المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٤

[الطيبي]

فهرس الكتاب

- ‌(21) باب سجود القرآن

- ‌(22) باب أوقات النهي

- ‌(23) باب الجماعة وفضلها

- ‌(24) باب تسوية الصف

- ‌(25) باب الموقف

- ‌(26) باب الإمامة

- ‌(27) باب ما علي الإمام

- ‌(28) باب ما علي المأموم من المتابعة

- ‌(29) باب من صلي صلاة مرتين

- ‌(30) باب السنن وفضائلها

- ‌(31) باب صلاة الليل

- ‌(32) باب ما يقول إذا قام من الليل

- ‌(33) باب التحريض علي قيام الليل

- ‌(34) باب القصد في العمل

- ‌(35) باب الوتر

- ‌(36) باب القنوت

- ‌(37) باب قيام شهر رمضان

- ‌(38) باب صلاة الضحى

- ‌(39) باب التطوع

- ‌(40) باب صلاة التسبيح

- ‌(41) باب صلاة السفر

- ‌(42) باب الجمعة

- ‌(43) باب وجوبها

- ‌(44) باب التنظيف والتبكير

- ‌(45) باب الخطبة والصلاة

- ‌(46) باب صلاة الخوف

- ‌(47) باب صلاة العيدين

- ‌(48) باب في الأضحية

- ‌(49) باب العتيرة

- ‌(50) باب صلاة الخسوف

- ‌(51) باب في سجود الشكر

- ‌(52) باب الاستسقاء

- ‌(53) باب في الرياح

- ‌ كتاب الجنائز

- ‌(1) باب عيادة المريض وثواب المرض

- ‌(2) باب تمني الموت وذكره

- ‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

- ‌(4) باب غسل الميت وتكفينه

- ‌(5) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها

- ‌(6) باب دفن الميت

- ‌(7) باب البكاء علي الميت

- ‌(8) باب زيارة القبور

الفصل: ‌(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

قال: ثم أتي بكفنه، فلما رآه بكى، وقال لكن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت علي رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت علي قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت علي رأسه، وجعل علي قدميه الإذخر. رواه أحمد؛ والترمذي؛ إلا أنه لم يذكر: ثم أتي بكفنه إلي آخره.

(3) باب ما يقال عند من حضره الموت

الفصل الأول

1616 -

عن أبي سعيد وأبي هريرة، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)) رواه مسلم.

1617 -

وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون)) رواه مسلم.

1618 -

وعنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله به: {إن لله وإنا إليه راجعون}، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها؛ إلا أخلف الله له خيراً منها)). فلما مات أبو سلمة، قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم.

ــ

وقوله: ((ملحاء)) ((نه)) أي بردة فيها خطوط سود وبيض. و ((قلصت)) أي اجتمعت وانضمت، وأكثر ما يقال فيما يكون إلي فوق. و ((الإذخر)) - بكسر الهمزة- حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة.

باب ما يقال عند من حضره الموت

الفصل الأول

الحديث الأول عن أبي سعيد: قوله: ((لقنوا موتاكم)) أي من قرب منكم من الموت سماه باعتبار ما يؤول إليه مجازاً، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم:((اقرأوا علي موتاكم يس)) وسيجيء ذكر فائدة التخصيص بكلمة التوحيد وسورة يس بعيد هذا.

الحديث الثاني، والثالث عن أم سلمة: قوله: ((ما أمره الله به إنه لله)) الآية، فإن قلت: أين

ص: 1372

1619 -

وعنها، قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال:((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) فضج ناس من أهله، فقال:((لا تدعوا علي أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون علي ما تقولون))، ثم قال:((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه)) رواه مسلم.

ــ

الأمر في التنزيل؟ قلت: لما أمره بالبشارة، وأطلقها ليعم كل مبشر به، وأخرجه مخرج الخطاب العام، لئلا يختص بالبشارة أحد دون أحد، نبه علي تفخيم الأمر وتعظيم شأن هذا القول، فنبه بذلك علي كون القول مطلوباً ومهتماً بالشأن، وليس الأمر إلا طلب الفعل؛ وذلك أن قوله:((إنا لله)) تسليم وإقرار أنه وما يملكه وما ينسب إليه عارية مستردة، ومنه بدأ وإليه الرجوع والمنتهي، فإذا وطن نفسه به، وتصبر علي ما أصابه، سهل عليه الأمر، وعرف فضيلة مطلوبه، ولم يرد بقوله:{قالوا إنا لله} اللفظ فقط؛ فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء.

