المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في المحرمات في النكاح] - البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري - جـ ٣

[زين الدين ابن نجيم - ابن عابدين]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْجِنَايَاتِ فِي الْحَجّ]

- ‌[فَصْلٌ نَظَرَ الْمُحْرِم إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى]

- ‌[فَصْلٌ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ]

- ‌(بَابُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ)

- ‌(بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ)

- ‌[بَابُ الْإِحْصَارِ فِي الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَة]

- ‌[بَابُ الْفَوَاتِ فِي الْحَجُّ]

- ‌(بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ)

- ‌(بَابُ الْهَدْيِ)

- ‌[مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

- ‌(كِتَابُ النِّكَاحِ)

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاح]

- ‌[بَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاح]

- ‌[فَصْلٌ بَعْضُ مَسَائِلِ الْوَكِيلِ وَالْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاح]

- ‌(بَابُ الْمَهْرِ)

- ‌(بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ)

- ‌[بَابُ نِكَاحِ الْكَافِر]

- ‌(بَابُ الْقَسْمِ)

- ‌(كِتَابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[الْمُحْرِمَات بِسَبَبِ الرَّضَاعِ]

- ‌[وَلَبَنُ الرَّجُلِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ]

- ‌ أَرْضَعَتْ ضَرَّتَهَا

- ‌(كِتَابُ الطَّلَاقِ)

- ‌[بَابُ أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ)

- ‌(بَابُ الْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ)

- ‌(بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ)

- ‌(فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ)

- ‌(فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ)

الفصل: ‌[فصل في المحرمات في النكاح]

فَلْيُتَأَمَّلْ، وَعِبَارَةُ النُّقَايَةِ هُنَا أَخْصَرُ، وَأَفْوَدُ حَيْثُ قَالَ: وَالْوَكِيلُ شَاهِدٌ إنْ حَضَرَ مُوَكِّلُهُ كَالْوَلِيِّ إنْ حَضَرَتْ مُوَلِّيَتُهُ بَالِغَةً. اهـ.

وَلِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ رَجُلًا اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ أَوْ امْرَأَتَانِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً اُشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ كَذَلِكَ.

وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُوَلِّيَةِ بَالِغَةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا يَكُونُ الْوَلِيُّ شَاهِدًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ كَالْوَلِيِّ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَكِيلٌ فَدَخَلَ تَحْتَ الْأَوَّلِ، وَقَيَّدَ بِحَضْرَةِ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى رَجُلًا فِي تَزْوِيجِ عَبْدِهِ فَزَوَّجَهُ الْوَكِيلُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَالْعَبْدُ حَاضِرٌ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ لِعَدَمِ التَّوْكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ فَتَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ الْمَوْلَى وَرَجُلٍ آخَرِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ وَيَكُونُ الْمَوْلَى شَاهِدًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَصَرَّفُ بِأَهْلِيَّةِ نَفْسِهِ وَالْإِذْنُ فَكُّ الْحَجْرِ، وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ وَصَحَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَوْ زَوَّجَ الْمَوْلَى عَبْدَهُ الْبَالِغَ امْرَأَةً بِحَضْرَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَالْعَبْدُ حَاضِرٌ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا فَيَنْتَقِلُ إلَى الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَائِبًا لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْمَرْغِينَانِيُّ لَا يَجُوزُ فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ وَرَجَّحَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَدَمَ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّيِّدِ لَيْسَ فَكًّا لِلْحَجْرِ عَنْهُمَا فِي التَّزَوُّجِ مُطْلَقًا وَالْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِهِ ثُمَّ إذَا وَقَعَ التَّجَاحُدُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَلِلْمُبَاشِرِ أَنْ يَشْهَدَ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ عَقَدَهُ بَلْ قَالَ: هَذِهِ امْرَأَتُهُ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ وَنَحْوَهُ، وَإِنْ بَيَّنَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا قَالَ: هَذِهِ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ يَشْهَدْ بِالْعَقْدِ وَالصَّوَابُ أَنَّهَا تُقْبَلُ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إثْبَاتِ الْعَقْدِ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّفَّارِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى نِكَاحَ امْرَأَةٍ مِنْ رَجُلٍ، وَقَدْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالْوَرَثَةُ يُنْكِرُونَ هَلْ يَجُوزُ لِلَّذِي تَوَلَّى الْعَقْدَ أَنْ يَشْهَدَ قَالَ: نَعَمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْعَقْدَ لَا غَيْرُ فَيَقُولُ هَذِهِ مَنْكُوحَتُهُ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي الْأَخَوَيْنِ إذَا زَوَّجَا أُخْتَهُمَا ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى النِّكَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَا هَذِهِ مَنْكُوحَتُهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَفِي الْفَتَاوَى بَعَثَ أَقْوَامًا لِلْخُطْبَةِ فَزَوَّجَهَا الْأَبُ بِحَضْرَتِهِمْ فَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي جَعْلِ الْكُلِّ خَاطِبِينَ فَيُجْعَلُ الْمُتَكَلِّمُ فَقَطْ وَالْبَاقِي شُهُودٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَفِي الْمُحِيطِ وَاخْتَارَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ الْجَوَازَ. اهـ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ)

شُرُوعٌ فِي بَيَانِ شَرْطِ النِّكَاحِ أَيْضًا فَإِنَّ مِنْهُ كَوْنَ الْمَرْأَةِ مُحَلَّلَةً لِتَصِيرَ مَحَلًّا لَهُ وَأَفْرَدَ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِكَثْرَةِ شُعَبِهِ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي إضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَى الْأَعْيَانِ، فَقِيلَ: مَجَازٌ وَالْمُحَرَّمُ حَقِيقَةً الْفِعْلُ، وَرَجَّحُوا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَانْتِفَاءُ مَحَلِّيَّةِ الْمَرْأَةِ لِلنِّكَاحِ شَرْعًا بِأَسْبَابٍ تِسْعَةٍ: الْأَوَّلُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّسَبِ: وَهُنَّ فُرُوعُهُ وَأُصُولُهُ وَفُرُوعُ أَبَوَيْهِ وَإِنْ نَزَلُوا وَفُرُوعُ أَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ إذَا انْفَصَلُوا بِبَطْنٍ وَاحِدٍ. الثَّانِي الْمُحَرَّمَاتُ بِالْمُصَاهَرَةِ: وَهُنَّ فُرُوعُ نِسَائِهِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ وَأُصُولُهُنَّ وَحَلَائِلُ فُرُوعِهِ وَحَلَائِلُ أُصُولِهِ، وَالثَّالِثُ الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ وَأَنْوَاعُهُنَّ كَالنَّسَبِ، وَالرَّابِعُ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَحَارِمِ وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّاتِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْخَمْسِ، وَالْخَامِسُ حُرْمَةُ التَّقْدِيمِ وَهُوَ تَقْدِيمُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ جَعَلَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُحِيطِ قِسْمًا عَلَى حِدَةٍ وَأَدْخَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي حُرْمَةِ الْجَمْعِ، فَقَالَ: وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْحُرَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ وَهُوَ الْأَنْسَبُ، وَالسَّادِسُ الْمُحَرَّمَةُ لِحَقِّ الْغَيْرِ كَمَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ وَمُعْتَدَّتِهِ وَالْحَامِلِ بِثَابِتِ النَّسَبِ، وَالسَّابِعُ الْمُحَرَّمَةُ لِعَدَمِ دِينٍ سَمَاوِيٍّ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ، وَالثَّامِنُ الْمُحَرَّمَةُ لِلتَّنَافِي كَنِكَاحِ السَّيِّدَةِ مَمْلُوكَهَا، وَالتَّاسِعُ لَمْ يَذْكُرْهُ الزَّيْلَعِيُّ وَكَثِيرٌ وَهُوَ الْمُحَرَّمَةُ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالنِّهَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ سَبْعَةً مِنْهَا، وَذَكَرَ الْمُحَرَّمَةَ بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي فَصْلِ مَنْ تَحِلُّ بِهِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ: لَيْسَ فَكًّا لِلْحَجْرِ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْوَاقِعَيْنِ فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ وَحَيْثُ اقْتَصَرَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى الْعَبْدِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلِهِ أَيْ الْأَنْقَلُ أَنَّ مُبَاشَرَةَ السَّيِّدِ لَيْسَ فَكًّا لِلْحَجْرِ لَزِمَ صِحَّةُ الْعَقْدِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِتَزْوِيجِ عَبْدِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: وَفِي الْخُلَاصَةِ الْمُخْتَارُ عَدَمُ الْجَوَازِ) ، وَفَّقَ الْحَانُوتِيُّ بِحَمْلِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى مَا إذَا قَبِلُوا جَمِيعًا كَذَا فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ عَنْ خَطِّ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي الْمَقْدِسِيَّ. اهـ.

قُلْتُ: يُنَافِي هَذَا الْجَمْعَ مَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَبِلَ وَاحِدٌ مِنْ الْقَوْمِ ثُمَّ رَأَيْت الشَّيْخَ عَلِيَّ الْمَقْدِسِيَّ فِي الرَّمْزِ جَمَعَ بِمَا مَرَّ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاح]

(فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ)

ص: 98

الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا مِنْ الرَّجْعَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُرْمَةِ لِحَقِّ الْغَيْرِ لِظُهُورِهِ (قَوْلُهُ حَرُمَ تَزَوُّجُ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ وَإِنْ بَعُدَتَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} [النساء: 23] وَاخْتُلِفَ فِي تَوْجِيهِ حُرْمَةِ الْجَدَّاتِ وَبَنَاتِ الْبَنَاتِ، فَقِيلَ بِوَضْعِ اللَّفْظِ وَحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ فِي اللُّغَةِ الْأَصْلُ وَالْبِنْتُ الْفَرْعُ فَيَكُونُ الِاسْمُ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ، وَقِيلَ بِمَجَازِهِ لَا أَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بَلْ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فَيُرَادُ بِالْأُمِّ الْأَصْلُ أَيْضًا وَبِالْبِنْتِ الْفَرْعُ فَيَدْخُلَانِ فِي عُمُومِهِ وَالْمُعَرِّفُ لِإِرَادَةِ ذَلِكَ فِي النَّصِّ الْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَتِهِنَّ، وَقِيلَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ الْمُحَرِّمِ لِلْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَبَنَاتِ الْأَخِ وَالْأُخْتِ فَفِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَشِقَّاءَ مِنْهُنَّ أَوْلَادُ الْجَدَّاتِ فَتَحْرِيمُ الْجَدَّاتِ وَهُنَّ أَقْرَبُ أَوْلَى وَفِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ بَنَاتِ الْأَوْلَادِ أَقْرَبُ مِنْ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَكُلٌّ مِنْ التَّوْجِيهَاتِ صَحِيحٌ وَدَخَلَ فِي الْبِنْتِ بِنْتُهُ مِنْ الزِّنَا فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ النَّصِّ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُهُ لُغَةً وَالْخِطَابُ إنَّمَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنْقُولًا شَرْعًا، وَكَذَا أُخْتُهُ مِنْ الزِّنَا وَبِنْتُ أَخِيهِ وَبِنْتُ أُخْتِهِ أَوْ ابْنِهِ مِنْهُ بِأَنْ زَنَى أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ ابْنُهُ فَأَوْلَدُوا بِنْتًا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَالْجَدِّ، وَصُورَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أَنْ يَزْنِيَ بِبِكْرٍ وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَلِدَ بِنْتًا كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ بَحْثِ إنَّ الزِّنَا يُوجِبُ الْمُصَاهَرَةَ، وَدَخَلَ بِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ أَيْضًا فَلَهَا حُكْمُ الْبِنْتِ هُنَا فَلَوْ لَاعَنَ فَنَفَى الْقَاضِي نَسَبَهَا مِنْ الرَّجُلِ وَأَلْحَقَهَا بِالْأُمِّ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ أَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ وَيَدَّعِيَهَا فَيُثْبِتُ نَسَبَهَا مِنْهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْمَصْرِفِ عَنْ الْمِعْرَاجِ أَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ الَّذِي نَفَاهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ، وَمُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْبِنْتِيَّةِ فِيمَا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلَا يَجُوزُ لِوَلَدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ احْتِيَاطًا وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي بِنْتِ الْمُلَاعَنَةِ إنَّهَا تَحْرُمُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا رَبِيبَةٌ، وَقَدْ دَخَلَ بِأُمِّهَا لَا لِمَا تَكَلَّفَهُ فِي الْفَتْحِ كَمَا لَا يَخْفَى.

(قَوْلُهُ وَأُخْتُهُ وَبِنْتُهَا وَبِنْتُ أَخِيهِ وَعَمَّتُهُ وَخَالَتُهُ) لِلنَّصِّ الصَّرِيحِ وَدَخَلَ فِيهِ الْأَخَوَاتُ الْمُتَفَرِّقَاتُ وَبَنَاتُهُنَّ وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ الْمُتَفَرِّقِينَ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ الْمُتَفَرِّقَاتُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الْكُلَّ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِي الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ أَوْلَادُ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا، وَكَذَا عَمَّةُ جَدِّهِ وَخَالَتُهُ وَعَمَّةُ جَدَّتِهِ وَخَالَاتُهَا لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَمَّةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ كَذَلِكَ، وَأَمَّا عَمَّةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ لَا تَحْرُمُ اهـ.

وَفِي الْمُحِيطِ، وَأَمَّا عَمَّةُ الْعَمَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَمَّةُ الْقُرْبَى عَمَّةً لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَعَمَّةُ الْعَمَّةِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَى إذَا كَانَتْ أُخْتَ أَبِيهِ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ فَإِنَّ عَمَّتَهَا تَكُونُ أُخْتَ جَدِّهِ أَبِ الْأَبِ وَأُخْتُ أَبِ الْأَبِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ وَإِنْ كَانَتْ الْقُرْبَى عَمَّةً لِأُمٍّ فَعَمَّةُ الْعَمَّةِ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَبَا الْعَمَّةِ يَكُونُ زَوْجَ أُمِّ أَبِيهِ فَعَمَّتُهَا تَكُونُ أُخْتَ زَوْجِ الْجَدَّةِ أُمِّ الْأَبِ وَأُخْتُ زَوْجِ الْأُمِّ لَا تَحْرُمُ فَأُخْتُ زَوْجِ الْجَدَّةِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْحُرْمَةِ لِحَقِّ الْغَيْرِ لِظُهُورِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ أَيْ فِي الرَّجْعَةِ وَيَنْكِحُ مُبَانَتَهُ فِي الْعِدَّةِ وَبَعْدَهَا إيمَاءً إلَيْهِ إذَا قَيَّدَ بِمُبَانَتِهِ؛ لِأَنَّ مُبَانَةَ غَيْرِهِ لَا يَنْكِحُهَا فِيهَا وَعُرِفَ مِنْهُ الْمَنْعُ فِي الْمَنْكُوحَةِ بِالْأَوْلَى اهـ.

وَلَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ نَفَى التَّصْرِيحَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا أُخْتُهُ مِنْ الزِّنَا وَبِنْتُ أَخِيهِ وَبِنْتُ أُخْتِهِ) أَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ فِي الرَّضَاعِ مِنْ أَنَّ الْبِنْتَ مِنْ الزِّنَا لَا تَحْرُمُ عَلَى عَمِّ الزَّانِي وَخَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهَا مِنْ الزَّانِي حَتَّى يَظْهَرَ فِيهَا حُكْمُ الْقَرَابَةِ وَتَحْرِيمُهَا عَلَى آبَاءِ الزَّانِي وَأَوْلَادِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ لِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ وَلَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ وَالْخَالِ اهـ.

وَمُخَالِفٌ أَيْضًا لِمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ هُنَاكَ عَنْ التَّجْنِيسِ حَيْثُ قَالَ لَا يَجُوزُ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالصَّبِيَّةِ الْمُرْضَعَةِ وَلَا لِأَبِيهِ وَأَجْدَادِهِ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ وَلِعَمِّ الزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِالصَّبِيَّةِ الَّتِي وُلِدَتْ مِنْ الزَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهَا مِنْ الزَّانِي حَتَّى يَظْهَرَ فِيهَا حُكْمُ الْقَرَابَةِ وَالتَّحْرِيمُ عَلَى آبَاءِ الزَّانِي وَأَوْلَادِهِ لِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ وَالْبَعْضِيَّةِ وَلَا جُزْئِيَّةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَمِّ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الزِّنَا فَكَذَا فِي حَقِّ الْمُرْضَعَةِ مِنْ الزِّنَا. اهـ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْفَتْحِ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ حُرْمَةِ الْبِنْتِ مِنْ الزِّنَا بِصَرِيحِ النَّصِّ فَتَدْخُلُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} [النساء: 23] فَتَحْرُمُ عَلَى الْعَمِّ وَعَلَى الْخَالِ بِصَرِيحِ النَّصِّ وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ وَلَكِنْ إنْ كَانَ مَنْقُولًا فَهُوَ مَقْبُولٌ وَإِلَّا فَيَتْبَعُ الْمَنْقُولَ فِي التَّجْنِيسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَصُورَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَزْنِيَ بِبِكْرٍ إلَخْ) قَالَ الْحَانُوتِيُّ وَلَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهَا بِنْتَه مِنْ الزِّنَا إلَّا بِذَلِكَ إذْ لَا يُعْلَمُ كَوْنُ الْوَلَدِ مِنْهُ إلَّا بِهِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ (قَوْلُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي بِنْتِ الْمُلَاعَنَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ ثُبُوتُ اللِّعَانِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الدُّخُولِ بِأُمِّهَا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ رَبِيبَتَهُ (قَوْلُهُ، وَكَذَا عَمَّةُ جَدِّهِ وَخَالَتُهُ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَإِنْ عَلَوْا.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا عَمَّةُ الْعَمَّةِ لِأَبٍ لَا تَحْرُمُ) هَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا وَيَرُدُّهُ مَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَمِثْلُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحُجَّةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ لِأَبٍ مِنْ سَبْقِ الْقَلَمِ وَالصَّوَابُ لِأُمٍّ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْ الْخَانِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ

ص: 99

أَوْلَى أَنْ لَا تَحْرُمَ.

