الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَبْلَ الذَّبْحِ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوَجَبَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ فَنَلْتَزِمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمَانِ لِلْجِنَايَةِ وَدَمُ الْقِرَانِ، وَأَمَّا لُزُومُ خَمْسَةِ دِمَاءٍ فَمَمْنُوعٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ فِيمَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ وَالْمُفْرِدُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَضَاعَفُ الْغُرْمُ عَلَى الْقَارِنِ هَكَذَا أَجَابَ فِي الْعِنَايَةِ، وَأَجَابَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ التَّضَاعُفَ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا أَدْخَلَ نَقْصًا فِي إحْرَامِ عُمْرَتِهِ أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ فَلَا يَجِبُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَى بِرُكْنِهَا وَوَاجِبِهَا وَلِهَذَا إذَا أَفَاضَ الْقَارِنُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةُ الْقَارِنِ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ لَا خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ دَمَيْنِ وَتَقْدِيمُ النُّسُكِ عَلَى النُّسُكِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا وَدَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ التَّقْدِيمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهَا دَمَانِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ: إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95] الْآيَةَ، وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ السَّابِقِ الدَّالِّ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِشَارَةِ وَالْأَمْرِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْأَمْنِ وَارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ، وَلَيْسَ زِيَادَةً عَلَى الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْقَتْلِ، وَتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ، وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِقَوَائِمِهِ أَوْ بِجَنَاحِهِ فَدَخَلَ الظَّبْيُ الْمُسْتَأْنَسُ، وَإِنْ كَانَتْ ذَكَاتُهُ بِالذَّبْحِ وَخَرَجَ الْبَعِيرُ وَالشَّاةُ إذَا اسْتَوْحَشَا، وَإِنْ كَانَتْ ذَكَاتُهُمَا بِالْعَقْرِ؛ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ فِي الصَّيْدِيَّةِ أَصْلُ الْخِلْقَةِ، وَفِي الذَّكَاةِ الْإِمْكَانُ وَعَدَمُهُ، وَخَرَجَ الْكَلْبُ وَالنُّسُورُ مُطْلَقًا أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ تَعْرِيفَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ إبَاحَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّاةُ وَالْبَقَرُ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ مَا ذُكِرَ ثُمَّ هُوَ عَلَى نَوْعَيْنِ بَرِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ فَالْبَرِّيُّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْبَرِّ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْمَثْوَى أَيْ الْمَكَانِ، وَالْمَائِيُّ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ مَثْوَاهُ فِي الْبَرِّ؛ لِأَنَّ التَّوَالُدَ أَصْلٌ وَالْكَيْنُونَةَ بَعْدَهُ عَارِضٌ فَكَلْبُ الْمَاءِ وَالضُّفْدَعِ مَائِيٌّ، وَأَطْلَقَ قَاضِي خَانْ فِي الضُّفْدَعِ، وَقَيَّدَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِالْمَائِيِّ لِإِخْرَاجِ الضُّفْدَعِ الْبَرِّيِّ قَالَ: وَمِثْلُهُ السَّرَطَانُ
ــ
[منحة الخالق]
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا إذَا قَدَّمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهَا وَالْأَوْلَى مُوَافَقَةٌ لِمَا قَرَّرْته أَوَّلًا وَالْمَعْنَى، وَإِنَّمَا انْتَفَى كَوْنُهُ نُسُكًا كَامِلًا حِينَ تَقْدِيمِهِ فَقَوْلُهُ إذَا قَدَّمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِانْتَفَى الْمَفْهُومُ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 2] أَيْ انْتَفَى عَنْك ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّك كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (قَوْلُهُ: لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْمُفْرِدَ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ عَلَى إحْرَامِهِ لِعَدَمِ تَوَقُّتِ الْحَلْقِ فِي حَقِّهِ بِكَوْنِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ إلَخْ) قَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَأَحْلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ قَضَاءَ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ فَتَأَمَّلْ.
[فَصْلٌ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ]
(فَصْلٌ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) . (قَوْلُهُ: فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ اسْتِحْسَانًا) الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الدَّلَالَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ دَلَّ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الدَّلَالَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، وَأَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَهُ بِلَفْظِ «هَلْ أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ قَالُوا لَا قَالَ: فَكُلُوا» ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ فِي الْهِدَايَةِ بِالْحَدِيثِ وَوَجَّهَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ عليه السلام عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ، وَهِيَ تَحْصِيلُ الدَّلَالَةِ بِغَيْرِ اللِّسَانِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يَحِلَّ إذَا دَلَّهُ بِاللَّفْظِ فَقَالَ: هُنَاكَ صَيْدٌ وَنَحْوُهُ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَنْعِ عَنْ الدَّلَالَةِ بِالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ مَعَ عَدَمِ الْإِشَارَةِ فَيَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ الدَّلَالَةِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عَلَى عَدَمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي هِيَ أَضْعَفُ مِنْ الدَّلَالَةِ، وَكَانَتْ الْإِشَارَةُ مَمْنُوعًا عَنْهَا عُلِمَ الْمَنْعُ عَنْ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى بِالْأَوْلَى فَافْهَمْ بَقِيَ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى حُرْمَةِ اللَّحْمِ بِالدَّلَالَةِ لَكِنْ يَلْزَمُهَا أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ مَحْظُورَةً فَهِيَ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَلَمَّا فَوَّتَتْ الْأَمْنَ عَلَى الصَّيْدِ عَلَى وَجْهٍ اتَّصَلَ الْقَتْلُ بِهَا كَانَ فِيهَا الْجَزَاءُ قِيَاسًا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْحُكْمُ، وَهُوَ الْجَزَاءُ بَلْ ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ عَطَفَ عَلَى الْحَدِيثِ قَوْلَهُ؛ وَلِأَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ مَحْظُورَاتٍ، وَأَنَّهُ تَفْوِيتُ الْأَمْنِ فَصَارَ كَالْإِتْلَافِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْقِيَاسِ مُثْبِتٌ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ.
وَعَنْ هَذَا اسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَوْلِهِ فَأُلْحِقَتْ بِالْقَتْلِ إلَخْ نَعَمْ. قَوْلُهُ: وَلِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الدَّالِّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِيهِ نَظَرٌ لِمَا عَلِمْت (قَوْلُهُ: وَحَقِيقَةُ الصَّيْدِ حَيَوَانٌ مُمْتَنِعٌ إلَخْ) ، وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ وَحْشِيَّةَ الْخِلْقَةِ، وَفِي
وَالتِّمْسَاحُ وَالسُّلَحْفَاةُ وَالْمَائِيُّ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ وَالْبَرِّيُّ حَرَامٌ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] ، وَهُوَ بِعُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِمَا يُؤْكَلُ مِنْهُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ فَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُ الْكُلِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمَا، وَبِهِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا فِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إلَّا مَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ السَّمَكُ خَاصَّةً فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ فِي الْمُخْتَصَرِ صَيْدُ الْبَرِّ إلَّا مَا يَسْتَثْنِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَبَقِيَّةِ السِّبَاعِ أَمَّا الذِّئْبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ فَلَا شَيْءَ فِي قَتْلِهَا أَصْلًا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ السِّبَاعِ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ، وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ هُنَا يَشْمَلُهَا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْفَوَاسِقِ فَلَيْسَتْ بِصُيُودٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهَا، وَأَطْلَقَ فِي الصَّيْدِ فَشَمَلَ مَا يُؤْكَلُ، وَمَا لَا يُؤْكَلُ حَتَّى الْخِنْزِيرَ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِيهِ طَيْرُ الْبَحْرِ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ مَبِيضَهُ، وَمَفْرَخَهُ فِي الْمَاءِ وَيَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَكَانَ صَيْدُ الْبَرِّ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ.
وَشَمَلَ الصَّيْدُ الْمَمْلُوكَ وَغَيْرَهُ فَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَزِمَهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِمَالِكِهِ وَجَزَاؤُهُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ، وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ عَنْ اضْطِرَارٍ أَوْ اخْتِيَارٍ كَمَا سِيَاتِي وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ بِتَسَبُّبٍ لَكِنْ فِي الْمُبَاشَرَةِ لَا يُشْتَرَطُ التَّعَدِّي فَلَوْ انْقَلَبَ نَائِمٌ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا التَّسَبُّبُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَدِّي فَلَوْ نَصَبَ شَبَكَةً لِلصَّيْدِ أَوْ حَفَرَ بِئْرًا لِلصَّيْدِ فَعَطِبَ ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَلَوْ نَصَبَ فُسْطَاطًا لِنَفْسِهِ فَتَعَقَّلَ بِهِ فَمَاتَ أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِلْمَاءِ أَوْ لِحَيَوَانٍ مُبَاحٍ قَتَلَهُ كَالذِّئْبِ فَعَطِبَ فِيهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ إلَى حَيَوَانٍ مُبَاحٍ فَأَخَذَ مَا يَحْرُمُ أَوْ أَرْسَلَ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، وَهُوَ حَلَالٌ فَجَاوَزَ إلَى الْحَرَمِ فَقَتَلَ صَيْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فِي السَّبَبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى إلَى فَهْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشَرَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدِّي حَتَّى لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَتَعَدَّى إلَى آخَرَ فَقَتَلَهُمَا ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا. وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ بِالسَّهْمِ فَوَقَعَ عَلَى بَيْضٍ أَوْ فَرْخٍ فَأَتْلَفَهُمَا ضَمِنَهُمَا، وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ أَرْبَعَةً نَزَلُوا بَيْتًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى مِنًى فَأَمَرُوا أَحَدَهُمْ أَنْ يُغْلِقَ الْبَابَ، وَفِيهِ حَمَامٌ وَغَيْرُهَا فَلَمَّا رَجَعُوا وَجَدُوهَا مَاتَتْ عَطَشًا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاؤُهَا؛ لِأَنَّ الْآمِرِينَ جَمْعُ آمِرٍ تَسَبَّبُوا بِالْأَمْرِ، وَالْمُغْلِقُ بِالْإِغْلَاقِ. انْتَهَى.
مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا عَلِمُوا بِالطُّيُورِ فِي الْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ تَعَدِّيًا إلَّا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّسَبُّبِ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَلَالَةً حَقِيقِيَّةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا وَشَرَطُوا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ
ــ
[منحة الخالق]
بَعْضِهَا مُسْتَأْنَسَةً كَالْجُمُوسِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ مُسْتَوْحِشٌ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَهُ صَرِيحًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ صَيْدًا حَتَّى يَحْرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُهُ مَا دَامَ فِي بِلَادِهِمْ. (قَوْلُهُ: لِلْآيَةِ) قَالَ: فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ لَوْ وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرَمِ يَحِلُّ صَيْدُهُ أَيْضًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلِشُمُولِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ فِي الْحِلِّ أَوْ الْحَرَمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ) أَيْ الْمُحِيطِ طَيْرُ الْبَحْرِ إلَخْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّوَالُدُ لَا الْمَثْوَى لَكِنْ رَأَيْت فِي اللُّبَابِ مَا نَصُّهُ، وَأَمَّا طُيُورُ الْبَحْرِ فَلَا يَحِلُّ اصْطِيَادُهَا؛ لِأَنَّ تَوَالُدَهَا فِي الْبَرِّ قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَ فِي الْقَتْلِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَامِدُ وَالنَّاسِي وَالْخَاطِئُ وَالسَّاهِي وَالطَّائِعُ وَالْمُكْرَهُ وَالْمُبْتَدِئُ وَالْعَائِدُ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَالنَّائِمُ وَالْيَقْظَانُ وَالصَّاحِي وَالسَّكْرَانُ وَالْمُفِيقُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمُبَاشَرَةُ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْغَيْرِ فَلَوْ أَلْبَسَهُ أَحَدٌ أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، وَهُوَ نَائِمٌ أَوْ لَا فَعَلَى الْمَفْعُولِ الْجَزَاءُ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ لَا. اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا: وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مِنْهَا الْإِسْلَامُ فَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ، وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ إلَّا إذَا جُنَّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءُ مَا ارْتَكَبَهُ فِي الْإِحْرَامِ، وَلَا عَلَى كَافِرٍ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَيَجِبُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، وَأَمَّا الدَّمُ وَالصَّدَقَةُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَمِنْهَا الْقُدْرَةُ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ فَضْلُ مَالٍ عَلَى كِفَايَتِهِ فَحِينَئِذٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الطَّعَامُ أَوْ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلُ مَالٍ، وَلَكِنْ فِي مِلْكِهِ عَيْنُ الْوَاجِبِ مِنْ طَعَامٍ أَوْ دَمٍ صَالِحٍ لِلتَّكْفِيرِ فَإِذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقُدْرَةِ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَا وَقْتُ الْوُجُوبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ) لَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا مَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ «أَوْ أَعَنْتُمْ» ، وَإِلَّا لَوْ أُرِيدَ بِالدَّلَالَةِ حَقِيقَتُهَا لَمْ يَشْمَلْ غَيْرَهَا وَسَيَأْتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِإِعَارَةِ سِكِّينٍ وَنَحْوِهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَ فِي الدَّلَالَةِ الْإِشَارَةُ أَيْضًا وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ (قَوْلُهُ: عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ) قَيَّدَ بِالْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّالُّ حَلَالًا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وَالْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لُبَابٌ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَفِي الْغَايَةِ عَنْ الْخِزَانَةِ لَوْ دَلَّ حَلَالٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَعَلَى الدَّالِّ نِصْفُهَا، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ. اهـ.
وَالْمَذْكُورُ فِي الْمَشَاهِيرِ مِنْ الْكُتُبِ عَدَمُ لُزُومِ
وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ الْمَدْلُولَ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ، وَأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي الدَّلَالَةِ، وَأَنْ يَبْقَى الدَّالُّ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَقْتُلَهُ الْمَدْلُولُ، وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْفَلَتَ صَارَ كَأَنَّهُ جَرَحَهُ ثُمَّ انْدَمَلَ فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ أَخْبَرَ الْمُحْرِمُ بِالصَّيْدِ فَلَمْ يَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ فَإِنْ كَذَّبَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ بِخَبَرِ الْأَوَّلِ وَقَعَ الْعِلْمُ بِمَكَانِ الصَّيْدِ غَالِبًا وَبِالثَّانِي اسْتَفَادَ عِلْمَ الْيَقِينِ فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلَالَةٌ عَلَى الصَّيْدِ، وَإِنْ أَرْسَلَ مُحْرِمٌ إلَى مُحْرِمٍ فَقَالَ: إنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَك أَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ صَيْدًا فَذَهَبَ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الرَّسُولِ وَالْمُرْسِلِ وَالْقَاتِلِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ وُجِدَتْ مِنْهُمَا وَظَهَرَ بِالشَّرْطِ الثَّانِي ضَعْفُ مَا فِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: خُذْ أَحَدَ هَذَيْنِ، وَهُوَ يَرَاهُمَا فَقَتَلَهُمَا كَانَ عَلَى الدَّالِّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُمَا فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ. اهـ.
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَرَاهُمَا كَانَ عَالِمًا بِمَكَانِهِمَا، وَقَدْ شَرَطَ وَأُعْدِمَ الْعِلْمُ بِمَكَانِهِ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا هُنَا الْإِشَارَةَ كَمَا ذَكَرُوهَا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِالْحَاضِرِ وَشَرْطُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمَكَانِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ سَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا لَكِنَّ الدَّلَالَةَ مُوجِبَةٌ لِلْجَزَاءِ بِشُرُوطِهَا وَالْإِشَارَةُ لَا تُوجِبُ الْجَزَاءَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْأَمْرَ بِالْأَخْذِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَيُوجِبُ الْجَزَاءَ مُطْلَقًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ لَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ بِأَخْذِ صَيْدٍ فَأَمَرَ الْمَأْمُورُ آخَرَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِرْ بِالْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَلَّ الْأَوَّلُ عَلَى الصَّيْدِ، وَأَمَرَهُ فَأَمَرَ الثَّانِي ثَالِثًا بِالْقَتْلِ حَيْثُ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا الْإِرْسَالُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَمْرِ الْمُجَرَّدِ وَالْأَمْرِ مَعَ الدَّلَالَةِ.
وَدَخَلَ تَحْتَ الْإِعَانَةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مُحْرِمٌ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ آخَرُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ رَأَى صَيْدًا دَخَلَ غَارًا فَلَمْ يَعْرِفْ بَابَ الْغَارِ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ آخَرُ عَلَى بَابِهِ فَذَهَبَ إلَيْهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حِينَ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَالْبَابِ كَأَنَّهُ دَلَّهُ عَلَى الصَّيْدِ، وَكَذَلِكَ مُحْرِمٌ رَأَى صَيْدًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهُ
ــ
[منحة الخالق]
شَيْءٍ عَلَى الدَّالِّ مُطْلَقًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ. اهـ.