قوله: ((آجرني في مصيبتي)) ((نه)): آجره يؤجره: إذا أثابه وأعطاه الأجرة والجزاء، وكذلك أجره يأجره، والأمر منها: أجرني وآجرني. وقوله: ((خيراً منها)) أي بما فات عني في هذه المصيبة، وهو الأمر المكروه ينزل بالإنسان.

قوله: ((أي المسلمين)) تعجبت من تنزيل قوله صلى الله عليه وسلم: ((إلا أخلف الله له خيراً منها علي مصيبتها؛ استعظاماً لأبي سلمة.

الحديث الرابع عن أم سلمة: قوله: ((وقد شق بصره)) ((نه)): شق بصر الميت- بفتح الشين ورفع الراء- إذا نظر إلي شيء لا يرتد إليه طرفه. وضم الشين منه غير مختار. وقوله: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر)) يحتمل أن يكون علة للإغماض، كأنه قال: أغمضته؛ لأن الروح إذا فارق في الذهاب، فلم يبق لانفتاح بصره فائدة، وأن يكون علة للشق، والمعنى: أن المحتضر يتمثل له الملك المتوفي لروحه فينظر إليه شزراً، ولا يرتد طرفه حتى يفارقه الروح، وتضمحل بقايا قوى البصر، ويبقى البصر علي تلك الهيئة. ويعضده ما روى أبو هريرة عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألم تروا الإنسان إذا مات شخص بصره؟)) قالوا: بلي، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه)) أخرجه مسلم.

وغير مستنكر من قدرة الله سبحانه وتعالي أن يكشف عنه الغطاء ساعتئذ حين يبصر ما لم يكن يبصر.

ص: 1373

1620 -

وعن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة. متفق عليه.

الفصل الثاني

1621 -

عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، دخل الجنة)) رواه أبو داود. [1621]

ــ

قوله: ((لا تدعوا علي أنفسكم)) ((مظ)): أي لا تقولوا شراً، نحو ((يا ويلي)) أي الويل لي، وما أشبه ذلك. أقول: ويمكن أن يقال: إنهم إذا تكلموا في حق الميت بما لا يرضاه الله حتى يرجع تبعته إليهم، فكأنهم دعوا علي أنفسهم بشر، أو يكون المعنى كما في قوله تعالي:{ولا تقتلوا أنفسكم} يعني: بعضكم بعضاً.

قوله: ((في المهديين)) ((مظ)): أي اجعله في زمرة الذين هديتهم إلي الإسلام، ورفعت درجتهم. وقوله:((واخلفه)) من خلف يخلف: إذا قام أحد مقام آخر بعده في رعاية أمره، وحفظ مصالحه. ((وفي عقبه)) في أولاده، ((في الغابرين)) في الباقين من الأحياء يعني كن خليفة له في أولاده الباقين، فاحفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكلهم إلي غيرك.

((شف)): قوله: ((في الغابرين)) بدل من قوله: ((في عقبه)) أي كن خليفة له في الباقين من عقبه. أقول: ويمكن أن يكون ((في عقبه)) متعلقاً بالفعل، و ((في الغابرين)) حالا من ((عقبه)) المعنى أوقع خلافتك في عقبه كائنين في جملة الباقين من الناس، بأن يستميل قلوب الناس إليهم حتى يكونوا مقبولين بينهم يراعون أحوالهم، ينفعون ولا يضرون.

الحديث الخامس عن عائشة: قوله: ((سجى)) أي غطى وستر. وقوله: ((برد حبرة)) الجوهري: الحبرة مثال العنبة، برد يمان، والجمع حبر وحبرات. وفي ((الغريبين)): الحبر من البرود ما كان موشياً مخططاً، فهو من إضافة العام إلي الخاص.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن معاذ: قوله: ((من كان آخر كلامه)). فإن قلت: كثير من المخالفين كاليهود يتكلمون بكلمة التوحيد، فلابد من ذكر قرينتها من قوله: محمد رسول الله. قلت: قرينتها صدورها عن صدر الرسالة، كقوله تعالي:{إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} الكشاف: إن قلت: هلا ذكر الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: لما علم واشتهر أن الإيمان

ص: 1374

1622 -

وعن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأوا سورة يس علي موتاكم)) رواه أحمد وأبو داود، وابن ماجه [1622].