وَأَمَّا خَالَةُ الْخَالَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْخَالَةُ الْقُرْبَى خَالَةً لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ فَخَالَتُهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ الْقُرْبَى خَالَةً لِأَبٍ فَخَالَتُهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أُمَّ الْخَالَةِ الْقُرْبَى تَكُونُ امْرَأَةَ الْجَدِّ أَبِي الْأُمِّ لَا أُمَّ أُمِّهِ وَأُخْتُهَا تَكُونُ أُخْتَ امْرَأَةِ أَبِي الْأُمِّ وَأُخْتُ امْرَأَةِ الْجَدِّ لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ اهـ.

وَكَمَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ ذُكِرَ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ التَّزَوُّجُ بِنَظِيرِ مَنْ ذُكِرَ وَعِبَارَةُ النُّقَايَةِ أَوْلَى وَهِيَ: وَحَرُمَ أَصْلُهُ أَيْ التَّزَوُّجِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَفَرْعُهُ وَفَرْعُ أَصْلِهِ الْقَرِيبُ وَصُلْبِيَّةُ أَصْلِهِ الْبَعِيدِ. (قَوْلُهُ وَأُمُّ امْرَأَتِهِ) بَيَانٌ لِمَا ثَبَتَ بِالْمُصَاهَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} [النساء: 23] أَطْلَقَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ امْرَأَتِهِ مَدْخُولًا بِهَا أَوْ لَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَوْضِيحُهُ فِي الْكَشَّافِ وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْأُمَّهَاتِ جَدَّاتُهَا مِنْ قِبَلِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا وَإِنْ عَلَوْنَ وَقَيَّدَ بِالْمَرْأَةِ فَانْصَرَفَ إلَى النِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَاسِدًا فَلَا تَحْرُمُ أُمُّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ بَلْ بِالْوَطْءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَتَهُ فَلَا تَحْرُمُ أُمُّهَا إلَّا بِالْوَطْءِ أَوْ دَوَاعِيهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ النِّسَاءِ إذَا أُضِيفَ إلَى الْأَزْوَاجِ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ الْحَرَائِرَ كَمَا فِي الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ.

(قَوْلُهُ وَبِنْتُهَا إنْ دَخَلَ بِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23] قَالَ فِي الْكَشَّافِ فَإِنْ قُلْتُ: مَا مَعْنَى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؟ قُلْتُ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ كَقَوْلِهِمْ بَنَى عَلَيْهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، وَذِكْرُ الْحِجْرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعَادَةِ أَوْ ذُكِرَ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ لَا لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ نَحْوُ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً فِي قَوْله تَعَالَى {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] اهـ.

وَتَفْسِيرُ الْحِجْرِ أَنْ تُزَفَّ الْبِنْتُ مَعَ الْأُمِّ إلَى بَيْتِ زَوْجِ الْأُمِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْبِنْتُ مَعَ الْأَبِ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِ زَوْجِ الْأُمِّ وَفِي الْمُغْرِبِ حِجْرُ الْإِنْسَانِ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ حِضْنُهُ وَهُوَ مَا دُونَ إبْطِهِ إلَى الْكَشْحِ، ثُمَّ قَالُوا: فُلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَمَنَعَتِهِ كَمَا فِي الْآيَةِ. اهـ.

وَأَمَّا بَنَاتُ الرَّبِيبَةِ وَبَنَاتُ أَبْنَائِهَا وَإِنْ سَفَلْنَ فَتَثْبُتُ حُرْمَتُهُنَّ بِالْإِجْمَاعِ وَبِمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا وَفِي الْكَشَّافِ وَاللَّمْسُ وَنَحْوُهُ يَقُومُ مَقَامَ الدُّخُولِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي التَّبْيِينِ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ {وَرَبَائِبُكُمُ} [النساء: 23] بَنَاتُ الرَّبِيبَةِ وَالرَّبِيبِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُنَّ بِخِلَافِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ خَاصٌّ بِهِنَّ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُنَّ اهـ.

يَعْنِي فَلَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجَةِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُ ابْنِ زَوْجَةِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُ زَوْجَةِ الْأَبِ وَلَا بِنْتُ ابْنِ زَوْجَةِ الْأَبِ (قَوْلُهُ وَامْرَأَةُ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَإِنْ بَعُدَا) أَمَّا حَلِيلَةُ الْأَبِ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 22] فَتَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ اسْتَدَلَّ بِهَا الْمَشَايِخُ كَصَاحِبِ النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِ عَلَى ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِالزِّنَا بِنَاءً عَلَى إرَادَةِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ حُرْمَةُ امْرَأَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مَا يُطَابِقُهَا مِنْ إرَادَةِ الْوَطْءِ قَصُرَ عَنْ إفَادَةِ تَمَامِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ حَيْثُ قَالَ: وَلَا بِامْرَأَةِ أَبِيهِ، وَتُصَدَّقُ امْرَأَةُ الْأَبِ بِعَقْدِهِ عَلَيْهَا وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ.

وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى اعْتِبَارِ لَفْظِ النِّكَاحِ فِي نِكَاحِ الْآبَاءِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَعُمُّ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ، وَلَك النَّظَرُ فِي تَعْيِينِهِ وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ اعْتِبَارَهَا فِي الْمَجَازِيِّ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ ثَبَتَتْ حُرْمَةُ الْمَوْطُوءَةِ بِالْآيَةِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهَا بِلَا وَطْءٍ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ لَا أُمَّ أُمِّهِ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْقُرْبَى لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْ لِأُمٍّ فَإِنَّ أُمَّهَا تَكُونُ أُمَّ أُمِّهِ وَلَا يَحِلُّ تَزَوُّجُ أُخْتَ أُمِّ الْأُمِّ، وَهَذِهِ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَرَحْمَةُ وَزَيْنَبُ بِنْتَا فَاطِمَةَ مِنْ عَمْرٍو وَمَرْيَمُ بِنْتُهَا مِنْ غَيْرِهِ وَحَوَّاءُ بِنْتُ كُلْثُومٍ مِنْ عَمْرٍو وَزَيْنَبُ خَالَةُ بَكْرِ ابْنِ رَحْمَةَ لِأُمٍّ وَأَبٍ وَمَرْيَمُ خَالَتُهُ لِأُمٍّ فَلَوْ كَانَ لَهُمَا خَالَةٌ تَحْرُمُ عَلَى بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ أُخْتَ جَدَّتِهِ فَاطِمَةَ، وَأَمَّا حَوَّاءُ فَإِنَّهَا خَالَةُ بَكْرٍ لِأَبٍ فَلَوْ كَانَ لَهَا خَالَةٌ تَكُونُ أُخْتَ كُلْثُومٍ امْرَأَةِ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ فَتَحِلُّ لَهُ. (قَوْلُهُ وَعِبَارَةُ النُّقَايَةِ أَوْلَى) أَيْ لِإِفَادَتِهَا التَّحْرِيمَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَعِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ قَاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ أَيْ صَرِيحًا وَإِلَّا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ تَزَوُّجِهِ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ حُرْمَةُ تَزَوُّجِهَا أُصُولَهَا وَفُرُوعَهَا فَإِنَّهُ إذَا حَرُمَ عَلَيْهِ تَزَوُّجُ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمَا تَزَوُّجُهُ (قَوْلُهُ وَفِي الْكَشَّافِ وَاللَّمْسُ وَنَحْوُهُ إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى نَقْلِهِ عَنْهُ بَعْدَ مَا طَفَحَتْ الْمُتُونُ بِذِكْرِهِ فَإِنَّ اللَّمْسَ كَالْوَطْءِ فِي إيجَابِهِ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِصَاصٍ بِمَوْضِعٍ، دُونَ مَوْضِعٍ أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْآيَةَ صَرَّحَتْ بِالتَّحْرِيمِ بِقَيْدِ الدُّخُولِ وَبِعَدَمِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَكَانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمَسَّ وَنَحْوَهُ لَيْسَ كَالدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وَأَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ مَخْصُوصٌ بِمَا عَدَاهَا فَنَقَلَ أَنَّهُ مِثْلُهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ عَنْ الْكَشَّافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَقْلًا فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا فِي الْكَشَّافِ فَعَزَاهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَشَّافِ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي النَّقْلِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ حُرْمَةُ امْرَأَةِ الْأَبِ وَالْجَدِّ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ فَإِنْ أُرِيدَ مِنْ حُرْمَةٍ بِلَفْظِ مِنْ الْجَارَّةِ بُدِّلَ بِهِ وَالْمَعْنَى عَلَيْهَا ظَاهِرٌ

ص: 100

بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ الْحُرْمَةَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَفْظُ الدَّلِيلِ صَالِحٌ لَهُ كَانَ مُرَادًا مِنْهُ بِلَا شُبْهَةٍ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ تَابِعٌ لِلنَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ، عَنْ أَحَدِهِمَا يَكُونُ، وَلَوْ كَانَ عَنْ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يُخْلَقُ لَهُمْ، يَثْبُتُ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُرَادٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ إذَا احْتَمَلَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ إنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ مَنْكُوحَةَ الْأَبِ وَطْئًا وَعَقْدًا صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ نَفْيٌ وَفِي النَّفْيِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كَمَا يَجُوزُ فِي الْمُشْتَرَكِ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَعَانِيهِ فِي النَّفْيِ اهـ.

ضَعِيفٌ فِي الْأُصُولِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لَا فِي النَّفْيِ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ وَلَا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ مُطْلَقًا قَالَ الْأَكْمَلُ فِي التَّقْرِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّفْيَ لَمَّا اقْتَضَاهُ الْإِثْبَاتُ فَإِنْ اقْتَضَى الْإِثْبَاتُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَالنَّفْيُ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْيَمِينِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَبْسُوطِ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ مَوْلَاك وَلَهُ أَعْلَوْنَ وَأَسْفَلُونَ أَيُّهُمْ كَلَّمَ حَنِثَ فَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ كَمَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ، وَإِنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ مَتْرُوكَةٌ بِدَلَالَةِ الْيَمِينِ إلَى مَجَازٍ يَعُمُّهُمَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَالِي مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ عِتْقٌ وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ اهـ.

لَكِنْ اخْتَارَ الْمُحَقِّقُ فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهُ يَعُمُّ فِي النَّفْيِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي النَّفْيِ وَالْمَنْفِيُّ مَا سُمِّيَ بِاللَّفْظِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْأُصُولِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْآيَةِ لِلْعَقْدِ كَمَا هُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَيُسْتَدَلُّ لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَفِي الْمُحِيطِ رَجُلٌ لَهُ جَارِيَةٌ، فَقَالَ قَدْ وَطِئْتهَا لَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ، فَقَالَ قَدْ وَطِئْتهَا، يَحِلُّ لِابْنِهِ أَنْ يُكَذِّبَهُ وَيَطَأَهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَشْهَدُ لَهُ وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ يَسَعُهُ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ الْأَبَ وَطِئَهَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ فَلَمَّا أَرَادَ مُجَامَعَتَهَا وَجَدَهَا مُفْتَضَّةً، قَالَ لَهَا: مَنْ افْتَضَّك؟ فَقَالَتْ: أَبُوك إنْ صَدَّقَهَا الزَّوْجُ بَانَتْ مِنْهُ وَلَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ اهـ.

، وَأَمَّا حَلِيلَةُ الِابْنِ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء: 23] فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ الْحَلِيلَةُ مِنْ حُلُولِ الْفِرَاشِ أَوْ حَلِّ الْإِزَارِ تَنَاوَلَتْ الْمَوْطُوءَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى فَيَحْرُمُ الْكُلُّ عَلَى الْآبَاءِ وَهُوَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ عِنْدَنَا وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا لِلِابْنِ أَوْ بَنِيهِ وَإِنْ سَفَلُوا قَبْلَ الْوَطْءِ.

وَالْفَرْضُ أَنَّهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِهِ مِنْ الْحِلِّ بِكَسْرِ الْحَاءِ، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ الْمَزْنِيِّ بِهَا لِلِابْنِ عَلَى الْأَبِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي أَعَمَّ مِنْ الْحِلِّ، وَالْحِلُّ ثَمَّ يُرَادُ بِالْأَبْنَاءِ الْفُرُوعِ فَتَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ السَّافِلِ عَلَى الْجَدِّ الْأَعْلَى، وَكَذَا حَلِيلَةُ ابْنِ الْبِنْتِ وَإِنْ سَفَلَ وَكَمَا تَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ النَّسَبِ تَحْرُمُ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ، وَذِكْرُ الْأَصْلَابِ فِي الْآيَةِ لِإِسْقَاطِ حَلِيلَةِ الِابْنِ الْمُتَبَنَّى كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَلِيلَةَ الزَّوْجَةُ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ فَتَحْرُمُ زَوْجَةُ الِابْنِ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا بِالْآيَةِ، وَأَمَّا حُرْمَةُ مَنْ وَطِئَهَا مِمَّنْ لَيْسَ بِزَوْجَةٍ فَبِدَلِيلٍ آخَرَ وَكَوْنُهَا مِنْ حُلُولِ الْفِرَاشِ لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهَا لِلْمَوْطُوءَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَيْدِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْمُغْرِبِ فَسَّرَهَا بِالزَّوْجَةِ، ثُمَّ قَالَ؛ لِأَنَّهَا تُحِلُّ زَوْجَهَا فِي فِرَاشٍ.

(قَوْلُهُ وَالْكُلُّ رَضَاعًا) بَيَانٌ لِلنَّوْعِ الثَّالِثِ وَهُوَ أَنَّ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِيَّةِ يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ لِلْآيَةِ وَالْحَدِيثِ حَتَّى لَوْ أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا حُرِّمَ عَلَيْهِ زَوْجَةُ زَوْجِ الظِّئْرِ الَّذِي نَزَلَ لَبَنُهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةُ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ عَلَى زَوْجِ الظِّئْرِ امْرَأَةُ هَذَا الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهَا امْرَأَةُ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَفِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: وَهَذَا يَشْمَلُ عِدَّةَ أَقْسَامٍ كَبِنْتِ الْأُخْتِ مَثَلًا تَشْمَلُ الْبِنْتَ الرَّضَاعِيَّةَ لِلْأُخْتِ النَّسَبِيَّةِ وَالْبِنْتَ النَّسَبِيَّةَ لِلْأُخْتِ الرَّضَاعِيَّةِ وَالْبِنْتَ الرَّضَاعِيَّةَ لِلْأُخْتِ الرَّضَاعِيَّةِ اهـ.

وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْمُصَنِّفُ هُنَا شَيْئًا وَاسْتَثْنَى فِي كِتَابِ الرَّضَاعِ أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتَ ابْنِهِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حُرِّمَ فِي النَّسَبِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِيهِمَا وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ إحْدَى وَعِشْرِينَ صُورَةً وَجَمَعَهَا فِي قَوْلِهِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ تَابِعٌ لِلنَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ، عَنْ أَحَدِهِمَا يَكُونُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ الْمَأْخُوذِ مِنْ النَّصِّ فَافْهَمْ اهـ.

فَقَوْلُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا يَكُونُ أَيْ يُوجَدُ وَيَنْشَأُ بَيَانٌ لِلتَّبَعِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْأَصْلَابَ فِي الْآيَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالُوا لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ زَوْجَةُ مَنْ تَبَنَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْنٍ لَهُ وَلَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الْأُمِّ وَلَا أُمُّهُ وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ وَلَا زَوْجَةُ الرَّابِّ.

ص: 101

يُفَارِقُ النَّسَبُ الْإِرْضَاعَ فِي صُوَرْ

كَأُمٍّ نَافِلَةً أَوْ جَدَّةِ الْوَلَدْ

وَأُمِّ عَمٍّ وَأُخْتِ ابْنٍ وَأُمِّ أَخْ

وَأُمِّ خَالٍ وَعَمَّةِ ابْنٍ اعْتَمَدْ

؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُضَافُ رَضَاعِيًّا وَالْمُضَافُ إلَيْهِ نَسَبِيًّا أَوْ عَكْسَهُ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا رَضَاعِيًّا فَيَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أُمِّ أَخِيهِ رَضَاعًا سَوَاءٌ كَانَتْ الْأُمُّ رَضَاعِيَّةً وَحْدَهَا أَوْ نَسَبِيَّةً وَحْدَهَا أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا رَضَاعِيًّا، وَكَذَا فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ.

(قَوْلُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نِكَاحًا وَوَطْئًا بِمِلْكِ يَمِينٍ) بَيَانٌ لِلنَّوْعِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَحَارِمِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} [النساء: 23] ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِلْحَدِيثِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعَنَّ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَلَيْسَ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِقَطْعِ الرَّحِمِ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَلَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَا بَيْنَ امْرَأَةٍ وَابْنَةِ أُخْتِهَا أَوْ ابْنَةِ أَخِيهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ ذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لِلذَّكَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ حُرْمَةَ هَذَا الْجَمْعِ لَيْسَ لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الرَّضِيعَيْنِ رَحِمٌ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ اهـ.

وَسَيَأْتِي حَدِيثٌ يَرُدُّهُ فَلَوْ قَدَّمُوا حُرْمَةَ الْجَمْعِ عَلَى قَوْلِهِمْ وَالْكُلُّ رَضَاعًا لَكَانَ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى، وَتَفَرَّعَ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نَسَبًا وَرَضَاعًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ رَضِيعَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ فَسَدَ نِكَاحُهُمَا وَالْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ فِي الْمُخْتَصَرِ الْعَقْدُ وَقَوْلُهُ بِمِلْكِ يَمِينٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَطْءِ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِلْكًا بِدُونِ الْوَطْءِ.