ثُمَّ قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَدْلُولِ مُحَرَّمًا فَلَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا فِي الْحِلِّ فَقَتَلَهُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدْلُولِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ آثِمًا مُطْلَقًا) سَيَأْتِي عَنْ النَّهْرِ أَنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ الْإِثْمِ فِيمَا إذَا عَلِمَ الْمُحْرِمُ بِهِ يَعْنِي الْمَدْلُولَ (قَوْلُهُ: أَنْ يَتَّصِلَ الْقَتْلُ بِدَلَالَتِهِ) أَيْ يَتَحَصَّلَ بِسَبَبِهَا شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَنْفَلِتَ الصَّيْدُ) فَلَوْ انْفَلَتَ ثُمَّ أَخَذَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لُبَابٌ (قَوْلُهُ: فَتَفَرَّعَ عَلَى الشَّرْطِ الثَّالِثِ مَا فِي الْمُحِيطِ إلَخْ) ظَهَرَ مِنْ هَذَا التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى التَّصْدِيقِ أَنْ يَقُولَ لَهُ صَدَقْت بَلْ أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُ) بِأَنْ أَخْبَرَهُ فَلَمْ يَرَهُ كَذَا فِي اللُّبَابِ قَالَ: شَارِحُهُ أَيْ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ إخْبَارَهُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُشَاهَدًا ظَاهِرًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، وَلَا أَنْ يُكَذِّبَهُ (قَوْلُهُ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَالدَّلَالَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدَّمْنَا فِي الْإِحْرَامِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْرِمُ لَا إنْ عَلِمَ، هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَعُلِمَ مِنْهُ ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْإِشَارَةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ اتِّفَاقًا فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ بِهَا بَلْ هِيَ أَقْوَى مِنْ الدَّلَالَةِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الْبَدَائِعِ قَالَ: لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمَدْلُولُ يَرَى الصَّيْدَ أَوْ يَعْلَمُ بِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَإِشَارَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى الدَّالِّ، وَإِنْ رَآهُ بِدَلَالَتِهِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَفِي السِّرَاجِ لَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ لِرَجُلٍ إلَى صَيْدٍ فَقَالَ: خُذْ ذَلِكَ الصَّيْدَ فَأَخَذَهُ وَصَيْدًا كَانَ مَعَهُ فِي الْوَكْرِ فَعَلَى الْآمِرِ الْجَزَاءُ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ إنَّ الْإِشَارَةَ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا مَمْنُوعٌ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ، وَعِلْمِ الْمُشَارِ إلَيْهِ قَبْلَهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَالشُّرُوطُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الدَّلَالَةِ يَنْبَغِي أَنَّهَا ثَابِتَةٌ فِيهَا بِالْأَوْلَى إذْ لَا مَعْنَى لِتَكْذِيبِهِ مَعَ رُؤْيَتِهِ لَهُ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ صَرِيحًا إلَّا أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحُ يَقْتَضِيهِ. اهـ.
قُلْتُ: يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَرَادَ بِالدَّلَالَةِ الْإِعَانَةَ عَلَى قَتْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ دَلَالَةً حَقِيقَةً بِالْإِعْلَامِ بِمَكَانِهِ، وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ لَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلَالَةِ مَا يَعُمُّ الْإِشَارَةَ فَإِنَّ أَصْلَ الدَّلَالَةِ فِي الْغَائِبِ وَالْإِشَارَةَ فِي الْحَاضِرِ كَمَا مَرَّ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ هُنَاكَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ مَا نَصُّهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الدَّلَالَةِ يُغْنِي عَنْ الْإِشَارَةِ، وَقَدْ تُخَصُّ الْإِشَارَةُ بِالْحَضْرَةِ وَالدَّلَالَةُ بِالْغَيْبَةِ. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ بِالْحَضْرَةِ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ النَّهْرِ أَوَّلًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحُرْمَةِ عَلَى لُزُومِ الْجَزَاءِ فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَقَدَ أَحَدَ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ يَبْقَى الْإِثْمُ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ، وَكَذَا الرَّفَثُ مَحْظُورٌ مَعَ عَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَمْرُ مِنْ قَبِيلِ الدَّلَالَةِ فَقَدْ عَلَّلَ فِي السِّرَاجِ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ كَوْنِ الْجَزَاءِ فِي الْأَمْرِ عَلَى الثَّانِي فَقَطْ بِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْقَتْلِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالدَّلَالَةِ فَلَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا مَا أُمِرَ بِهِ. اهـ.
فَجُعِلَ الْأَمْرُ الثَّانِي دَلَالَةً، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ فَكَأَنَّهُ كَذَّبَهُ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ فِي الثَّانِيَةِ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ لَا الْأَمْرُ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَبْقَ ثَمَّةَ إلَّا دَلَالَةٌ تَعَدَّدَتْ وَالْأَمْرُ
بِشَيْءٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى قَوْسٍ وَنُشَّابٍ أَوْ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَرَمَاهُ فَقَتَلَهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ كَامِلٌ. اهـ.
مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُشَاهِدٌ لِلصَّيْدِ فَعُلِمَ أَنَّ الدَّلَالَةَ إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا لَا يُمْتَنَعُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي إعَارَةِ السِّكِّينِ أَوْ الْقَوْسِ أَوْ النُّشَّابِ هَلْ هِيَ إعَارَةٌ مُوجِبَةٌ لِلْجَزَاءِ عَلَى الْمُعِيرِ فَصَرِيحُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى صَاحِبِ السِّكِّينِ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعَ الْقَاتِلِ سِلَاحٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْتُلُ بِهِ فَالْجَزَاءُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ التَّمَكُّنَ بِإِعَارَتِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ وَصَحَّحَ السَّرَخْسِيُّ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَى الْمُعِيرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَيْسَتْ إتْلَافًا حَقِيقَةً، وَلَا حُكْمًا بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهَا إتْلَافٌ مَعْنًى، وَالظَّاهِرُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ التَّفْصِيلِ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «هَلْ أَعَنْتُمْ» ، وَلَا شَكَّ أَنَّ إعَارَةَ السِّكِّينِ إعَانَةٌ عَلَيْهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ وَبَدَلٌ عِنْدَنَا أَمَّا كَوْنُهُ كَفَّارَةً فَلِوُجُودِ سَبَبِهَا، وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِارْتِكَابِ مَحْظُورِ إحْرَامِهِ وَلِهَذَا قَالَ:{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] ، وَأَمَّا كَوْنُهُ بَدَلًا فَلِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَهُوَ إتْلَافُ صَيْدٍ مُتَقَوِّمٍ وَلِهَذَا اُعْتُبِرَتْ الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الْمَقْتُولِ وَالْجَزَاءِ وَلِهَذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ آخِرَ الْبَابِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ مُحْرِمَانِ فِي قَتْلِ صَيْدٍ تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ كَفَّارَةٌ فِي حَقِّ الْجَانِي وَجَبَ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ جِنَايَةٌ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْحَلَالَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي.
ثُمَّ اعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَقْتُولِ إلَّا إذَا قَصَدَ بِهِ التَّحَلُّلَ وَرَفَضَ إحْرَامَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ فَقَالَ: اصْطَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا كَثِيرًا عَلَى قَصْدِ الْإِحْلَالِ وَالرَّفْضِ لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ دَمٌ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ إلَى تَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ لَا إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَتَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا كَمَا فِي الْمُحْصَرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِمَا أَنَّ تَعْجِيلَ الْإِحْلَالِ فِي الْمُحْصَرِ مَشْرُوعٌ بِخِلَافِهِ هُنَا وَلِهَذَا كَانَ قَصْدُهُ بَاطِلًا، وَلَا يَرْتَفِضُ بِهِ الْإِحْرَامُ فَوُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ فِي مَقْتَلِهِ أَوْ أَقْرَبِ مَوْضِعٍ مِنْهُ فَيَشْتَرِي بِهَا هَدْيًا وَذَبَحَهُ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ كَالْفِطْرَةِ أَوْ صَامَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا) أَيْ الْجَزَاءُ مَا ذَكَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95] أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْعَمْدِ كَمَا فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّاسِي وَالْعَامِدِ كَإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ لَيْسَ كَفَّارَةً مَحْضَةً كَمَا قَدَّمْنَا وَالتَّقْيِيدُ بِهِ، وَفِي الْآيَةِ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِهَا لَا لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ؛ وَلِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي حَقِّ مَنْ تَعَدَّى كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ.
وَأَشَارَ بِذِكْرِ الْقِيمَةِ فَقَطْ إلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى لَا الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْكَامِلِ كَمَا قَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُمَا أَوْجَبَا النَّظِيرَ فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ فِي الشَّرْعِ فِي الْقِيَمِيَّاتِ الْمِثْلُ مَعْنًى فَإِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ بَقَرَةً لِإِنْسَانٍ مَثَلًا لَا يَلْزَمُهُ بَقَرَةٌ مِثْلُهَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ الْمِثْلَ مَعْنًى مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ فِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَهُوَ مَجَازٌ فَلَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَهُوَ الْمِثْلُ صُورَةً، وَمَعْنًى لِعَدَمِ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] أُرِيدَ
ــ
[منحة الخالق]
بَعْدَهَا لَيْسَ تَكْذِيبًا لَهَا فَمَا فِي الْفَتْحِ لَا دَلَالَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: إذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْهَا إلَخْ) أَيْ لَوْ فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الدَّلَالَةِ السَّابِقَةِ وَوُجِدَتْ الْإِعَانَةُ لَا يَمْتَنِعُ الْجَزَاءُ بِسَبَبِ الْإِعَانَةِ كَمَا هُنَا فَوُجُوبُ الْجَزَاءِ لِلْإِعَانَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ وَجَعَلَ فِي النَّهْرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ مِمَّا أُلْحِقَ بِالدَّلَالَةِ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِمَا فِي الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيلَهُ فِي الْمُحِيطِ يَأْبَاهُ. اهـ.
أَقُولُ: تَفْسِيرُهُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَرَّ بِالْإِعَانَةِ يُغْنِي عَمَّا ذَكَرَهُ هُنَا كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَحَمَلَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ إلَخْ) قَالَ: فِي الْبَدَائِعِ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالُوا لَوْ أَنَّ مُحْرِمًا رَأَى صَيْدًا، وَلَهُ قَوْسٌ أَوْ سِلَاحٌ يُقْتَلُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ فَدَلَّهُ مُحْرِمٌ عَلَى سِكِّينِهِ أَوْ عَلَى قَوْسِهِ فَأَخَذَ فَقَتَلَهُ بِهِ إنْ كَانَ يَجِدُ غَيْرَ مَا دَلَّهُ عَلَيْهِ مِمَّا يَقْتُلُ بِهِ لَا يَضْمَنُ الدَّالُّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ضَمِنَ. اهـ.
وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَخْ) قَدَّمَ فِي تَعْلِيلِ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ فِيمَا إذَا نَوَى بِالْجِمَاعِ الثَّانِي رَفْضَ الْحَجِّ الْفَاسِدِ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَتْحِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ الْكَافِي أَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ فِي رَفْعِ الضَّمَانِ كَالْبَاغِي إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْعَادِلِ قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة بَعْدَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. اهـ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُحْصَرِ بَلْ مُجَرَّدُ التَّشْبِيهِ تَأَمَّلْ. وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ فَوُجُودُهُ، وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ مَمْنُوعٌ لِمَا عَلِمْت، وَقَدَّمْنَا عَنْ اللُّبَابِ تَعْمِيمَ الْمَسْأَلَةِ فِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَأَنَّ نِيَّةَ الرَّفْضِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ بِهَذَا الْقَصْدِ لِجَهْلِهِ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ صُورَةً، وَمَعْنًى فِي غَصْبِ الْمِثْلِيَّاتِ كَمَا سَيَجِيءُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، وَعَلَى إيجَابِ الضَّمَانِ بِالْمِثْلِ مَعْنًى فِي غَصْبِ
الْمِثْلُ مَعْنًى، وَهُوَ الْقِيمَةُ، وَأَمَّا رَدُّ الْعَيْنِ فَثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا عَلَى الْمِثْلِ مَعْنًى مِنْ التَّعْمِيمِ لِشُمُولِهِ مَا لَهُ نَظِيرٌ لَهُ، وَمَا لَا نَظِيرَ لَهُ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمِثْلِ الْكَامِلِ كَانَتْ الْآيَةُ قَاصِرَةً عَلَى مَا لَهُ نَظِيرٌ، وَعَلَى هَذَا فَكَلِمَةُ مِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا، وَهُوَ الْمَقْتُولُ لَا لِلْمِثْلِ وَالنَّعَمُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْأَهْلِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْوَحْشِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَأَرَادَ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ قِيمَةَ لَحْمِهِ قَالَ: الْكَرْمَانِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ لَحْمًا عِنْدَنَا، وَقَالَ: زُفَرُ يَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ لَوْ قَتَلَ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَعِنْدَنَا تَجِبُ قِيمَتُهُ لَحْمًا، وَعِنْدَهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ مُعَلَّمًا، وَفِي الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْجَزَاءِ الْقِيمَةَ يُقَوَّمُ الْعَدْلَانِ اللَّحْمَ لَا الْحَيَوَانَ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقَوَّمُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ لَا مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ؛ لِأَنَّهَا أَمْرٌ عَارِضٌ، وَلَوْ كَانَتْ الصِّفَةُ بِأَمْرٍ خُلُقِيٍّ كَمَا إذَا كَانَ طَيْرًا يُصَوِّتُ فَازْدَادَتْ قِيمَتُهُ لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي الْجَزَاءِ رِوَايَتَانِ وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا مَمْلُوكًا فَإِنَّ الْقِيمَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ وَالصِّفَاتُ إلَّا إذَا كَانَ الْوَصْفُ لِمُحْرِمٍ مِنْ اللَّهْوِ كَقِيمَةِ الدِّيكِ لِنِقَارِهِ وَالْكَبْشِ لِنِطَاحِهِ فَإِنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ كَالْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ يُقَوَّمُ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ، وَهُوَ حَيٌّ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ بَعْدَ قَتْلِهِ إذْ لَيْسَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ جِلْدِهِ، وَكَوْنِهِ صَيْدًا حَيًّا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ إهْدَارَ صِفَةِ الصَّيْدِ بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا حَسَنًا مَلِيحًا لَهُ زِيَادَةُ قِيمَةِ تَجِبُ قِيمَتُهُ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَ حَمَامَةً مُطَوَّقَةً أَوْ فَاخِتَةً مُطَوَّقَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إهْدَارُ مَا كَانَ بِصُنْعِ الْعِبَادِ، وَأَرَادَ بِالْعَدْلِ مَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَبَصَارَةٌ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ لَا الْعَدْلُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، وَقَيَّدَ بِالْعَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعَدْلَ الْوَاحِدَ لَا يَكْفِي لِظَاهِرِ النَّصِّ وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ، وَفِي الْهِدَايَةِ قَالُوا: وَالْوَاحِدُ يَكْفِي وَالْمُثَنَّى أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَأَبْعَدُ مِنْ الْغَلَطِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ الْمَثْنَى هَاهُنَا بِالنَّصِّ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاَلَّذِينَ لَمْ يُوجِبُوهُ حَمَلُوا الْعَدَدَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ الْأَحْكَامِ وَالْإِتْقَانُ، وَالظَّاهِرُ الْوُجُوبُ، وَقَصْدُ الْأَحْكَامِ، وَالْإِتْقَانُ لَا يُنَافِيهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ دَاعِيَتَهُ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْقَاتِلِ إذَا كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْقِيمَةِ، وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرَ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ لَكِنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ، وَلَمْ أَرَهُ، وَكَلِمَةُ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ لِلتَّوْزِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ يَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يُقَوِّمَانِهِ فِي مَكَانِ قَتْلِهِ إنْ كَانَ يُبَاعُ فِيهِ، وَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَى مَكَانِ قَتْلِهِ كَالْبَرِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْمَكَانِ، وَمِنْ اعْتِبَارِ زَمَانِ قَتْلِهِ لِاخْتِلَافِ الْقِيَمِ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فَيَشْتَرِي رَاجِعٌ إلَى الْقَاتِلِ فَأَفَادَ أَنَّهُ بَعْدَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ الْخِيَارُ لِلْقَاتِلِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ الْخِيَارُ إلَيْهِ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى اخْتِيَارِهِمَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى جَزَاءٍ، وَلَيْسَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى هَدْيًا فَاقْتَضَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَلَزِمَ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُمَا فِي الْهَدْيِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ أَوْ؛ لِأَنَّ {هَدْيًا} [المائدة: 95] حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ، وَهِيَ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ
ــ
[منحة الخالق]
الْقِيَمِيَّاتِ إذَا هَلَكَ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبُ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ هُنَا فَانْتَظَمَ لَفْظُ الْمِثْلِ كِلَيْهِمَا فَوَرَدَ الِاعْتِرَاضُ، وَرَدُّ الْعَيْنِ أَمْرٌ آخَرُ لَيْسَ مِنْ إيجَابِ ضَمَانِ الْمِثْلِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَوْ لِمَا فِي حَمْلِنَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِعَدَمِ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحَ فِي الْبَدَائِعِ اعْتِبَارَهَا) لِمَا سَيَذْكُرُهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى اعْتِبَارِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ فَإِنَّهَا أَمْرٌ خُلُقِيٌّ، وَهَذَا يُشْكِلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ (قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ أَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَوَّمَ لَحْمُهُ إلَخْ) ؛ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجِلْدَ لَا يُقَوَّمُ، وَعَنْ هَذَا اخْتَارَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَيْدٌ لَا مِنْ حَيْثُ مَا زَادَ بِالصَّنْعَةِ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَصَحَّحَهُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ) تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّهْرِ، وَفِيهِ إنَّ عِبَارَتَهُ كَعِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَإِنَّهُ قَالَ: وَهُوَ مَا قَوَّمَهُ عَدْلَانِ، وَأَنْتَ تَرَى أَنْ لَا تَصْحِيحَ فِيهَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَقَدْ يُقَالُ جَعْلُهُ إيَّاهُ مَتْنًا وَاقْتِصَارُهُ عَلَيْهِ يُفِيدُ تَصْحِيحَهُ إذْ لَوْ اعْتَقَدَ ضَعْفَهُ لَذَكَرَ مُقَابِلَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ إلَخْ) قَالَ أَقُولُ: فِي اللُّبَابِ وَيُشْتَرَطُ لِلتَّقْوِيمِ عَدْلَانِ غَيْرُ الْجَانِي قَالَ: شَارِحُهُ عَلَى مَا نَسَبَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ لِعِلَّةِ التُّهْمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يَحْمِلَ ذِكْرُ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَكْتَفِي وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْقَاتِلِ أَمَّا حَمْلُ ذِكْرِ الْحَكَمَيْنِ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ فَهُوَ مَنْقُولٌ ذَكَرَهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَلَا خِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ حَكَمَا بِالْهَدْيِ يَجِبُ النَّظِيرُ، وَإِنْ حَكَمَا بِالطَّعَامِ أَوْ بِالصِّيَامِ فَعَلَى مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَذَا فِي الْعِنَايَةِ (قَوْلُهُ: أَوْ؛ لِأَنَّ {هَدْيًا} [المائدة: 95] حَالٌ إلَخْ) اقْتَصَرَ مِنْ إعْرَابِ الْآيَةِ عَلَى مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ، وَأَعْرَبَهَا فِي الْفَتْحِ بِتَمَامِهَا فَنَذْكُرُ حَاصِلَهُ أَيْضًا حَالًا هُنَا وَذَلِكَ أَنَّهُ قُرِئَ بِتَنْوِينِ جَزَاءً وَرَفْعِ مِثْلُ وَبِدُونِهِ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ فَجَزَاءٌ هُوَ مِثْلُ مَا قَتَلَ، وَمَضْمُونُ الْآيَةِ شَرْطٌ وَجَزَاءٌ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ بَعْدَ فَاءِ
أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ وَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِوَاسِطَةِ الشِّرَاءِ بِهَا أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَوْنُ الْحَالِ مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ، وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُخَالِفِ فِيهَا يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِهِ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ بَالِغُ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا بِالْهَدْيِ مَوْصُوفًا بِبُلُوغِهِ إلَى الْكَعْبَةِ حَالَ حُكْمِهِمَا بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ بَلْ الْمُرَادُ يَحْكُمَانِ بِهِ مِقْدَارَ بُلُوغِهِ فَلُزُومُ التَّقْدِيرِ ثَابِتٌ غَيْرَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَحَلُّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
ثُمَّ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا دَلَالَةَ لِلْآيَةِ عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ لِلْحَكَمَيْنِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْهَا أَنَّهُ إلَى مَنْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَرْجِعَ ضَمِيرِ الْمَحْذُوفِ مِنْ الْخَبَرِ أَوْ مُتَعَلِّقَ الْمُبْتَدَأِ إلَيْهِ أَعْنِي مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ قَوْلِنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَوْ فَعَلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ {هَدْيًا} [المائدة: 95] إلَى أَنَّهُ لَوْ اخْتَارَ الْهَدْيَ لَا يَذْبَحُهُ إلَّا بِالْحَرَمِ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] مَعَ أَنَّ الْهَدْيَ مَا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ، وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ أَوْ إنْ لَبِسْت مِنْ غَزْلِك فَهُوَ هَدْيٌ مَجَازٌ عَنْ الصَّدَقَةِ بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ بِالثَّوْبِ وَالْغَزْلِ. وَالْكَلَامُ فِي مُطْلَقِ الْهَدْيِ فَلَوْ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْهَدْيِ بَلْ عَنْ الْإِطْعَامِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ قَدْرَ قِيمَةِ نِصْفِ صَاعِ حِنْطَةٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهَا إنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ مِثْلَ قِيمَةِ الْمَقْتُولِ، وَإِلَّا فَيُكْمِلُ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ إنْ بَلَغَتْ هَدْيًا إلَى أَنَّهُ إذَا، وَقَعَ الِاخْتِيَارُ عَلَى الْهَدْيِ يُهْدِي مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَةُ الْمَقْتُولِ إلَّا عَنَاقًا أَوْ حَمْلًا يَقُومُ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ لَا بِالْهَدْيِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ التَّفْكِيرُ بِالْهَدْيِ إلَّا أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ جَذَعًا عَظِيمًا مِنْ الضَّأْنِ أَوْ ثَيِّبًا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْهَدْيِ فِي الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ السِّنَّ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي إطْلَاقِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا مَجَازًا بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ ذَبَحَهُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِرَاقَةِ فَلِهَذَا لَوْ سَرَقَ بَعْدَ الذَّبْحِ أَجْزَأَهُ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِالْهَدْيِ حَيًّا لَا يُجْزِئُهُ، وَأَمَّا التَّصَدُّقُ بِلَحْمِ الْقُرْبَانِ فَوَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَلَوْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ ضَمِنَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ، وَلَا يَنْعَدِمُ الْإِجْزَاءُ بِهِ، وَكَذَا لَوْ أَكَلَ بَعْضَهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ اللَّحْمِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا مَا يَغْرَمُهُ مِنْ قِيمَةِ أَكْلِهِ.
وَأَطْلَقَ فِي الطَّعَامِ وَالصَّوْمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا يَجُوزُ إنْ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَمُتَفَرِّقًا وَمُتَتَابِعًا لِإِطْلَاقِ النَّصِّ فِيهِمَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ وَاحِدًا أَقَلَّ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَكْثَرَ تَبَرُّعًا حَتَّى لَا يَحْتَسِبَ الزِّيَادَةَ مِنْ الْقِيمَةِ كَيْ لَا يُنْتَقَصَ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ هَكَذَا ذَكَرُوهُ هَاهُنَا، وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي بَابِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ نِصْفَ الصَّاعِ عَلَى مَسَاكِينَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّ الْقَائِلَ بِالْمَنْعِ الْكَرْخِيُّ
ــ
[منحة الخالق]
الْجَزَاءِ أَوْ الْخَبَرُ أَيْ فَالْوَاجِبُ جَزَاءٌ أَوْ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَمِنْ النَّعَمِ بَيَانٌ لِمَا أَوْ لِلْعَائِدِ إلَيْهَا أَيْ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وَجُمْلَةُ يَحْكُمُ بِهِ صِفَةُ فَجَزَاءٌ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ أَوْ صِفَةُ مِثْلُ الَّذِي هُوَ هِيَ؛ لِأَنَّ مِثْلًا لَا تَتَعَرَّفُ بِالْإِضَافَةِ فَجَازَ وَصْفُهَا وَوَصْفُ مَا أُضِيفَ إلَيْهَا بِالْجُمْلَةِ وَ {هَدْيًا} [المائدة: 95] حَالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنْ ضَمِيرِ بِهِ الرَّاجِعِ إلَى مَوْصُوفِ الْجُمْلَةِ وَ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] صِفَةُ {هَدْيًا} [المائدة: 95] النَّكِرَةُ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لَفْظِيَّةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ أَوْ عَدْلٌ مَعْطُوفَانِ عَلَى جَزَاءٍ وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَزَاءٌ هُوَ قِيمَةُ مَا قَتَلَهُ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ يَحْكُمُ بِذَلِكَ الْجَزَاءِ الَّذِي هُوَ الْقِيمَةُ عَدْلَانِ حَالَ كَوْنِهِ صَائِرًا هَدْيًا بِوَاسِطَةِ الْقِيمَةِ أَوْ كَفَّارَةً إلَخْ أَيْ الْوَاجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ الصَّائِرَةِ هَدْيًا، وَمِنْ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ الْمَبْنِيَّيْنِ عَلَى تَعَرُّفِ الْقِيمَةِ. اهـ. مُلَخَّصًا.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَخِيرًا أَنْ يَكُونَ أَوْ عَدْلُ مَعْطُوفًا عَلَى طَعَامٍ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ لَا عَلَى جَزَاءٍ (قَوْلُهُ: أَيْ صَائِرًا هَدْيًا بِهِ) الظَّاهِرُ أَنَّ ضَمِيرَ بِهِ يَعُودُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَحْكُمُ فِي الْآيَةِ، وَأَنَّ ضَمِيرَ بِهَا يَعُودُ عَلَى الْقِيمَةِ الْمُفَسَّرِ بِهَا الْجَزَاءُ أَوْ الْمِثْلُ، وَأَنَّ الْمُنَاسِبَ إسْقَاطُ الْبَاءِ الْجَارَّةِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْفَتْحِ لِيَكُونَ عَطْفًا عَلَى الشِّرَاءِ لَا عَلَى بِوَاسِطَةٍ، وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ الشِّرَاءِ مَا يَحْصُلُ بِهِ مِلْكُ الْهَدْيِ مِنْ هِبَةٍ، وَإِرْثٍ وَنَحْوِهِمَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ) كَأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ سَلَّمْنَا أَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً كَثِيرٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَكْثَرِ فَالْأَوْلَى كَوْنُهَا مُقَارِنَةً فَيَثْبُتُ أَنَّهُ يَصِيرُ هَدْيًا بِاخْتِيَارِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ فَأَجَابَ بِأَنَّ كَوْنَهَا مُقَدَّرَةً فِي الْآيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمَا عَلَى مَا قَرَّرَاهُ فِيهَا لَكِنَّهُ لَازِمٌ فِي وَصْفِهَا، وَهُوَ {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} [المائدة: 95] لِظُهُورِ أَنَّ بُلُوغَهُ الْكَعْبَةَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ هَدْيًا (قَوْلُهُ: يُقَوَّمُ بِالْإِطْعَامِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَلَا يَجُوزُ الصِّغَارُ كَالْجِفْرَةِ وَالْعَنَاقِ وَالْحَمْلِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِطْعَامِ بِأَنْ يُعْطِيَ كُلَّ فَقِيرٍ مَا يُسَاوِي قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ (قَوْلُهُ: كَمَا قَدَّمْنَاهُ) أَيْ قَرِيبًا مِنْ مَسْأَلَةِ الثَّوْبِ وَالْغَزْلِ (قَوْلُهُ: وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ، وَكَالْفِطْرَةِ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ عَدَدُ الْمَسَاكِينِ صُورَةً فِي الْإِطْعَامِ تَمْلِيكًا، وَإِبَاحَةً قَالَ: أَصْحَابُنَا لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ آصُعَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كُلِّ يَوْمٍ نِصْفُ صَاعٍ أَوْ غَدَّى مِسْكِينًا وَاحِدًا أَوْ عَشَّاهُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا أَمَّا لَوْ دَفَعَ طَعَامَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ دَفَعَاتٍ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ، وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يَجُوزُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا خُصُوصًا، وَالنَّصُّ هُنَا مُطْلَقٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَالْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَإِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَى الذِّمِّيِّ كَالْمُسْلِمِ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ وَالْمُسْلِمُ أَحَبُّ، وَإِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ عَلَا، وَفَرْعِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَزَوْجَتِهِ وَزَوْجِهَا كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَدَقَةٍ وَاجِبَةٍ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْمَصْرِفِ، وَصَرَّحُوا هُنَا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِشَيْءٍ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْإِبَاحَةَ تَكْفِي فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِطْعَامِ كَالتَّمْلِيكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَلَا يَكْفِي فِي الْفِطْرَةِ، وَأَشَارَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ كَالْفِطْرَةِ إلَى أَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ جَائِزٌ فَيَدْفَعُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَلَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهَا كَمَا فِي الْعَيْنِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي مَسْأَلَةِ ذَبْحِ الْهَدْيِ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فَضَلَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ صَامَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمِقْدَارِ، وَعَدَدُ الْمَسَاكِينِ، وَقَدْ عَجَزَ عَنْ مُرَاعَاةِ الْمِقْدَارِ فَسَقَطَ، وَقَدَرَ عَلَى مُرَاعَاةِ الْعَدَدِ فَلَزِمَهُ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ لَا يَزِيدُ، وَلَا يَنْقُصُ أَمَّا الْقِيمَةُ هُنَا تَزِيدُ وَتَنْقُصُ فَيُخَيَّرُ إنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ يَوْمًا كَامِلًا؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ أَقَلُّ مِنْ يَوْمٍ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ لَوْ كَانَ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ بِأَنْ قَتَلَ يَرْبُوعًا أَوْ عُصْفُورًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ أَيْضًا، وَإِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ الصَّوْمَ أَصْلٌ كَالْإِطْعَامِ حَتَّى يَجُوزَ الصَّوْمُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِطْعَامِ فَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِكْمَالُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ، وَأَمَّا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَالصَّوْمُ بَدَلٌ عَنْ التَّفْكِيرِ بِالْمَالِ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ لِلتَّنَافِي وَشَمَلَ كَلَامُهُ مَا إذَا كَانَ هَذَا الْفَاضِلُ مِنْ جِنْسِ مَا فَعَلَهُ أَوَّلًا حَتَّى لَوْ اخْتَارَ الْهَدْيَ، وَفَضَلَ مِنْ الْقِيمَةِ مَا لَا يَبْلُغُ هَدْيًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْفَضْلِ أَيْضًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ هَدْيَيْنِ إنْ شَاءَ ذَبَحَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وَإِنْ شَاءَ ذَبَحَ أَحَدَهُمَا، وَأَطْعَمَ وَصَامَ عَمَّا بَقِيَ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِالْقِيمَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الطَّعَامِ قِيمَةُ الصَّيْدِ، وَفِي الصَّوْمِ قِيمَةُ الطَّعَامِ، وَهَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ عُضْوَهُ أَوْ نَتَفَ شَعْرَهُ ضَمِنَ مَا نَقَصَ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَفَادَ بِمُقَابَلَةِ الْجُرْحِ لِلْقَتْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ هَذَا الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ مِنْهُ وَجَبَ كَمَالُ الْقِيمَةِ فَإِنْ غَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَوْتَهُ، وَلَا حَيَاتَهُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَضْمَنَ النُّقْصَانَ لِلشَّكِّ فِي سَبَبِ الْكَمَالِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ إذَا جَرَحَهُ وَغَابَ وَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ يَلْزَمَهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ احْتِيَاطًا كَمَنْ أَخَذَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ ثُمَّ أَرْسَلَهُ، وَلَا يَدْرِي أَدَخَلَ الْحَرَمَ أَمْ لَا فَإِنَّهُ تَجِبُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُ الْعِبَادَةِ مِنْ وَجْهٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَأَطْلَقَ فِي ضَمَانِهِ النُّقْصَانَ بِسَبَبِ الْجُرْحِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَرِئَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْجَزَاءُ بِبُرْئِهِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ بِإِتْلَافِ جُزْءٍ مِنْ الصَّيْدِ بِالِانْدِمَالِ لَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْإِتْلَافَ لَمْ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ هُنَا) تَابَعَهُ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ مَعَ الْمَنْقُولِ (قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ) تَقَدَّمَ فِي الْمَصْرِفِ أَنَّ فِيهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرْنَا عَنْ الْحَاوِي أَنَّهُ قَالَ: وَبِهِ نَأْخُذُ (قَوْلُهُ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى) كَانَ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالُوهُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ شَرِكَتِهِمَا لَكِنْ نَفْيُ الْقَبُولِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُطْلَقًا وَالشَّرِيكُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُقْبَلُ فِي الْجُمْلَةِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ التَّشْبِيهَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِقْدَارِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. اهـ.