1623 -

وعن عائشة، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي حتى سال دموع النبي صلى الله عليه وسلم علي وجه عثمان. رواه الترمذي وأبو داود، وابن ماجه [1623].

1624 -

وعنها قالت: إن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميت. رواه الترمذي، وابن ماجه [1624].

1625 -

وعن حصين بن وحوح، أن طلحة بن البراء مرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم

ــ

بالله قرينته الإيمان بالرسول؛ لاشتمال كلمة الشهادة والأذان والإقامة وغيرها عليهما مقترنين مزدوجين، كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن صاحبه، انطوى تحت ذكر الإيمان بالله الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم.

الحديث الثاني عن معقل: قوله: ((اقرأوا علي أمواتكم يس)) ((تو)): يحتمل أن يكون المراد بالميت الذي حضره الموت، فكأنه صار في حكم الأموات، وأن يراد من قضى نحبه وهو في بيته، أو دون مدفنه. قال الإمام في التفسير الكبير: الأمر بقراءة يس علي من شارف الموت مع ورود قوله صلى الله عليه وسلم: ((لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس)) إيذان بأن اللسان حينئذ ضعيف القوة، والأعضاء ساقطة المنة، لكن القلب قد أقبل علي الله بكليته، فيقرأ عليه ما يزاد به قوة قلبه، ويستمد تصديقه بالأصول، فهو إذن عمله ومهمه.

أقول- والعلم عند الله-: هذه السورة الكريمة إلي خاتمتها مشحونة بتقرير أمهات علم الأصول، وجميع المسائل المعتبرة التي أوردها العلماء في مصنفاتهم من النبوة، وكيفية الدعوة، وأحوال الأمم، وبيان خاتمتهم، وإثبات القدر، وأن أفعال العباد مستندة إلي الله تعالي، وإثبات التوحيد، ونفي الضد والند، وأمارات الساعة، وبيان الإعادة، والحشر، والحضور في العرصات، والحساب، والجزاء، والمرجع والمآل بعد الحساب، وبيان حصول ما يلذ به السمع، وتقر به الأعين، كما أوردناها مفصلة في فتوح الغيب، من أراد الوقوف عليها فليطلعها. فحق لذلك أن تقرأ عليه، ويذكر بها، وينبه علي أمهات أصول الدين.

ص: 1375

يعوده، فقال:((إني لا أرى طلحة إلا قد حدث به الموت، فآذنوني به وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهرإني أهله)). رواه أبو داود [1625]

الفصل الثالث

1626 -

وعن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقنوا موتاكم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين)) قالوا: يا رسول الله! كيف للأحياء؟ قال: ((أجود وأجود)) رواه ابن ماجه [1626]

1627 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا تزال يقال لها

ــ

الحديث الثالث والرابع عن حصين: قوله: ((لجيفة مسلم)) وصف مناسب للحكم بعدم الحبس، وذلك أن المؤمن عزيز مكرم، فإذا استحال جيفة ونتناً، استقذره النفوس وتنبو عنه الطباع فيهان، فينبغي أن يسرع فيما يواريه، فيستمر علي عزته، فذكر الجيفة ها هنا كذكر السوأة في قوله تعالي:{ليريه كيف يواري سوأة أخيه} السوأة: الفضيحة لقبحها. قوله: ((بين ظهرإني أهله)) أي بين أهله. و ((الظهر)) مقحم، وقد مر تحقيقه. والعرب تضع الاثنين مقام الجمع.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن عبد الله: قوله: ((كيف للأحياء)) أي كيف ذلك التلقين للأحياء، أيحسن أم لا؟ فأجاب؟: أجود وأجود، والتكرير للاستمرار، أي جودة مضمومة إلي جودة، وهذا معنى الواو فيه.

الحديث الثاني عن أبي هريرة: قوله: ((كانت في الجسد الطيب)) والظاهر ((كنت)) ليطابق النداء و ((اخرجي))، لكن اعتبر اللام الموصولة، أي النفس التي طابت كائنة في السجد الطيب. ويحتمل أن تكون صفة أخرى للنفس؛ لأن المراد منها ليس نفساً معينة، بل الجنس مطلقاً، كقوله: ولقد أمر علي اللئيم يسبني.

قوله: ((بروح وريحان)) نظيره في اللفظ والسياق قوله تعالي: {فروح وريحان وجنة نعيم} بروح: أي باستراحة، والريحان: الرزق. ولو روي بالضم كان بمعنى الرحمة؛ لأنها كالحياة للمرحوم. وقيل: البقاء. أي هذان له معاً، وهو الخلود مع الرزق.