(قَوْلُهُ فَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَ أَمَتِهِ الْمَوْطُوءَةِ لَمْ يَطَأْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يَبِيعَهَا) بَيَانٌ لِشَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا صِحَّةُ نِكَاحِ الْأُخْتِ مَعَ كَوْنِ أُخْتِهَا مَوْطُوءَةً لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا بِاعْتِرَافِكُمْ فَيَصِيرُ بِالنِّكَاحِ جَامِعًا وَطْئًا حُكْمًا وَهُوَ بَاطِلٌ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ لُزُومَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَطْئًا حُكْمًا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ بِيَدِهِ إزَالَتَهُ فَلَا يَضُرُّ بِالصِّحَّةِ وَيُمْنَعُ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَهَا لِقِيَامِهِ إذْ ذَاكَ أَطْلَقَ فِي الْأُخْتِ الْمُتَزَوِّجَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ أَمَةً أَوْ حُرَّةً، ثَانِيهِمَا: حُرْمَةُ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَبِيعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَامَعَ الْمَنْكُوحَةَ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا وَطْئًا حَقِيقَةً وَلَوْ جَامَعَ الْمَمْلُوكَةَ يَصِيرُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً، وَحُكْمًا وَالْمُرَادُ بِالْبَيْعِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَحِينَئِذٍ يَطَأُ الْمَنْكُوحَةَ لِعَدَمِ الْجَمْعِ كَالْبَيْعِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَالتَّزْوِيجِ الصَّحِيحِ وَالْهِبَةِ مَعَ التَّسْلِيمِ وَالْإِعْتَاقِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا وَالْكِتَابَةِ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ الْفَاسِدُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ إلَّا إذَا دَخَلَ بِهَا فَتَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْمَوْطُوءَةُ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَتَحِلُّ حِينَئِذٍ الْمَنْكُوحَةُ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالتَّزْوِيجِ فِي الْمُخْتَصَرِ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ فَلَوْ تَزَوَّجَ الْأُخْتَ نِكَاحًا فَاسِدًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أَمَتُهُ الْمَوْطُوءَةُ إلَّا إذَا دَخَلَ بِالْمَنْكُوحَةِ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ الْمَوْطُوءَةُ لِوُجُودِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا حَقِيقَةً وَلَا يُؤَثِّرُ الْإِحْرَامُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالصَّوْمُ، وَكَذَا الرَّهْنُ وَالْإِجَارَةُ وَالتَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّ فَرْجَهَا لَا يَحْرُمُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِذَا عَادَتْ الْمَوْطُوءَةُ إلَى مِلْكِهِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ سَوَاءٌ كَانَ بِفَسْخٍ أَوْ بِشِرَاءٍ جَدِيدٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأَمَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ كَمَا كَانَ أَوَّلًا، وَأَطْلَقَ فِي الْأَمَةِ فَشَمِلَ أُمَّ الْوَلَدِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهَا مَوْطُوءَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا جَازَ لَهُ وَطْءُ الْمَنْكُوحَةِ؛ لِأَنَّ الْمَرْقُوقَةَ لَيْسَتْ بِمَوْطُوءَةٍ حُكْمًا فَلَمْ يَصِرْ جَامِعًا بَيْنَهُمَا وَطْئًا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ جَارِيَةً وَلَمْ يَطَأْهَا حَتَّى مَلَكَ أُخْتَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْمُشْتَرَاةَ؛ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ أُخْتَيْنِ لَهُ أَنْ يَطَأَ إحْدَاهُمَا فَإِذَا وَطِئَ إحْدَاهُمَا لَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ثُمَّ مَلَكَ أُخْتَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْأُولَى وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى مَا لَمْ يُحَرِّمْ فَرْجَ الْأُولَى

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَسَيَأْتِي حَدِيثٌ يَرُدُّهُ) أَيْ يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَبَيْنَ امْرَأَتَيْنِ حَدِيثٌ يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ لَيْسَ لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الرَّضِيعَيْنِ رَحِمٌ إلَخْ.

(قَوْلُهُ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَوْطُوءَةٌ حُكْمًا) أَيْ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ نَسَبِ وَلَدِهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ نَكَحَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً ثَبَتَ نَسَبُ أَوْلَادِهَا مِنْهُ (قَوْلُهُ فَيَصِيرُ بِالنِّكَاحِ جَامِعًا وَطْئًا) أَمَّا فِي الْمَنْكُوحَةِ فَلِمَا قُلْنَا، وَأَمَّا فِي الْأَمَةِ فَلِأَنَّ حُكْمَ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ قَائِمٌ حَتَّى نُدِبَ لَهُ عِنْدَ إرَادَةِ بَيْعِهَا اسْتِبْرَاؤُهَا كَذَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْبَيْعِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ الْمَوْطُوءَةَ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِمْ مَا لَوْ بَاعَهَا بَيْعًا فَاسِدًا أَوْ وَهَبَهَا كَذَلِكَ وَقُبِضَتْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَحِلُّ وَطْءُ الْمَنْكُوحَةِ. اهـ.

قُلْتُ:، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَهُوَ الَّذِي بِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا عَلَى خِلَافِ مَا صَحَّحَهُ فِي الْعِمَادِيَّةِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا التَّزْوِيجُ الْفَاسِدُ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ

ص: 102

عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ وَطِئَهَا أَثِمَ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى بِسَبَبٍ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ وَلَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا بَاطِلٌ بِيَقِينٍ وَلَا وَجْهَ إلَى التَّعْيِينِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ مَعَ التَّجْهِيلِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَوْ لِلضَّرَرِ فَتَعَيَّنَ التَّفْرِيقُ وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ بِعَيْنِهَا وَنَسِيَهَا حَيْثُ يُؤْمَرُ بِالتَّعْيِينِ وَلَا يُفَارِقُ الْكُلَّ، وَأُجِيبَ بِإِمْكَانِهِ هُنَاكَ لَا هُنَا؛ لِأَنَّ نِكَاحَهُنَّ كَانَ مُتَيَقَّنَ الثُّبُوتِ فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ بِعَيْنِهِ مِنْهُنَّ تَمَسُّكًا بِمَا كَانَ مُتَيَقَّنًا وَلَمْ يَثْبُتْ هُنَا نِكَاحٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا فَدَعْوَاهُ حِينَئِذٍ تَمَسُّكٌ بِمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ وَمَعْنَى فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا: أَنَّهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُمَا وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا دَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ طَلَاقٌ حَتَّى يَنْقُصَ مِنْ طَلَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا طَلْقَةٌ لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ لِلْحَالِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُمَا وَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّةُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَلَهُ تَزَوُّجُ الَّتِي لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا دُونَ الْأُخْرَى كَيْ لَا يَصِيرَ جَامِعًا وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ بِإِحْدَاهُمَا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْحَالِ دُونَ الْأُخْرَى فَإِنَّ عِدَّتَهَا تَمْنَعُ مِنْ تَزَوُّجِ أُخْتِهَا اهـ.

وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ تَزَوَّجَهُمَا فِي عَقْدَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَا يَقِينًا وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنْ لَا تَكُونَ إحْدَاهُمَا مَشْغُولَةً بِنِكَاحِ الْغَيْرِ أَوْ عِدَّتِهِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَتْ كَذَلِكَ صَحَّ نِكَاحُ الْفَارِغَةِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ زَوْجَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا مُتَزَوِّجٌ بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ زَوْجَةً لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إذَا كَانَتْ هِيَ لَا تَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا اهـ.

فَإِذَا كَانَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا أَيْضًا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهُمَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا وَجَبَ لِكُلٍّ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا هُوَ حُكْمُ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَعَلَيْهِمَا الْعِدَّةُ وَقَيَّدَهُ بِعَدَمِ عِلْمِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ عَلِمَ فَهُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ، وَلَهُ وَطْءُ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَطَأَ الثَّانِيَةَ فَتَحْرُمُ الْأُولَى إلَى انْقِضَاءِ عِدَّةِ الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ وَطِئَ أُخْتَ امْرَأَتِهِ بِشُبْهَةٍ حَيْثُ تَحْرُمُ امْرَأَتُهُ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّةُ ذَاتِ الشُّبْهَةِ.

وَفِي الدِّرَايَةِ عَنْ الْكَامِلِ لَوْ زَنَى بِإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ لَا يَقْرَبُ الْأُخْرَى حَتَّى تَحِيضَ الْأُخْرَى حَيْضَةً، وَاسْتَشْكَلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَاءِ الزِّنَى وَلِذَا لَوْ زَنَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ وَجَازَ لَهُ وَطْؤُهَا عَقِبَ الزِّنَا، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ مَعًا أَوْ لَمْ يَدْرِ الْأَوَّلَ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا لَكَانَ أَفْوَدَ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ. لَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً وَوَكَّلَ رَجُلًا آخَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَزَوَّجَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا امْرَأَةً وَهُمَا أُخْتَانِ مِنْ الرَّضَاعِ وَوَقَعَ الْعَقْدَانِ مِنْهُمَا مَعًا فَهُمَا بَاطِلَانِ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الْوَكِيلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ مَنْقُولَةٌ إلَى الْمُوَكِّلِ فَإِذَا خَرَجَ الْكَلَامَانِ مَعًا صَارَ كَأَنَّ الْمُوَكِّلَ خَاطَبَهُمَا بِالنِّكَاحِ وَلَوْ لَمْ يُوَكِّلْهُمَا، وَإِنَّمَا كَانَا فُضُولِيَّيْنِ وَوَقَعَا مَعًا، فَلِلزَّوْجِ أَنْ يُجِيزَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا وَلَوْ خَرَجَ إيجَابُ الْأُخْتَيْنِ مَعًا بِأَنْ قَالَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك بِكَذَا وَخَرَجَ الْكَلَامُ مِنْهُمَا مَعًا فَقَبِلَ الزَّوْجُ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ لِعَدَمِ الْجَمْعِ مِنْ الزَّوْجِ.

وَأَمَّا مِنْ الْأُخْتَيْنِ فَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا عَلَى حِدَةٍ وَلَا وِلَايَةَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا

ــ

[منحة الخالق]

تَزْوِيجُ أَمَتِهِ لِرَجُلٍ تَزْوِيجًا فَاسِدًا لَا عِبْرَةَ بِهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ فَتَحِلُّ أُخْتُهَا الَّتِي تَزَوَّجَهَا السَّيِّدُ وَالْمُرَادُ بِالدُّخُولِ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخَلْوَةِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا تُوجِبُ الْعِدَّةَ.

(قَوْلُهُ وَلَا إلَى التَّنْفِيذِ) أَيْ تَنْفِيذِ نِكَاحِ وَاحِدَةٍ لَا بِعَيْنِهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مَعَ التَّجْهِيلِ وَعَلَيْهِ فَيَلْزَمُ مِنْ التَّعْيِينِ التَّنْفِيذُ وَلَا عَكْسَ (قَوْلُهُ فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ بِعَيْنِهِ مِنْهُنَّ إلَخْ) أَقُولُ: إنْ أُرِيدَ أَنَّ لَهُ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِي الْفُرُوجِ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أُرِيدَ مَعَ الْمُرَجِّحِ فَلَا فَرْقَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ دِيَانَةً بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى كَذَا فِي الرَّمْزِ اهـ.

لَكِنْ فِي قَوْلِهِ: فَلَا فَرْقَ، نَظَرٌ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ مَنْ ادَّعَى نِكَاحَهَا كَانَ قَبْلُ ثَابِتًا بِيَقِينٍ بِخِلَافِهِ فِي مَسْأَلَتِنَا (قَوْلُهُ وَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ (قَوْلُهُ بَطَلَا يَقِينًا) أَيْ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَلَا يَسْتَحِقَّانِ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ اهـ.

دُرَرٌ (قَوْلُهُ: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِمَاءِ الزَّانِي) قَالَ فِي النَّهْرِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي نَظْمِ ابْنِ وَهْبَانَ

وَلَوْ زَنَتْ امْرَأَةٌ حَرُمَتْ

عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ

وَعَزَاهُ فِي الشَّرْحِ إلَى النُّتَفِ مُعَلِّلًا بِاحْتِمَالِ عَلُوقِهَا مِنْ الزِّنَا فَلَا يَسْقِي مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ ضَعْفَهُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِزِنًا يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِالنِّكَاحِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ عِنْدَهُمَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا. اهـ.

قُلْتُ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِضَعْفِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ تِلْمِيذُ الْمُؤَلِّفِ فِي مِنَحِهِ وَتَبِعَهُ الْحَصْكَفِيُّ (قَوْلُهُ لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَى قَوْلِهِ فَهُمَا بَاطِلَانِ) قَالَ فِي النَّهْرِ كَيْفَ يَتِمُّ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ وَلَهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْبَاطِلَ لَا مَهْرَ فِيهِ

ص: 103

حَتَّى يُنْقَلَ كَلَامُ كُلٍّ إلَى الْأُخْرَى وَلَوْ بَدَأَ الزَّوْجُ، فَقَالَ تَزَوَّجْتُكُمَا كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ إحْدَاهُمَا رَضِيت وَأَبَتْ الْأُخْرَى فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ لِوُجُودِ الْجَمْعِ فِي الْخِطَابِ بَيْنَهُمَا فِي إحْدَى شَطْرَيْ الْعَقْدِ وَإِنَّهُ كَافٍ لِلْفَسَادِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِخَمْسِ نِسْوَةٍ قَدْ تَزَوَّجْتُكُنَّ عَلَى أَلْفٍ، فَقَالَتْ إحْدَاهُمَا رَضِيت لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ لِوُجُودِ الْجَمْعِ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَعُلِمَ بِهِ أَنَّ الْجَمْعَ فِي إحْدَى شَطْرَيْ الْعَقْدِ يُوجِبُ الْفَسَادَ كَالْجَمْعِ فِي شَطْرَيْ الْعَقْدِ اهـ.

مَعَ بَعْضِ اخْتِصَارٍ مِنْهُ (قَوْلُهُ وَلَهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلْأُولَى مِنْهُمَا وَانْعَدَمَتْ الْأَوْلَوِيَّةُ لِلْجَهْلِ بِالْأَوَّلِيَّةِ فَيُصْرَفُ إلَيْهِمَا أَطْلَقَهُ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَرْبَعَةِ قُيُودٍ كَمَا قَالُوا: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مُسَمًّى فِي الْعَقْدِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى وَجَبَتْ مُتْعَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمَا بَدَلَ نِصْفِ الْمَهْرِ، وَتَرَكَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي بَابِ الْمَهْرِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَهْرَاهُمَا مُتَسَاوِيَيْنِ إذْ لَوْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِرُبْعِ، مَهْرِهَا وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَلَهُمَا نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى السَّوَاءِ حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ إذْ لَوْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ يَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ الْمَهْرُ كَامِلًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ فَلَا يَسْقُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ بِهِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ حُكْمُ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ أَنَّهُ مُشْكِلٌ بَلْ إذَا كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِمَهْرٍ كَامِلٍ وَعُقْرٍ كَامِلٍ وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا اتَّحَدَ الْمُسَمَّى لَهُمَا قَدْرًا وَجِنْسًا أَمَّا إذَا اخْتَلَفَا فَيَتَعَذَّرُ إيجَابُ عُقْرٍ إذْ لَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى بِجَعْلِهَا ذَاتَ الْعَقْدِ مِنْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْحُكْمِ بِأَنَّهَا الْمَوْطُوءَةُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. الرَّابِعُ: أَنْ تَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا الْأُولَى وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا أَمَّا إذَا قَالَتَا لَا نَدْرِي أَيَّ النِّكَاحَيْنِ أَوَّلٌ لَا يَقْضِي لَهُمَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ لَهُ مَجْهُولٌ وَهُوَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَضَاءِ كَمَنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ لِأَحَدِهِمَا: عَلَيَّ أَلْفٌ لَا يَقْضِي لِأَحَدِهِمَا بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا بِأَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَخْذِ نِصْفِ الْمَهْرِ مِنْهُ فَيَقْضِي لَهُمَا بِهِ، وَهَذَا الْقَيْدُ الرَّابِعُ زَادَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ فَظَاهِرُ الْهِدَايَةِ تَضْعِيفُهُ لَكِنَّهُ حَسَنٌ يَنْدَفِعُ بِهِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُمَا لِجَهَالَةِ الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ وُجُوبِ مَهْرٍ كَامِلٍ لَهُمَا لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِجَوَازِ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا أَبْعَدُ لِاسْتِلْزَامِهِ إيجَابَ الشَّيْءِ مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ لُزُومِهِ فَإِنَّ إيجَابَ كَمَالِهِ حُكْمُ الْمَوْتِ أَوْ الدُّخُولُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهُوَ مَفْقُودٌ وَفِي التَّبْيِينِ: وَكُلُّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْكَامِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَهُوَ الْحُكْمُ بَيْنَ كُلِّ مَنْ لَا يَجُوزُ جَمْعُهُ مِنْ الْمَحَارِمِ.

(قَوْلُهُ وَبَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، أَيَّةٌ فُرِضَتْ ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ) أَيْ حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ إذَا كَانَتَا بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا أَيَّتَهُمَا كَانَتْ الْمُقَدَّرَةُ ذَكَرًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أَخِيهَا وَلَا عَلَى ابْنَةِ أُخْتِهَا» ، وَهَذَا مَشْهُورٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] بِهِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ بِرِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَهُوَ قَوْلُهُ «فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ» .

وَلِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ» فَأَوْجَبَ تَعَدِّيَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ إلَى كُلِّ قَرَابَةٍ يُفْرَضُ وَصْلُهَا وَهُوَ مَا تَضَمَّنَهُ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَ عَمَّتَيْنِ وَخَالَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْ الرَّجُلَيْنِ أُمَّ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِنْتٌ فَتَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ عَمَّةً لِلْأُخْرَى أَوْ يَتَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ بِنْتَ الْآخَرِ وَيُولَدُ لَهُمَا بِنْتَانِ فَكُلٌّ مِنْ الْبِنْتَيْنِ خَالَةٌ لِلْأُخْرَى، وَبِمَا قُرِّرَ عُلِمَ أَنَّ الْعِلَّةَ خَوْفُ الْقَطِيعَةِ وَظَهَرَ بِهِ ضَعْفُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَ ذَلِكَ إذْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ إذْ لَوْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ يَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِرُبْعِ مَهْرِهَا) كَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَالْكَمَالُ وَفِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْيَعْقُوبِيَّةِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَنَّ لَهُمَا الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفَيْ الْمَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ يَقِينًا اهـ.

قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ وَالِاحْتِيَاطُ الْقَضَاءُ بِمَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَطْرُوقٌ بِاحْتِمَالٍ فَكَانَ قَضَاءً بِمُحْتَمَلٍ اهـ.

وَقَدْ فَصَّلَ فِي الدُّرَرِ، فَقَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا أَيْ مُسَمَّاهُمَا فَإِنْ عَلِمَا فَلِكُلٍّ رُبْعُ مَهْرِهَا وَإِلَّا فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ أَقَلِّ الْمُسَمَّيَيْنِ، وَاعْتَرَضَهُ مُحَشُّوهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَلِكُلٍّ صَوَابُهُ فَلَهُمَا وَبِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ قَالَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ مَا وَقَعَ فِي التَّبْيِينِ وَبَيْنَ مَا وَقَعَ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ فِيمَا إذَا كَانَ مَا سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا مَعْلُومًا كَالْخَمْسِمِائَةِ لِفَاطِمَةَ وَالْأَلْفِ لِزَاهِدَةَ وَالثَّانِي فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا كَذَلِكَ بِأَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ سَمَّى لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةٍ وَلِلْأُخْرَى أَلْفًا إلَّا أَنَّهُ نَسِيَ تَعْيِينَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنَّ سِيَاقَ مَا فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ لَا يُؤَدِّي انْحِصَارُهُ فِيمَا أُشِيرَ إلَى حَمْلِهِ عَلَيْهِ وَلِذَا قِيلَ لَوْ حُمِلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ لَكَانَ أَوْلَى (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ مُشْكِلٌ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ إيجَابُ مَهْرٍ كَامِلٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُ وَيَجِبُ حَمْلُهُ أَيْ حَمْلُ الْقَضَاءِ بِمَهْرٍ كَامِلٍ وَعُقْرٍ كَامِلٍ.

ص: 104

الْأُخْتَيْنِ رَضَاعًا.

وَجَوَابُهُ أَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلْحَدِيثِ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَ النِّكَاحُ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ فَلَا تُمْنَعُ، وَلِذَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ سَيِّدَتَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا فِي الْجَامِعِ وَالزِّيَادَاتِ؛ لِأَنَّهَا حُرْمَةٌ مُوَقَّتَةٌ بِزَوَالِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ السَّيِّدَةِ عَلَيْهَا نَظَرًا إلَى مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَاوَزَ نِكَاحَ إحْدَاهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ مِثْلِ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا أَوْ امْرَأَةِ ابْنِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ زَوْجَةِ عَلِيٍّ وَبِنْتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَتْ بِنْتُ الزَّوْجِ ذَكَرًا بِأَنْ كَانَ ابْنَ الزَّوْجِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ وَلَوْ فُرِضَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرًا لَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِنْتِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، وَكَذَلِكَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَامْرَأَةِ ابْنِهَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا لَحَرُمَ عَلَيْهِ التَّزَوُّجُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ وَلَوْ فُرِضَتْ امْرَأَةُ الِابْنِ ذَكَرًا لَجَازَ لَهُ التَّزَوُّجُ بِالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا قَالُوا: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَيَتَزَوَّجَ ابْنُهُ أُمَّهَا أَوْ بِنْتَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ امْرَأَةً وَزَوَّجَ ابْنَهُ بِنْتَهَا.

(قَوْلُهُ وَالزِّنَا وَاللَّمْسُ وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّهَا نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالْمَحْظُورِ، وَلَنَا: أَنَّ الْوَطْءَ سَبَبُ الْجُزْئِيَّةِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ حَتَّى يُضَافَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمُلًا فَيَصِيرُ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا كَأُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْعَكْسِ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْجُزْءِ حَرَامٌ إلَّا فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَهِيَ الْمَوْطُوءَةُ وَالْوَطْءُ مُحَرَّمٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ الْوَلَدِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ زِنًا وَاللَّمْسُ وَالنَّظَرُ سَبَبٌ دَاعٍ إلَى الْوَطْءِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَلَمْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} [النساء: 22] كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُونَ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الِاسْتِدْلَال بِهِ، أَرَادَ بِالزِّنَا الْوَطْءَ الْحَرَامَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ، أَمَّا لَوْ وَطِئَ الْمَنْكُوحَةَ نِكَاحًا فَاسِدًا أَوْ الْمُشْتَرَاةَ فَاسِدًا أَوْ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ أَوْ الْمُكَاتَبَةَ أَوْ الْمُظَاهَرَةَ مِنْهَا أَوْ الْأَمَةَ الْمَجُوسِيَّةَ أَوْ زَوْجَتَهُ الْحَائِضَ أَوْ النُّفَسَاءَ أَوْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ اتِّفَاقًا وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِعَيْنِ الْوَطْءِ لَا لِكَوْنِهِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا وَلِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْمَيِّتَةَ فَإِنَّهُ لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِالْحُرْمَةِ إلَخْ) اعْتِرَاضٌ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَيْدِ التَّأْبِيدِ لِإِغْنَاءِ قَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ ذَكَرًا حَرُمَ النِّكَاحُ فَإِنَّ السَّيِّدَةَ لَوْ فُرِضَتْ ذَكَرًا جَازَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ أَوْ مَا يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ الْعَقْدَ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي النَّهْرِ وَأَخْرَجَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ، نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ الْعَقْدُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ إذْ يَحْرُمُ إيرَادُ الْعَقْدِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ اسْتِحْسَانِ إيرَادِ الْعَقْدِ مِنْ السَّيِّدِ عَلَى الْأَمَةِ فَذَاكَ لِلِاحْتِيَاطِ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ ذِكْرَ التَّأْبِيدِ وَإِخْرَاجِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ أَيَّةٌ فُرِضَتْ كَمَا فِي فَعَلَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الْوَاجِبُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا (قَوْلُهُ نَظَرًا إلَى مُطْلَقِ الْحُرْمَةِ) قَالَ فِي النَّهْرِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ كَافِيَةٌ كَمَا قَالَ زُفَرُ فَحَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ زَوْجِهَا لَا بِالنَّظَرِ إلَى التَّأْبِيدِ وَعَدَمِهِ.

(قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ الْوَلَدِ) قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ فَإِنْ قِيلَ: ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ نِعْمَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُلْحِقُ الْأَجْنَبِيَّاتِ بِالْأُمَّهَاتِ وَالْأَجَانِبَ بِالْآبَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ جَعْلَ الزِّنَا مَشْرُوعًا بَعْدَ النَّهْيِ، فَالْجَوَابُ: مَنْعُ ثُبُوتِهَا مُسَبَّبَةً عَنْ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْبَعْضِيَّةِ الْحَاصِلَةِ بِالْوَلَدِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحِقُّ الْكَرَامَاتِ، وَمِنْهَا حُرْمَةُ الْمَحَارِمِ إقَامَةً لِلسَّبَبِ الظَّاهِرِ الْمُفْضِي إلَى الْمُسَبَّبِ الْخَفِيِّ مَقَامَهُ كَمَا فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْعَلُوقِ مُتَعَذِّرٌ وَالْوَلَدُ عَيْنٌ لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ ثُمَّ يَتَعَدَّى حُرْمَةَ أَبِي الْوَاطِئِ وَأَبْنَائِهِ مِنْ الْوَلَدِ إلَى الْمَوْطُوءَةِ وَحُرْمَةَ أُمَّهَاتِ الْمَوْطُوءَةِ وَبَنَاتِهَا مِنْهُ أَيْضًا إلَى الْوَاطِئِ لِصَيْرُورَةِ كُلٍّ مِنْ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بَعْضًا مِنْ الْآخَرِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا وَمُضَافٌ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ عِنْدَهُ أَيْ الزِّنَا بِأَمْرٍ آخَرَ لَا بِالزِّنَا اهـ.

عِبَارَةُ ابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَقَالَ الْحَلَبِيُّ مُحَشِّي الزَّيْلَعِيِّ، وَهَذَا جَوَابٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ نِعْمَةٌ فَلَا تُنَالُ بِالْمَحْظُورِ، بَيَانُهُ: أَنَّ الْوَطْءَ يُثْبِتُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ زِنًا بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبُ الْوَلَدِ الْمَخْلُوقِ مِنْ الْمَاءَيْنِ وَالْوَلَدُ مُحْتَرَمٌ مُكَرَّمٌ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] فَلَيْسَ فِيهِ صِفَةُ الْقُبْحِ؛ لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَيِّ وَجْهٍ اجْتَمَعَ الْمَاءَانِ فِي الرَّحِمِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْوَلَدُ صِفَةَ الْقُبْحِ صَارَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ هُوَ الَّذِي قَامَ مَقَامَهُ وَهُوَ الْوَطْءُ كَالتُّرَابِ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِهِ صَارَ الْمَنْظُورُ صِفَةَ الْمَاءِ فِي إثْبَاتِ الطَّهَارَةِ لَا صِفَةَ التُّرَابِ الَّذِي هُوَ تَلْوِيثٌ فَلَمْ يَرِدْ عَلَيْنَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّ الزِّنَا مَحْظُورٌ لَا يَثْبُتُ بِهِ مَا سَبِيلُهُ النِّعْمَةُ وَالْكَرَامَةُ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَيْسَ بِمَنْظُورٍ إلَيْهِ فِي إيجَابِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ فَافْهَمْ اهـ. عِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ.

ص: 105

وَلِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُبُلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْمَرْأَةَ فِي الدُّبُرُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْحَرْثِ فَلَا يُفْضِي إلَى الْوَلَدِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ بِصَبِيٍّ أَوْ امْرَأَةٍ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا فَأَفْضَاهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهَا لِعَدَمِ تَيَقُّنِ كَوْنِهِ فِي الْفَرْجِ إلَّا إذَا حَبِلَتْ.

وَعُلِمَ كَوْنُهُ مِنْهُ وَأُورِدَ عَلَيْهِمَا أَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ كَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ سَبَبٌ لَهَا بَلْ الْمَوْجُودُ فِيهِمَا أَقْوَى مِنْهُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْوَطْءُ، السَّبَبُ لِلْوَلَدِ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِالْمَسِّ لَيْسَ إلَّا لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِهَذَا الْوَطْءِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ فِي الصُّورَتَيْنِ وَلِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَائِلٍ يَمْنَعُ وُصُولَ الْحَرَارَةِ فَلَوْ جَامَعَهَا بِخِرْقَةٍ عَلَى ذَكَرِهِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَلِيُفِيدَ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُشْتَهَاةً حَالًا أَوْ مَاضِيًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا وَطْءٌ مُكَلَّفٌ فِي قُبُلِ مُشْتَهَاةٍ خَالٍ عَنْ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ فَلَوْ جَامَعَ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ثُبُوتُهَا قِيَاسًا عَلَى الْعَجُوزِ الشَّوْهَاءِ وَلَهُمَا: أَنَّ الْعِلَّةَ وَطْءٌ، سَبَبٌ لِلْوَلَدِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تَشْتَهِي بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ لِجَوَازِ وُقُوعِهِ كَمَا وَقَعَ لِإِبْرَاهِيمَ وَزَكَرِيَّا عليهما السلام قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.

وَلَهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمْكَانُ الْعَقْلِيُّ ثَابِتٌ فِيهِمَا وَالْعَادِيُّ مُنْتَفٍ عَنْهُمَا فَتَسَاوَيَا وَالْقِصَّتَانِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ لَا تُوجِبُ الثُّبُوتَ الْعَادِيَّ وَلَا يُخْرِجَانِ الْعَادَةَ عَنْ النَّفْيِ اهـ.

وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ حُكْمِ الِاشْتِهَاءِ فَلَا تَخْرُجُ عَنْهُ بِالْكِبَرِ وَلَا كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ وَلَيْسَ حُكْمُ الْبَقَاءِ كَالِابْتِدَاءِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ مَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ لَا تَكُونُ مُشْتَهَاةً وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ.

فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ سَمِينَةً أَوْ لَا وَلِذَا قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ بِنْتُ خَمْسٍ لَا تَكُونُ مُشْتَهَاةً اتِّفَاقًا وَبِنْتُ تِسْعٍ فَصَاعِدًا مُشْتَهَاةٌ اتِّفَاقًا وَفِيمَا بَيْنَ الْخَمْسِ وَالتِّسْعِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ وَالْمَشَايِخِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَكَذَا تُشْتَرَطُ الشَّهْوَةُ فِي الذَّكَرِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ زَوْجَةَ أَبِيهِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَفِي الذَّخِيرَةِ خِلَافُهُ وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ السِّنُّ الْمَذْكُورُ لَهَا وَهُوَ تِسْعُ سِنِينَ وَكَمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مُشْتَهَاةً

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْمَرْأَةَ فِي الدُّبُرِ) قَالَ الْكَاكِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَمَّا لَوْ لَاطَ بِغُلَامٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ حُرْمَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْأَوْزَاعِيِّ فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْمُصَاهَرَةِ عِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّوَاطَةِ حَتَّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ أُمُّ الْغُلَامِ وَبِنْتُهُ اهـ.

وَفِي الْغَايَةِ وَالْجِمَاعُ فِي الدُّبُرِ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ وَبِهِ أَخَذَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا، وَقِيلَ: يُوجِبُهَا، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْأُوزْجَنْدِيُّ؛ لِأَنَّهُ مَسٌّ وَزِيَادَةٌ، قَالَ صَاحِبُ الذَّخِيرَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ أَوَّلًا أَصَحُّ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْجُزْئِيَّةِ.

(فَرْعٌ)

قَالَ الْكَاكِيُّ أَيْضًا ثُمَّ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ وَمَا رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَصِحَّ تَحْرِيمُهُ عِنْدَنَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ حَلَالٌ قَالَ الرَّبِيعُ كَذَبَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ فِي سِتَّةِ كُتُبٍ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَحْرِيمُهُ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ مَا رُوِيَ عَنْهُ قَوْلًا قَدِيمًا وَالْعِرَاقِيُّونَ لَمْ يُثْبِتُوا الرِّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ وَمَا جَعَلَهُ الْبَعْضُ غَيْرُ ثَابِتٍ، كَذَا فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ اهـ.

مِنْ حَلَبِيٍّ عَلَى الزَّيْلَعِيِّ (قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ) فِي الْفَتَاوَى الْبَزَّازِيَّةِ لَاطَ بِأُمِّ امْرَأَتِهِ أَوْ بِنْتِهَا لَا تَحْرُمُ الْأُمُّ وَالْبِنْتُ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يُفْتِي بِالْحُرْمَةِ احْتِيَاطًا أَخْذًا بِقَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ (قَوْلُهُ إنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ حَقُّهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ كَالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ لَهَا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي عَامَّتِهَا أَنَّ الْوَطْءَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلْحُرْمَةِ فَالْمَسُّ بِشَهْوَةٍ سَبَبٌ لَهَا بَلْ الْمَوْجُودُ إلَخْ.

(قَوْلُهُ وَلَهُمَا أَنَّ الْعِلَّةَ وَطْءٌ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ إنَّهُ مُنْتَفٍ فِي مُطْلَقِ الصَّغِيرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِاَلَّتِي لَا تُشْتَهَى فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إنْ وَطِئَ مُطْلَقَ الصَّغِيرَةِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ وَطْءَ الْمُشْتَهَاةِ سَبَبٌ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا فِي سِنِّ الْبُلُوغِ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَا دُونَ تِسْعٍ لَا تَكُونُ مُشْتَهَاةً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَيْضًا فِي سِنِّ الْبُلُوغِ تِسْعٌ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا دَخَلَتْ تَحْتَ حُكْمِ الِاشْتِهَاءِ إلَخْ) مَأْخُوذٌ مِمَّا فِي الذَّخِيرَةِ حَيْثُ قَالَ وَفِي الْفَتَاوَى سُئِلَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ عَمَّنْ قَبَّلَ امْرَأَةَ ابْنِهِ وَهِيَ بِنْتُ خَمْسِ سِنِينَ أَوْ سِتِّ سِنِينَ عَنْ شَهْوَةٍ قَالَ: لَا تَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ وَإِنْ اشْتَهَاهَا وَلَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَبُرَتْ حَتَّى خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الِاشْتِهَاءِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا؟ قَالَ: تَحْرُمُ؛ لِأَنَّ الْكَبِيرَةَ دَخَلَتْ تَحْتَ الْحُرْمَةِ فَلَا تَخْرُجُ وَإِنْ كَبُرَتْ وَلَا كَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ.

(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ السِّنُّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ عَلَّلَ فِي الْفَتْحِ بِعَدَمِ اشْتِهَائِهِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَا يَشْتَهِي لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِجِمَاعِهِ وَلَا خَفَاءَ أَنَّ ابْنَ تِسْعٍ عَارٍ مِنْ هَذَا بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ: الصَّبِيُّ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ كَالْبَالِغِ، قَالُوا: وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ وَيَشْتَهِيَ وَتَسْتَحْيِي النِّسَاءُ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اعْتِبَارِ كَوْنِهِ مُرَاهِقًا لَا ابْنَ تِسْعٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْفَتْحِ: مَسُّ الْمُرَاهِقِ كَالْبَالِغِ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: الْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ اهـ.

قُلْتُ: لَكِنْ فِي الْوَهْبَانِيَّةِ

وَمَنْ هِيَ مَسَّتْ لِابْنِ سِتٍّ بِشَهْوَةٍ

يَحْرُمُهُ صِهْرٌ أَوْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ

وَعَزَاهُ ابْنُ الشِّحْنَةِ إلَى الظَّهِيرِيَّةِ وَالْقُنْيَةِ بِرَقْمِ بُرْهَانِ الدِّينِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: صَبِيٌّ مَسَّتْهُ امْرَأَةٌ بِشَهْوَةٍ فَإِنْ كَانَ

ص: 106

لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ فِي الزِّنَا فَكَذَلِكَ لِثُبُوتِهَا فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ لِمَا فِي الْأَجْنَاسِ لَوْ تَزَوَّجَ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى فَدَخَلَ بِهَا وَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ جَازَ لَهُ تَزَوُّجُ بِنْتِهَا.