ثُمَّ الْإِبَاحَةُ بِالْوَضْعِ وَالْعَرْضِ لِلْفَقِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَعَ الْأَوَّلِ لَكِنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى، وَأَمَّا كَفَّارَةُ الصَّيْدِ فَيَجُوزُ الْإِطْعَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ بِلَا خِلَافٍ فَيَضَعُ لَهُمْ طَعَامًا وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا أَكْلَتَيْنِ مُشْبِعَتَيْنِ غَدَاءً، وَعَشَاءً أَوْ سُحُورًا، وَعَشَاءً أَوْ غَدَاءَيْنِ أَوْ عَشَاءَيْنِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى فَإِنْ غَدَّاهُمْ لَا غَيْرُ أَوْ عَشَّاهُمْ فَقَطْ لَا يُجْزِئُهُ لَكِنْ إنْ غَدَّاهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ الْعَشَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَأْدُومًا، وَفِي الْهِدَايَةِ لَا بُدَّ مِنْ الْإِدَامِ فِي خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَفِي الْمُصَفَّى غَيْرُ الْبُرِّ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِدَامٍ، وَفِي الْبَدَائِعِ يَسْتَوِي كَوْنُ الطَّعَامِ مَأْدُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْدُومٍ حَتَّى لَوْ غَدَّاهُمْ، وَعَشَّاهُمْ خُبْزًا بِلَا إدَامٍ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا لَوْ أَطْعَمَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤْكَلُ وَحْدَهُ ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الشِّبَعُ التَّامُّ لَا مِقْدَارُ الطَّعَامِ حَتَّى لَوْ قَدَّمَ أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ أَوْ ثَلَاثَةً بَيْنَ يَدَيْ سِتَّةِ مَسَاكِينَ وَشَبِعُوا أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ صَاعًا أَوْ نِصْفَ صَاعٍ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ شَبْعَانَ قِيلَ لَا يَجُوزُ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ
يَكُنْ بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَحَ آدَمِيًّا فَانْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهُ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ إنَّمَا يَجِبُ لِأَجْلِ الشَّيْنِ، وَقَدْ ارْتَفَعَ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ زَالَ فَيَزُولُ الضَّمَانُ كَمَا فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ الْمَمْلُوكُ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا غَابَ بَعْدَ الْجُرْحِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ ظَبْيٍ أَوْ نَتَفَ رِيشِ صَيْدٍ فَنَبَتَ أَوْ ضَرَبَ عَيْنَ صَيْدٍ فَابْيَضَّتْ ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْأَلَمِ، وَأَشَارَ بِكَوْنِ الْجِرَاحَةِ جِنَايَةً مُسْتَقِلَّةً إلَى أَنَّهُ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا فَكَفَّرَ ثُمَّ قَتَلَهُ كَفَّرَ أُخْرَى؛ لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى قَتَلَهُ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ وَنُقْصَانٌ بِالْجِرَاحَةِ كَمَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي أَدَّاهَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَفِي الْمُحِيطِ مَعْزِيًّا إلَى الْجَامِعِ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ جَرَحَ صَيْدًا جُرْحًا لَا يَسْتَهْكِلُهُ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً ثُمَّ جَرَحَهُ أَيْضًا فَمَاتَ مِنْ الْكُلِّ فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ صَحِيحًا، وَقِيمَتُهُ لِلْحَجِّ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجَّةِ ثُمَّ جَرَحَهُ الثَّانِيَةَ فَعَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَلِلْحَجِّ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ حِينَ أُحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَرَنَ بِحَجَّةٍ، وَعُمْرَةٍ ثُمَّ جَرَحَ الصَّيْدَ فَمَاتَ ضَمِنَ لِلْعُمْرَةِ الْقِيمَةَ وَبِهِ الْجُرْحُ الثَّانِي وَضَمِنَ لِلْقِرَانِ قِيمَتَيْنِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ اسْتِهْلَاكًا غَرِمَ لِلْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ قِيمَتَهُ صَحِيحًا وَلِلْقِرَانِ قِيمَتَيْنِ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ. اهـ.
وَفِي مَنَاسِكِ الْكَرْمَانِيِّ، وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَمَرِضَ وَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ ازْدَادَتْ ثُمَّ مَاتَ كَانَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَقْتَ الْجُرْحِ أَوْ وَقْتَ الْمَوْتِ.
(قَوْلُهُ: وَتَجِبُ الْقِيمَةُ بِنَتْفِ رِيشِهِ، وَقَطْعِ قَوَائِمِهِ وَحَلْبِهِ، وَكَسْرِ بَيْضِهِ وَخُرُوجِ فَرْخٍ مَيِّتٍ بِهِ) أَمَّا نَتْفُ رِيشِهِ، وَقَطْعُ قَوَائِمِهِ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ الْأَمْنَ بِتَفْوِيتِ آلَةِ الِامْتِنَاعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَزِمَهُ قِيمَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَمَّا حَلْبُهُ فَلِأَنَّ اللَّبَنَ مِنْ أَجْزَائِهِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِكُلِّهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَ، وَهُوَ قِيمَةُ اللَّبَنِ، وَأَمَّا كَسْرُ بَيْضِهِ فَلِأَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ، وَلَهُ عَرْضِيَّةُ أَنْ يَصِيرَ صَيْدًا فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَوَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْبَيْضِ.
وَأَمَّا إذَا خَرَجَ فَرْخٌ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْكَسْرِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى قِيمَةِ الْبَيْضَةِ؛ لِأَنَّ حَيَاةَ الْفَرْخِ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْبَيْضَ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الْفَرْخُ الْحَيُّ وَالْكَسْرُ قَبْلَ أَوَانِهِ سَبَبٌ لِمَوْتِهِ فَيُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا فَتَجِبُ قِيمَتُهُ حَيًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ وَالرِّيشُ جَمْعُ الرِّيشَةِ، وَهُوَ الْجَنَاحُ وَالْقَوَائِمُ الْأَرْجُلُ، وَأَطْلَقَ فِي كَسْرِ بَيْضِهِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَسَرَ بَيْضَةً مَذِرَةً لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهَا لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِعَرْضِيَّةِ الصَّيْدِ، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي الْفَاسِدَةِ، وَبِهَذَا انْتَفَى قَوْلُ الْكَرْمَانِيِّ إذَا كَسَرَ بَيْضَةَ نَعَامَةٍ مَذِرَةٍ وَجَبَ
ــ
[منحة الخالق]
كَذَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَعْنِي الظَّاهِرَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا حَصَلَ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ كَلَامَ الْبَدَائِعِ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْإِطْلَاقِ (قَوْلُهُ: لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ بِالْقَتْلِ وَنُقْصَانٌ بِالْجِرَاحَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ مَنْسَكِ الطَّرَابُلْسِيِّ، وَفِي الْفَتْحِ، وَلَوْ جَرَحَ صَيْدًا، وَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَبَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى سَاقِطٌ، وَكَذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ لِلْجِرَاحَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الْجِرَاحَةِ صَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي مُخْتَصَرِهِ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ الْأُولَى أَيْ يَلْزَمُهُ ضَمَانُ صَيْدٍ مَجْرُوحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَرَّةٌ أُخْرَى. اهـ.
وَحَاصِلُهُ تَدَاخُلُ الْجِنَايَتَيْنِ، وَمَآلُهُ إلَى جِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ تَبَعًا لِمَا فِي الْبَدَائِعِ فَهُوَ الْمُعَوَّلُ فَتَدَبَّرْ وَتَأَمَّلْ. اهـ.
وَكَذَا مَشَى عَلَيْهِ فِي مَتْنِ اللُّبَابِ لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ يُفِيدُ التَّوْفِيقَ بِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَ نُقْصَانَ الْجِرَاحَةِ أَوْجَبَ قِيمَتَهُ فِي الْقَتْلِ مَجْرُوحًا، وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا أَوْجَبَ قِيمَتَهُ فِي الْقَتْلِ سَالِمًا وَالْمَآلُ فِيهِمَا وَاحِدٌ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ) أَيْ كَفَّارَةَ الْمَوْتِ كَمَا فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَانْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ أَوْ ازْدَادَتْ) أَيْ قِيمَةُ جِنْسِهِ لَا خُصُوصُ هَذَا الْمَضْرُوبِ إذْ لَا يُمْكِنُ زِيَادَةُ قِيمَتِهِ بَعْدَ الضَّرْبِ تَأَمَّلْ أَوْ الْمُرَادُ زَادَتْ قِيمَةُ شَعْرِهِ أَوْ بَدَنِهِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُحِيطِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ قِيمَةُ اللَّبَنِ) هَذَا عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ الزَّاخِرِ، وَفِي الْبَدَائِعِ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ الْحَلْبُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الطَّرَابُلْسِيِّ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ: وَإِذَا حَلَبَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ، وَقِيمَةُ اللَّبَنِ. اهـ.
وَلَعَلَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا شَرِبَهُ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَطْعَمَهُ الْفُقَرَاءَ كَذَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا إذَا خَرَجَ فَرْخٌ مَيِّتٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا، وَمَاتَ بِالْكَسْرِ أَوْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ الْكَسْرِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَغْرَمَ سِوَى قِيمَةِ الْبَيْضَةِ إلَخْ.
الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ لِقِشْرِهَا قِيمَةً، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ نَعَامَةٍ لَا يَجِبُ شَيْءٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْإِحْرَامِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْقِشْرِ بَلْ لِلصَّيْدِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْمَذِرَةِ عَرْضِيَّةُ الصَّيْدِيَّةِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
وَفِي الْبَدَائِعِ وَلَوْ شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا فَضَمِنَهُ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ، وَلَوْ أَكَلَهُ أَوْ غَيْرُهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الذَّكَاةِ فَلَا يَصِيرُ مَيْتَةً وَلِهَذَا يُبَاحُ أَكْلُ الْبَيْضِ قَبْلَ الشَّيْءِ، وَأَفَادَ بِمَسْأَلَةِ خُرُوجِ الْفَرْخِ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ حَيًّا فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ ضَمِنَ قِيمَتَهَا أَيْضًا بِخِلَافِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا لَا يَلْزَمُ الضَّارِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ النَّفْسِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ احْتِيَاطًا، وَفِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ لَا تَبْتَنِي عَلَى الِاحْتِيَاطِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مَوْتَهُ بِغَيْرِ الْكَسْرِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلْفَرْخِ لِانْعِدَامِ الْأَمَانَةِ، وَلَا لِلْبَيْضِ لِعَدَمِ الْعَرْضِيَّةِ، وَإِذَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا يَجِبُ فِي الْبَيْضِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا ضَمَانُهُ لِأَجْلِهِ قَدْ ضَمِنَهُ، وَأَشَارَ بِخُرُوجِ الْفَرْخِ إلَى أَنَّهُ لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضِهِ فَفَسَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ إحَالَةً لِلْفَسَادِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ الظَّاهِرُ كَمَا لَوْ أَخَذَ بَيْضَةَ الصَّيْدِ فَدَفَنَهَا تَحْتَ دَجَاجَةٍ فَفَسَدَتْ، وَلَوْ لَمْ تَفْسُدْ وَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ وَطَارَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا شَيْءَ بِقَتْلِ غُرَابٍ وَحِدَأَةٍ، وَذِئْبٍ وَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ، وَفَأْرَةٍ وَكَلْبٍ عَقُورٍ، وَبَعُوضٍ وَنَمْلٍ وَبُرْغُوثٍ، وَقُرَادٍ وَسُلَحْفَاةٍ) أَمَّا الْفَوَاسِقُ، وَهِيَ السَّبْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا فَلِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَزَادَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «الْحَيَّةُ وَالسَّبُعُ الْعَادِي» ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ «الذِّئْبُ» فَلِذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً، وَمَعْنَى الْفِسْقِ فِيهِنَّ خُبْثُهُنَّ، وَكَثْرَةُ الضَّرَرِ فِيهِنَّ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فَلِذَا خَصَّ بِهِ الْكِتَابَ الْقَطْعِيَّ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي نَفْيِ شَيْءٍ بِقَتْلِهَا فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ، وَأَطْلَقَ فِي الْغُرَابِ فَشَمَلَ الْغُرَابَ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ، وَمَا فِي الْهِدَايَةِ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ أَوْ يَخْلِطُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى أَمَّا الْعَقْعَقُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا، وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ دَائِمًا يَقَعُ عَلَى دُبُرِ الدَّابَّةِ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَسَوَّى الْمُصَنِّفُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْكَرْخِيِّ وَاخْتَارَهَا فِي الْهِدَايَةِ؛ لِأَنَّ الذِّئْبَ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ؛ وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فَلَمْ يَجْعَلْ الذِّئْبَ مِنْ الْفَوَاسِقِ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَأْرَةِ فَشَمَلَتْ الْأَهْلِيَّةَ وَالْوَحْشِيَّةَ، وَقَيَّدَ الْكَلْبَ بِالْعَقُورِ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ مَعَ أَنَّ الْعَقُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَقُورِ لَيْسَ بِصَيْدٍ فَلَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ وَاخْتَارَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَفِي السِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ رِوَايَتَانِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ، وَأَمَّا حِلُّ الْقَتْلِ فَمَا لَا يُؤْذِي لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ فَالْكَلْبُ الْأَهْلِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ نُسِخَ فَقَيَّدَ الْقَتْلَ بِوُجُوبِ الْإِيذَاءِ. وَأَمَّا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ شَوَى بَيْضًا أَوْ جَرَادًا إلَخْ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ اللَّبَنُ الْمَحْلُوبُ مِنْ الصَّيْدِ. اهـ.
ثُمَّ رَأَيْته مُصَرَّحًا بِهِ فِي اللُّبَابِ فَقَالَ: وَلَوْ شَوَى مُحْرِمٌ بَيْضًا أَوْ جَرَادًا أَوْ حَلَبَ صَيْدًا، وَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ وَيَجُوزُ لَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ جَنِينِ الْمَرْأَةِ) أَيْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً إذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَيْ، وَمَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَهُ وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي الْمِعْرَاجِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ، وَقَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ الضَّارِبَ شَيْئًا صَوَابُهُ شَيْءٌ، وَمَعْنَاهُ لَا يَلْزَمُهُ الدِّيَةُ كَمَا يَلْزَمُهُ دِيَةُ الْأُمِّ أَوْ قِيمَتُهَا لَوْ أَمَةً، وَإِلَّا فَالْغُرَّةُ لَازِمَةٌ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا عَمَّا إذَا خَرَجَ حَيًّا فَمَاتَ فَإِنَّ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَدِيَةُ الْأُمِّ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: فَلِذَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةً) ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ السَّبُعَ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ عِنْدَنَا فَيَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِالْعَادِي وَسَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ صَالَ لَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ بَقِيَ الْكَلَامُ فِي عَدَمِ عَدِّهِ مِنْهَا وَجَعَلَهُ مِنْ الصُّيُودِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَلِلْمُحَقِّقِ فِي الْفَتْحِ كَلَامٌ أَطَالَ الْبَحْثَ فِيهِ. وَقَالَ فِي آخِرِهِ: وَلَعَلَّ لِعَدَمِ قُوَّةِ وَجْهِهِ كَانَ فِي السِّبَاعِ رِوَايَتَانِ. (قَوْلُهُ: فَفِيهِ نَظَرٌ) رَدَّهُ فِي النَّهْرِ بِمَا فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ الْغُرَابُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ أَوْ يَخْلِطُ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى. اهـ.
وَأَشَارَ فِي الْمِعْرَاجِ إلَى دَفْعِ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ غَالِبًا وَبِهِ انْدَفَعَ دَعْوَى الدَّيْمُومَةِ فِيهِ، وَلَمَّا كَانَ الْمُطَّرَدُ هُوَ ابْتِدَاؤُهُ بِالْأَذَى اقْتَصَرَ الْإِمَامُ الثَّانِي فِي التَّعْلِيلِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْته فِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ: وَفِي الْعَقْعَقِ رِوَايَتَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الصُّيُودِ. اهـ.
