

- ‌فصل فِي صَلَاة الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر

- ‌فصل فِي صَلَاة الاسْتِسْقَاء

- ‌فصل فِي كَيْفيَّة صَلَاة الْخَوْف

- ‌فصل فِيمَا يجوز لبسه من الْحَرِير للمحارب وَغَيره

- ‌فصل فِي صَلَاة الْجِنَازَة

- ‌فصل فِي بَيَان نِصَاب الْإِبِل وَمَا يجب إِخْرَاجه

- ‌فصل فِي بَيَان نِصَاب الْبَقر وَمَا يجب إِخْرَاجه

- ‌فصل فِي بَيَان نِصَاب الْغنم وَمَا يجب إِخْرَاجه

- ‌فصل فِي زَكَاة خلْطَة الْأَوْصَاف

- ‌فصل فِي بَيَان نِصَاب الذَّهَب وَالْفِضَّة

- ‌فصل فِي بَيَان نِصَاب الزروع وَالثِّمَار

- ‌فصل فِي زَكَاة الْعرُوض والمعدن والركاز

- ‌فصل فِي زَكَاة الْفطر وَيُقَال صَدَقَة الْفطر

- ‌فصل فِي قسم الصَّدقَات

- ‌كتاب الصّيام

- ‌فصل فِي الِاعْتِكَاف

- ‌كتاب الْحَج

- ‌فصل فِي مُحرمَات الْإِحْرَام

- ‌(والدماء الْوَاجِبَة فِي الْإِحْرَام) بترك مَأْمُور بِهِ أَو ارْتِكَاب مَنْهِيّ عَنهُ (خَمْسَة أَشْيَاء) بطرِيق الِاخْتِصَار وبطريق الْبسط تِسْعَة أَنْوَاع دم التَّمَتُّع وَدم الْفَوات وَالدَّم المنوط بترك مَأْمُور بِهِ وَدم الْحلق والقلم وَدم الْإِحْصَار وَدم قتل الصَّيْد وَدم الْجِمَاع وَدم الِاسْتِمْتَاع وَدم الْقرَان

الفصل: ‌ ‌كتاب الْحَج بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا لُغَتَانِ قرىء بهما فِي السَّبع وَهُوَ لُغَة

‌كتاب الْحَج

بِفَتْح الْمُهْملَة وَكسرهَا لُغَتَانِ قرىء بهما فِي السَّبع

وَهُوَ لُغَة الْقَصْد وَشرعا قصد الْكَعْبَة للنسك الْآتِي بَيَانه كَمَا قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ فرض على المستطيع لقَوْله تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت} الْآيَة وَلِحَدِيث بني الْإِسْلَام على خمس وَلِحَدِيث حجُّوا قبل أَن لَا تَحُجُّوا قَالُوا كَيفَ نحج قبل أَن لَا نحج قَالَ أَن تقعد الْعَرَب على بطُون الأودية فيمنعون النَّاس السَّبِيل

وَهُوَ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ

يكفر جاحده إِلَّا أَن يكون قريب عهد بِالْإِسْلَامِ أَو نَشأ ببادية بعيدَة عَن الْعلمَاء وَهُوَ من الشَّرَائِع الْقَدِيمَة رُوِيَ أَن آدم عليه الصلاة والسلام لما حج قَالَ لَهُ جِبْرِيل إِن الْمَلَائِكَة كَانُوا يطوفون قبلك بِهَذَا الْبَيْت بسبعة آلَاف سنة

وَقَالَ صَاحب التَّعْجِيز إِن أول من حج آدم عليه السلام وَإنَّهُ حج أَرْبَعِينَ سنة من الْهِنْد مَاشِيا

وَقيل مَا من نَبِي إِلَّا حجه

وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق لم يبْعَث الله نَبيا بعد إِبْرَاهِيم إِلَّا وَقد حج الْبَيْت وَادّعى بعض من ألف فِي الْمَنَاسِك أَن الصَّحِيح أَنه لم يجب إِلَّا على هَذِه الْأمة

وَاخْتلفُوا مَتى فرض فَقيل فرض فِي السّنة الْخَامِسَة من الْهِجْرَة وَجزم بِهِ الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على أَن الْحَج على التَّرَاخِي

وَقيل فِي السّنة السَّادِسَة وصححاه فِي كتاب السّير وَنَقله فِي الْمَجْمُوع عَن الْأَصْحَاب وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَلَا يجب بِأَصْل الشَّرْع إِلَّا مرّة وَاحِدَة لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لم يحجّ بعد فرض الْحَج إِلَّا مرّة وَاحِدَة وَهِي حجَّة الْوَدَاع وَلخَبَر مُسلم أحجنا هَذَا لِعَامِنَا أم لِلْأَبَد قَالَ لَا بل لِلْأَبَد وَأما حَدِيث الله عَلَيْهِ وَسلم من حج حجَّة أدّى فَرْضه وَمن حج ثَانِيَة داين ربه وَمن حج ثَالِثَة حرم الله شعره وبشرته على النَّار

وَقد يجب أَكثر من مرّة لعَارض كنذر وَقَضَاء عِنْد إِفْسَاد التَّطَوُّع

وَالْعمْرَة فرض فِي الْأَظْهر لقَوْله تَعَالَى {وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله} أَي الْبَيْهَقِيّ الْآمِر بِالْحَجِّ فِي كل خَمْسَة أَعْوَام فَمَحْمُول على النّدب لقَوْله

ص: 250

صلى ائْتُوا بهما تامين

وَعَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت يَا رَسُول الله هَل على النِّسَاء جِهَاد قَالَ نعم جِهَاد لَا قتال فِيهِ الْحَج وَالْعمْرَة وَأما خبر التِّرْمِذِيّ عَن جَابر سُئِلَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم عَن الْعمرَة أَوَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَأَن تعتمر خير قَالَ فِي الْمَجْمُوع اتّفق الْحفاظ على ضعفه وَلَا تجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة

شُرُوط وجوب الْحَج (وشرائط وجوب الْحَج) أَي وَالْعمْرَة (سَبْعَة) بل ثَمَانِيَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِسْلَام) فَلَا يجبان على كَافِر أُصَلِّي وجوب مُطَالبَة كَمَا فِي الصَّلَاة أما الْمُرْتَد بعد الِاسْتِطَاعَة فَلَا يسقطان عَنهُ فَإِن أسلم مُعسرا اسْتَقر فِي ذمَّته بِتِلْكَ الِاسْتِطَاعَة أَو مُوسِرًا وَمَات قبل التَّمَكُّن حج وَاعْتمر عَنهُ من تركته وَلَو ارْتَدَّ فِي أثْنَاء نُسكه بَطل فِي الْأَصَح فَلَا يمْضِي فِي فاسده

(و) الثَّانِي وَالثَّالِث (الْبلُوغ وَالْعقل) فَلَا يجبان على صبي وَلَا مَجْنُون لعدم تكليفهما كَسَائِر الْعِبَادَات

(و) الرَّابِع (الْحُرِّيَّة) فَلَا يجبان على من فِيهِ رق لِأَن مَنَافِعه مُسْتَحقَّة لسَيِّده وَفِي إِيجَاب ذَلِك عَلَيْهِ إِضْرَار لسَيِّده

(و) الْخَامِس (الِاسْتِطَاعَة) كَمَا يعلم ذَلِك من كَلَامه فَلَا يجبان على غير مستطيع لمَفْهُوم الْآيَة

والاستطاعة نَوْعَانِ أَحدهمَا استطاعة مُبَاشرَة وَلها شُرُوط أَحدهَا (وجود الزَّاد) الَّذِي يَكْفِيهِ وأوعيته حَتَّى السفرة وكلفة ذَهَابه لمَكَّة ورجوعه مِنْهَا

ص: 251

إِلَى وَطنه وَإِن لم يكن فِيهِ أهل وعشيرة فَلَو لم يجد مَا ذكر وَلَكِن كَانَ يكْتَسب فِي سَفَره مَا يَفِي بزاده وَبَاقِي مُؤْنَته وسفره طَوِيل مرحلتان فَأكْثر لم يُكَلف النّسك وَلَو كَانَ يكْسب فِي يَوْم كِفَايَة أَيَّام لِأَنَّهُ قد يَنْقَطِع عَن الْكسْب لعَارض وَبِتَقْدِير عدم الِانْقِطَاع فالجمع بَين تَعب السّفر وَالْكَسْب فِيهِ مشقة عَظِيمَة وَإِن قصر سَفَره وَكَانَ يكْتَسب فِي يَوْم كِفَايَة أَيَّام الْحَج كلف الْحَج بِأَن يخرج لَهُ لقلَّة الْمَشَقَّة حِينَئِذٍ وَقدر فِي الْمَجْمُوع أَيَّام الْحَج بِمَا بَين زَوَال سَابِع ذِي الْحجَّة وَزَوَال ثَالِث عشره وَهُوَ فِي حق من لم ينفر النَّفر الأول فَإِن لم يجد زادا وَاحْتَاجَ أَن يسْأَل النَّاس كره لَهُ اعْتِمَادًا على السُّؤَال إِن لم يكن لَهُ كسب وَإِلَّا منع بِنَاء على تَحْرِيم الْمَسْأَلَة للمكتسب كَمَا بَحثه الْأَذْرَعِيّ

(و) الثَّانِي من شُرُوط الِاسْتِطَاعَة وجود (الرَّاحِلَة) الصَّالِحَة لمثله بشرَاء أَو اسْتِئْجَار بِثمن أَو أُجْرَة مثل لمن بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر قدر على الْمَشْي أم لَا لَكِن ينْدب للقادر على الْمَشْي الْحَج خُرُوجًا من خلاف من أوجبه وَمن بَينه وَبَين مَكَّة دون مرحلَتَيْنِ وَهُوَ قوي على الْمَشْي يلْزمه الْحَج لعدم الْمَشَقَّة فَلَا يعْتَبر فِي حَقه وجود الرَّاحِلَة فَإِن ضعف عَن الْمَشْي بِأَن عجز أَو لحقه ضَرَر ظَاهر كالبعيد عَن مَكَّة فَيشْتَرط فِي حَقه وجود الرَّاحِلَة فَإِن لحقه بالراحلة مشقة شَدِيدَة اشْترط محمل وَهُوَ الْخَشَبَة الَّتِي يركب فِيهَا بيع أَو إِجَارَة بعوض مثله دفعا للضَّرَر فِي حق الرجل وَلِأَنَّهُ أستر للْأُنْثَى وأحوط للخنثى وَاشْترط شريك أَيْضا مَعَ وجود الْمحمل يجلس فِي الشق الآخر لتعذر ركُوب شقّ لَا يعادله شَيْء فَإِن لم يجده لم يلْزمه النّسك وَإِن وجد مُؤنَة الْمحمل بِتَمَامِهِ أَو كَانَت الْعَادة جَارِيَة فِي مثله بالمعادلة بالأثقال كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب

وَيشْتَرط كَون مَا ذكر من الزَّاد وَالرَّاحِلَة والمحمل وَالشَّرِيك فاضلين عَن دينه حَالا كَانَ أَو مُؤَجّلا وَعَن كلفة من عَلَيْهِ نَفَقَتهم مُدَّة ذَهَابه وإيابه وَعَن مَسْكَنه اللَّائِق بِهِ الْمُسْتَغْرق لِحَاجَتِهِ وَعَن عبد يَلِيق بِهِ وَيحْتَاج إِلَيْهِ لخدمته وَيلْزمهُ صرف مَال تِجَارَته إِلَى الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَمَا يتَعَلَّق بهما