وَأَطْلَقَ فِي اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، فَأَفَادَ إنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ حَتَّى لَوْ أَيْقَظَ زَوْجَتَهُ لِيُجَامِعَهَا فَوَصَلَتْ يَدُهُ إلَى بِنْتِهِ مِنْهَا فَقَرَصَهَا بِشَهْوَةٍ وَهِيَ تُشْتَهَى يَظُنُّ أَنَّهَا أُمُّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْأُمُّ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً، وَلَك أَنْ تَصَوَّرَهَا مِنْ جَانِبِهَا بِأَنْ أَيْقَظَتْهُ هِيَ لِذَلِكَ فَقَرَصَتْ ابْنَهُ مِنْ غَيْرِهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي اللَّمْسِ فَشَمِلَ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهَا وَفِي الْخَانِيَّةِ لَوْ مَسَّ شَعْرَ امْرَأَةٍ عَنْ شَهْوَةٍ قَالُوا: لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ، وَذَكَرَ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ أَنَّهَا تَثْبُتُ اهـ.

وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ بَدَنِهَا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْغُسْلِ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ احْتِيَاطًا كَحُرْمَةِ النَّظَرِ إلَيْهِ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلِذَا جَزَمَ فِي الْمُحِيطِ بِثُبُوتِهَا وَفَصَّلَ فِي الْخُلَاصَةِ: فَمَا عَلَى الرَّأْسِ كَالْبَدَنِ بِخِلَافِ الْمُسْتَرْسِلِ وَانْصَرَفَ اللَّمْسُ إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْبَدَنِ بِغَيْرِ حَائِلٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِحَائِلٍ فَإِنْ وَصَلَتْ حَرَارَةُ الْبَدَنِ إلَى يَدِهِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، فَمَا فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ ظَهِيرَ الدِّينِ يُفْتِي بِالْحُرْمَةِ فِي الْقُبْلَةِ عَلَى الْفَمِ وَالذَّقَنِ وَالْخَدِّ وَالرَّأْسِ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُقَنَّعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمُقَنَّعَةُ رَقِيقَةً تَصِلُ الْحَرَارَةُ مَعَهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَيَّدَ بِكَوْنِ اللَّمْسِ عَنْ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يُوجِبْ الْحُرْمَةَ وَالْمُرَاهِقُ كَالْبَالِغِ وَوُجُودُ الشَّهْوَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَافٍ، فَإِنْ ادَّعَتْهَا وَأَنْكَرَهَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَقُومَ إلَيْهَا مُنْتَشِرًا فَيُعَانِقُهَا؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الشَّهْوَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَزَادَ فِي الْخُلَاصَةِ فِي عَدَمِ تَصْدِيقِهِ أَنْ يَأْخُذَ ثَدْيَهَا أَوْ يَرْكَبَ مَعَهَا، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْمَسِّ بِشَهْوَةٍ وَعَلَى الْإِقْرَارِ بِالتَّقْبِيلِ بِشَهْوَةٍ وَهَلْ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى نَفْسِ اللَّمْسِ وَالتَّقْبِيلِ عَنْ شَهْوَةٍ؟ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُقْبَلُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْفَضْلِ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا عَادَةً، وَقِيلَ تُقْبَلُ وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي نِكَاحِ الْجَامِعِ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مِمَّا يُوقَفُ عَلَيْهَا فِي الْجُمْلَةِ إمَّا بِتَحَرُّكِ الْعُضْوِ أَوْ بِآثَارٍ أُخَرَ مِمَّنْ لَا يَتَحَرَّكُ عُضْوُهُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.

وَالْمُخْتَارُ الْقَبُولُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِلَمْسِهَا مَشْرُوطٌ بِأَنْ يُصَدِّقَهَا وَيَقَعَ فِي أَكْبَرِ رَأْيِهِ صِدْقُهَا وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي مَسِّهِ إيَّاهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهَا ثُمَّ رَأَيْت عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ اهـ.

وَأَطْلَقَ فِي اشْتِرَاطِ الشَّهْوَةِ فِي اللَّمْسِ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْبِيلِ عَلَى الْفَمِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَفِي الْجَوْهَرَةِ لَوْ مَسَّ أَوْ قَبَّلَ وَقَالَ لَمْ أَشْتَهِ صُدِّقَ إلَّا إذَا كَانَ اللَّمْسُ عَلَى الْفَرْجِ وَالتَّقْبِيلُ فِي الْفَمِ اهـ.

وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ إلَّا أَنَّهُ يَتَرَاءَى عَلَى هَذَا أَنَّ الْخَدَّ مُلْحَقٌ بِالْفَمِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ إذَا قَبَّلَ أُمَّ امْرَأَته أَوْ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً يُفْتَى بِالْحُرْمَةِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ قَبَّلَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّقْبِيلِ هُوَ الشَّهْوَةُ بِخِلَافِ الْمَسِّ اهـ.

وَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَظَاهِرُ مَا أَطْلَقَ فِي بُيُوعِ الْعُيُونِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الْقُبْلَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى الْفَمِ أَوْ عَلَى مَوْضِعٍ آخَرَ اهـ.

وَأَطْلَقَ فِي النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي مَحَلِّهِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ النَّظَرُ إلَى مَنَابِتِ الشَّعْرِ يَكْفِي وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَثْبُتُ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى الشَّقِّ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْفَرْجِ الدَّاخِلِ

ــ

[منحة الخالق]

ابْنَ خَمْسِ سِنِينَ وَلَمْ يَكُنْ يَشْتَهِي لِلنِّسَاءِ فَلَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَقَالَ فِي ابْنِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ يَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ ثُمَّ رَقَمَ لِظَهِيرِ الدِّينِ الْمَرْغِينَانِيِّ صَبِيٌّ قَبَّلَتْهُ امْرَأَةُ أَبِيهِ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ بِشَهْوَةٍ رَأَيْت مَنْصُوصًا عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الْجِمَاعَ تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَإِلَّا فَلَا، وَتَمَامُهُ هُنَاكَ فَرَاجِعْهُ.

(قَوْلُهُ فَقَرَصَتْ ابْنَهُ مِنْ غَيْرِهَا) قَالَ فِي النَّهْرِ قَيَّدَ بِابْنِهِ مِنْ غَيْرِهَا لِيُعْلَمَ مَا إذَا كَانَ مِنْهَا بِالْأَوْلَى (قَوْلُهُ وَفَصَّلَ فِي الْخُلَاصَةِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شِقَّا هَذَا الْقَوْلِ مَحْمَلَ الْقَوْلَيْنِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي لَمْسِهَا لِشَعْرِهِ كَذَلِكَ وَلَمْ أَرَهُ (قَوْلُهُ وَوُجُودُ الشَّهْوَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَافٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: قَالَ فِي مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ: وَكَذَا اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَنَظَرُهُ إلَى فَرْجِهَا الدَّاخِلِ وَنَظَرُهَا إلَى ذَكَرِهِ بِشَهْوَةٍ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي بَحْثِ اللَّمْسِ: ثَمَّ وُجُودُ الشَّهْوَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَافٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ فِي النَّظَرِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَوْ لَمَسَهَا وَلَمْ يَشْتَهِ هُوَ وَاشْتَهَتْ هِيَ حَالَ الْمَسِّ وَعَكْسُهُ تَحْرُمُ الْمُصَاهَرَةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا فَاشْتَهَتْ هِيَ لَا هُوَ وَعَكْسُهُ وَالْفَرْقُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي لَذَّةِ اللَّمْسِ كَالْمُشْتَرَكِينَ فِي لَذَّةِ الْجِمَاعِ بِخِلَافِ النَّظَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ فِي نَظَرِهِ لَهَا بِلَا شَهْوَةٍ مِنْهُ لَهَا وَفِي نَظَرِهَا إلَى فَرْجِهِ بِلَا شَهْوَةٍ مِنْهَا لَهُ وَإِنْ اشْتَهَتْ هِيَ تَأَمَّلْ، قُلْتُ: وَقَوْلُهُ وَإِنْ اشْتَهَتْ هِيَ لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَالْمُخْتَارُ الْقَبُولُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ) عِبَارَتُهُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، إلَيْهِ أَشَارَ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مِمَّا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِتَحَرُّكِ الْعُضْوِ مِنْ الَّذِي يَتَحَرَّكُ عُضْوُهُ أَوْ بِآثَارٍ أُخَرَ مِمَّنْ لَا يَتَحَرَّكُ عُضْوُهُ. اهـ.

وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي النَّهْرِ مِنْ عَزْوِهِ إلَى التَّجْنِيسِ أَنَّ الْمُخْتَارَ عَدَمُ الْقَبُولِ سَبْقُ قَلَمٍ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهَا إلَخْ) الَّذِي فِي الْفَتْحِ: إلَّا أَنْ يُصَدِّقَاهُ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمَا صِدْقُهُ.

ص: 107

وَلَنْ يَتَحَقَّقَ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَتْ مُتَّكِئَةً، وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْفَرْجِ وَالدَّاخِلُ فَرْجٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْخَارِجُ فَرْجٌ مِنْ وَجْهٍ وَأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ الْفَرْجِ الْخَارِجِ مُتَعَذِّرٌ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ إذَا تَرَدَّدَ فَالِاحْتِيَاطُ الْقَوْلُ بِثُبُوتِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ وَهُوَ التَّحْرِيمُ بِالْمَسِّ وَالنَّظَرِ ثُبُوتُهُ بِالِاحْتِيَاطِ فَلَا يَجِبُ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاحْتِيَاطِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ النَّظَرَ إلَى مَوْضِعِ الشَّقِّ عَنْ شَهْوَةٍ فَهُوَ تَصْحِيحٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ السَّابِقِ، وَظَاهِرُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ إلَى سَائِرِ أَعْضَائِهَا لَا عِبْرَةَ بِهِ مَا عَدَا الْفَرْجَ وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْعِبْرَةُ لِوُجُودِ الشَّهْوَةِ عِنْدَ الْمَسِّ وَالنَّظَرِ حَتَّى لَوْ وُجِدَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ ثُمَّ اشْتَهَى بَعْدَ التَّرْكِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ حُرْمَةٌ.

وَالنَّظَرُ مِنْ وَرَاءِ الزُّجَاجِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ بِخِلَافِ الْمِرْآةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فَرْجَهَا، وَإِنَّمَا رَأَى عَكْسَ فَرْجِهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الشَّطِّ فَنَظَرَ إلَى الْمَاءِ فَرَأَى فَرْجَهَا لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ فِي الْمَاءِ فَرَأَى فَرْجَهَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ حَدَّ الشَّهْوَةِ لِلِاخْتِلَافِ، فَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَشِرَ آلَتُهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُنْتَشِرَةً أَوْ تَزْدَادَ انْتِشَارًا إنْ كَانَتْ مُنْتَشِرَةً، وَقِيلَ: حَدُّهَا أَنْ يَشْتَهِيَ بِقَلْبِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَهِيًا أَوْ يَزْدَادَ إنْ كَانَ مُشْتَهِيًا وَلَا يُشْتَرَطُ تَحَرُّكُ الْآلَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ وَالتُّحْفَةِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ فِي الْهِدَايَةِ، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ تَظْهَرُ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعِنِّينِ وَاَلَّذِي مَاتَتْ شَهْوَتُهُ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَعَلَى الثَّانِي تَثْبُتُ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنْ فِي الْخُلَاصَةِ وَبِهِ يُفْتَى أَيْ بِمَا فِي الْهِدَايَةِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَيْلَ الْقَلْبِ كَافٍ فِي الشَّيْخِ وَالْعِنِّينِ اتِّفَاقًا وَأَنَّ مَحَلَّ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الِانْتِشَارُ إذَا مَالَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ تَنْتَشِرْ آلَتُهُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا فِي الذَّخِيرَةِ كَمَا لَا يَخْفَى.

وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمَسَّ وَالنَّظَرَ بِشَهْوَةٍ بِغَيْرِ الْإِنْزَالِ لِلِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا أَنْزَلَ، فَقِيلَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَفِي الْهِدَايَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُوجِبُهَا؛ لِأَنَّهُ بِالْإِنْزَالِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُفْضٍ إلَى الْوَطْءِ وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي مَحَلِّ التَّقْيِيدِ وَأَطْلَقَ فِي اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ لِيُفِيدَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَلَوْ مَسَّتْ الْمَرْأَةُ عُضْوًا مِنْ أَعْضَاءِ الرَّجُلِ بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَتْ إلَى ذَكَرِهِ بِشَهْوَةٍ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَأَطْلَقَ فِيهِمَا أَيْضًا فَشَمِلَ الْمَسَّ وَالنَّظَرَ الْمُبَاحَيْنِ وَالْمُحَرَّمَيْنِ وَأَرَادَ بِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ الْحُرُمَاتِ الْأَرْبَعَ: حُرْمَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى أُصُولِ الزَّانِي وَفُرُوعِهِ نَسَبًا وَرَضَاعًا وَحُرْمَةَ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا عَلَى الزَّانِي نَسَبًا وَرَضَاعًا كَمَا فِي الْوَطْءِ الْحَلَالِ وَيَحِلُّ لِأُصُولِ الزَّانِي وَفُرُوعِهِ أُصُولُ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَفُرُوعُهَا وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ تُوجِبُ الْمَحْرَمِيَّةَ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَإِذَا فَجَرَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَابَ يَكُونُ مَحْرَمًا لِابْنَتِهَا؛ لِأَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ ابْنَتِهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَثْبُتُ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ وَبِمَا تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ. اهـ.

وَفِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ مِنْ بَحْثِ النَّهْيِ: وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالُوا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ كَمَا يَثْبُتُ حِرْمَانُ الْإِرْثِ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ عُقُوبَةً، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160] وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُونَ: الْمَحْرَمِيَّةُ لَا تَثْبُتُ حَتَّى لَا تُبَاحَ الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ النَّصِّ لَا لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ سِوَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَإِنَّ ابْتِدَاءَ الْحُكْمِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِالتَّعْلِيلِ وَالْمَنْصُوصُ بِهِ حُرْمَةٌ ثَابِتَةٌ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فَإِنَّمَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِتَعْدِيَةِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ لَا لِإِثْبَاتِ حُرْمَةٍ أُخْرَى كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قُلْتُ: وَإِنَّمَا اخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا الطَّرِيقَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَمَّا كَانَتْ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ كَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُنَاكَحَةِ وَالْمُسَافَرَةِ وَالْخَلْوَةِ جَمِيعًا كَمَا قَالُوا فِيمَا إذَا كَانَ الرَّضَاعُ ثَابِتًا

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَيْلَ الْقَلْبِ كَافٍ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ هَذَا الْحَدُّ فِي حَقِّ الشَّابِّ أَمَّا الشَّيْخُ وَالْعِنِّينُ فَحَدُّهُمَا تَحَرُّكُ قَلْبِهِ أَوْ زِيَادَةُ تَحَرُّكِهِ إنْ كَانَ مُتَحَرِّكًا لَا مُجَرَّدُ مَيَلَانِ النَّفْسِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِيمَنْ لَا شَهْوَةَ لَهُ أَصْلًا كَالشَّيْخِ الْفَانِي، ثُمَّ قَالَ ثُمَّ وُجُودُ الشَّهْوَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا كَافٍ وَلَمْ يَحِدُّوا الْحَدَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْحُرْمَةِ وَأَقَلُّهُ تَحَرُّكُ الْقَلْبِ عَلَى وَجْهٍ يُشَوِّشُ الْخَاطِرَ. (قَوْلُهُ وَيَحِلُّ إلَخْ) يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْأُصُولُ مِنْهُمَا مَعًا لِمَا قَالَ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ، وَكَذَا أُخْتُهُ أَيْ وَكَذَا أُخْتُ الرَّجُلِ مِنْ الزِّنَا وَبِنْتُ أَخِيهِ وَبِنْتُ أُخْتِهِ أَوْ ابْنِهِ مِنْهُ بِأَنْ زَنَى أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ ابْنُهُ فَأَوْلَدُوا بِنْتًا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَالْجَدِّ، وَصُورَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: أَنْ يَزْنِيَ بِبِكْرٍ وَيُمْسِكَهَا حَتَّى تَلِدَ بِنْتًا، كَذَا قَالَهُ الْكَمَالُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ تُوجِبُ الْمَحْرَمِيَّةَ لَكَانَ أَوْلَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ اهـ.

يَعْنِي فَالْأَوْلَى

ص: 108

غَيْرَ مَشْهُورٍ لَا تَحِلُّ الْمُنَاكَحَةُ وَلَا الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ لِلِاحْتِيَاطِ اهـ. كَلَامُهُ.

وَفِي الْخُلَاصَةِ قِيلَ: لِرَجُلٍ مَا فَعَلْت بِأُمِّ امْرَأَتِك؟ قَالَ: جَامَعْتهَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ وَلَا يُصَدَّقُ أَنَّهُ كَذَبَ وَإِنْ كَانُوا هَازِلِينَ وَالْإِصْرَارُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِقْرَارِ لِحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ. اهـ. وَهَذَا عِنْدَ الْقَاضِي

وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَقَرَّ لَمْ تَثْبُتْ الْحُرْمَةُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِجِمَاعِ أُمِّهَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّهَا فَيَجِبُ كَمَالُ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَنِصْفُهُ إنْ كَانَ قَبْلَهُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ أَيْضًا، فَإِنْ قُلْتُ: لَوْ قَالَ هَذِهِ أُمِّي رَضَاعًا ثُمَّ رَجَعَ وَتَزَوَّجَهَا صَحَّ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ أَجَابَ عَنْهُ فِي التَّجْنِيسِ: بِأَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِهِ وَهُوَ الْجِمَاعُ وَالْخَطَأُ فِيهِ نَادِرٌ فَلَمْ يُصَدَّقْ وَهُنَا أَخْبَرَ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْإِرْضَاعُ فَلَهُ الرُّجُوعُ وَالتَّنَاقُضُ فِيهِ مَعْفُوٌّ كَالْمُكَاتَبِ إذَا ادَّعَى الْعِتْقَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ إذَا ادَّعَتْ الطَّلَاقَ قَبْلَ الْخُلْعِ يُصَدَّقَانِ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.