قُلْتُ: وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا فِي الْهِدَايَةِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ غَيْرَ الْعَقُورِ) الْمُنَاسِبُ؛ وَلِأَنَّ بِالْوَاوِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ اتِّبَاعًا (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ نُسِخَ) كَذَا قَالَهُ فِي الْفَتْحِ قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ رَأَيْت فِي الْمُلْتَقَطِ مَا لَفْظُهُ، وَإِذَا كَثُرَتْ الْكِلَابُ فِي قَرْيَةٍ، وَأَضَرَّ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ أُمِرَ أَرْبَابُهَا بِقَتْلِهَا، وَإِنْ أَبَوْا رُفِعَ الْأَمْرُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَأْمُرَ بِذَلِكَ. اهـ.
فَيُحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ ضَرَرٌ
الْبَعُوضُ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى كَالْبُرْغُوثِ، وَدَخَلَ الزُّنْبُورُ وَالسَّرَطَانُ وَالذُّبَابُ وَالْبَقُّ وَالْقَنَافِذُ وَالْخَنَافِسُ وَالْوَزَغُ وَالْحَلَمَةُ وَصَيَّاحُ اللَّيْلِ وَابْنُ عُرْسٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الصَّيْدِ لَا يُوجَدُ فِيهِمَا وَالْبَعُوضُ مِنْ صِغَارِ الْبَقِّ الْوَاحِدَةُ بَعُوضَةٌ بِالْهَاءِ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهَا كَبَعْضِ الْبَقَّةِ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى {مَثَلا مَا بَعُوضَةً} [البقرة: 26] كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ، وَفِيهِ الْحِدَأَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ طَائِرٌ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ الْحَدَأُ، وَأَمَّا الْحَدَأَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ فَأْسٌ يُنْقَرُ بِهَا الْحِجَارَةُ لَهَا رَأْسَانِ وَالذِّئْبُ بِالْهَمْزَةِ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ أَذْؤُبٌ وَأَذْوَابٌ وَذِئَاب وَذُؤْبَانٌ قِيلَ اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَذَاءَبَتْ الرِّيحُ إذَا جَاءَتْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ أَيْضًا وَيُصَغَّرُ ذُوَيْبٌ وَالسُّلَحْفَاةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ وَاحِدَةُ السَّلَاحِفِ مِنْ خَلْقِ الْمَاءِ، وَيُقَالُ أَيْضًا سُلَحْفِيَةٌ بِالْيَاءِ وَالْفَأْرَةُ بِالْهَمْزِ وَاحِدَةُ الْفَأْرِ وَجَمْعُهُ فِيرَانٌ.
(قَوْلُهُ: وَبِقَتْلِ قَمْلَةٍ وَجَرَادَةٍ تَصَدَّقَ بِمَا شَاءَ) أَمَّا وُجُوبُ الصَّدَقَةِ بِقَتْلِ الْقَمْلَةِ فَلِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ التَّفَثِ الَّذِي عَلَى الْبَدَنِ وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ إزَالَتِهِ بِمَنْزِلَةِ إزَالَةِ الشَّعْرِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْقَمْلِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ قَتَلَهَا مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمُحِيطِ وَيُكْرَهُ قَتْلُ الْقَمْلَةِ، وَمَا تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْهَا أَطْلَقَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مُبَاشَرَةً أَوْ تَسَبُّبًا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الثَّانِي الْقَصْدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ فِي الشَّمْسِ لِيَقْتُلَ حَرَّ الشَّمْسِ الْقَمْلَ كَالصَّيْدِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ غَسَلَ ثَوْبَهُ فَمَاتَ الْقَمْلُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَمْلَ كَالصَّيْدِ فَأَفَادَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مُوجِبَةٌ فِيهَا فَلَوْ أَشَارَ الْمُحْرِمُ إلَى قَمْلَةٍ عَلَى بَدَنِهِ فَقَتَلَهَا الْحَلَالُ وَجَبَ الْجَزَاءُ، وَعُلِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ إلْقَاءَ الْقَمْلَةِ كَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ إزَالَتُهَا عَنْ الْبَدَنِ لَا خُصُوصُ الْقَتْلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَرَادَ بِالْقَمْلَةِ الْقَلِيلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ جَزَاءُ قَتْلِهِ صَدَقَةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَهِيَ نِصْفُ صَاعٍ لَا التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِسْبِيجَابِيِّ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ كَثِيرٌ، وَكَلَامُ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْعَشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا كَثِيرٌ وَاقْتَصَرَ شُرَّاحُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ هُوَ الْمَذْهَبَ، وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِقَتْلِ الْجَرَادَةِ فَلِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ فَإِنَّ الصَّيْدَ مَا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إلَّا بِحِيلَةٍ وَيَقْصِدُهُ الْآخِذُ، وَقَالَ: عُمَرُ رضي الله عنه تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ فَأَوْجَبَهَا عَلَى مَنْ قَتَلَ جَرَادَةً كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَتَبِعَهُ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ.
أَمَّا مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةٍ أَوْ غَزْوَةٍ فَاسْتَقْبَلَنَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَجَعَلْنَا نَضْرِبُهُ بِأَسْيَافِنَا، وَقِسِيِّنَا فَقَالَ: صلى الله عليه وسلم كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ» فَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ رحمه الله فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ لِضَعْفِ أَبِي الْمُهَزِّمِ، وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَكَسْرِ الزَّايِ، وَفَتْحِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا، وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَالسُّلَحْفَاةُ بِضَمِّ الْحَاءِ، وَفَتْحِ الْفَاءِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَكَأَنَّهَا مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ وَالْأَصْلُ، وَفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي بَعْضِهَا بِضَمِّ الْفَاءِ، وَفَتْحِ الْعَيْنِ أَيْ فَاءِ الْكَلِمَةِ، وَهِيَ السِّينُ، وَعَيْنِهَا وَهِيَ اللَّامُ.
(قَوْلُهُ: فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ فِي الشَّمْسِ لِيَقْتُلَ إلَخْ) قَالَ: فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَفِي شَرْحِ النُّقَايَةِ لِلْبُرْجُنْدِيِّ مِثْلُهُ ثُمَّ نَقَلَ خِلَافَهُ عَنْ الْمَنْصُورِيَّةِ، وَهُوَ نَفْيُ الْجَزَاءِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ أَشَارَ إلَخْ) ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِحَلَالٍ ادْفَعْ عَنِّي هَذَا الْقَمْلَ أَوْ أَمَرَهُ بِقَتْلِهَا لُبَابٌ قَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِيَقْتُلَ مَا فِيهِ فَفَعَلَ (قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالْقَمْلَةِ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ قَمْلَةً تَصَدَّقَ بِكِسْرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَفِي الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ بَالِغًا مَا بَلَغَ نِصْفُ صَاعٍ. اهـ.
قَالَ شَارِحُهُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَالْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي قَمْلَةٍ أَطْعَمَ شَيْئًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. اهـ.
وَرِوَايَةُ الْحَسَنِ سَيَذْكُرُهَا الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَأَمَّا وُجُوبُهَا بِقَتْلِ الْجَرَادَةِ إلَخْ) قَالَ: فِي اللُّبَابِ، وَلَوْ وَطِئَ جَرَادًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا قَدْ سَدَّ الطَّرِيقَ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَوْ شَوَى جَرَادًا فَأَكَلَهُ بَعْدَمَا ضَمِنَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ الضَّمَانِ. اهـ.
قَالَ شَارِحُهُ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُحْرِمٌ قَطَعَ شَجَرَةً مِنْ الْحَرَمِ أَوْ شَوَى بَيْضَ صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ حَلَبَ صَيْدًا أَوْ شَوَى جَرَادًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَعْنِي الْقِيمَةَ وَيُكْرَهُ لَهُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَإِنْ بَاعَ جَازَ، وَيَمْلِكُ ثَمَنَهُ بِخِلَافِ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَإِذَا مَلَكَ الثَّمَنَ إنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي الْقِيمَةِ الَّتِي يُؤَدِّيهَا، وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهَا وَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ؛ لِأَنَّ الْبَيْضَ وَالْجَرَادَ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الذَّكَاةِ وَالْحَلَالُ وَالْمُحْرِمُ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى الذَّكَاةِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا لَا يُبَاحُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَيْدًا فِي حَقِّهِ، وَلَيْسَ بِصَيْدٍ فِي حَقِّ الثَّانِي. اهـ.
وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْآخِذِ وَالْمُشْتَرِي فِي إبَاحَةِ التَّنَاوُلِ كَمَا لَا يَخْفَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ) قَوْلُهُ: فِي الْقَامُوسِ الرِّجْلُ بِالْكَسْرِ الطَّائِفَةُ مِنْ الشَّيْءِ أَوْ الْقِطْعَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ الْجَرَادِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: مَيْمُونٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. اهـ.
فَلَيْسَ هُنَا حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ بِإِيجَابِ عُمَرَ الْجَزَاءَ فِيهِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الْجَرَادِ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَرَادِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَالْقَمْلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَمْلِ فَفِي الثَّلَاثِ، وَمَا دُونَهَا يَتَصَدَّقُ بِمَا شَاءَ، وَفِي الْأَرْبَعِ فَأَكْثَرَ يَتَصَدَّقُ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَفِي الْمُحِيطِ مَمْلُوكٌ أَصَابَ جَرَادَةً فِي إحْرَامِهِ إنْ صَامَ يَوْمًا فَقَدْ زَادَ، وَإِنْ شَاءَ جَمَعَهَا حَتَّى تَصِيرَ عِدَّةَ جَرَادَاتٍ فَيَصُومَ يَوْمًا. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَمْلُ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ ثُمَّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله فِي الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَهَا، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُطْعِمُ فِي الْوَاحِدَةِ كِسْرَةً، وَفِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ قَبْضَةً مِنْ الطَّعَامِ، وَفِي الْأَكْثَرِ نِصْفَ صَاعٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ.
(قَوْلُهُ:، وَلَا يُجَاوِزُ عَنْ شَاةٍ بِقَتْلِ السَّبُعِ، وَإِنْ صَالَ لَا شَيْءَ بِقَتْلِهِ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ) ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى حَتَّى لَوْ ابْتَدَأَ بِالْأَذَى كَانَ مِنْهَا فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ صَالَ أَيْ وَثَبَ بِخِلَافِ الذِّئْبِ فَإِنَّهُ مِنْ الْفَوَاسِقِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَهِبُ الْغَنَمَ، وَأَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْفَوَاسِقِ السَّبْعَةِ وَالْحَشَرَاتِ سَوَاءٌ كَانَ سَبُعًا أَوْ لَا، وَلَوْ خِنْزِيرًا أَوْ قِرْدًا أَوْ فِيلًا كَمَا فِي الْمَجْمَعِ وَالسَّبُعُ اسْمٌ لِكُلِّ مُخْتَطِفٍ مُنْتَهِبٍ جَارِحٍ قَاتِلٍ عَادٍ عَادَةً فَإِذَا وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ شَاةً؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ قِيمَتِهِ إمَّا لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْمُحَارَبَةِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ أَوْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ، وَهُوَ لَا تَقُومُ لَهُ شَرْعًا فَبَقِيَ اعْتِبَارُ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَأْكُولًا وَذَلِكَ لَا يَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الشَّاةِ غَالِبًا؛ لِأَنَّ لَحْمَ الشَّاةِ خَيْرٌ مِنْ لَحْمِ السَّبُعِ.
وَقَيَّدَ بِالسَّبُعِ؛ لِأَنَّ الْجَمَلَ إذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِذْنَ فِي مَسْأَلَةِ السَّبُعِ بِقَتْلِهِ حَاصِلٌ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَهُوَ الشَّارِعُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْجَمَلِ فَلَمْ يَحْصُلْ الْإِذْنُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إذَا صَالَ بِالسَّيْفِ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا إذْنَ لَهُ أَيْضًا مِنْ مَالِكِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَبْدَ مَضْمُونٌ فِي الْأَصْلِ حَقًّا لِنَفْسِهِ بِالْآدَمِيَّةِ لَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ كَسَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ أَوْ قَتَلَ يُقْتَلُ، وَإِذَا كَانَ مَضْمُونًا لِنَفْسِهِ سَقَطَ هَذَا الضَّمَانُ بِمُبِيحٍ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ، وَهُوَ الْمُصَالُ بِهِ، وَمَالِيَّةُ الْمَوْلَى فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً مَضْمُونَةً لَهُ فَهِيَ تَبَعٌ لِضَمَانِ النَّفْسِ فَيَسْقُطُ التَّبَعُ فِي ضِمْنِ سُقُوطِ الْأَصْلِ أَطْلَقَ فِي عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ إذَا صَالَ فَشَمَلَ مَا إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ سِلَاحٍ أَوْ لَا، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَهُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ السِّلَاحِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَيَّدَ قَاضِي خَانْ السَّبُعَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْلُوكًا وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ يَعْنِي عَلَيْهِ قِيمَتَانِ إذَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْفَرْقِ إلَخْ) اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ بِمَا سَيَذْكُرُهُ عَنْ الْمُحِيطِ أَيْ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَلِيلِ الْجَرَادِ، وَكَثِيرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَمْلُوكِ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْحُرِّ ثُمَّ رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ: وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رحمه الله فِي مُحْرِمٍ أَشَارَ فِي جَرَادٍ، وَلَمْ يَكُونُوا رَأَوْهَا إلَّا مِنْ دَلَالَتِهِ فَأَخَذُوهَا فَعَلَى الدَّالِّ بِكُلِّ جَرَادَةٍ تَمْرَةٌ إلَّا إنْ بَلَغَ ذَلِكَ دَمًا فَعَلَيْهِ دَمٌ. اهـ.
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ أَيْضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ الْوَاجِبِ فِيهِ التَّصَدُّقُ بِمَا شَاءَ وَبَيْنَ كَثِيرِهِ الْوَاجِبِ فِيهِ نِصْفُ صَاعٍ هَلْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْقَمْلِ أَوْ لَا وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ: فَيَنْبَغِي إلَخْ فَلَا اسْتِدْرَاكَ، وَقَدْ رَاجَعْته فَلَمْ أَرَهُ.
(قَوْلُهُ: وَأَرَادَ بِالسَّبُعِ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فَكَانَ عَدَمُ التَّخْصِيصِ أَوْلَى إذْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي الرِّوَايَاتِ اتِّفَاقًا، وَمِنْهُ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ لَا مَا لَا يُدْرَكُ بِهِ (قَوْلُهُ: عَادٍ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْعُدْوَانِ عَلَى وَزْنِ قَاضٍ وَاَلَّذِي فِي النُّسَخِ عَادِي بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَالْأَصْوَبُ حَذْفُهَا (قَوْلُهُ: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ إذَا صَالَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْحُرِّ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، وَقَوْلُنَا الْعَاقِلُ نَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّ الْمَجْنُونَ الْحُرَّ إذَا صَالَ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ تَجِبُ دِيَتُهُ، وَإِذَا كَانَ عَبْدًا تَجِبُ قِيمَتُهُ كَالْبَعِيرِ، وَقَوْلُنَا الْبَالِغُ نَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ الصَّبِيِّ فَإِذَا كَانَ الصَّائِلُ صَبِيًّا حُرًّا تَجِبُ دِيَتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا تَجِبُ قِيمَتُهُ، وَلَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ لِانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ كَالْمَجْنُونِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمَجْنُونُ أَوْ الْبَعِيرُ الْمُغْتَلِمُ صَالَ عَلَى إنْسَانٍ لِيَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ وَدِيَةَ الْمَجْنُونِ. اهـ.
وَفِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ شَهَرَ الْمَجْنُونُ عَلَى غَيْرِهِ سِلَاحًا فَقَتَلَهُ الْمَشْهُورُ عَلَيْهِ عَمْدًا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ، وَعَلَى هَذَا الصَّبِيِّ وَالدَّابَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي عَلَيْهِ قِيمَتَانِ) أَقُولُ: هَذَا إذَا كَانَ غَيْرَ صَائِلٍ أَمَّا الصَّائِلُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى تَأَمَّلْ.
كَانَ مُحْرِمًا قِيمَةٌ لِمَالِكِهِ مُطْلَقًا، وَقِيمَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَا تُجَاوِزُ قِيمَةَ شَاةٍ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ بِخِلَافِ الْمُضْطَرِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الصَّيْدِ لِلْمَخْمَصَةِ فَذَبَحَهُ، وَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ مُقَيَّدٌ بِالْكَفَّارَةِ بِالنَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ} [البقرة: 196] الْآيَةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَأَرَادَ بِالشَّاةِ هُنَا أَدْنَى مَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَهُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ.