(و) الشَّرْط السَّادِس للْوُجُوب (تخلية الطَّرِيق) أَي أَمنه وَلَو ظنا فِي كل مَكَان بِحَسب مَا يَلِيق بِهِ فَلَو خَافَ فِي طَرِيقه على نَفسه أَو عضوه أَو نفس مُحْتَرمَة مَعَه أَو عضوها أَو مَاله وَلَو يَسِيرا سبعا أَو عدوا أَو رصديا وَلَا طَرِيق لَهُ سواهُ لم يجب النّسك عَلَيْهِ لحُصُول الضَّرَر وَالْمرَاد بالأمن الْعَام حَتَّى لَو كَانَ الْخَوْف فِي حَقه وَحده قضى من تركته كَمَا نَقله البُلْقِينِيّ عَن النَّص

وَيجب ركُوب الْبَحْر إِن غلبت السَّلامَة فِي ركُوبه وَتعين طَرِيقا كسلوك طَرِيق الْبر عِنْد غَلَبَة السَّلامَة فَإِن غلب الْهَلَاك أَو اسْتَوَى الْأَمْرَانِ لم يجب بل يحرم لما فِيهِ من الْخطر

(و) السَّابِع (إِمْكَان الْمسير) إِلَى مَكَّة بِأَن يكون قد بَقِي من الْوَقْت مَا يتَمَكَّن فِيهِ من السّير الْمُعْتَاد لأَدَاء النّسك

وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد كَمَا نَقله الرَّافِعِيّ عَن الْأَئِمَّة وَإِن اعْتَرَضَهُ ابْن الصّلاح بِأَنَّهُ يشْتَرط لاستقراره لَا لوُجُوبه فقد صوب النَّوَوِيّ مَا قَالَه الرَّافِعِيّ

وَقَالَ السُّبْكِيّ إِن نَص الشَّافِعِي أَيْضا يشْهد لَهُ وَلَا بُد من وجود رفْقَة يخرج مَعَهم فِي الْوَقْت الَّذِي جرت عَادَة أهل بَلَده الْخُرُوج فِيهِ وَأَن يَسِيرُوا السّير الْمُعْتَاد فَإِن خَرجُوا قبله أَو أخروا الْخُرُوج بِحَيْثُ لَا يصلونَ مَكَّة إِلَّا بِأَكْثَرَ من مرحلة فِي كل يَوْم أَو كَانُوا يَسِيرُونَ فَوق الْعَادة لم يلْزمه الْخُرُوج هَذَا إِن احْتِيجَ إِلَى الرّفْقَة لدفع الْخَوْف فَإِن أَمن الطَّرِيق بِحَيْثُ لَا يخَاف الْوَاحِد فِيهَا لزمَه وَلَا

ص: 252

حَاجَة للرفقة وَلَا نظر إِلَى الوحشة بِخِلَافِهَا فِيمَا مر فِي التَّيَمُّم لِأَنَّهُ لَا بدل لما هُنَا بِخِلَافِهِ ثمَّ

(و) الثَّامِن من شُرُوط الْوُجُوب وَهُوَ من شُرُوط الِاسْتِطَاعَة أَن يثبت على الرَّاحِلَة أَو فِي محمل وَنَحْوه بِلَا مشقة شَدِيدَة فَمن لم يثبت عَلَيْهَا أصلا أَو ثَبت فِي محمل عَلَيْهَا لَكِن بِمَشَقَّة شَدِيدَة لكبر أَو نَحوه انْتَفَى عَنهُ استطاعة الْمُبَاشرَة وَلَا تضر مشقة تحْتَمل فِي الْعَادة

وَيشْتَرط وجود مَاء وَزَاد بمحال مُعْتَاد حملهما مِنْهَا بِثمن مثل زَمَانا ومكانا وَوُجُود علف دَابَّة كل مرحلة وَخُرُوج نَحْو زوج امْرَأَة كمحرمها أَو عَبدهَا أَو نسْوَة ثِقَات مَعهَا لتأمن على نَفسهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ لَا تُسَافِر الْمَرْأَة يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَهَا زَوجهَا أَو محرم وَيَكْفِي فِي الْجَوَاز لفرضها امْرَأَة وَاحِدَة وسفرها وَحدهَا إِن أمنت وَلَو كَانَ خُرُوج من ذكر بِأُجْرَة فيلزمها أجرته إِذا لم يخرج إِلَّا بهَا فَيشْتَرط فِي لُزُوم النّسك لَهَا قدرتها على أجرته ويلزمها أُجْرَة الْمحرم كقائد أعمى والمحجور عَلَيْهِ بِسَفَه كَغَيْرِهِ فِي وجوب النّسك عَلَيْهِ فَيصح إِحْرَامه وَينْفق عَلَيْهِ من مَاله لَكِن لَا يدْفع لَهُ المَال لِئَلَّا يبذره بل يخرج مَعَه الْوَلِيّ بِنَفسِهِ إِن شَاءَ لينفق عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق بِالْمَعْرُوفِ أَو ينصب شخصا لَهُ ثِقَة يَنُوب عَن الْوَلِيّ وَلَو بِأُجْرَة مثله إِن لم يجد مُتَبَرعا لينفق عَلَيْهِ فِي الطَّرِيق بِالْمَعْرُوفِ وَالظَّاهِر أَن أجرته كَأُجْرَة من يخرج مَعَ الْمَرْأَة

وَالنَّوْع الثَّانِي استطاعة بِغَيْرِهِ فَتجب إنابة عَن ميت غير مُرْتَد عَلَيْهِ نسك من تركته كَمَا يقْضِي مِنْهَا دُيُونه وَلَو فعله عَنهُ أَجْنَبِي جَازَ وَلَو بِلَا إِذن كَمَا يقْضِي دُيُونه بِلَا إِذن وَعَن معضوب بضاد مُعْجمَة أَي عَاجز عَن النّسك بِنَفسِهِ لكبر أَو غَيره كمشقة شَدِيدَة بَينه وَبَين مَكَّة مرحلتان فَأكْثر إِمَّا بِأُجْرَة مثل فضلت عَمَّا مر فِي النَّوْع الأول غير مُؤنَة عِيَاله سفرا إِذا لم يفارقهم يُمكنهُ تَحْصِيل مؤنتهم أَو بِوُجُود مُطِيع بنسك سَوَاء كَانَ أَصله أم فَرعه أَو أَجْنَبِيّا بِشَرْط كَونه غير معضوب موثوقا بِهِ أدّى فَرْضه وَكَون بعضه غير ماش وَلَا معولا على الْكسْب أَو السُّؤَال إِلَّا أَن يكْتَسب فِي يَوْم كِفَايَة أَيَّام وسفره دون مرحلَتَيْنِ فَلَا يجب عَلَيْهِ إنابة مُطِيع بِمَال للأجرة لعظم الْمِنَّة بِخِلَاف الْمِنَّة فِي بذل الطَّاعَة بنسك بِدَلِيل أَن الْإِنْسَان يستنكف عَن الِاسْتِعَانَة بِمَال غَيره وَلَا يستنكف عَن الِاسْتِعَانَة بِبدنِهِ فِي الأشغال

تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن شُرُوط صِحَة النّسك فَيشْتَرط لصِحَّته الْإِسْلَام فَلَا يَصح من كَافِر أُصَلِّي أَو مُرْتَد لعدم أَهْلِيَّته لِلْعِبَادَةِ وَلَا يشْتَرط فِيهِ تَكْلِيف فلولي مَال وَلَو بمأذونه إِحْرَام عَن صَغِير وَلَو مُمَيّز لخَبر مُسلم عَن ابْن عَبَّاس أَنه صلى الله عليه وسلم لَقِي ركبا بِالرَّوْحَاءِ فَفَزِعت امْرَأَة فَأخذت بعضد صبي صَغِير فَأَخْرَجته من محفتها فَقَالَت يَا رَسُول الله هَل لهَذَا حج

ص: 253

قَالَ نعم وَلَك أجر

وَعَن مَجْنُون قِيَاسا على الصَّغِير وَيشْتَرط للمباشرة مَعَ الْإِسْلَام التَّمْيِيز وَلَو من صَغِير أَو رَقِيق كَمَا فِي سَائِر الْعِبَادَات فللمميز أَن يحرم بِإِذن وليه من أَب ثمَّ جد ثمَّ وَصِيّ ثمَّ حَاكم أَو قيمه

وَيشْتَرط لوُقُوعه عَن فرض الْإِسْلَام مَعَ الْإِسْلَام التَّمْيِيز وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَلَو غير مستطيع فيجزىء ذَلِك من فَقير لكَمَال حَاله فَهُوَ كَمَا لَو تكلّف الْمَرِيض الْمَشَقَّة وَحضر الْجُمُعَة لَا من صَغِير ورقيق إِن كملا بعده لخَبر أَيّمَا صبي حج ثمَّ بلغ فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى وَأَيّمَا عبد حج ثمَّ عتق فَعَلَيهِ حجَّة أُخْرَى فالمراتب الْمَذْكُورَة للصِّحَّة وَالْوُجُوب أَربع الْوُجُوب وَالصِّحَّة الْمُطلقَة وَصِحَّة الْمُبَاشرَة والوقوع عَن فرض الْإِسْلَام

أَرْكَان الْحَج (وأركان الْحَج أَرْبَعَة) بل سِتَّة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِحْرَام) بِهِ (مَعَ النِّيَّة) أَي نِيَّة الدُّخُول فِي الْحَج لخَبر إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ (و) الثَّانِي (الْوُقُوف بِعَرَفَة) لخَبر الْحَج عَرَفَة

(و) الثَّالِث (الطّواف) لقَوْله تَعَالَى {وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق} وَالرَّابِع (السَّعْي) لما روى الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره بِإِسْنَاد حسن كَمَا فِي الْمَجْمُوع أَنه صلى الله عليه وسلم اسْتقْبل الْقبْلَة فِي الْمَسْعَى وَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس اسْعوا فَإِن السَّعْي قد كتب عَلَيْكُم

(و) الْخَامِس الْحلق أَو التَّقْصِير لتوقف التَّحَلُّل عَلَيْهِ مَعَ عدم جبره بِدَم كالطواف

(و) السَّادِس تَرْتِيب الْمُعظم بِأَن يقدم الْإِحْرَام على الْجَمِيع وَالْوُقُوف على طواف الرُّكْن وَالْحلق أَو التَّقْصِير وَالطّواف على السَّعْي إِن لم يفعل بعد طواف الْقدوم وَدَلِيله الِاتِّبَاع مَعَ خبر خُذُوا عني مَنَاسِككُم وَقد عده فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا ركنا وَفِي الْمَجْمُوع شرطا وَالْأول أنسب كَمَا فِي الصَّلَاة وَلَا دخل للجبر فِي الْأَركان

أَرْكَان الْعمرَة وأركان الْعمرَة أَرْبَعَة أَشْيَاء) بل خَمْسَة كَمَا ستعرفه الأول (الْإِحْرَام و) الثَّانِي (الطّواف و) الثَّالِث (السَّعْي و) الرَّابِع (الْحلق أَو التَّقْصِير فِي أحد الْقَوْلَيْنِ) الْقَائِل بِأَنَّهُ نسك وَهُوَ الْأَظْهر وَمثله التَّقْصِير وَالْخَامِس التَّرْتِيب فِي جَمِيع أَرْكَانهَا على مَا ذَكرْنَاهُ

تَنْبِيهَات الأول الْأَفْضَل أَن يعين فِي إِحْرَامه النّسك الَّذِي يحرم بِهِ بِأَن يَنْوِي حجا أَو عمْرَة أَو كليهمَا فَلَو أحرم بحجتين أَو عمرتين انْعَقَدت وَاحِدَة فَإِن أحرم وَأطلق بِأَن لَا يزِيد على نفس الْإِحْرَام فَإِن كَانَ فِي أشهر الْحَج صرفه إِلَى مَا شَاءَ بِالنِّيَّةِ من النُّسُكَيْنِ أَو كليهمَا إِن صلح الْوَقْت لَهما ثمَّ بعد النِّيَّة يَأْتِي بِمَا شَاءَ فَلَا يجزىء الْعَمَل قبل النِّيَّة فَإِن لم يصلح الْوَقْت لَهما بِأَن