(قَوْلُهُ وَحَرُمَ تَزَوُّجُ أُخْتَ مُعْتَدَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ أَثَرَ النِّكَاحِ قَائِمٌ فَلَوْ جَازَ تَزَوُّجُ أُخْتِهَا لَزِمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ، أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْمُعْتَدَّةَ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ أَوْ عَنْ إعْتَاقِ أُمِّ وَلَدٍ خِلَافًا لَهُمَا، أَوْ عَنْ تَفْرِيقٍ بَعْدَ نِكَاحٍ فَاسِدٍ وَشَمِلَ الْأُخْتَ نَسَبًا وَرَضَاعًا، وَأَشَارَ إلَى حُرْمَةِ تَزَوُّجِ مَحَارِمِهَا فِي عِدَّتِهَا مُطْلَقًا كَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَإِلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ الْأَرْبَعَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ فَإِنْ انْقَضَتْ عِدَّةُ الْكُلِّ مَعًا، جَازَ لَهُ تَزَوُّجُ أَرْبَعٍ وَإِنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ وَلَهُ تَزَوُّجُ أَرْبَعٍ سِوَى أُمِّ وَلَدِهِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ بَعْدَ عِتْقِهَا وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ مُطَلَّقَتِهِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ لَا تَحْتَمِلُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ أُخْتِهَا إلَّا أَنْ يُفَسِّرَهُ بِإِسْقَاطِ مُسْتَبِينِ الْخَلْقِ، وَإِنْ احْتَمَلَ حَلَّ نِكَاحُ أُخْتِهَا وَلَوْ كَذَّبَتْهُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا، فَإِنْ أَخْبَرَ وَهُوَ صَحِيحٌ وَكَذَّبَتْهُ ثُمَّ مَاتَ فَالْمِيرَاثُ لِلثَّانِيَةِ وَلَوْ كَانَ طَلَاقُ الْأُولَى رَجْعِيًّا وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَلِلْأُولَى فَقَطْ، وَلِزَوْجِ الْمُرْتَدَّةِ اللَّاحِقَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ تَزَوُّجُ أُخْتِهَا وَأَرْبَعٍ سِوَاهَا قَبْلَ عِدَّتِهَا كَمَوْتِهَا وَعَوْدِهَا مُسْلِمَةً لَا يَبْطُلُ نِكَاحُ أُخْتِهَا لَوْ بَعْدَهُ وَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ لَوْ قَبْلَهُ وَفِي الْمِعْرَاجِ لَوْ كَانَتْ إحْدَى الْأَرْبَعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَطَلَّقَهَا لَا تَحِلُّ لَهُ الْخَامِسَةُ إلَّا بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَيَبْقَى حَمْلُهَا خَمْسَ سِنِينَ، فَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ خُرُوجِهَا بِسَنَةٍ انْتَظَرَ أَرْبَعًا فَإِذَا كَانَ احْتِمَالُ الْحَمْلِ يَمْنَعُ فَهُوَ مَوْجُودٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا اهـ. وَهُوَ مُشْكِلٌ.

(قَوْلُهُ وَأَمَتُهُ وَسَيِّدَتُهُ) أَيْ وَحَرُمَ تَزَوُّجُ أَمَتِهِ وَسَيِّدَتِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَا شُرِعَ إلَّا مُثْمِرًا ثَمَرَاتٍ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُتَنَاكِحَيْنِ، وَالْمَمْلُوكِيَّةُ تُنَافِي الْمَالِكِيَّةَ فَيَمْتَنِعُ وُقُوعُ الثَّمَرَةِ عَلَى الشَّرِكَةِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْعَقْدِ عَلَى أَمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ بَاشَرَهُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ، لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ الْمُرَادُ بِهِ فِي أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ ثُبُوتِ الْمَهْرِ فِي ذِمَّةِ الْمَوْلَى وَبَقَاءِ النِّكَاحِ بَعْدَ الْإِعْتَاقِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا تَزَوَّجَهَا مُتَنَزِّهًا عَنْ وَطْئِهَا حَرَامًا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ فَهُوَ حَسَنٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً أَوْ مُعْتَقَةَ الْغَيْرِ أَوْ مَحْلُوفًا عَلَيْهَا بِعِتْقِهَا، وَقَدْ حَنِثَ الْحَالِفُ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ لَا سِيَّمَا إنْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَيْدِي اهـ.

أَطْلَقَ فِي أَمَتِهِ فَشَمِلَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا جُزْءٌ، وَكَذَا فِي سَيِّدَتِهِ لَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ سَهْمًا مِنْهُ.

(قَوْلُهُ وَالْمَجُوسِيَّةُ وَالْوَثَنِيَّةُ) أَيْ وَحَرُمَ تَزَوُّجُهُمَا عَلَى الْمُسْلِمِ، أَمَّا الْمَجُوسِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ عليه السلام «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» أَيْ اُسْلُكُوا بِهِمْ طَرِيقَتَهُمْ يَعْنِي عَامِلُوهُمْ مُعَامَلَتَهُمْ فِي إعْطَاءِ الْأَمَانِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَأَمَّا الْوَثَنِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] وَالْمُرَادُ بِالْمَجُوسِ عَبَدَةُ النَّارِ وَذِكْرُ

ــ

[منحة الخالق]

مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَلَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ لَمَا خَرَجَ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ.

(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ إلَخْ) يُخَالِفُهُ مَا فِي مُتَفَرِّقَاتِ الْبُيُوعِ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ اشْتَرَى جَارِيَةً يَتَزَوَّجُهَا احْتِيَاطًا إنْ أَرَادَ وَطْأَهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً ارْتَفَعَتْ الْحُرْمَةُ وَإِنْ أَمَةً لَا يَضُرُّهُ النِّكَاحُ اهـ. تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ إلَخْ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَ نَقْلِهِ فَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ وَطْءِ السَّرَارِي اللَّاتِي يُجْلَبْنَ الْيَوْمَ مِنْ الرُّومِ وَغَيْرِهَا حَرَامٌ إلَّا أَنْ يُنَصَّبَ فِي الْمَغَانِمِ مَنْ يُحْسِنُ قِسْمَتَهَا فَيُقَسِّمَهَا مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ وَلَا ظُلْمٍ أَوْ يَحْصُلُ قِسْمَةٌ مِنْ مُحَكَّمٍ أَوْ تَزَوَّجَ بَعْدَ الْعِتْقِ بِإِذْنِ الْقَاضِي وَالْمُعْتِقِ، وَالِاحْتِيَاطُ اجْتِنَابُهُنَّ مَمْلُوكَاتٍ وَحَرَائِرَ اهـ.

فَهَذَا وَرَعٌ لَا حُكْمٌ لَازِمٌ فَإِنَّ الْجَارِيَةَ الْمَجْهُولَةَ الْحَالِ الْمَرْجِعُ فِيهَا إلَى صَاحِبِ الْيَدِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَإِلَى إقْرَارِهَا إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَإِنْ عُلِمَ حَالُهَا فَلَا إشْكَالَ اهـ.

قُلْتُ: وَفِي جِهَادِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ عَنْ مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ: وَهَلْ يَحِلُّ وَطْءُ الْإِمَامِ الْمُشْتَرَاةَ مِنْ الْغُزَاةِ الْآنَ حَيْثُ وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ فِي قِيمَتِهِمْ بِالْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ؟ فَأَجَابَ: لَا تُوجَدُ فِي زَمَانِنَا قِسْمَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَكِنْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ وَقَعَ التَّنْفِيلُ الْكُلِّيُّ فَبَعْدَ إعْطَاءِ الْخَمْسِ لَا تَبْقَى شُبْهَةٌ اهـ. فَلْيُحْفَظْ.

(قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ بِنَفْيِ تَزَوُّجِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ نَفْيُهُ مَعَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ فَلَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُسْتَحْسَنًا مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ. (قَوْلُهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَعَدِّهَا عَلَيْهِ خَامِسَةً، قَالَ فِي الشرنبلالية، وَكَذَا

ص: 109

الْكِتَابِيَّةِ بَعْدَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَجُوسَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، وَقَدْ نُقِلَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه إبَاحَةُ نِكَاحِ الْمَجُوسِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا إلَّا أَنَّ مَلِكَهُمْ وَاقَعَ أُخْتَهُ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ فَرُفِعَ كِتَابُهُمْ فَنُسُّوهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ نِكَاحِهِمْ لِكَوْنِهِمْ عَبَدَةَ النَّارِ فَهُمْ دَاخِلُونَ فِي الْمُشْرِكِينَ فَكَوْنُهُمْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ أَوَّلًا لَا أَثَرَ لَهُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ كَالْإِجْمَاعِ عَلَى حُرْمَةِ الْوَثَنِيَّةِ وَهِيَ الْمُشْرِكَةُ.

وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ هِيَ الَّتِي تَعْبُدُ الْوَثَنَ أَيْ الصَّنَمَ وَالنَّصُّ عَامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ سَائِرُ الْمُشْرِكَاتِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَدْخُلُ فِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ عَبَدَةُ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ وَالصُّوَرِ الَّتِي اسْتَحْسَنُوهَا وَالْمُعَطِّلَةُ وَالزَّنَادِقَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَالْإِبَاحِيَّةُ وَفِي شَرْحِ الْوَجِيزِ وَكُلُّ مَذْهَبٍ يَكْفُرُ بِهِ مُعْتَقِدُهُ فَهُوَ يُحَرِّمُ نِكَاحَهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكِ يَتَنَاوَلُهُمْ جَمِيعًا اهـ.

وَيَنْبَغِي أَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ مَذْهَبًا يَكْفُرُ بِهِ، إنْ كَانَ قَبْلَ تَقَدُّمِ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَالَ الرُّسْتُغْفَنِيُّ لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِزَالِ وَقَالَ الْفَضْلُ لَا يَجُوزُ بَيْنَ مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَمُقْتَضَاهُ مَنْعُ مُنَاكَحَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَكَذَا، قِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: يَتَزَوَّجُ بِنْتَهمْ وَلَا يُزَوِّجُهُمْ بِنْتَه وَعَلَّلَهُ فِي الْبَزَّازِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَنْزِيلًا لَهُمْ مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ الْوَتْرِ وَالنَّوَافِلِ إيضَاحَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ مَنْ قَالَ أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَلَطٌ وَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ شَاكًّا فِي إيمَانِهِ وَالشَّافِعِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِهِ، فَتَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِلَا شُبْهَةٍ.

وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَمُقْتَضَى الْوَجْهِ حِلُّ مُنَاكَحَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عَدَمُ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ كَمَا قَدَّمْنَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَئِمَّةِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ وَأَفَادَ بِحُرْمَةِ نِكَاحِهِمَا حُرْمَةَ وَطْئِهِمَا أَيْضًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ خِلَافًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٍ، لَوْ وَرَدَ الْإِطْلَاقُ فِي سَبَايَا الْعَرَبِ كَأَوْطَاسٍ وَغَيْرِهَا وَهُنَّ مُشْرِكَاتٌ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ لِلْآيَةِ، فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ أَوْ كُلٌّ مِنْهُ وَمِنْ الْعَقْدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوْ خَاصٌّ فِي الضَّمِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرَيْنِ وَيُمْكِنُ كَوْنُ سَبَايَا أَوْطَاسٍ أَسْلَمْنَ، وَقَيَّدْنَا بِالْمُسْلِمِ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: وَتَحِلُّ الْمَجُوسِيَّةُ وَالْوَثَنِيَّةُ لِكُلِّ كَافِرٍ إلَّا الْمُرْتَدَّ اهـ.

يَعْنِي يَجُوزُ تَزَوُّجُ الْيَهُودِيِّ نَصْرَانِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً وَعَكْسُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ الْكُفْرُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ نِحَلُهُمْ.

(قَوْلُهُ وَحَلَّ تَزَوُّجُ الْكِتَابِيَّةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] أَيْ الْعَفَائِفُ عَنْ الزِّنَا بَيَانًا لِلنَّدْبِ لَا أَنَّ الْعِفَّةَ فِيهِنَّ شَرْطٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّهَا مُشْرِكَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ وَعُزَيْرًا وَحَمْلُ الْمُحْصَنَاتِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُنَّ وَلِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْعَطْفِ فِي قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: 1] وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَفِي قَوْله تَعَالَى {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] وَفِي التَّبْيِينِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ يَعْتَقِدُ دِينًا سَمَاوِيًّا وَلَهُ كِتَابٌ مُنَزَّلٌ كَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَشِيثٍ وَزَبُورِ دَاوُد فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَتَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا عَدَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا تَلَوْنَا وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْكِتَابِيُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِنَبِيٍّ وَيُقِرُّ بِكِتَابٍ وَالسَّامِرِيَّةُ مِنْ الْيَهُودِ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْكِتَابِيَّةَ هُنَا وَقَيَّدَهَا فِي الْمُسْتَصْفَى بِقَوْلِهِ: قَالُوا هَذَا يَعْنِي الْحِلَّ إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ الْمَسِيحَ إلَهًا، أَمَّا إذَا اعْتَقَدَهُ فَلَا، وَيُوَافِقُهُ مَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ أَنْ لَا يَأْكُلُوا ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ إلَهٌ وَأَنَّ عُزَيْرًا إلَهٌ وَلَا يَتَزَوَّجُوا نِسَاءَهُمْ قِيلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَلَكِنْ بِالنَّظَرِ إلَى الدَّلَائِلِ يَنْبَغِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ وَالتَّزَوُّجُ. اهـ.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِطْلَاقُ لِمَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ ذَبِيحَةَ النَّصْرَانِيِّ حَلَالٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَالَ بِثَالِثِ ثَلَاثَةٍ أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ الْكِتَابِ هُنَا، وَالدَّلِيلُ وَرَجَّحَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ طَائِفَتَانِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى انْقَرَضُوا لَا كُلُّهُمْ

ــ

[منحة الخالق]

ثُبُوتُ نَسَبِ وَلَدِهَا وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ وَالْكُلُّ مُنْتَفٍ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي عَدَمِ عَدِّهَا خَامِسَةً وَنَحْوِهِ مِنْ عَدَمِ الِاحْتِيَاطِ فِي وُقُوعِهِ فِي الْمُحَرَّمِ.

ص: 110

مَعَ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ الْمُشْرِكِ إذَا ذُكِرَ فِي لِسَانِ أَهْلِ الشَّرْعِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ صَحَّ لُغَةً فِي طَائِفَةٍ أَوْ طَوَائِفَ لِمَا عُهِدَ مِنْ إرَادَتِهِ بِهِ مَنْ عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَدَّعِي اتِّبَاعَ نَبِيٍّ وَكِتَابٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لَفْظَ الْمُشْرِكِ يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكِ مُطْلَقًا لَا يَتَنَاوَلُهُ لِلْعَطْفِ فِي الْآيَةِ. ثُمَّ الْمُشْرِكُ ثَلَاثَةٌ: مُشْرِكٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَمُشْرِكٌ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا كَالْمُنَافِقِينَ وَمُشْرِكٌ مَعْنًى كَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَفِي قَوْلِهِ سبحانه وتعالى {عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الأعراف: 190] الْمُرَادُ مُطْلَقُ الشِّرْكِ، وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} [النساء: 48] فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْكُفَّارِ وَفِي قَوْلِهِ {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} [البقرة: 221] الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ الْوَثَنِيُّ فَلَا يَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ اهـ. وَأَطْلَقَهُ أَيْضًا فَشَمِلَ الْكِتَابِيَّةَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ.

وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى حِلِّ الْحُرَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حِلِّ الْأَمَةِ كَمَا سَيَأْتِي هَذَا، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ كِتَابِيَّةً وَلَا يَأْكُلَ ذَبَائِحَهُمْ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَفِي الْمُحِيطِ يُكْرَهُ تَزَوُّجُ الْكِتَابِيَّةِ الْحَرْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَيَنْشَأُ عَلَى طَبَائِعِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَيَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِمْ فَلَا يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُ قَلْعَهُ عَنْ تِلْكَ الْعَادَةِ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمِيَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَهْيٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا فِي رُتْبَةِ الْوَاجِبِ وَفِي الْخَانِيَّةِ تَزَوُّجُ الْحَرْبِيَّةِ مَكْرُوهٌ فَإِنْ خَرَجَ بِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَقِيَ النِّكَاحُ اهـ.

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ وَطْءُ الْكِتَابِيَّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْكِتَابِيَّةَ إذَا تَمَجَّسَتْ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهَا مِنْ الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الْيَهُودِيَّةِ إذَا تَنَصَّرَتْ أَوْ عَكْسُهُ.

وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّ لِلْمُسْلِمِ مَنْعَ الذِّمِّيَّةِ إذَا تَزَوَّجَهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْكَنَائِسِ وَالْبِيَعِ وَلَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى الْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ مِنْ فَصْلِ الْجِزْيَةِ مِنْ السِّيَرِ: مُسْلِمٌ لَهُ امْرَأَةٌ ذِمِّيَّةٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ شُرْبَ الْخَمْرِ حَلَالٌ عِنْدَهَا وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْ اتِّخَاذِ الْخَمْرِ فِي الْمَنْزِلِ اهـ.

وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا عِنْدَهَا لَكِنَّ رَائِحَتَهَا تَضُرُّهُ فَلَهُ مَنْعُهَا كَمَنْعِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ، وَلِذَا قَالَ الْكَرْكِيُّ فِي الْفَيْضِ قُبَيْلَ بَابِ التَّيَمُّمِ: إنَّ الْمُسْلِمَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ الذِّمِّيَّةَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ كَالْمُسْلِمَةِ لَوْ أَكَلَتْ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَكَانَ زَوْجُهَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا اهـ. وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا لَا يَخْفَى.