(قَوْلُهُ: وَلِلْمُحْرِمِ ذَبْحُ شَاةٍ وَبَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ وَدَجَاجَةٍ وَبَطٍّ أَهْلِيٍّ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصُيُودٍ، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ، وَقَيَّدَ الْبَطَّ بِالْأَهْلِيِّ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْمَسَاكِنِ وَالْحِيَاضِ؛ لِأَنَّهُ أَلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ احْتِرَازًا عَنْ الَّذِي يَطِيرُ فَإِنَّهُ صَيْدٌ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ قَالَ الشَّارِحُ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْجَوَامِيسُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فَإِنَّهُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ وَحْشِيٌّ، وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ. اهـ.
وَفِي الْمَجْمَعِ: وَلَوْ نَزَا ظَبْيٌ عَلَى شَاةٍ يُلْحَقُ وَلَدُهَا بِهَا يَعْنِي فَلَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْوَلَدِ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْأَصْلُ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِذَبْحِ حَمَامٍ مُسَرْوَلٍ وَظَبْيٍ مُسْتَأْنَسٍ) لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلتَّوَحُّشِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَلَا عِبْرَةَ لِلْعَارِضِ وَالْحَمَامُ مُتَوَحِّشٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ مُمْتَنِعٌ بِطَيَرَانِهِ، وَإِنْ كَانَ بَطِيءَ النُّهُوضِ، وَالِاسْتِئْنَاسُ عَارِضٌ وَاشْتِرَاطُ ذَكَاةِ الِاخْتِيَارِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلْعَجْزِ، وَقَدْ زَالَ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ حَمَامٌ مُسَرْوَلٌ فِي رِجْلَيْهِ رِيشٌ كَأَنَّهُ سَرَاوِيلُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْحَمَامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ فِيهِ خِلَافَ مَالِكٍ وَلْيُفْهَمْ غَيْرُهُ بِالْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ذَبَحَ مُحْرِمٌ صَيْدًا حَرُمَ) أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، وَهَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ فَلَا يَكُونُ ذَكَاةً كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ فَأَفَادَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ ذَبَحَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مَيْتَةً أَيْضًا كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا وَاخْتَلَفَتْ الْعِبَارَاتُ فِيمَا إذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ هَلْ يَذْبَحُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلَهُ أَوْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ مِنْ الصَّيْدِ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَيْتَةِ أَغْلَظُ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ فَهِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِهِ بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْمَيْتَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْصِدَ أَخَفَّ الْحُرْمَتَيْنِ دُونَ أَغْلَظِهِمَا، وَالصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ لَكِنْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَرْتَفِعُ الْحَظْرَ فَيَقْتُلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ. اهـ. وَالْمُرَادُ بِالْقَتْلِ الذَّبْحُ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُحْرِمُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ وَصَيْدٍ فَالْمَيْتَةُ أَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْحَسَنُ يَذْبَحُ الصَّيْدَ، وَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَذْبُوحًا فَالصَّيْدُ أَوْلَى عِنْدَ الْكُلِّ، وَلَوْ وُجِدَ لَحْمُ صَيْدٍ، وَلَحْمُ آدَمِيٍّ كَانَ ذَبْحُ الصَّيْدِ أَوْلَى، وَلَوْ وَجَدَ صَيْدًا أَوْ كَلْبًا فَالْكَلْبُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي الصَّيْدِ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَيْنِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ الصَّيْدُ أَوْلَى مِنْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ. اهـ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى لِمَا أَنَّ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ ارْتِكَابَ حُرْمَتَيْنِ الْأَكْلُ وَالْقَتْلُ، وَفِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ ارْتِكَابُ حُرْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأَكْلُ، وَكَوْنُ الْحُرْمَةِ تَرْتَفِعُ لَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمَجْمَعِ: وَالْمَيْتَةُ أَوْلَى مِنْ الصَّيْدِ لِلْمُضْطَرِّ وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ رِوَايَةَ تَقْدِيمِ الْمَيْتَةِ رِوَايَةُ الْمُنْتَقَى وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ صَيْدًا حَيًّا، وَمَالَ مُسْلِمٍ يَأْكُلُ الصَّيْدَ لَا مَالَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَالُ حَرَامٌ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَكَانَ التَّرْجِيحُ لِحَقِّ الْعَبْدِ لِافْتِقَارِهِ، وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مَنْ وَجَدَ طَعَامَ الْغَيْرِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، وَهَكَذَا عَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ وَبِشْرٍ أَنَّ الْغَضَبَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ هُوَ بِالْخِيَارِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَغَرِمَ بِأَكْلِهِ لَا مُحْرِمٌ آخَرُ) لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَهِيَ أَنَّ حُرْمَتَهُ عَلَى الذَّابِحِ مِنْ جِهَتَيْنِ كَوْنُهُ مَيْتَةً وَتَنَاوُلُهُ مَحْظُورٌ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ هُوَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَا يُعْرَفُ مِنْهُ مُسْتَأْنَسٌ عِنْدَهُمْ) أَيْ فَإِذَا أَحْرَمَ أَحَدُهُمْ فَمَا دَامَ فِي بِلَادِهِ فَهُوَ صَيْدٌ فِي حَقِّهِ فَإِذَا خَرَجَ إلَى بِلَادٍ يَسْتَأْنِسُ فِيهَا حَلَّ لَهُ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْ فَهُوَ مَيْتَةٌ) ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ لَيْسَ مَيْتَةً حَقِيقَةً بَلْ حُكْمًا مُسْتَدِلًّا بِمَا يَأْتِي مِنْ تَقْدِيرِ الصَّيْدِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَجَعَلَ لِذَلِكَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقُدُورِيِّ فَهُوَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ (قَوْلُهُ: وَأَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مُضْطَرًّا أَوْ لَا) ، وَكَذَا شَمَلَ مَا لَوْ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ مُكْرَهًا قَالَ فِي اللُّبَابِ إذَا أَكْرَهَ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَإِنْ أَكْرَهَ حَلَالٌ مُحْرِمًا فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ، وَلَوْ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَإِنْ أَكْرَهَ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ إنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَى الْمُحْرِمُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَعَلَى الْحَلَالِ نِصْفُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي صَيْدِ الْحِلِّ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَإِنْ كَانَا حَلَالَيْنِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ إنْ تَوَعَّدَهُ بِقَتْلٍ كَانَ الْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ، وَإِنْ تَوَعَّدَهُ بِحَبْسٍ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَأْمُورِ الْقَاتِلِ خَاصَّةً. اهـ. وَبَيَانُهُ فِي شَرْحِهِ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى) أَيْ تَرْجِيحُ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْفَتَاوَى الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا قَدَّمَهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ أَوْلَى مِنْ الْمَيْتَةِ (قَوْلُهُ: وَيُجِيزُهُ لَهُ مُكَفِّرًا) يَعْنِي قَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ الْمُضْطَرِّ أَنْ يَصِيدَ وَيَأْكُلَ وَيُكَفِّرَ، وَهَذَا أَهْوَنُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجْبُرُهُ، وَلَا جَابِرَ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ.
الَّذِي أَخْرَجَ الصَّيْدَ عَنْ الْحِلِّيَّةِ وَالذَّابِحِ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ فَأُضِيفَتْ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ إلَى إحْرَامِهِ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَهُ، وَأَمَّا الْمُحْرِمُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَيْتَةً فَلَمْ يَتَنَاوَلْ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ سِوَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُهُمَا بِعَدَمِ الْفَرْقِ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ أَوْ بَعْدَهُ لَكِنْ إنْ كَانَ قَبْلَهُ دَخَلَ ضَمَانُ مَا أَكَلَ فِي ضَمَانِ الصَّيْدِ فَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ بِانْفِرَادِهِ، وَقَيَّدَ بِأَكْلِ الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَوْ ذَبَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ لِفَوَاتِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِالْحَرَمِ لِلصَّيْدِ لَا لِلَحْمِهِ، وَقَيَّدَ بِأَكْلِهِ أَيْ أَكْلِ لَحْمِهِ؛ لِأَنَّ مَأْكُولَ الْمُحْرِمِ لَوْ كَانَ بَيْضَ صَيْدٍ بَعْدَ مَا كَسَرَهُ، وَأَدَّى جَزَاءَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ وَبَعْدَ الْكَسْرِ انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيُكْرَهُ بَيْعُهُ فَإِنْ بَاعَهُ جَازَ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي الْفِدَاءِ إنْ شَاءَ، وَكَذَا شَجَرُ الْحَرَمِ وَاللَّبَنِ. اهـ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَأْكُولَهُ لَوْ كَانَ لَحْمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ مَا أَكَلَ بِالْأَوْلَى، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ، وَأَرَادَ بِالْأَكْلِ الِانْتِفَاعَ بِلَحْمِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَطْعَمَهُ لِكِلَابِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ، وَفِي الْمُحِيطِ مُحْرِمٌ وَهَبَ لِمُحْرِمٍ صَيْدًا فَأَكَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْآكِلِ ثَلَاثَةُ أَجْزِيَةٍ قِيمَةٌ لِلذَّبْحِ، وَقِيمَةٌ لِلْأَكْلِ الْمَحْظُورِ، وَقِيمَةٌ لِلْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً، وَعَلَى الْوَاهِبِ قِيمَتُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَلَى الْآكِلِ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِلْوَاهِبِ، وَقِيمَةٌ لِلذَّبْحِ، وَلَا شَيْءَ لِلْأَكْلِ عِنْدَهُ. اهـ.
وَهُوَ صَرِيحٌ فِي لُزُومِ قِيمَتَيْنِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ لَهُ لَحْمُ مَا صَادَهُ حَلَالٌ وَذَبَحَهُ إنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِصَيْدِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «حِينَ اصْطَادَ، وَهُوَ حَلَالٌ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَتَى بِهِ لِمَنْ كَانَ مُحْرِمًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ عليه السلام لَمْ يُجِبْ بِحِلِّهِ لَهُمْ حَتَّى سَأَلَهُمْ عَنْ مَوَانِعِ الْحِلِّ أَكَانَتْ مَوْجُودَةً أَمْ لَا فَقَالَ: عليه السلام هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا قَالُوا لَا فَقَالَ: كُلُوا» إذًا فَدَلَّ عَلَى حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ، وَلَوْ صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الْمَوَانِعِ أَنْ يُصَادَ لَهُمْ لَنَظَمَهُ فِي سِلْكِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ مِنْهَا قَيَّدَ بِعَدَمِ الدَّلَالَةِ وَالْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْمُحْرِمِ لِلْحَلَالِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُهُ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ تَحْرِيمَهُ، وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَا يَحْرُمُ وَغَلَّطَهُ الْقُدُورِيُّ وَاعْتَمَدَ رِوَايَةَ الطَّحَاوِيِّ وَظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي حُرْمَةِ الصَّيْدِ عَلَى الْحَلَالِ بِدَلَالَةِ الْمُحْرِمِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْكُتُبِ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لِلصَّيْدِ لَا عَلَى الصَّائِدِ الْحَلَالِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عَطْفَهُمْ الْأَمْرَ عَلَى الدَّلَالَةِ هُنَا يُفِيدُ أَنَّهُ غَيْرُهَا، وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْفَصْلِ فَرَاجِعْهُ.
(قَوْلُهُ: وَبِذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ قِيمَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا لَا صَوْمٌ) أَيْ وَتَجِبُ قِيمَةٌ بِذَبْحِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهَا، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ اسْتَحَقَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا فَأَفَادَ حُرْمَةَ التَّنْفِيرِ فَالْقَتْلُ أَوْلَى وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الصَّيْدُ فَصَارَ كَغَرَامَةِ الْأَمْوَالِ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الضَّمَانَ ثَمَّةَ جَزَاءُ الْفِعْلِ لَا جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَالصَّوْمُ يَصْلُحُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ) التَّقْيِيدُ بِأَدَاءِ الْجَزَاءِ كَمَا وَقَعَ فِي الْفَتْحِ اتِّفَاقِيٌّ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَرَّ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ اعْلَمْ أَنَّهُ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَصَاحِبِ الْإِيضَاحِ وَالْبَحْرِ الزَّاخِرِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ ذَبْحَ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ يَجْعَلُهُ مَيْتَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ، وَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخِلَافٍ وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ تَنْزِيهًا، وَفِي اخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا ذَبَحَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَقَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: الْكَرْخِيُّ هُوَ مَيْتَةٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ مُبَاحٌ. اهـ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ اللُّبَابِ إذَا ذَبَحَ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فَذَبِيحَتُهُ مَيْتَةٌ عِنْدَنَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا لَهُ، وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ سَوَاءٌ اصْطَادَهُ هُوَ أَيْ ذَابِحُهُ أَوْ غَيْرُهُ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ، وَلَوْ فِي الْحِلِّ فَلَوْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ الذَّابِحُ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْهُ غَيْرُ الذَّابِحِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَكَلَ الْحَلَالُ مِمَّا ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ بَعْدَ الضَّمَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْأَكْلِ، وَلَوْ اصْطَادَ حَلَالٌ فَذَبَحَ لَهُ مُحْرِمٌ أَوْ اصْطَادَ مُحْرِمٌ فَذَبَحَ لَهُ حَلَالٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ) أَيْ تَحْتَ قَوْلِ الْمَتْنِ، وَهُوَ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي مَقْتَلِهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ فَاسِدَةً) رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ الْعَلَائِيُّ فَرَاجِعْهُ. اهـ.
قُلْتُ: وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ هُنَا بَاطِلَةٌ لَا يَمْلِكُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَرَجَتْ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ كَمَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَطَلَ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا أَوْ شِرَاؤُهُ تَأَمَّلْ.
