الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خاتمة
قال أبو الزجاجي في كتاب إيضاح علل النحو:
القول في علل النحو
أقول أولا: إن علل النحو ليست موجبة وإنما هي مستنبطة أوضاعا ومقاييس وليست كالعلل الموجبة للأشياء المعلول بها ليس هذا من تلك الطرق.
وعلل النحو بعد هذا على ثلاثة أضرب: علل تعليمية وعلل قياسية وعلل جدلية نظرية.
فأما التعليمية: فهي التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب لأنا لا نسمع نحن ولا غيرنا كل كلامها منها لفظا وإنما سمعنا بعضا فقسنا على نظيره مثال ذلك: أنا لما سمعنا قام زيد فهو قائم وركب فهو راكب عرفنا اسم الفاعل فقلنا ذهب فهو ذاهب وأكل فهو آكل وما أشبه ذلك وهذا كثير جدا وفي الإيمان إليه كفاية لمن نظر في هذا العلم.
فمن هذا النوع من العلل قولنا: إن زيدا قائم إن قيل: بم نصبتم زيدا؟
قلنا بأن لأنها تنصب الاسم وترفع الخبر لأنا كذلك علمناه ونعلمه
وكذلك قام زيد إن قيل: لم رفعتم زيدا؟
قلنا: لأنه فاعل اشتغل به فعله فرفعه
فهذا وما أشبهه من نوع التعليم وبه ضبط كلام العرب
فأما العلة القياسية فأن يقال لمن قال نصبت زيدا بـ إن في قوله: إن زيدا قائما: ولم وجب أن تنصب إن الاسم؟
فالجواب في ذلك أن يقول: لأنها وأخواتها ضارعت الفعل المتعدي إلى مفعول فحملت عليه فأعملت إعماله لما ضارعته فالمنصوب بها مشبه بالمفعول
لفظا والمرفوع بها مشبه بالفاعل لفظا فهي تشبه من الأفعال ما قدم مفعوله على فاعله نحو ضرب أخاك محمد وما أشبه ذلك.
وأما العلة الجدلية النظرية فكل ما يعتل به في باب إن بعد هذا مثل أن يقال:
فمن أي جهة شابهت هذه الحروف الأفعال؟
وبأي الأفعال شبهتموها؟
أبالماضية أم بالمستقبلة أم الحادثة في الحال أم التراخية أم المنقضية بلا مهلة؟
وحين شبهتوها بالأفعال لأي شيء عدلتم بها إلى ما قدم مفعوله على فاعله نحو ضرب زيدا عمرو؟
وهلا شبهتوها بما قدم فاعله على مفعوله لأنه هو الأصل وذاك فرع ثان فأي علة دعتكم إلى إلحاقها بالفروع دون الأصول؟
وأي قياس اطرد لكم في ذلك؟
وحين شبهتوها بما قدم مفعوله على فاعله هلا أجزتم تقديم فاعليها على مفعوليها كما أجزتم ذلك في المشبه به في في قولكم: ضرب أخاك محمد وضرب محمد أخاك؟
وهلا حين امتنعت من ذلك لعلة لزمتموه ولم ترجعوا عنه فتجيزوه في بعض المواضع في قولكم إن خلفك زيدا وإن أمامك بكرا وما أشبه ذلك؟
وهلا حين مثلتم عملها بعمل الفعل المتعدي إلى مفعول واحد نحو: ضرب زيدا عمرو امتنعتم من إجازة وقوع الجمل في موضع فاعلها في قولكم: إن زيدا أبوه قائم وإن زيدا ماله كثير والفاعل لا يكون جملة؟
ولم أجزتم وقوع الفعل موقع فاعلها في قولكم: إن زيدا يركب وإن عبد الله ركب أرأيتم فعل وقع موقع الفاعل بدلا منه نائبا عنه؟
ما أرى كلامكم إلا ينقض بعضه بعضا
وكل شيء اعتل به المسئول جوابا عن هذه المسائل فهو داخل في الجدل والنظر
…
وذكر بعض شيوخنا أن الخليل بن أحمد رحمه الله سئل عن العلل التي يعتل بها في النحو فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك.؟
فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست وإن تكن هناك علة غير ما ذكرت فالذي ذكرته محتمل أن يكون علة له ومثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دار محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام وقد صحت عنده حكمه بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا ولسبب كذا وكذا لعله سنحت له وخطرت بباله محتملة أن تكون علة لتلك فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك
فإن سنحت لغيري علة لما عللته من النحو هي أليق مما ذكرته بالمعول فليأت بها.
وهذا كلام مستقيم وإنصاف من الخليل رحمة الله عليه وعلى هذه الأوجه الثلاثة مدار علل جميع النحو ".
هذا آخر كلام الزجاجي.