ص: 254

فَاتَ وَقت الْحَج صرفه للْعُمْرَة وَإِن كَانَ فِي غير أشهره انْعَقَدت عمْرَة فَلَا يصرفهُ إِلَى الْحَج فِي أشهره لِأَن الْوَقْت لَا يقبل غير الْعمرَة وَيسن النُّطْق بنية وتلبية فَيَقُول بِقَلْبِه وَلسَانه نَوَيْت الْحَج أَو الْعمرَة أَو هما لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك إِلَى آخِره كَمَا سَيَأْتِي

وَلَا تسن التَّلْبِيَة فِي طواف وَلَا سعي لِأَن فيهمَا أذكارا خَاصَّة وَيسن الْغسْل للْإِحْرَام ولدخول مَكَّة وللوقوف بِعَرَفَة وبمزدلفة غَدَاة النَّحْر وَفِي أَيَّام التَّشْرِيق للرمي فَإِن عجز عَن الْغسْل تيَمّم وَيسن أَن يطيب مُرِيد الْإِحْرَام بدنه للْإِحْرَام وَلَا بَأْس باستدامته بعد الْإِحْرَام وَلَا يسن تطييب ثَوْبه خلافًا لما فِي الْمِنْهَاج

وَيسن خضب يَدي امْرَأَة للْإِحْرَام إِلَى الكوعين بِالْحِنَّاءِ لِأَنَّهُمَا قد ينكشفان وَمسح وَجههَا بِشَيْء مِنْهُ

وَيسن أَن يُصَلِّي مُرِيد الْإِحْرَام فِي غير وَقت الْكَرَاهَة رَكْعَتَيْنِ للْإِحْرَام وَالْأَفْضَل أَن يحرم الشَّخْص إِذا توجه لطريقه

وَيسن للْمحرمِ إكثار التَّلْبِيَة فِي دوَام إِحْرَامه وَيرْفَع الذّكر صَوته بهَا وتتأكد عِنْد تَغْيِير الْأَحْوَال كركوب وصعود وهبوط واختلاط رفْقَة وإقبال ليل أَو نَهَار وَوقت سحر

ولفظها لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك لَا شريك لَك لبيْك إِن الْحَمد وَالنعْمَة لَك وَالْملك لَا شريك لَك

وَإِذا رأى مَا يُعجبهُ أَو يكرههُ ندب أَن يَقُول لبيْك إِن الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة وَإِذا فرغ من تلبيته صلى وَسلم على النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَسَأَلَ الله تَعَالَى الْجنَّة ورضوانه واستعاذ بِهِ من النَّار

وَالْأَفْضَل دُخُول مَكَّة قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة وَالْأَفْضَل دُخُولهَا من ثنية كداء بِالْفَتْح وَالْمدّ وَهِي العلياء وَإِن لم تكن بطريقه وَيخرج من ثنية كدى بِالضَّمِّ وَالْقصر وَهِي السُّفْلى والثنية الطَّرِيق الضّيق بَين الجبلين وَإِذا دخل مَكَّة وَرَأى الْكَعْبَة أَو وصل مَحل رؤيتها وَلم يرهَا لعمى أَو ظلمَة أَو نَحْو ذَلِك قَالَ ندبا رَافعا يَدَيْهِ اللَّهُمَّ زد هَذَا الْبَيْت تَشْرِيفًا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وَكَرمه مِمَّن حجه أَو اعتمره تَشْرِيفًا وتكريما وتعظيما وَبرا

اللَّهُمَّ أَنْت السَّلَام ومنك السَّلَام فحينا رَبنَا بِالسَّلَامِ وَيدخل الْمَسْجِد من بَاب بني شيبَة وَإِن لم يكن بطريقه وَيبدأ بِطواف الْقدوم إِلَّا لعذر كإقامة جمَاعَة وضيق وَقت صَلَاة وَيخْتَص بِطواف الْقدوم حَلَال وحاج دخل مَكَّة قبل الْوُقُوف وَمن دخل الْحرم لَا لنسك بل لنَحْو تِجَارَة سنّ لَهُ إِحْرَام بنسك

وَاجِبَات الطّواف التَّنْبِيه الثَّانِي وَاجِبَات الطّواف بأنواعه ثَمَانِيَة الأول ستر الْعَوْرَة

وَالثَّانِي طهر عَن حدث أَصْغَر وأكبر وَعَن نجس كَمَا فِي الصَّلَاة فَلَو زَالا فِي الطّواف جدد السّتْر وَالطُّهْر وَبنى على طَوَافه وَالثَّالِث جعله الْبَيْت عَن يسَاره مارا من تِلْقَاء وَجهه

وَالرَّابِع بدؤه بِالْحجرِ الْأسود محاذيا لَهُ أَو لجزئه فِي مروره بِبدنِهِ فَلَو بَدَأَ بِغَيْرِهِ لم يحْسب مَا طافه فَإِذا انْتهى إِلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ وَلَو أزيل الْحجر وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَجب محاذاة مَحَله وَلَو مَشى على الشاذروان الْخَارِج عَن عرض جِدَار الْبَيْت أَو مس الْجِدَار فِي موازاته أَو دخل من إِحْدَى فتحتي الْحجر المحوط بَين الرُّكْنَيْنِ الشاميين لم يَصح طَوَافه

وَالْخَامِس كَونه سبعا

وَالسَّادِس كَونه فِي الْمَسْجِد

وَالسَّابِع نِيَّة الطّواف إِن اسْتَقل بِأَن لم يَشْمَلهُ نسك

وَالثَّامِن عدم صرفه لغيره كَطَلَب غَرِيم

ص: 255

وسننه أَن يمشي فِي كُله إِلَّا لعذر كَمَرَض وَأَن يسْتَلم الْحجر الْأسود أول طَوَافه وَأَن يقبله وَيسْجد عَلَيْهِ وَيفْعل بمحله إِذا أزيل وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى كَذَلِك فَإِن عجز عَن التَّقْبِيل اسْتَلم بِيَدِهِ فَإِن عجز عَن استلامه أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ

ويراعي ذَلِك الاستلام وَمَا بعده فِي كل طوفه وَلَا يسن (تَقْبِيل الرُّكْنَيْنِ الشاميين وَلَا استلامهما) وَيسن استلام الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَلَا يسن تقبيله وللطواف سنَن أخر وأدعية ذكرتها فِي شرح الْبَهْجَة وَغَيره

وَاجِبَات السَّعْي التَّنْبِيه الثَّالِث وَاجِبَات السَّعْي ثَلَاث الأول يبْدَأ بالصفا وَيخْتم بالمروة

وَالثَّانِي أَن يسْعَى سبعا ذَهَابه من الصَّفَا إِلَى الْمَرْوَة مرّة وَعوده مِنْهَا إِلَيْهِ مرّة أُخْرَى

وَالثَّالِث أَن يسْعَى بعد طواف ركن أَو قدوم بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّل بَين السَّعْي وَطواف الْقدوم الْوُقُوف بِعَرَفَة وَمن سعى بعد طواف قدوم لم تسن لَهُ إِعَادَته بعد طواف الْإِفَاضَة وَله سنَن ذكرتها فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره

التَّنْبِيه الرَّابِع وَاجِب الْوُقُوف بِعَرَفَة حُضُوره بِجُزْء من أرْضهَا وَإِن كَانَ مارا فِي طلب آبق بِشَرْط كَونه محرما أَهلا لِلْعِبَادَةِ لَا مغمى عَلَيْهِ جَمِيع وَقت الْوُقُوف وَلَا بَأْس بِالنَّوْمِ وَوقت الْوُقُوف من وَقت زَوَال الشَّمْس يَوْم عَرَفَة إِلَى فجر يَوْم النَّحْر وَلَو وقفُوا الْيَوْم الْعَاشِر غَلطا وَلم يقلوا على خلاف الْعَادة أجزأهم وقوفهم فَإِن قلوا على خلاف الْعَادة وَجب الْقَضَاء

وَاجِبَات الْحَج (وواجبات الْحَج غير الْأَركان ثَلَاثَة أَشْيَاء) بل خَمْسَة كَمَا ستعرفه وغاير المُصَنّف بَين الرُّكْن وَالْوَاجِب وهما مُتَرَادِفَانِ إِلَّا فِي هَذَا الْبَاب فَقَط فالفرض مَا لَا تُوجد مَاهِيَّة الْحَج إِلَّا بِهِ

وَالْوَاجِب مَا يجْبر تَركه بِدَم وَلَا يتَوَقَّف وجود الْحَج على فعله الأول (الْإِحْرَام من الْمِيقَات) وَلَو من آخِره وَالْأَفْضَل من أَوله والميقات فِي اللُّغَة الْحَد وَالْمرَاد بِهِ هُنَا زمن الْعِبَادَة ومكانها فالميقات الزماني لِلْحَجِّ شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر لَيَال من ذِي الْحجَّة فَلَو أحرم بِهِ فِي غير وقته انْعَقَد عمْرَة وَجَمِيع السّنة وَقت لإحرام الْعمرَة وَقد يمْتَنع الْإِحْرَام بهَا لعوارض مِنْهَا مَا لَو كَانَ محرما بِحَجّ فَإِن الْعمرَة لَا تدخل عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَو أحرم بهَا قبل نفره لاشتغاله بِالرَّمْي وَالْمَبِيت وَمِنْهَا مَا لَو كَانَ محرما بِعُمْرَة فَإِن الْعمرَة لَا تدخل على أُخْرَى وَأما الْمِيقَات المكاني لِلْحَجِّ فِي حق من بِمَكَّة سَوَاء كَانَ من أَهلهَا أم لَا نفس مَكَّة وَأما غَيره فميقات المتوجه من الْمَدِينَة ذُو الحليفة وَهِي على نَحْو عشرَة مراحل من مَكَّة وميقات المتوجه من الشَّام وَمن مصر وَمن الْمغرب الْجحْفَة وَهِي قَرْيَة كَبِيرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة

قَالَ فِي الْمَجْمُوع على نَحْو ثَلَاث مراحل من مَكَّة

وميقات المتوجه من تهَامَة الْيمن يَلَمْلَم وَهُوَ مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة

وميقات المتوجه من نجد الْيمن ونجد الْحجاز قرن وَهُوَ جبل على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة

وميقات المتوجه من الْمشرق الْعرَاق وَغَيره ذَات عرق وَهِي قَرْيَة على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة

وَالْأَصْل فِي الْمَوَاقِيت خبر الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عليه وسلم وَقت لأهل الْمَدِينَة ذَا الحليفة وَلأَهل الشَّام ومصر الْجحْفَة وَلأَهل نجد قرن الْمنَازل وَلأَهل الْيمن يَلَمْلَم وَقَالَ هن لَهُنَّ وَلمن أَتَى عَلَيْهِنَّ من غير أهلهن مِمَّن أَرَادَ الْحَج وَالْعمْرَة وَمن كَانَ دون ذَلِك فَمن حَيْثُ أنشأ حَتَّى أهل مَكَّة من مَكَّة

فَائِدَة قَالَ بَعضهم سَأَلت الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي أَي سنة أقت النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَوَاقِيت الْإِحْرَام فَقَالَ سنة عَام حج وَمن سلك طَرِيقا لَا تَنْتَهِي إِلَى مِيقَات أحرم من محاذاته فَإِن حَاذَى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إِلَيْهِ فَإِن اسْتَويَا فِي الْقرب إِلَيْهِ أحرم من محاذاة أبعدهُمَا من مَكَّة وَإِن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلَتَيْنِ من مَكَّة وَمن مَسْكَنه بَين مَكَّة والميقات فميقاته مَسْكَنه وَمن جَاوز ميقاتا غير مُرِيد نسكا ثمَّ أَرَادَهُ فميقاته مَوْضِعه وَمن وصل إِلَيْهِ مرِيدا نسكا لم يجز مجاوزته بِغَيْر إِحْرَام بِالْإِجْمَاع فَإِن جاوزه لزمَه الْعود ليحرم مِنْهُ إِلَّا إِذا ضَاقَ الْوَقْت أَو كَانَ الطَّرِيق مخوفا فَإِن لم يعد لعذر أَو غَيره لزمَه دم وَإِن أحرم