كَفَّارَةٌ لَهُ وَلِصَرِيحِ النَّصِّ {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} [المائدة: 95] ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى نَفْيِ الصَّوْمِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْهَدْيَ جَائِزٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ مَا جَنَى؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ كَانَتْ بِالْإِرَاقَةِ، وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ مَا فَعَلَ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ لَا تُجْزِئُهُ الْإِرَاقَةُ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ قَبْلَ الذَّبْحِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الصَّيْدِ فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ تَكْفِيهِ الْإِرَاقَةُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ يَتَصَدَّقُ بِتَمَامِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا إذَا سُرِقَ الْمَذْبُوحُ فَعَلَى الظَّاهِرِ لَا يَجِبُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ تَجِبُ الْإِقَامَةُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالْحَلَالِ لِيُفِيدَ أَنَّ حُكْمَ الْمُحْرِمِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ كَحُكْمِ الْحَلَالِ بِالْأَوْلَى وَالْقِيَاسُ أَنْ يَلْزَمَهُ جَزَاءَانِ لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ فِي الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْإِحْرَامِ أَقْوَى لِتَحْرِيمِهِ الْقَتْلَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَاعْتُبِرَ الْأَقْوَى وَأُضِيفَتْ الْحُرْمَةُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا وَجَبَ الْجَزَاءُ بِهِ لَا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا شَجَرُ الْحَرَمِ وَحَشِيشُهُ فَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ تَلْزَمُهُ قِيمَةٌ يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي صَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي الْحَرَمِ، وَقَيَّدَ بِذَبْحِ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ دَلَّ إنْسَانًا عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ الْمَدْلُولُ مُحْرِمًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ دَلَالَةِ الْمُحْرِمِ وَدَلَالَةِ الْحَلَالِ أَنَّ الْمُحْرِمَ الْتَزَمَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ بِالْإِحْرَامِ فَلَمَّا دَلَّ تَرَكَ مَا الْتَزَمَهُ فَضَمِنَ كَالْمُودِعِ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى الْوَدِيعَةِ، وَلَا الْتِزَامَ مِنْ الْحَلَالِ فَلَا ضَمَانَ بِهَا كَالْأَجْنَبِيِّ إذَا دَلَّ السَّارِقَ عَلَى مَالِ إنْسَانٍ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاءُ الْفِعْلِ وَالدَّلَالَةُ فِعْلٌ، وَعَلَى الْحَلَالِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَفِي الدَّلَالَةِ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمَحَلِّ شَيْءٌ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ تَقْيِيدَ الضَّمَانِ بِالذَّبْحِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ آخِرَ الْفَصْلِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَمَنْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ يَرُدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ فَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ أَمْنَهُ بِالْإِخْرَاجِ فَمَا لَمْ يُعِدْهُ إلَى مَأْمَنِهِ بِإِرْسَالِهِ فِي الْحَرَمِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ. اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذَّبْحِ إتْلَافُهُ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَلَا فَرْقَ فِي الْإِتْلَافِ بَيْنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّسَبُّبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ التَّسَبُّبُ عُدْوَانًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صَيْدِ الْمُحْرِمِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ هُنَا: وَلَوْ أَدْخَلَ الْمُحْرِمُ بَازِيًا فَأَرْسَلَهُ فَقَتَلَ حَمَامَ الْحَرَمِ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ وَاجِبًا، وَمَا قَصَدَ الِاصْطِيَادَ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا فِي السَّبَبِ بَلْ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ فَلَا يَضْمَنُ. انْتَهَى. فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ يُضْمَنُ بِالْمُبَاشَرَةِ وَبِالتَّسَبُّبِ وَوَضْعِ الْيَدِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَيْدِ الْحَرَمِ فَتَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا كَمَا سَيَأْتِي صَرِيحًا فِي الْكِتَابِ وَالصَّيْدُ يُضْمَنُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا وَيُزَادُ عَلَيْهَا رَابِعٌ، وَهُوَ الْإِعَانَةُ عَلَى قَتْلِهِ حَتَّى لَوْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ حَقِيقَةً صَيْدٌ فَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِحُكْمِ جُزْءِ صَيْدِ الْحَرَمِ كَبَيْضِهِ وَلَبَنِهِ، وَلَعَلَّهُ لِفَهْمِهِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْجُزْءَ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ فَإِذَا كَسَرَ بَيْضَ صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ جَرَحَهُ ضَمِنَ ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّ جِرَاحَتَهُ مَضْمُونَةٌ فَقَالَ: حَلَالٌ جَرَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ شَعْرٍ أَوْ بَدَنٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحَةِ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَتْهُ الْجِرَاحَةُ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ مَاتَ وَتَمَامُ تَفَارِيعِهِ فِيهِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَالصَّائِدُ فِي الْحِلِّ أَوْ عَكْسِهِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِهِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: ثُمَّ الصَّيْدُ إنَّمَا يَصِيرُ آمِنًا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ بِإِحْرَامِ الصَّائِدِ وَبِدُخُولِ الصَّيْدِ الْحَرَمَ وَبِدُخُولِ الصَّائِدِ فِي الْحَرَمِ، وَفِي الْأَخِيرِ خِلَافُ زُفَرَ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ الدَّاخِلَ لِلْحَرَمِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاصْطِيَادُ مُطْلَقًا كَمَا يَحْرُمُ بِالْإِحْرَامِ وَالْعِبْرَةُ لِقَوَائِمِ الصَّيْدِ لَا لِرَأْسِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: كَحُكْمِ الْحَلَالِ) أَيْ فِي وُجُوبِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا (قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَيْدٌ احْتِرَازِيٌّ) أَيْ التَّقْيِيدُ بِالْحَلَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ مُخَيَّرٌ كَمَا مَرَّ مَتْنًا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ بِخِلَافِ الْحَلَالِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ كَمَا عَلِمْت، وَفِي عَزْوِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَى الْهِدَايَةِ إيهَامٌ أَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ هُنَا، وَفِي اللُّبَابِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَلَالِ وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ. اهـ.
نَعَمْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ أَوَّلَ الْفَصْلِ مُطْلَقَةٌ يُمْكِنُ تَقْيِيدُهَا بِصَيْدِ الْمُحْرِمِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَلِذَا لَمْ يَعْزُ إلَيْهَا، وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ قَالَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ: إنَّ الْإِطْعَامَ يُجْزِئُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَا يَجُوزُ الصَّوْمُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يُجْزِئُ، وَفِي الْمُخْتَلِفِ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ بِالْإِجْمَاعِ قَالَ صَاحِبُ الْمَجْمَعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّوْمِ عَنْ زُفَرَ رِوَايَتَانِ فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ رِوَايَةً ثُمَّ هَذَا فِي الْحَلَالِ أَمَّا الْمُحْرِمُ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ وَالْهَدْيُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اجْتَمَعَ حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ وَالْحَرَمِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَجَبَ اعْتِبَارُ أَقْوَاهُمَا، وَهُوَ الْإِحْرَامُ فَأُضِيفَ إلَيْهِ وَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامَهُ ضَرُورَةً وَبِهِ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْقُدُورِيِّ فَقَالَ: أَمَّا الْمُحْرِمُ إذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ تَتَأَدَّى كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ. اهـ وَتَمَامُهُ فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ تَقْيِيدَ الضَّمَانِ بِالذَّبْحِ إلَخْ) نَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ بِتَقْدِيرِهِ يُسْتَغْنَى عَمَّا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ. اهـ.
أَيْ فَالْمُرَادُ التَّقْيِيدُ بِقَرِينَةِ مَا يُصَرِّحُ بِهِ بَعْدُ، وَإِلَّا تَكَرَّرَ
أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحَرَمِ وَبَعْضُهَا فِي الْحِلِّ وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ لِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ فِي الْحِلِّ وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَائِمٍ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ مِنْ الْحِلِّ فِي الْحِلِّ غَيْرَ أَنَّ مَمَرَّ السَّهْمِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَلْبِ وَالْبَازِي إذَا أَرْسَلَهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَهَلْ الْمُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ أَوْ الْإِصَابَةِ؟ . فَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَنَفَرَ الصَّيْدُ وَوَقَعَ السَّهْمُ فِي الْحَرَمِ قَالَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَعْلَمُ. اهـ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ مِثْلَهُ فِي آخِرِ الْمَنَاسِكِ وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ لِلنَّهْيِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِالذَّكَاةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، وَعَلَى هَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ. اهـ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَيُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ، وَفِي فَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ وَيُكْرَهُ أَكْلُهُ. اهـ.
وَبِمَا ذَكَرْنَا عُلِمَ أَنَّ الصَّيْدَ لَوْ كَانَ عَلَى أَغْصَانِ شَجَرَةٍ مُتَدَلِّيَةٍ فِي الْحَرَمِ، وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ فَإِنْ قَتَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الصَّيْدِ مَكَانُهُ لَا أَصْلُهُ، وَفِي حُرْمَةِ قَطْعِ الشَّجَرَةِ الْعِبْرَةُ لِلْأَصْلِ لَا لِلْأَغْصَانِ؛ لِأَنَّ الْأَغْصَانَ تَبَعٌ لِلشَّجَرَةِ، وَلَيْسَ الصَّيْدُ تَبَعًا لَهَا، وَهَكَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ أَنْ يَكُونَ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْكَوْنُ فِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَائِرًا فِي الْحَرَمِ، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهُ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ، وَهَوَاءُ الْحَرَمِ كَالْحَرَمِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَا إذَا رَمَى حَلَالٌ إلَى صَيْدٍ فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ أَوْ عَكْسُهُ فَصَرَّحُوا فِي آخِرِ الْجِنَايَاتِ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ وَقْتُ الرَّمْيِ، وَهُنَا فُرُوعٌ لَمْ أَرَهَا صَرِيحًا فِي كَلَامِ أَئِمَّتِنَا، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِخْرَاجُهَا مِنْهُ.
مِنْهَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا فَهَلَكَ فِي حَالِ هَرَبِهِ وَنِفَارِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ حَتَّى يَسْكُنَ، وَمِنْهَا لَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَمَاتَ مِنْ صِيَاحِهِ يَضْمَنُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ عَلَى مَا إذَا صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ فَمَاتَ، وَمِنْهَا مَا لَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فَنَفَذَ فِيهِ السَّهْمُ فَأَصَابَ صَيْدًا آخَرَ فَقَتَلَهُمَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ جَزَاءَانِ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي هَذَا الْبَابِ سَوَاءٌ، وَهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِحُكْمِ جُزْءِ صَيْدِ الْحَرَمِ إلَخْ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَلَالِ قَالَ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ هَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي مَتْنِ النُّقَايَةِ حَيْثُ قَالَ: وَكَذَا ذَبْحُ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ أَوْ حَلْبُهُ قَالَ: الشُّرَّاحُ أَيْ حَلْبُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ اللَّبَنِ. اهـ.
قُلْتُ: وَكَذَا فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ) تَقْيِيدُهُ بِحِلِّ التَّنَاوُلِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمَذْكُورَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ عِبَارَةَ الْبَدَائِعِ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ اسْتِحْسَانٌ وَسَيَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ التَّوْفِيقَ بِالْحَمْلِ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مَبْنِيًّا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْجَزَاءِ لَا حِلُّ التَّنَاوُلِ فَتَدَبَّرْ. وَعِبَارَةُ الْبَدَائِعِ هَكَذَا، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَأَتْبَعَهُ الْكَلْبُ فَأَخَذَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُرْسِلِ، وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ لِحَالَةِ الْإِرْسَالِ إذْ هُوَ السَّبَبُ لِلضَّمَانِ وَالْإِرْسَالُ وَقَعَ مُبَاحًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ فِعْلَ الْكَلْبِ ذَبْحٌ لِلصَّيْدِ، وَإِنَّهُ حَصَلَ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ آدَمِيٌّ إذْ فِعْلُ الْكَلْبِ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ فِعْلِ الْآدَمِيِّ.
وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَنَفَّرَ الصَّيْدَ فَوَقَعَ السَّهْمُ بِهِ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا أَعْلَمُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ كَمَا فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ وَخَاصَّةً عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ حَالَةُ الرَّمْيِ فِي الْمَسَائِلِ حَتَّى قَالَ فِيمَنْ رَمَى إلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَرْمِيُّ إلَيْهِ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَقَتَلَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ اعْتِبَارًا بِحَالَةِ الرَّمْيِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فَأَوْجَبُوا الْجَزَاءَ فِي الرَّمْيِ دُونَ الْإِرْسَالِ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْإِصَابَةِ بِمَجْرَى الْعَادَةِ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ يَقْطَعُ نِسْبَةَ الْأَثَرِ إلَيْهِ شَرْعًا فَبَقِيَتْ الْإِصَابَةُ مُضَافَةً إلَيْهِ شَرْعًا فِي الْأَحْكَامِ فَصَارَ كَأَنَّهُ ابْتَدَأَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا حَصَلَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْإِرْسَالِ وَالْأَخْذِ فِعْلُ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ، وَهُوَ الْكَلْبُ فَمَنَعَ إضَافَةَ الْأَخْذِ إلَى الْمُرْسِلِ. اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: مِنْهَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدَ إلَخْ) صَرَّحَ بِهَذَا وَبِالثَّالِثِ فِي اللُّبَابِ فِي أَوَائِلِ بَحْثِ الْجِنَايَةِ عَلَى الصَّيْدِ مَعَ فُرُوعٍ أُخَرَ فَرَاجِعْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ أَرْسَلَ بَازِيًا فِي الْحِلِّ فَدَخَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مُرْسِلِهِ الْحَرَمَ فَقَتَلَ صَيْدًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا عَلَى ذِئْبٍ فِي الْحَرَمِ أَوْ نَصَبَ لَهُ شَبَكَةً فَأَصَابَ الْكَلْبُ صَيْدًا أَوْ وَقَعَ فِي الشَّبَكَةِ صَيْدٌ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ أَيْ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ قَتْلُ الذِّئْبِ الَّذِي هُوَ حَلَالٌ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا. اهـ.
شَارِحٌ، وَلَوْ نَصَبَهَا لِلصَّيْدِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَلَوْ نَصَبَ خَيْمَةً فَتَعَلَّقَ بِهِ صَيْدٌ أَوْ حَفَرَ لِلْمَاءِ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمْسَكَ حَلَالٌ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَلَهُ فَرْخٌ فِي الْحَرَمِ فَمَاتَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا الْأُمَّ. اهـ
وَمِنْهَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدُ الْحَرَمِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ لَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّسَبُّبَ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدِّي لِلْمَاءِ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ لِلِاصْطِيَادِ يَضْمَنُ.
وَمِنْهَا لَوْ جَرَحَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ، وَمِنْهَا لَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، وَلَهُ فَرْخٌ فِي الْحَرَمِ فَمَاتَ الْفَرْخُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِلْفَرْخِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَقَدْ تَسَبَّبَ فِي مَوْتِهِ إنْ قُلْنَا إنَّ إمْسَاكَهُ. عَنْ فَرْخِهِ مَعْصِيَةٌ وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ، وَأَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ وَرَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ أَوْ كَانَ الْغُصْنُ فِي الْحَرَمِ وَالشَّجَرَةُ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ عَلَى الْغُصْنِ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الطَّائِرِ إذَا كَانَ عَلَى الْغُصْنِ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأُولَى وَضَمِنَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَمِنْهَا إذَا أَدْخَلَ شَيْئًا مِنْ الْجَوَارِحِ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا لَا بِصُنْعِهِ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يُرْسِلْهُ فَأَتْلَفَ ضَمِنَ، وَأَمَّا إذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْمُحِيطِ عَدَمَ الضَّمَانِ، وَمِنْهَا لَوْ رَأَى حَلَالٌ جَالِسٌ فِي الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ هَلْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعْدُوَ إلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فِي الْحِلِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّيْدَ يَصِيرُ آمِنًا بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَبْقَ وَاحِدٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَحَلَّ لَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي حِلِّ سَعْيِهِ فِي الْحَرَمِ مَعَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسَّعْيِ أَمْنٌ، وَفِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَمِقْدَارُ الْحَرَمِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَمِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، وَمِنْ الْجَانِبِ الثَّالِثِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا، وَمِنْ الْجَانِبِ الرَّابِعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا هَكَذَا قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يُعْرَفُ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ نَقْلًا. قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ: فِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ مِنْ الْجَانِبِ الثَّانِي مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ التَّنْعِيمُ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ. اهـ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ حَدَّهُ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ دُونَ التَّنْعِيمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْيَمَنِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَاتٍ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِالْمَقْطَعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعْرَانَةِ فِي شُعَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ جُدَّةَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنَّ عَلَيْهِ عَلَامَاتٍ مَنْصُوبَةً فِي جَمِيعِ جَوَانِبِهِ نَصَبَهَا إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عليه السلام، وَكَانَ جِبْرِيلُ يُرِيهِ مَوَاضِعَهَا ثُمَّ أُمِرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِتَجْدِيدِهَا ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ مُعَاوِيَةُ رضي الله عنهم، وَهِيَ إلَى الْآنَ بَيِّنَةٌ، وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ النَّوْبَرِيُّ فَقَالَ:
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طِيبَةَ
…
ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إذَا رُمْت إتْقَانَهُ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ
…
وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَةٌ
وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهَا
…
وَقَدْ كَمَّلْت فَاشْكُرْ لِرَبِّك إحْسَانَهُ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ مَكَّةَ مَعَ حَرَمِهَا هَلْ صَارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤَالِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام أَمْ كَانَتْ قَبْلَهُ كَذَلِكَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مَا زَالَتْ مُحَرَّمَةً مِنْ حِينِ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَدِينَةِ حَرَمٌ عِنْدَنَا فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ فِيهَا، وَقَطْعُ أَشْجَارِهَا، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا صَرِيحَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ كَمَكَّةَ، وَأَوَّلُهَا أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ التَّعْظِيمُ وَيَرُدُّهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إنِّي حَرَّمْت الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا تُقْطَعُ أَغْصَانُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا» فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ لَهَا حَرَمًا كَمَكَّةَ فَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَجَرِهَا، وَلَا الِاصْطِيَادُ فِيهَا وَالْأَحْسَنُ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ أَنَسٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَخٌ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ، وَكَانَ لَهُ نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا إذَا حَفَرَ بِئْرًا فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدُ الْحَرَمِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ، وَهِيَ وَيَنْبَغِي أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ أَوْ مَوَاتٍ لَا ضَمَانَ، وَإِلَّا ضَمِنَ (قَوْلُهُ: ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْهَا) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ مُوَافِقًا لِمَا فِي النَّهْرِ، وَفِي عِدَّةِ نُسَخٍ غَيْرِهَا بِدُونِ فَجَرَحَهُ وَالظَّاهِرُ مَا هُنَا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْحِلِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ مِمَّا مَرَّ فِيمَا لَوْ غَلَقَا الْبَابَ عَلَى صَيْدٍ فَمَاتَ عَطَشًا. اهـ.