ص: 1376

ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلي السماء فيفتح ليها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضاب، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى تنتهي إلي السماء التي فيها الله، فإذا كان الرجل السواء، قال: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فما تزال يقال لها ذلك، حتى تخرج، ثم يعرج بها إلي السماء، فيفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنها لا تفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلي القبر)). رواه ابن ماجه [1627]

ــ

قوله: ((ورب غير غضبان)) تقرير للأول علي الطرد والعكس، كقوله تعالي:{أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} ونحوه في المعنى قوله تعالي: {يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلي ربك راضية مرضية} . قوله: ((إلي السماء التي فيها الله)) يعني الجنة، ونحوه قوله تعالي:{وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله} فيطابق الحديث الآيتين، وهما {وادخلي جنتي} {وجنة نعيم} .

قوله: ((وأبشري)) بجهنم وضع موضع أنذري، إما علي سبيل الاستعارة التهكمية كقوله تعالي:{فبشرهم بعذاب أليم} أو علي المشاكلة والازدواج. ((وحميم وغساق)) مقابل لـ ((روح وريحان)) الغساق- بالتخفيف والتشديد- ما يغسق من صديد أهل النار، يقال: غسقت العين، إذا سال دمعها. قيل: لو قطرت قطرة في المشرق لنتنت أهل المغرب. وعن الحسن: الغساق: عذاب لا يعلمه إلا الله. وقوله تعالي: {وآخر من شكله أزواج} أي وآخر مذوقاته من مثل الغساق في الشدة والفظاعة و {أزواج} ، أي أجناس، {وآخر} في محل الجر عطف علي {حميم} و {أزواج} صفة لـ {آخر} وإن كان مفرداً؛ لأنه في تأويل الضروب والأصناف، كقول الشاعر: معاً جياعاً.

ص: 1377

1628 -

وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها)). قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك، قال:((ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من أرض طيبة، صلي الله عليك وعلي جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلي ربه، ثم يقول: انطلقوا به إلي آخر الأجل)). قال: ((وإن الكافر إذا خرجت روحه)) قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لعا ((ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، فيقال: انطلقوا به إلي آخر الأجل)) قال أبو هريرة: فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه علي أنفه هكذا. رواه مسلم.

1629 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضياً عنك إلي روح الله وريحان، ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضاً حتى

ــ

الحديث الثالث: عن أبي هريرة: قوله: ((قال حماد)) هو حماد بن زيد، أحد رواة هذا الحديث. وقوله:((فذكر من طيب ريحها)) ويحتمل أن يكون فاعل ((فذكر)) رسول الله أو الصحابي، يريد أنه صلى الله عليه وسلم وصف طيب ريحها، وذكر المسك، لكن لم يعلم أن ذلك كان علي طريقة التشبيه، أو الاستعارة، أو غير ذلك.

قوله: ((صلي الله عليك)) التفت فيها من الغيبة في قوله: ((جاءت)) إلي الخطاب. وفائدته مزيد اختصاص بالصلاة عليها. وقوله: ((تعمرينه)) استعارة شبه تدبيرها الجسد بالعمل الصالح عمارة من يتولي المدينة ويعمرها بالعدل والصلاح.

قوله: ((إلي آخر)) يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين، أولاً وآخراً، ويشهد له قوله تعالي:{ثم قضي أجلاً وأجل مسمى عنده} أي أجل الموت، وأجل القيامة. قوله:((فيقال: انطلقوا)) ذكر هنا ((فيقال)) وثمة ((ثم يقول)) مراعاة لحسن الأدب حيث نسب الرحمة إلي الله تعالي، والغضب لم ينسب إليه، كما في قوله تعالي:{أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم} .

قوله: ((ريطة)) ((نه)): الريطة كل ملاءة ليست لفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط، رد صلوات الله عليه الريطة علي الأنف، لما كوشف له وشم من نتن ريح روح الكافر، كما أنه صلى الله عليه وسلم غطى رأسه حين مر بالحجر لما شاهد من عذاب أهلها.

الحديث الرابع عن أبي هريرة: قوله: ((فتخرج كأطيب ريح المسك)) الكاف صفة مصدر محذوف، أي تخرج خروجاً مثل ريح مسك تفتق فارتها، وهو قد فاق علي سائر أرواح المسك.