(قَوْلُهُ)(وَالصَّابِئَةُ) أَيْ وَحَلَّ تَزَوُّجُهَا أَطْلَقَهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِدِينِ نَبِيٍّ وَيُقِرُّونَ بِكِتَابِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَلَا كِتَابَ لَهُمْ لَمْ تَجُزْ مُنَاكَحَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ، وَالْخِلَافُ الْمَنْقُولُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى اشْتِبَاهِ مَذْهَبِهِمْ، فَكُلٌّ أَجَابَ عَلَى مَا وَقَعَ عِنْدَهُ، وَعَلَى هَذَا حَلَّ ذَبِيحَتُهُمْ اهـ.

وَصَحَّحَهُ أَيْضًا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْهِدَايَةِ أَنَّ مَنْعَ مُنَاكَحَتِهِمْ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَعَدَمِ الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَلَهُمْ كِتَابٌ تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ زَعَمُوا أَنَّ عِبَادَةَ الْكَوَاكِبِ لَا تُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ أَهْلَ الْكِتَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ إنْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا حَقِيقَةً فَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَعْبَةِ فَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ كَذَا فِي الْمُجْتَبَى وَفِي الْكَشَّافِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ عَدَلُوا عَنْ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَعَبَدُوا الْمَلَائِكَةَ مِنْ صَبَا إذَا خَرَجَ مِنْ الدِّينِ.

(قَوْلُهُ)(وَالْمُحْرِمَةُ وَلَوْ مُحْرِمًا) أَيْ حَلَّ تَزَوُّجُهَا وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا لِحَدِيثِ الْجَمَاعَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ عليه السلام تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَمَاتَتْ بِسَرِفَ» ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ مِنْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ فَلَمْ يَقْوَ قُوَّةَ هَذَا فَإِنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ السِّتَّةُ وَحَدِيثُ يَزِيدَ لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ وَلَا النَّسَائِيّ وَأَيْضًا لَا يُقَاوَمُ بِابْنِ عَبَّاسٍ حِفْظًا وَاتِّفَاقًا، وَقَدْ أَطَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي وُجُوهٍ تُرَجِّحُهُ وَذَكَرُوا تَرْجِيحَهُ فِي الْأُصُولِ مِنْ بَابِ الْبَيَانِ فِي تَعَارُضِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ كَمَنْعِ الْمُسْلِمَةِ مِنْ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ) مُفَادُهُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ شُرْبِ الدُّخَانِ الْمَشْهُورِ فِي هَذَا الزَّمَانِ حَيْثُ كَانَ يَضُرُّهُ.

(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْهِدَايَةِ لَيْسَ تَقْيِيدُ الْإِطْلَاقِ مَا فِي الْكِتَابِ بَلْ هُوَ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ وَالْخِلَافُ الْمَنْقُولُ إلَخْ.

ص: 111

الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ أَنَّهُ عليه السلام قَالَ: «الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ» فَحَمَلَهُ الْمَشَايِخُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَالْمَنْهِيُّ الرَّجُلُ وَعَلَى التَّمْكِينِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ فَالْمَنْهِيُّ الْمَرْأَةُ وَالتَّذْكِيرُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ وَكَلِمَةُ (لَا) فِيهِ جَازَ أَنْ تَكُونَ نَاهِيَةً وَدُخُولُهَا عَلَى الْمُسْنَدِ لِلْغَائِبِ جَائِزٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ وَجَازَ أَنْ تَكُونَ نَافِيَةً وَفِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ أَنَّ مَعْنَى الثَّانِيَةِ لَا يُمَكِّنُ الْمَرْأَةَ مِنْ نَفْسِهِ لِتَطَأَهُ كَمَا هُوَ فِعْلُ الْبَعْضِ فَجَعَلَ التَّذْكِيرَ عَلَى حَقِيقَةٍ وَأَنَّ الْمَنْهِيَّ الرَّجُلُ فِيهِمَا وَالْيَاءُ مَفْتُوحَةٌ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ كَسْرِ الْكَافِ نَفْيًا لِلْإِنْكَاحِ وَمَعَ فَتْحِ الْكَافِ مِنْ الثَّانِيَةِ فَقَدْ صُحِّفَ وَجُوِّزَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ حَمْلُ النِّكَاحِ فِيهِ عَلَى الْعَقْدِ وَيَكُونُ النَّهْيُ فِيهِ لِلْكَرَاهَةِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ فِي شُغُلٍ عَنْ مُبَاشَرَةِ عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ شَغْلَ قَلْبِهِ وَهُوَ مَحْمِلُ قَوْلِهِ «وَلَا يَخْطُبُ» وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ عليه السلام بَاشَرَهُ لِعَدَمِ شَغْلِ قَلْبِهِ بِخِلَافِنَا اهـ.

وَحُمِلَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَوْلُهُ «وَلَا يَخْطُبُ» عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْتِمَاسِ الْوَطْءِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ.

(قَوْلُهُ وَالْأَمَةُ وَلَوْ كِتَابِيَّةً) أَيْ حَلَّ تَزَوُّجُهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَصْلُهُ التَّقْيِيدُ بِالْوَصْفِ، وَالشَّرْطُ فِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25] وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ هِيَ أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ وَالْوَصْفِ هَلْ يَكُونُ مُعْتَبَرًا يَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَعَمْ، وَقُلْنَا لَا فَصَارَ الْحِلُّ ثَابِتًا فِيهَا بِالْعُمُومَاتِ مِثْلُ قَوْلِهِ {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3] {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: 24] فَلِذَلِكَ جَوَّزْنَا نِكَاحَ الْأَمَةِ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَنِكَاحَ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ وَتَمَامُهُ فِي الْأُصُولِ وَعَلَى تَقْدِيرِ اعْتِبَارِ مَفْهُومِهِمَا فَمُقْتَضَاهُمَا عَدَمُ الْإِبَاحَةِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ وُجُودِ الْقَيْدِ الْمُبِيحِ وَعَدَمُ الْإِبَاحَةِ أَعَمُّ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ وَلَا دَلَالَةَ لِلْأَعَمِّ عَلَى الْأَخَصِّ بِخُصُوصِهِ فَيَجُوزُ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ وَعِنْدَ وُجُودِ طَوْلِ الْحُرَّةِ كَمَا يَجُوزُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ عَلَى السَّوَاءِ وَالْكَرَاهَةُ أَقَلُّ فَتَعَيَّنَتْ، فَقُلْنَا بِهَا، وَبِالْكَرَاهَةِ صَرَّحَ فِي الْبَدَائِعِ، كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ مُقْتَضَاهُمَا عَدَمُ الْحِلِّ لَا عَدَمُ الْإِبَاحَةِ وَعَدَمُ الْحِلِّ مُدَّعَاهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي كَلَامِ الْبَدَائِعِ تَنْزِيهِيَّةٌ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمُبَاحِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ رَاجِحًا عَلَى الْفِعْلِ، نَعَمْ عَدَمُ الْإِبَاحَةِ أَعَمُّ مِنْ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ تَحْرِيمًا. وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمُبَاحَ عِنْدَهُمْ مَا أَذِنَ الشَّارِعُ فِي فِعْلِهِ لَا مَا اسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ كَمَا هُوَ فِي الْأُصُولِ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ كَمَا عُرِفَ فِي بَحْثِ الْأَمْرِ مِنْ الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ.

(قَوْلُهُ وَالْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ لَا عَكْسُهُ) أَيْ حَلَّ إدْخَالُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ وَلَا يَحِلُّ إدْخَالُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ لِلْحَدِيثِ «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ وَتُنْكَحُ الْحُرَّةُ عَلَى الْأَمَةِ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ وَعَلَى مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِهِ بِرِضَا الْحُرَّةِ وَلِأَنَّ لِلرِّقِّ أَثَرًا فِي تَنْظِيفِ النِّعْمَةِ عَلَى مَا نُقَرِّرُهُ فِي الطَّلَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيَثْبُتُ بِهِ حِلُّ الْمَحَلِّيَّةِ فِي حَالَةِ الِانْفِرَادِ دُونَ حَالَةِ الِانْضِمَامِ، وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ. وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ وَلَا مَعَهَا وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ وَمَعَهَا وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ ارْتَفَعَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمِلْكَ وَالْحِلَّ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَكَانَ لِلْإِجَازَةِ حُكْمُ إنْشَاءِ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَيُصَيِّرُهُ مُتَزَوِّجًا أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ وَلَوْ تَزَوَّجَ ابْنَتَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ قَبْلَ الْإِجَازَةِ جَازَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْمَوْقُوفَ عَدَمٌ فِي حَقِّ الْمَحَلِّ فَلَا يَمْنَعُ نِكَاحَ غَيْرِهَا اهـ.

قَيَّدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُرَاجَعَةُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا بَاقٍ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ فِي الرَّجْعَةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ تَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْ الْإِمَاءِ وَخَمْسًا مِنْ الْحَرَائِرِ فِي عَقْدٍ صَحَّ نِكَاحُ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّ التَّزَوُّجَ بِالْخَمْسِ بَاطِلٌ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ فَصَحَّ نِكَاحُ الْإِمَاءِ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ) أَيْ لَا يَحِلُّ إدْخَالُ الْأَمَةِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ عَلَى الْأَمَةِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا نِكَاحُ الْمَرْأَةِ وَفِي بَعْضِهَا نِكَاحُ الْأَمَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي النَّهْرِ.

ص: 112

أَنَّهُ لَا فَرْقَ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ عَنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ أَوْ بَائِنٍ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ رَجْعِيًّا زَوْجَةٌ. وَفِي الثَّانِي خِلَافٌ: قَالَا لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَزَوُّجٍ عَلَيْهَا وَهُوَ الْمُحَرَّمُ وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا، بِخِلَافِ تَزَوُّجِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا وَالْفَرْقُ لَهُمَا أَنَّ الْمَمْنُوعَ فِي تِلْكَ الْجَمْعُ، وَقَدْ وُجِدَ وَهُنَا الْمَمْنُوعُ الْإِدْخَالُ عَلَيْهَا لِتَنْقِيصِهَا لَا الْجَمْعُ وَالْإِدْخَالُ لِلتَّنْقِيصِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الْمُبَانَةِ وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّهُ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْحُرَّةِ بَاقٍ مِنْ وَجْهٍ لِبَقَاءِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ فَبَقِيَ الْمَنْعُ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ لَا يَدْخُلَ غَيْرُهَا فِي قَسَمِهَا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا فَطَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ لَا يَحْنَثُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا قَسَمَ لَهَا كَالْمُبَانَةِ ذَكَرَهُ فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ عَلَّلَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يُسَمَّى مُتَزَوِّجًا عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ وَهُوَ يُفِيدُ الْحِنْثَ فِي الرَّجْعِيِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَائِمٌ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَطْلَقَ فِي الْأَمَةِ فَشَمِلَ الْمُدَبَّرَةَ وَأُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةَ؛ لِأَنَّهَا كَمَا فِي الصِّحَاحِ خِلَافُ الْحُرَّةِ وَقَيَّدْنَا نِكَاحَ الْحُرَّةِ بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا الْفَاسِدَ وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ وَالْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ.

(قَوْلُهُ وَأَرْبَعٌ مِنْ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ) أَيْ وَحَلَّ تَزَوُّجُ أَرْبَعٍ لَا أَكْثَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ الرَّوَافِضِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] مَعْدُولَةٌ عَنْ أَعْدَادٍ مُكَرَّرَةٍ: هِيَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثَ ثَلَاثَ وَأَرْبَعَ أَرْبَعَ وَهِيَ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ صِفَاتٍ وَإِنْ كَانَتْ أُصُولُهَا لَمْ تُبَيِّنْ لَهَا، وَقِيلَ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فَإِنَّهَا مَعْدُولَةٌ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ وَالتَّكْرِيرِ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ طَابَ وَمَعْنَاهَا الْإِذْنُ لِكُلِّ نَاكِحٍ يُرِيدُ الْجَمْعَ أَنْ يَنْكِحَ مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِينَ مُتَّفِقِينَ وَمُخْتَلِفِينَ كَقَوْلِهِ اقْتَسِمُوا هَذِهِ الْبَدْرَةَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وَثَلَاثَةَ ثَلَاثَةَ وَلَوْ أَفْرَدَ كَانَ الْمَعْنَى تَجْوِيزَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ دُونَ التَّوْزِيعِ وَلَوْ ذُكِرَتْ بِأَوْ لَذَهَبَ تَجْوِيزُ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَدَدِ اهـ.

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَحَاصِلُ الْحَالِ أَنَّ حِلَّ الْوَاحِدَةِ كَانَ مَعْلُومًا، وَهَذِهِ الْآيَةُ لِبَيَانِ حِلِّ الزَّائِدِ عَلَيْهَا إلَى حَدٍّ مُعَيَّنٍ مَعَ بَيَانِ التَّنْجِيزِ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْعَدَدُ فِي الْآيَةِ مَانِعًا مِنْ الزِّيَادَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَدَدٌ لَا يَمْنَعُهَا لِوُقُوعِهِ حَالًا قَيْدًا فِي الْإِحْلَالِ، قَيَّدَ بِالتَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّ لَهُ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ مِنْ الْإِمَاءِ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3] وَفِي الْفَتَاوَى رَجُلٌ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأَلْفُ جَارِيَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً أُخْرَى فَلَامَهُ رَجُلٌ يُخَافُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ اهـ.

وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ الْأُخْرَى فَلَامَهُ رَجُلٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَافَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ لِمَا أَنَّ فِي تَزَوُّجِ الْجَمْعِ مِنْ النِّسَاءِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً بِسَبَبِ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3] بِخِلَافِ الْجَمْعِ مِنْ السَّرَارِيِّ فَإِنَّهُ لَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ مَعَ أَنَّهُمْ قَالُوا إذَا تَرَكَ التَّزَوُّجَ عَلَى امْرَأَتِهِ كَيْ لَا يُدْخِلَ الْغَمَّ عَلَى زَوْجَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ كَانَ مَأْجُورًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي اللَّوْمُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 5]{إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 6] .

(قَوْلُهُ وَاثْنَتَيْنِ لِلْعَبْدِ) أَيْ وَحَلَّ تَزَوُّجُ اثْنَتَيْنِ لَهُ حُرَّتَيْنِ كَانَتَا أَوْ أَمَتَيْنِ وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي النِّكَاحِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُنَصِّفٌ نِعْمَةً وَعُقُوبَةً، أَطْلَقَ فِي الْعَبْدِ فَشَمِلَ الْمُدَبَّرَ وَالْمُكَاتَبَ، وَقَيَّدَ بِالتَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّسَرِّي وَلَا أَنْ يُسَرِّيَهُ مَوْلَاهُ وَلَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ شَيْئًا إلَّا الطَّلَاقَ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحِلَّ مُنْحَصِرٌ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمْ يَكُنْ الثَّانِي لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ مَلَكَ فَانْحَصَرَ حِلُّهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ.

(قَوْلُهُ وَحُبْلَى مِنْ زِنًا لَا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ وَحَلَّ تَزَوُّجُ الْحُبْلَى مِنْ الزِّنَا وَلَا يَجُوزُ تَزَوُّجُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَافَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلُحُوقِ الْإِمَاءِ مَعَ الزَّوْجَاتِ وَاحِدٌ فَأَنَّى وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَمَا فَرَّقَ بِهِ مِنْ أَنَّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَرَائِرِ مَشَقَّةً، سَبَبُ وُجُوبِ الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّرَارِيِّ فَإِنَّهُ لَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ مِمَّا لَا أَثَرَ لَهُ مَعَ النَّصِّ.

ص: 113

الْحُبْلَى مِنْ غَيْرِ الزِّنَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ فَاسِدٌ قِيَاسًا عَلَى الثَّانِي وَهِيَ الْحُبْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ تَزَوَّجَهَا لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا لِحُرْمَةِ الْحَمْلِ، وَهَذَا الْحَمْلُ مُحْتَرَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ وَلَهُمَا أَنَّهُمَا مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ بِالنَّصِّ وَحُرْمَةُ الْوَطْءِ كَيْ لَا يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ وَالِامْتِنَاعُ فِي ثَابِتِ النَّسَبِ لِحَقِّ صَاحِبِ الْمَاءِ وَلَا حُرْمَةَ لِلزَّانِي وَمَحَلُّ الْخِلَافِ تَزَوُّجُ غَيْرِ الزَّانِي، أَمَّا تَزَوُّجُ الزَّانِي لَهَا فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا وَتَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ عِنْدَ الْكُلِّ وَيَحِلُّ وَطْؤُهَا عِنْدَ الْكُلِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَقَيَّدَ بِالتَّزَوُّجِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا حَرَامٌ اتِّفَاقًا لِلْحَدِيثِ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِيَنَّ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» فَإِنْ قِيلَ: فَمُ الرَّحِمِ يَنْسَدُّ بِالْحَبَلِ فَكَيْفَ يَكُونُ سَقَى زَرْعَ غَيْرِهِ؟ قُلْنَا: شَعْرُهُ يَنْبُتُ مِنْ مَاءِ الْغَيْرِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَحُكْمُ الدَّوَاعِي عَلَى قَوْلِهِمَا كَالْوَطْءِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَذَكَرَ التُّمُرْتَاشِيُّ أَنَّهَا لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَقِيلَ: لَهَا ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْوَطْءِ مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ سَمَاوِيٌّ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ لَا مِنْ غَيْرِهِ فَشَمِلَ الْحَامِلَ مِنْ حَرْبِيٍّ كَالْمُهَاجِرَةِ وَالْمَسْبِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ صِحَّةُ الْعَقْدِ كَالْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا وَصَحَّحَ الشَّارِحُ الْمَنْعَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَشَمِلَ أُمَّ الْوَلَدِ فَلَوْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِمَوْلَاهَا حَيْثُ يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَوْ صَحَّ النِّكَاحُ لَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَكَّدٍ حَتَّى يَنْتَفِيَ الْوَلَدُ بِالنَّفْيِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ فَلَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْحَمْلُ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمَوْلَى اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَلِذَا لَمْ يَكُنْ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا نَفْيًا لِلْوَلَدِ دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الصَّرِيحَ بِخِلَافِهِ فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ وَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَامِلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ النِّكَاحُ وَيَكُونَ نَفْيًا دَلَالَةً فَإِنَّ النَّسَبَ كَمَا يَنْتَفِي بِالصَّرِيحِ يَنْتَفِي بِالدَّلَالَةِ بِدَلِيلِ مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ جَاءَتْ بِأَوْلَادٍ ثَلَاثَةٍ فَادَّعَى الْمَوْلَى أَكْبَرَهُمْ حَيْثُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ وَيَنْتَفِي نَسَبُ غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَعْضِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.