ص: 256

ثمَّ عَاد قبل تلبسه بنسك سقط الدَّم عَنهُ وَإِلَّا فَلَا

وميقات الْعمرَة المكاني لمن هُوَ خَارج الْحرم مِيقَات الْحَج وَمن بِالْحرم يلْزمه الْخُرُوج إِلَى أدنى الْحل وَلَو بِأَقَلّ من خطْوَة فَإِن لم يخرج وأتى بِأَفْعَال الْعمرَة أَجزَأَهُ فِي الْأَظْهر وَلَكِن عَلَيْهِ دم فَلَو خرج إِلَى أدنى الْحل بعد إِحْرَامه وَقبل الطّواف وَالسَّعْي سقط عَنهُ الدَّم وَأفضل بقاع الْحل الْجِعِرَّانَة ثمَّ التَّنْعِيم ثمَّ الْحُدَيْبِيَة

(و) الْوَاجِب الثَّانِي (رمي الْجمار الثَّلَاث) كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق الثَّلَاث وَيدخل رمي كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق بِزَوَال شمسه وَيخرج وَقت اخْتِيَاره بغروبها وَأما وَقت جَوَازه فَإلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق فَإِن نفر وَلَو انْفَصل من منى بعد الْغُرُوب أَو عَاد لشغل فِي الْيَوْم الثَّانِي بعد رميه جَازَ وَسقط مبيت اللَّيْلَة الثَّالِثَة وَرمى يَوْمهَا

وَشرط لصِحَّة الرَّمْي تَرْتِيب الجمرات بِأَن يَرْمِي أَولا إِلَى الْجَمْرَة الَّتِي تلِي مَسْجِد الْخيف ثمَّ إِلَى الْوُسْطَى ثمَّ إِلَى جَمْرَة الْعقبَة

تَنْبِيه لَو قَالَ المُصَنّف وَالرَّمْي لَكَانَ أخصر وأجود ليشْمل رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر فَإِنَّهُ وَاجِب يجْبر تَركه بِدَم وَيدخل وقته بِنصْف لَيْلَة النَّحْر وَيبقى وَقت اخْتِيَاره إِلَى غرُوب شمس يَوْمه وَأما وَقت الْجَوَاز فَإلَى آخر أَيَّام التَّشْرِيق

وَيشْتَرط فِي رمي يَوْم النَّحْر وَغَيره كَونه سبع مَرَّات وَكَونه بيد لِأَنَّهُ الْوَارِد ذكره بِحجر فيجزىء بأنواعه وَقصد المرمي وَتحقّق إِصَابَته بِالْحجرِ

قَالَ الطَّبَرِيّ وَلم يذكرُوا فِي المرمي حدا مَعْلُوما غير أَن كل جَمْرَة عَلَيْهَا علم فَيَنْبَغِي أَن يَرْمِي تَحْتَهُ على الأَرْض وَلَا يبعد عَنهُ احْتِيَاطًا

وَقد قَالَ الشَّافِعِي رضي الله عنه الْجَمْرَة مُجْتَمع الْحَصَى لَا مَا سَالَ من الْحَصَى

وَحده بعض الْمُتَأَخِّرين بِثَلَاثَة أَذْرع من سَائِر الجوانب إِلَّا فِي جَمْرَة الْعقبَة فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا وَجه وَاحِد وَهُوَ قريب مِمَّا تقدم

(و) الْوَاجِب الثَّالِث (الْحلق) على القَوْل بِأَنَّهُ اسْتِبَاحَة مَحْظُور وَهُوَ مَرْجُوح وَالْمُعْتَمد أَنه ركن على القَوْل الْأَظْهر أَنه نسك كَمَا مر بل نقل الإِمَام الِاتِّفَاق على ركنيته وَحِينَئِذٍ يصحح للْمُصَنف مَا ذكره من الْعدَد بإبدال هَذَا الْمَرْجُوح بالمبيت بِمُزْدَلِفَة فَإِنَّهُ وَاجِب على الْأَصَح وَيجْبر تَركه بِدَم وَالْوَاجِب فِيهِ سَاعَة فِي النّصْف الثَّانِي من اللَّيْل فَإِن دفع قبل النّصْف الثَّانِي لزمَه الْعود فَإِن لم يعد حَتَّى طلع الْفجْر لزمَه دم وَيسن أَن يَأْخُذ مِنْهَا حَصى الرَّمْي وَهُوَ سَبْعُونَ حَصَاة مِنْهَا سبع لرمي يَوْم النَّحْر وَالْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاث وَسِتُّونَ حَصَاة لأيام التَّشْرِيق كل وَاحِد إِحْدَى وَعِشْرُونَ حَصَاة لكل جَمْرَة سبع حَصَيَات وَيسن أَن يَرْمِي بِقدر حَصى الْخذف وَهُوَ دون الْأُنْمُلَة طولا وعرضا بِقدر الباقلا وَمن عجز عَن الرَّمْي أناب من يَرْمِي عَنهُ وَلَو ترك رميا من رمي يَوْم النَّحْر أَو أَيَّام التَّشْرِيق تَدَارُكه فِي بَاقِي أَيَّام التَّشْرِيق أَدَاء وَإِلَّا لزمَه دم بترك رمي ثَلَاث رميات فَأكْثر

(و) الْوَاجِب الرَّابِع الْمبيت بمنى ليَالِي أَيَّام التَّشْرِيق مُعظم اللَّيْل كَمَا لَو حلف لَا يبيت بمَكَان لَا يَحْنَث إِلَّا بمبيت مُعظم اللَّيْل فَإِن تَركه لغمه دم وَمحل وجوب مبيت اللَّيْلَة الثَّالِثَة لمن لم ينفر النَّفر الأول كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ

(و) الْوَاجِب الْخَامِس التَّحَرُّز من مُحرمَات الْإِحْرَام وَأما طواف الْوَدَاع فَهُوَ وَاجِب مُسْتَقل لَيْسَ من الْمَنَاسِك على الْمُعْتَمد فَيجب على غير نَحْو حَائِض كنفساء بِفِرَاق مَكَّة وَلَو مكيا أَو غير حَاج ومعتمر أَو فَارقهَا لسفر قصير كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَيجْبر تَركه بِدَم فَإِن عَاد بعد فِرَاقه بِلَا طواف قبل مَسَافَة الْقصر وَطَاف فَلَا دم عَلَيْهِ وَإِن مكث بعد الطّواف لَا لصَلَاة أُقِيمَت أَو شغل سفر كَشِرَاء زَاد أعَاد الطّواف

ص: 257

تَنْبِيه يسن دُخُول الْبَيْت وَالصَّلَاة فِيهِ وَالشرب من مَاء زَمْزَم وزيارة قبر النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَلَو لغير حَاج ومعتمر وَسن لمن قصد الْمَدِينَة الشَّرِيفَة لزيارته أَن يكثر فِي طَرِيقه من الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْهِ فَإِذا دخل الْمَسْجِد قصد الرَّوْضَة وَهِي بَين قَبره ومنبره وَصلى تَحِيَّة الْمَسْجِد بِجَانِب الْمِنْبَر ثمَّ وقف مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل رَأس الْقَبْر الشريف وَيبعد عَنهُ نَحْو أَرْبَعَة أَذْرع فارغ الْقلب من علق الدُّنْيَا وَيسلم بِلَا رفع صَوت وَأقله (السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ يتَأَخَّر صوب يَمِينه قدر ذِرَاع فَيسلم على أبي بكر ثمَّ يتَأَخَّر قدر ذِرَاع فَيسلم على عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ثمَّ يرجع إِلَى موقفه الأول قبالة وَجه النَّبِي صلى الله عليه وسلم ويتوسل بِهِ فِي حق نَفسه ويستشفع بِهِ إِلَى ربه وَإِذا أَرَادَ السّفر ودع الْمَسْجِد بِرَكْعَتَيْنِ وأتى الْقَبْر الشريف وَأعَاد نَحْو السَّلَام الأول

سنَن الْحَج (وَسنَن الْحَج) كَثِيرَة الْمَذْكُور مِنْهَا هَهُنَا (سبع) بِتَقْدِيم السّنَن على الْمُوَحدَة وَمَشى المُصَنّف فِي بَعْضهَا على ضَعِيف كَمَا ستعرفه

الأول (الْإِفْرَاد) فِي عَام وَاحِد (وَهُوَ تَقْدِيم) أَعمال (الْحَج على) أَعمال (الْعمرَة) فَإِن الْحَج وَالْعمْرَة يؤديان على ثَلَاثَة أوجه الأول هَذَا الْإِفْرَاد وَالثَّانِي التَّمَتُّع وَعَكسه وَالثَّالِث الْقرَان بِأَن يحرم بهما مَعًا فِي أشهر الْحَج أَو بِعُمْرَة ثمَّ يحجّ قبل شُرُوعه فِي طواف ثمَّ يعْمل الْحَج فيهمَا وأفضلهما الْإِفْرَاد إِن اعْتَمر عَامه ثمَّ التَّمَتُّع أفضل من الْقرَان وعَلى كل من الْمُتَمَتّع والقارن دم إِن لم يَكُونَا من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام وهم من مساكنهم دون مرحلَتَيْنِ مِنْهُ

(و) الثَّانِيَة (التَّلْبِيَة) إِلَّا عِنْد الرَّمْي فَيُسْتَحَب التَّكْبِير فِيهِ دونهَا وَتَقَدَّمت صيغتها وَمن لَا يحسنها بِالْعَرَبِيَّةِ يَأْتِي بهَا بِلِسَانِهِ (و) الثَّالِثَة (طواف الْقدوم) وَتقدم أَنه يخْتَص بحلال وبحاج دخل مَكَّة قبل الْوُقُوف فَلَو دخل بعد الْوُقُوف تعين طواف الْإِفَاضَة لدُخُول وقته

(و) الرَّابِعَة (الْمبيت بِمُزْدَلِفَة) على وَجه ضَعِيف وَالأَصَح أَنه وَاجِب كَمَا مر

(و) الْخَامِسَة (رَكعَتَا الطّواف) خلف الْمقَام فَإِن لم يَتَيَسَّر فَفِي الْحجر فَإِن لم يَتَيَسَّر فَفِي الْمَسْجِد فَإِن لم يَتَيَسَّر فَحَيْثُ شَاءَ من الْحرم

(و) السَّادِسَة (الْمبيت بمنى) لَيْلَة عَرَفَة لِأَنَّهُ للاستراحة لَا للنسك وَخرج بِقَيْد عَرَفَة الْمبيت بهَا ليَالِي التَّشْرِيق فَإِنَّهُ وَاجِب كَمَا مر بَيَانه

(و) السَّابِعَة (طواف الْوَدَاع) على قَول مَرْجُوح وَالْأَظْهَر أَنه وَاجِب كَمَا مر بَيَانه

وَقد بَقِي لِلْحَجِّ سنَن كَثِيرَة ذكرت مِنْهَا جملَة فِي شرح التَّنْبِيه وَغَيره

(ويتجرد الرجل عِنْد الْإِحْرَام عَن الْمخيط) وجوبا كَمَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وَهَذَا وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن خَالف فِي مَنَاسِكه الْكُبْرَى فَقَالَ فِيهِ بالاستحباب وَلَو عبر بالمحيط بِضَم الْمِيم وبحاء مُهْملَة بدل الْمخيط بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة لَكَانَ أولى ليشْمل الْخُف واللبد والمنسوج (ويلبس) ندبا (إزارا ورداء أبيضين) جديدين وَإِلَّا فمغسولين ونعلين وَخرج بِالرجلِ وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى إِذْ لَا نزع عَلَيْهِمَا فِي غير الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ

ص: 258