ص: 1378

يأتوا به أبواب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض! فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحاً به من أحدكم بغائبة يقدم عليه فيسألونه: ماذا فعل فلان، ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا. فيقول: قد مات: أما أتاكم؟ فيقولون: قد ذهب به إلي أمه الهاوية. وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطاً عليك إلي عذاب الله عز وجل. فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار)) رواه أحمد والنسائي [1629].

ــ

قوله: ((فلهم أشد فرحاً)) ((لهم)) مبتدأ و ((أشد)) خبره واللام للابتداء مؤكدة نحوها في قوله تعالي: {لهو خير للصابرين} . ولا يبعد أن تكون جارة، أي لهم فرح أشد فرحاً، فيلزم أن يكون الفرح فرحاً، نحو قوله تعالي:((أو أشد خشية)) في وجه. والفاء داخلة علي الجملة، كما في قوله:{فروح وريحان} ، أي فله روح وريحان، لكنها جزائية، وهذه للتعقيب. وقوله:((بغبائه)) متعلق بمحذوف، و ((يقدم)) حال من ((غائبه)) أي من فرح أحدكم بغائبه حال قدومه.

قوله: ((ماذا فعل فلان)) أي كيف حاله وشأنه، ((والأم)) مصيره، ((فيقولون)) أي يقول بعض أولئك لبعض: دعوا القادم وسؤاله، فإنه حديث عهد بتعب الدنيا.

قوله: ((ذهب به)) لابد من تقدير الفاء، كما في قول الشاعر:

من يفعل الحسنات الله يشكرها

وقوله تعالي: {يدرككم الموت} في وجه، أي إذا كان الأمر كما قلت إنه مات ولم يلحق بنا، فقد ذهب به إلي أمه الهاوية لقوله تعالي:{فأمه هاوية} ((والهاوية)) من أسماء النار، وكأنها النار العميقة يهوي أهل النار فيها مهوى بعيداً. وقيل للمأوى: أم علي التشبيه؛ لأن الأم مأوى الولد ومفزعه، كقوله تعالي:{مأواكم النار} فالهاوية في الآية خبر لـ ((أمه))، وفي الحديث بدل أو عطف بيان له.

قوله: ((بمسح)) الجوهري: المسح البلاس، والجمع أمساح ومسوح، وقوله:((باب الأرض)) أي باب سماء الأرض، يدل عليه الحديث السابق ((ثم يعرج بها إلي السماء)). ويحتمل أن يراد بالباب باب الأرض، فيرده إلي أسفل السافلين حيث أرواح الكفار. والله أعلم.

ص: 1379

1360 -

وعن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلي القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله، كأن علي رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال:((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) مرتين أو ثلاثاً، ثم قال:((إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه الملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلي مغفرة من الله ورضوان)) قال: ((فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها، لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت علي وجه الأرض)) قال: ((فيصعدون بها، فلا يمرون- يعني بها- علي ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟! فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلي السماء الدنيا، فيستفتحون لها، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلي السماء التي تليها، حتى ينتى به إلي السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلي الأرض فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى)) قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيلجسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا

ــ

الحديث الخامس عن البراء رضي الله عنه: قوله: ((ولما يلحد)) ((لما)) بمعنى ((لم)) إلا أن فيه ضرباً من التوقع، فدل علي نفي اللحد فيما مضي، وعلي توقعه فيما يستقبل. وقوله:((كأن علي رءوسنا الطير)) كناية علي إطراقهم رءوسهم، وسكونهم، وعدم التفاتهم يميناً وشمالاً. ((وينكت به)) أي يؤثر بطرف العود الأرض فعل المفكر المهموم. و ((الحنوط)) ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. وقوله:((فإذا أخذها لم يدعوها)) إشارة إلي أن ملك الموت إذا قبض روح العبد، يسلمها إلي أعوانه الذين معهم كفن من أكفان الجنة، ولذلك أفرد الضمير ثم جمعه. و ((كأطيب)) صفة موصوف محذوف هو فاعل ((يخرج)) أي يخرج منه رائحة كأطيب نفسحة مسك.