(قَوْلُهُ وَالْمَوْطُوءَةُ بِمِلْكٍ) أَيْ حَلَّ تَزَوُّجُ مَنْ وَطِئَهَا الْمَوْلَى بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لِمَوْلَاهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَلَا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ وَأَفَادَ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ الشُّغْلَ بِمَاءِ الْمَوْلَى فَوَجَبَ التَّنَزُّهُ كَمَا فِي الشِّرَاءِ، وَلَهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ أَمَارَةُ الْفَرَاغِ فَلَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِبْرَاءِ لَا اسْتِحْبَابًا وَلَا وُجُوبًا، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الشُّغْلِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَاصِلِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَاجِبٍ وَلَمْ يَقُلْ لَا يُسْتَحَبُّ وَمُحَمَّدٌ لَمْ يَقُلْ أَيْضًا هُوَ وَاجِبٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُؤْمَرُ بِهِ لَا اسْتِحْبَابًا وَلَا وُجُوبًا يَأْبَى هَذَا الْحَمْلَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ اسْتِبْرَاءَ الْمَوْلَى وَفِي الْهِدَايَةِ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا صِيَانَةً لِمَائِهِ، وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَحَمَلَهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْحَتْمِ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُزَوِّجَ أَمَتَهُ مِنْ إنْسَانٍ، وَقَدْ كَانَ يَطَؤُهَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ ثُمَّ يُزَوِّجُهَا كَمَا لَوْ أَرَادَ بَيْعًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هَاهُنَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ اهـ.

وَقَدْ جَعَلَ الْوُجُوبَ فِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيُّ قَوْلُهُ مُحَمَّدٌ أَطْلَقَ فِي الْمَوْطُوءَةِ بِالْمِلْكِ فَشَمِلَ أُمَّ الْوَلَدِ مَا لَمْ تَكُنْ حُبْلَى مِنْهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ (قَوْلُهُ أَوْ زِنًا) أَيْ وَحَلَّ تَزَوُّجُ الْمَوْطُوءَةِ بِالزِّنَا أَيْ الزَّانِيَةِ، لَوْ رَأَى امْرَأَةً تَزْنِي فَتَزَوَّجَهَا، جَازَ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَزَوُّجِ الزَّانِيَةِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] فَمَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] عَلَى مَا قِيلَ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ أَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ امْرَأَتِي لَا تَدْفَعُ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ عليه السلام

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ بِدَلِيلِ الْأَمَةِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، أَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَمْلَ يَخْفَى أَمْرُهُ فَرُبَّمَا يَكُونُ تَزَوَّجَهَا بِنَاءً مِنْهُ عَلَى عَدَمِهِ بَلْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَدْ يُجْهَلُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالظُّهُورِ وَالْعِلْمِ فَتَأَمَّلْ.

ص: 114

طَلِّقْهَا، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جَمِيلَةٌ، فَقَالَ عليه السلام اسْتَمْتِعْ بِهَا» وَفِي الْمُجْتَبَى مِنْ آخِرِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ: لَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَطْلِيقُ الْفَاجِرَةِ وَلَا عَلَيْهَا تَسْرِيحُ الْفَاجِرِ إلَّا إذَا خَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَفَرَّقَا. اهـ. .

(قَوْلُهُ وَالْمَضْمُومَةُ إلَى مُحَرَّمَةٍ) أَيْ وَحَلَّ نِكَاحُ امْرَأَةٍ مُحَلَّلَةٍ ضُمَّتْ إلَى امْرَأَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَأَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ أَوْ ذَاتُ زَوْجٍ أَوْ وَثَنِيَّةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي الْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي الْحُرِّ شَرْطٌ فَاسِدٌ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ وَهُنَا الْمُبْطِلُ يَخُصُّ الْمُحَرَّمَةَ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ (قَوْلُهُ وَالْمُسَمَّى لَهَا) أَيْ جَمِيعُ الْمُسَمَّى لِلْمُحَلَّلَةِ الْمَضْمُومَةِ إلَى مُحَرَّمَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرًا إلَى أَنَّ ضَمَّ الْمُحَرَّمَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ لَغْوٌ كَضَمِّ الْجِدَارِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ وَالِانْقِسَامِ مِنْ حُكْمِ الْمُسَاوَاةِ فِي الدُّخُولِ فِي الْعَقْدِ وَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ بِوَطْءِ الْمُحَرَّمَةِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ مِنْ حُكْمِ صُورَةِ الْعَقْدِ لَا مِنْ حُكْمِ انْعِقَادِهِ فَلَيْسَ قَوْلُهُ بِعَدَمِ الِانْقِسَامِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عَدَمَ الدُّخُولِ فِي الْعَقْدِ مُنَافِيًا لِقَوْلِهِ بِسُقُوطِ الْحَدِّ لِوُجُودِ صُورَةِ الْعَقْدِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعِنْدَهُمَا يَقْسِمُ عَلَى مَهْرِ مِثْلَيْهِمَا كَأَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى أَلْفًا وَمَهْرُ مِثْلِ الْمُحَرَّمَةِ أَلْفَانِ وَالْمُحَلَّلَةِ أَلْفٌ فَيَلْزَمُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ دِرْهَمٍ لِلْمُحَلَّلَةِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِي نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُسَمَّى قُوبِلَ بِالْبُضْعَيْنِ فَيَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ عَبْدَيْنِ فَإِذَا أَحَدُهُمَا مُدَبَّرٌ وَكَمَا إذَا خَاطَبَ امْرَأَتَيْنِ بِالنِّكَاحِ بِأَلْفٍ فَأَجَابَتْ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَحَلٌّ فِي الْجُمْلَةِ لِكَوْنِهِ مَالًا فَدَخَلَ تَحْتَ الِانْعِقَادِ فَانْقَسَمَ بِخِلَافِ الْمُحَرَّمَةِ لِعَدَمِ الْمَحَلِّيَّةِ أَصْلًا وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْإِيجَابِ لِلْمَحَلِّيَّةِ فَانْقَسَمَ الْمَهْرُ عَلَيْهِمَا فَتَرَجَّحَ قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِهِمَا وَأُورِدَ عَلَى قَوْلِهِ مَا لَوْ دَخَلَ بِالْمُحَرَّمَةِ فَإِنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ: فِي رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ يَلْزَمُهُ مَهْرُ مِثْلِهَا لَا يُجَاوِزُ بِهِ حِصَّتَهَا مِنْ الْمُسَمَّى وَمُقْتَضَاهُ الدُّخُولُ فِي الْعَقْدِ وَإِلَّا لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمُجَاوَزَةِ عَلَى مَا خَصَّهَا مِنْ الْمُسَمَّى يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ وَرِضَاهَا بِالْقَدْرِ الْمُسَمَّى لَا بِانْعِقَادِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَدُخُولِهَا تَحْتَهُ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمُحَرَّمَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَمُقْتَضَاهُ الدُّخُولُ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ قَالَ بِعَدَمِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَجْنَبِيَّتَهَا عَنْهُ فَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الدُّخُولِ فِي عَقْدٍ فَاسِدٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ وُجُوبَهُ بِالْعُذْرِ الَّذِي وَجَبَ بِهِ دَرْءُ الْحَدِّ وَهُوَ صُورَةُ الْعَقْدِ وَأُورِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا أَيْضًا: كَيْفَ وَجَبَ لَهَا حِصَّتُهَا مِنْ الْأَلْفِ بِالدُّخُولِ وَهُوَ حُكْمُ دُخُولِهَا فِي الْعَقْدِ ثُمَّ يَجِبُ الْحَدُّ وَلَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِتَخْصِيصِهِمَا الدَّعْوَى فَيَجِبُ الْحَدُّ لِانْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْحِلِّ وَالْمَهْرِ لِلِانْقِسَامِ بِالدُّخُولِ فِي الْعَقْدِ.

(قَوْلُهُ وَبَطَلَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَالْمُوَقَّتِ) وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ بِأَنْ يَذْكُرَ فِي الْمُوَقَّتِ لَفْظَ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ مَعَ التَّوْقِيتِ وَفِي الْمُتْعَةِ لَفْظَ أَتَمَتَّعُ بِك أَوْ أَسْتَمْتِعُ وَفِي الْعِنَايَة بِفَرْقٍ آخَرَ: أَنَّ الْمُوَقَّتَ يَكُونُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ وَيَذْكُرُ فِيهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً بِخِلَافِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَتَمَتَّعُ بِك وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً كَانَ مُتْعَةً، وَالتَّحْقِيقُ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَعْنَى الْمُتْعَةِ عَقْدٌ عَلَى امْرَأَةٍ لَا يُرَادُ بِهِ مَقَاصِدُ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ الْقَرَارِ لِلْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ بَلْ إمَّا إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ يَنْتَهِي الْعَقْدُ بِانْتِهَائِهَا أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ بِمَعْنَى بَقَاءِ الْعَقْدِ مَا دَامَ مَعَهَا إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهَا فَيَدْخُلُ فِيهِ بِمَادَّةِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ الْمُوَقَّتِ أَيْضًا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْمُتْعَةِ وَإِنْ عَقَدَ بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَأَحْضَرَ الشُّهُودَ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ نَقَلَ فِي الْهِدَايَةِ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرْمَتِهِ وَأَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ نُسِخَتْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم «كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِالنِّسَاءِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إبَاحَتِهَا فَقَدْ صَحَّ رُجُوعُهُ وَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ نِسْبَتِهِ إلَى مَالِكٍ فَغَلَطٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُونَ فَحِينَئِذٍ كَانَ زُفَرُ الْقَائِلُ بِإِبَاحَةِ الْمُوَقَّتِ مَحْجُوجًا بِالْإِجْمَاعِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُوَقَّتَ مِنْ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمُجَاوَزَةِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ) لَمْ يَتَّضِحْ لَنَا الْمَرَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ فَعَلَيْك بِالتَّأَمُّلِ وَالْمُرَاجَعَةِ.

(قَوْلُهُ وَفِي الْعِنَايَةِ بِفَرْقٍ آخَرَ) حَاصِلُهُ: أَنَّ التَّمَتُّعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَادَّةِ مُتْعَةٍ مَعَ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الشُّهُودِ وَتَعْيِينِ الْمُدَّةِ وَفِي الْمُوَقَّتِ الشُّهُودُ وَتَعْيِينُ الْمُدَّةِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِهَؤُلَاءِ عَلَى تَعْيِينِ كَوْنِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ الَّذِي أَبَاحَهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ حَرَّمَهُ هُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَادَّةُ م ت ع لِلْقَطْعِ مِنْ الْآثَارِ بِأَنَّ الْمُتَحَقِّقَ لَيْسَ إلَّا أَنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّ مَنْ بَاشَرَ هَذَا الْمَأْذُونَ فِيهِ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُخَاطِبَهَا بِلَفْظِ التَّمَتُّعِ وَنَحْوِهِ لِمَا عُرِفَ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُطْلَقُ وَيُرَادُ مَعْنَاهُ فَإِذَا قَالَ تَمَتَّعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسْوَةِ فَلَيْسَ مَفْهُومُهُ قُولُوا أَتَمَتَّعُ بِك بَلْ أَوْجِدُوا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ أَنْ يُوجِدَ عَقْدًا عَلَى امْرَأَةٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَا بِمَادَّةِ الْمُتْعَةِ وَالنِّكَاحِ الْمُوَقَّتِ أَيْضًا) قُلْتُ: مِمَّا

ص: 115

أَفْرَادِ الْمُتْعَةِ، قَالُوا: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ: الْمُتْعَةُ وَلُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَالتَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَطْلَقَ فِي الْمُوَقَّتِ فَشَمِلَ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ أَيْضًا كَأَنْ يَتَزَوَّجَهَا إلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ؛ لِأَنَّ التَّأْقِيتَ هُوَ الْمُعَيِّنُ لِجِهَةِ الْمُتْعَةِ، وَشَمِلَ الْمُدَّةَ الْمَجْهُولَةَ أَيْضًا وَقَيَّدَ بِالْمُوَقَّتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَإِنَّهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَاطِعِ يَدُلُّ عَلَى انْعِقَادِهِ مُؤَبَّدًا وَبَطَلَ الشَّرْطُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يَقْعُدَ مَعَهَا مُدَّةً نَوَاهَا فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّفْظِ، قَالُوا: وَلَا بَأْسَ بِتَزَوُّجِ النَّهَارِيَّاتِ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِيَقْعُدَ مَعَهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الشَّرْطُ لَازِمًا عَلَيْهَا وَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ الْمَبِيتَ عِنْدَهَا لَيْلًا لِمَا عُرِفَ فِي بَابِ الْقَسْمِ.

(قَوْلُهُ وَلَهُ وَطْءُ امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَقَضَى بِنِكَاحِهَا بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ يَكُنْ تَزَوَّجَهَا) ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَخْطَأَ الْحُجَّةَ إذْ الشُّهُودُ كَذَبَةٌ فَصَارَ كَمَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ أَوْ كُفَّارٌ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشُّهُودَ صَدَقَةٌ عِنْدَهُ وَهُوَ الْحُجَّةُ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الصِّدْقِ، بِخِلَافِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِمَا مُتَيَسِّرٌ فَإِذَا ابْتَنَى الْقَضَاءَ عَلَى الْحُجَّةِ وَأَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ بَاطِنًا بِتَقْدِيمِ النِّكَاحِ نَفَذَ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ، بِخِلَافِ الْأَمْلَاكِ الْمُرْسَلَةِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَسْبَابِ تَزَاحُمًا فَلَا إمْكَانَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ وَهِيَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَنْفُذُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَكَمَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا يَجُوزُ لَهَا تَمْكِينُهُ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهَا النِّكَاحَ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ قَضَى بِالطَّلَاقِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ مَعَ عِلْمِهَا حَلَّ لَهَا التَّزَوُّجُ بِآخَرَ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَحَلَّ لِلشَّاهِدِ تَزَوُّجُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى الْأَوَّلِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ وَلَا الثَّانِي وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الثَّانِي فَإِذَا دَخَلَ بِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ كَالْمَنْكُوحَةِ إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَقَضَى بِنِكَاحِهَا إلَى اشْتِرَاطِ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْإِنْشَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ أَوْ مُطَلَّقَةً مِنْهُ ثَلَاثًا لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ الشُّهُودِ عِنْدَ قَوْلِهِ قَضَيْت فَشَرَطَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّفَاذِ بَاطِنًا عِنْدَهُ

وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ ثَبَتَ بِمُقْتَضَى صِحَّةِ قَضَائِهِ فِي الْبَاطِنِ وَمَا ثَبَتَ بِمُقْتَضَى صِحَّةِ الْغَيْرِ لَا يَثْبُتُ بِشَرَائِطِهِ كَالْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ، وَذَكَرَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْأَوْجَهَ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْمُتُونِ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي عَدَمَ النَّفَاذِ بَاطِنًا فِيمَا ذَكَرَ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالنِّهَايَةِ: وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْجَهُ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ لَهُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً ثُمَّ ادَّعَى فَسْخَ بَيْعِهَا كَذِبًا وَبَرْهَنَ فَقُضِيَ بِهِ حَلَّ لِلْبَائِعِ وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ دَعْوَى الْمُشْتَرِي مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ بِالْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إتْلَافُ مَالِهِ فَإِنَّهُ اُبْتُلِيَ بِأَمْرَيْنِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْتَارَ أَهْوَنَهُمَا وَذَلِكَ مَا يَسْلَمُ لَهُ فِيهِ دِينُهُ اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِحِلِّ الْوَطْءِ عَدَمُ إثْمِهِ فَإِنَّهُ أَثِمَ بِسَبَبِ إقْدَامِهِ عَلَى الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ وَإِنْ كَانَ لَا إثْمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْوَطْءِ، وَأَلْحَقَ فِي الْهِدَايَةِ بِالْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ الْعِتْقَ وَالنَّسَبَ

وَقَدْ وَقَعَتْ لَطِيفَةٌ هِيَ أَنَّ بَعْضَ الْمَغَارِبَةِ بَحَثَ مَعَ الْأَكْمَلِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الْمُنَازَعَةِ بِالطَّلَاقِ فَأَجَابَهُ الْأَكْمَلُ مَا تُرِيدُ بِالطَّلَاقِ، الطَّلَاقَ الْمَشْرُوعَ أَوْ غَيْرَهُ؟ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِ وَالْمَشْرُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْمَطْلُوبَ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ عُمَرُ قَارِئُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ جَوَابٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ الْمَشْرُوعِ لِيَكُونَ طَرِيقًا إلَى قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ صَحِيحًا وَتَعَقَّبَهُمَا تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْهُمَامِ بِأَنَّ الْحَقَّ التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ إنْ كَانَتْ هِيَ الْمُدَّعِيَةَ إذْ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ هُوَ الْمُدَّعِيَ فَلَا يُمْكِنُهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ سَبَبٌ

ــ

[منحة الخالق]

يُؤَيِّدُ هَذَا التَّحْقِيقَ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ تَزَوَّجْتُك شَهْرًا فَرَضِيَتْ عِنْدَنَا يَكُونُ مُتْعَةً وَلَا يَكُونُ نِكَاحًا وَقَالَ زُفَرُ رحمه الله يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ.

(قَوْلُهُ: وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ) ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي أَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ. (قَوْلُهُ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّصُ بِالْعِتْقِ) قَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعِتْقَ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعِتْقِ وَإِلَّا فَلَا يُجْدِيهِ نَفْعًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إلَخْ) رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ لَا لِمَا فِي الْفَتْحِ.

ص: 116