ص: 1380

الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فأمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي؛ فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلي الجنة)) قال:((فيأتيه من روحها وطيبها، فيفسح له في قبره مد بصره)) قال: ((ويأتيه رل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة! رب أقم الساعة! حتى أرجع إلي أهلي ومالي)). قال: ((وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسموح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلي سخط من الله)) قال: ((فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينزع السفود من الصفوف المبلل، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في ديه طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسموح، وتخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت علي وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها علي ملأ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلي السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له))، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون

ــ

قوله: ((فوجهك)) الوجه)) مثل قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري. والجملة الفعلية بعده استئنافية، لما سره بتلك البشارة، قال له: إني لأعرفك من أنت، حتى أجازيك بالثناء والمدح، فوجهك هو الكامل في الحسن والجمال، ونهاية في الكمال، وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير، ويبشر بمثل هذه البشارة. فعلي هذا ((من أنت)) مضمن معنى المدح مجملاً. والفاء لتعقيب البيان بالمجمل وعلي عكس هذا قول الشقي للملك:((من أنت فوجهك الوجه)). وقوله: ((أقم الساعة)) لعله عبارة عن طلب إحيائه لكي يرجع إلي الدنيا ويزيد في العمل الصالح والإنفاق في سبيل الله، حتى يزيد ثواباً ويرفع درجاته.

قوله: ((فتفرق)) أي فتفرق الروح في جسده كراهة الخروج إلي ما يسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فرحاً إلي ما تقر به عينه من الكرامة والنعيم. شبه نزع روح الكافر من أقصى عرقه بحيث تصحبها العروق، كما قال في الرواية الأخرى:((وينزع نفسه من العروق كنزع السفود)) وهو الحديدة التي يشوى بها اللحم، فيبقى معها بقية من المحروق فيستصحب عند الجذب شيئاً من ذلك الصوف مع قوة وشدة،

ص: 1381

الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابة في سجين، في الأرض السفي، فتطرح روحه طرحاً)) ثم قرأ:{ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب، فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلي النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الكريم يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب! لا تقم الساعة)). وفي رواية نحوه وزاد فيه: ((إذا خرج روحه صلي عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم. وتنزع نفسه- يعني الكافر- مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، ولك ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن لا يعرج روحه من قبلهم)). رواه أحمد [1630].

ــ

وبعكسه شبه خروج روح المؤمن من جسده بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف.

قوله تعالي: {حتى يلج الجمل في سم الخياط} ((سم)) الإبرة، مثل في ضيق المسلك، و ((الجمل)) مثل في عظم الجرم. فقيل: لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون أبداً من ولوج هذا الحيوان الذي لا يلج إلا في باب واسع في ثقب الإبرة.

قوله: {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} أي عصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطارح البعيدة، وهذا استشهاد مجرد لقوله صلى الله عليه وسلم في سجين:((في الأرض السفلي)) فيطرح

ص: 1382

1631 -

وعن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، قال: لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم مبشر بنت البراء بن مغرور، فقالت: يا أبا عبد الرحمن! إن لقيت فلاناً فاقرأ عليه مني السلام. فقال: غفر الله لك يا أم بشر! نحن أشغل من ذلك. فقالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أرواح المؤمنين في طير خضر تعلق بشجر الجنة))؟ قال: بلي. قالت: فهو ذاك. رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب تعلق بشجر الجنة))؟ قال: بلي. قالت: فهو ذاك. رواه ابن ماجه، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور)) [1631].

1632 -

وعنه، عن أبيه، أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إنما نسمة المؤمن طير تعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله في جسده يوم يبعثه)). رواه مالك، والنسائي، والبيهقي في كتاب ((البعث والنشور)) [1632].

1633 -

وعن محمد بن المنكدر، قال: دخلت علي جابر بن عبد الله وهو يموت، فقلت: اقرأ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه ابن ماجه [1633].

ــ

روحه طرحاً، لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ؛ لأنه شبه في الآية من أشرك بالله الساقط من السماء، والأهواء التي تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يطوح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المههاوي المتلفة. والله أعلم.

الحديث السادس عن عبد الرحمن: قوله: ((قالت: يا أبا عبد الرحمن! أما سمعت)) إلي آخره، جواب عند اعتذاره بقوله:((نحن أشغل من ذلك)) أي لست أنت ممن يشتغل عما كلفتك، بل أنت ممن قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيت وكيت.

الحديث السابع والثامن عن عبد الرحن: قوله: ((تعلق بشجر الجنة)) الجوهري: علقت الإبل العضاه، تعلق- بالضم- إذا تسنمتها وتناولتها بأفواهها، ومنه الحديث ((أرواح الشهداء في

ص: 1383