قُلْتُ: وَكَذَا مِنْ مَسْأَلَةِ مَا لَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضِهِ ثُمَّ رَأَيْت الْمَسْأَلَةَ مُصَرَّحًا بِهَا فِي مَتْنِ اللُّبَابِ فَقَالَ: لَوْ مَاتَا ضَمِنَ الْفَرْخَ لَا الْأُمَّ (قَوْلُهُ: إنْ قُلْنَا إنَّ إمْسَاكَهُ عَنْ فَرْخِهِ مَعْصِيَةٌ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ الْحِلِّ بَدَلُ قَوْلِهِ عَنْ فَرْخِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِمَا قَدَّمَهُ أَنَّ السَّبَبَ كَالْمُبَاشَرَةِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عُدْوَانًا (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي الْحِلِّ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ فِي السِّرَاجِ لَوْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحَرَمِ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ فَهُوَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَوْ رَمَى إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَنَفَّرَ فَأَصَابَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَلَوْ أَصَابَهُ فِي الْحِلِّ، وَمَاتَ فِي الْحَرَمِ يَحِلُّ أَكْلُهُ قِيَاسًا وَيُكْرَهُ اسْتِحْسَانًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا لَوْ رَأَى حَلَالٌ جَالِسٌ فِي الْحَرَمِ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي الْجَوَازِ إذْ لَا مَنْعَ ثَمَّةَ. (قَوْلُهُ: وَمَنْ يَمَنٍ سَبْعٌ إلَى آخِرِ الْبَيْتِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة وَلَوْ قِيلَ، وَمِنْ يَمَنٍ سَبْعُ عِرَاقٍ وَطَائِفٍ وَجُدَّةَ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَةُ لَاسْتَغْنَى عَنْ الْبَيْتِ الثَّالِثِ.
النُّغَيْرُ فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» ، وَلَوْ كَانَ لِلْمَدِينَةِ حَرَمٌ لَكَانَ إرْسَالُهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَلَأَنْكَرَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي إمْسَاكِهِ، وَلَا يُمَازِحُهُ، وَأَجَابَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي أَنَّ لَهَا حَرَمًا أَنَّهَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى؛ لِأَنَّ الشَّجَرَ لِلْمَدِينَةِ أَمْرٌ تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لَا يُقْبَلُ إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَاشْتُهِرَ نَقْلُهُ فِيمَا عَمَّ بِهِ الْبَلْوَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ أَرْسَلَهُ) أَيْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ إذْ هُوَ صَارَ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَاسْتَحَقَّ الْأَمْنَ أَرَادَ بِهِ مَا إذَا دَخَلَ بِهِ، وَهُوَ مُمْسِكٌ لَهُ بِيَدِهِ الْجَارِحَةِ؛ لِأَنَّهُ سَيُصَرِّحُ بِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ، وَفِي بَيْتِهِ أَوْ فِي قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يُرْسِلُهُ فَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ، وَمَعَهُ صَيْدٌ فِي قَفَصِهِ لَا فِي يَدِهِ لَا يُرْسِلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ حَقِيقَةً أَوْ دَخَلَ الْحَرَمِ كَذَلِكَ وَجَبَ إرْسَالُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ لَا يَجِبُ إرْسَالُهُ فِيهِمَا فَنَبَّهَ بِمَسْأَلَةِ دُخُولِ الْحَرَمِ هُنَا عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ وَنَبَّهَ بِمَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ الْآتِيَةِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَرَمِ، وَعَمَّمَ الدَّاخِلَ لِيَشْمَلَ الْحَلَالَ وَالْمُحْرِمَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ إرْسَالِهِ تَسْيِيبَهُ؛ لِأَنَّ تَسَيُّبَ الدَّابَّةِ حَرَامٌ بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِهَذَا الْإِرْسَالِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَلَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ، وَلَوْ أَخَذَهُ إنْسَانٌ يَسْتَرِدُّهُ، وَأَطْلَقَ فِي الصَّيْدِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ مِنْ الْجَوَارِحِ أَوْ لَا فَلَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ، وَمَعَهُ بَازِي فَأَرْسَلَهُ فَقَتَلَ حَمَامَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَهُ رَدَّ الْبَيْعَ إنْ بَقِيَ، وَإِنْ فَاتَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ وَذَلِكَ حَرَامٌ، وَلَزِمَهُ الْجَزَاءُ بِفَوْتِهِ لِتَفْوِيتِ الْأَمْنِ الْمُسْتَحَقِّ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ رَدَّ الْبَيْعَ إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ، وَأَطْلَقَ فِي بَيْعِهِ فَشَمَلَ مَا إذَا بَاعَهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالْإِدْخَالِ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ فَلَا يَحِلُّ إخْرَاجُهُ إلَى الْحِلِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الصَّيْدِ دَاخِلَ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الْحِلِّ وَالْمُتَبَايِعَانِ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنَعَهُ مُحَمَّدٌ قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ رَمْيِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِتَعَرُّضٍ لَهُ حِسًّا بَلْ حُكْمًا، وَلَيْسَ هُوَ بِأَبْلَغَ مِنْ أَمْرِهِ بِذَبْحِ هَذَا الصَّيْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَاهُ مِنْ الْحَرَمِ لِلِاتِّصَالِ الْحِسِّيِّ هَذَا مَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ، وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: لَوْ أَخْرَجَ ظَبْيَةً مِنْ الْحَرَمِ فَبَاعَهَا أَوْ ذَبَحَهَا أَوْ أَكَلَهَا جَازَ الْبَيْعُ وَالْأَكْلُ وَيُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مَمْلُوكٌ؛ لِأَنَّ قِيَامَ يَدِهِ عَلَى الصَّيْدِ، وَهُمَا فِي الْحِلِّ يُفِيدُ الْمِلْكَ لَهُ فِي الصَّيْدِ كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْيَدَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً إلَّا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ حَقًّا، وَهُوَ رَدُّهُ إلَى الْحَرَمِ لَكِنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ كَبَيْعِ مَالِ الزَّكَاةِ وَالْأُضْحِيَّةِ. اهـ.
فَقَوْلُهُ فِي الْمُخْتَصَرِ: فَإِنْ بَاعَهُ أَيْ الصَّيْدَ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ لَا مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْرَمَ، وَفِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ صَيْدٌ لَا يُرْسِلُهُ) أَيْ لَا يَجِبُ إطْلَاقُهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُحْرِمُونَ، وَفِي بُيُوتِهِمْ صُيُودٌ وَدَوَاجِنُ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ إرْسَالُهَا وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ الْفَاشِيَةُ، وَهِيَ مِنْ إحْدَى الْحُجَجِ؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَرِّضٍ مِنْ جِهَتِهِ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: بَلْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ) سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ يُودِعَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ بَاعَهُ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ قَفَصِهِ أَوْ مَنْزِلِهِ، وَلَا بَيْعُ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ، وَلَا شِرَاؤُهُمَا مِنْ مُحْرِمٍ، وَلَا حَلَالٍ فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَذْبُوحًا فِي الْإِحْرَامِ أَوْ الْحَرَمِ، وَلَوْ هَلَكَ الصَّيْدُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ حَلَالَيْنِ فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُمَا الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَا فِي الْحِلِّ فَعَلَى الْمُحْرِمِ مِنْهُمَا، وَلَوْ وَهَبَهُ لِمُحْرِمٍ فَهَلَكَ عِنْدَهُ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَضَمَانٌ لِصَاحِبِهِ أَيْ لِفَسَادِ الْهِبَةِ، وَلَوْ أَكَلَهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ ثَالِثٌ، وَعَلَى الْوَاهِبِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ فَبَاعَهُ فِي الْحِلِّ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ صَيْدَ الْحِلِّ الْحَرَمِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ، وَبَاعَهُ وَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا بِبَيْعِ صَيْدٍ جَازَ، وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا ثُمَّ أَحْرَمَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ أَيْضًا، وَلَوْ بَاعَ صَيْدًا لَهُ فِي الْحِلِّ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ جَازَ، وَلَكِنْ يُسَلِّمُهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ، وَلَوْ تَبَايَعَا صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَا فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ بَاعَ حَلَالَانِ صَيْدًا فَأَحْرَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَتَمَامُهُ فِيهِ وَسَيَأْتِي بَعْضُ هَذَا (قَوْلُهُ: إلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ) نَقَلَ التَّصْرِيحَ بِالْفَسَادِ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة عَنْ الْكَافِي وَالتَّبْيِينِ (قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ خِلَافُهُ إلَخْ) جَزَمَ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَا فِي الْمُحِيطِ ضَعِيفٌ مُوَافَقَةً لِرِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ أَنَّ ذَبْحَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِلَحْمِهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ سَوَاءٌ أَدَّى جَزَاءَهُ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ غَيْرَ أَنِّي أَكْرَهُ هَذَا الصُّنْعَ فَإِنْ بَاعَهُ وَاسْتَعَانَ بِقِيمَتِهِ فِي جَزَائِهِ جَازَ. اهـ.
وَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ يُسْتَفَادُ ضَعْفُهُ مِنْ كَلَامِ الْبَدَائِعِ مَعَ أَنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ فَقَالَ: وَلَوْ ذَبَحَ هَذَا الصَّيْدَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ أَوْ بَعْدَهُ كُرِهَ أَكْلُهُ تَنْزِيهًا، وَلَوْ اسْتَعَانَ بِثَمَنِهِ فِي الْجَزَاءِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِلْمُشْتَرِي. (قَوْلُهُ: فَإِنْ بَاعَهُ) أَيْ
؛ لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ بِالْبَيْتِ وَالْقَفَصِ لَا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَوْ أَرْسَلَهُ فِي مَفَازَةٍ فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْقَفَصِ لَا فِي يَدِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِ أَخْذِ الْمُصْحَفِ بِغِلَافِهِ لِلْمُحْدِثِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضِيعُ بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ أَوْ يُودِعَهُ عِنْدَ إنْسَانٍ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ فِي يَدِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِيرُ غَاصِبًا لَهُ بِغَصْبِ الْقَفَصِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ فِي بَيْتِهِ أَوْ قَفَصِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ الْجَارِحَةِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ اتِّفَاقًا فَلَوْ هَلَكَ، وَهُوَ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ مَالِكًا لَهُ لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِإِمْسَاكِهِ، وَفِي الْمُغْرِبِ شَاةٌ دَاجِنٌ أَلِفَتْ الْبُيُوتَ، وَعَنْ الْكَرْخِيِّ الدَّوَاجِنُ خِلَافُ السَّائِمَةِ. اهـ. فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَحْوُ الصَّقْرِ وَالشَّاهِينِ وَبِالدَّوَاجِنِ نَحْوُ الْغَزَالَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَ حَلَالٌ صَيْدًا فَأَحْرَمَ ضَمِنَ مُرْسِلُهُ) يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُرْسِلَ آمِرٌ بِالْمَعْرُوفِ نَاهٍ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَ {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91] ، وَلَهُ أَنَّهُ مَلَكَ الصَّيْدَ بِالْأَخْذِ مِلْكًا مُحْتَرَمًا فَلَا يَبْطُلُ احْتِرَامُهُ بِإِحْرَامِهِ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا قَالَ: فِي الْهِدَايَةِ وَنَظِيرُهُ الِاخْتِلَافُ فِي كَسْرِ الْمَعَازِفِ. اهـ.
وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِمَا هُنَا؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي عَدَمِ الضَّمَانِ بِكَسْرِ الْمَعَازِفِ. اهـ. وَهِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ، أَطْلَقَ فِي الْإِرْسَالِ فَشَمَلَ مَا إذَا أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ أَيْ مِنْ بَيْتِهِ لَكِنْ يَضْمَنُهُ فِي الثَّانِي اتِّفَاقًا كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ لِلْمَجْمَعِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَهُ مُحْرِمٌ لَا يَضْمَنُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ مُرْسِلُهُ مِنْ يَدِهِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فَصَارَ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كَذَا قَالُوا، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْمُحْرِمُ فَبَيْعُهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْجَبْرِيُّ فَيَمْلِكُهُ بِهِ كَمَا إذَا وَرِثَ مِنْ قَرِيبِهِ صَيْدًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ الْمُحْرِمُ فَأَخَذَهُ حَلَالٌ ثُمَّ حَلَّ مُرْسِلُهُ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ مُرْسِلُهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ ضَمِنَا وَرَجَعَ آخِذُهُ عَلَى قَاتِلِهِ) لِوُجُودِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا الْآخِذُ بِالْأَخْذِ وَالْقَاتِلُ بِالْقَتْلِ فَلَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءٌ كَامِلٌ وَرَجَعَ الْآخِذُ عَلَى الْقَاتِلِ بِمَا غَرِمَ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الضَّمَانِ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ بِالْأَخْذِ السَّابِقِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إظْهَارُهُ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ فَأَظْهَرْنَاهُ فِي بَدَلِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمِلْكِ فِي حَقِّ الرُّجُوعِ بِبَدَلِهِ كَمَنْ غَصَبَ مُدَبَّرًا، وَقَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِهِ يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْمُدَبَّرَ فَكَذَا هَذَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَمْلِكُ بِسَبَبٍ مَا وَالْمُحْرِمُ يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِسَبَبِ الْإِرْثِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِكَوْنِ الْقَاتِلِ مُحْرِمًا آخَرَ لِقَوْلِهِ ضَمِنَا فَإِنَّ الْقَاتِلَ لَوْ كَانَ حَلَالًا فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ لَكِنْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخِذُ بِمَا ضَمِنَ فَالرُّجُوعُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ نَصْرَانِيًّا أَوْ صَبِيًّا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الْآخِذُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْعِبَادِ دُونَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْقَاتِلِ آدَمِيًّا فَإِنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بَهِيمَةُ إنْسَانٍ فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَى الْآخِذِ وَحْدَهُ، وَلَا
ــ
[منحة الخالق]
الصَّيْدَ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ ضَمِيرٌ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الصَّيْدِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ لَا مُطْلَقًا أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْإِطْلَاقَ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، وَهَذَا حَمْلٌ لِكَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى مَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ قَالَ فِي النَّهْرِ، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ تُؤْذِنُ بِتَرْجِيحِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ: وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْقَفَصُ فِي يَدِهِ أَوْ فِي رَحْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنْ فِي يَدِهِ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُرْسِلَهُ فِي بَيْتٍ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ ابْنُ الْكَمَالِ فَقَالَ: وَمَنْ قَالَ: بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ فَكَأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ شُمُولِ الْمَسْأَلَةِ لِلْمُحْرِمِ الْمُسَافِرِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ، وَمَنْ قَالَ: أَوْ يُودِعَهُ فَكَأَنَّهُ غَافِلٌ عَنْ أَنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِ الْمُودَعِ كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ عَنْ الْحَمَوِيِّ قُلْتُ: دَفَعَهُ فِي النَّهْرِ فَقَالَ: وَأَفَادَ فِي فَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ يَدَ خَادِمِهِ كَرَحْلِهِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَنْعُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إيدَاعَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِإِرْسَالِهِ فَإِنَّ يَدَ الْمُودِعِ كَيَدِهِ فَهَلَّا كَانَتْ يَدُ خَادِمِهِ كَيَدِهِ (قَوْلُهُ: فَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ نَحْوُ الصَّقْرِ إلَخْ) حَمَلَ فِي النَّهْرِ الصُّيُودَ عَلَى الصُّيُودِ الْوَحْشِيَّاتِ وَالدَّوَاجِنَ عَلَى الْمُسْتَأْنَسَةِ ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ خَصَّ الصُّيُودَ بِالطُّيُورِ وَالدَّوَاجِنَ بِغَيْرِهَا لَا كَالْغَزَالَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ. اهـ. وَمُرَادُهُ التَّعْرِيضُ بِصَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِهِمَا) ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْبُرْهَانِ أَيْضًا قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة، وَفِي الْبُرْهَانِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ، وَهَذَا نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ أَتْلَفَ الْمَعَازِفَ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا السَّبَبُ الْجَبْرِيُّ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ لَكِنْ فِي السِّرَاجِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْمِيرَاثِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: فِي الصُّورَةِ الْأُولَى) وَهِيَ قَوْلُ الْمَتْنِ، وَلَوْ أَخَذَ حَلَالٌ وَالْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: وَلَوْ أَخَذَهُ مُحْرِمٌ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ تَعَذَّرَ إظْهَارُهُ) أَيْ إظْهَارُ الْمِلْكِ فِي الْمَضْمُونِ لِمَا مَرَّ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ
رُجُوعَ لِلْآخِذِ عَلَى أَحَدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ، وَأَطْلَقَ فِي الرُّجُوعِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ الْآخِذُ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَيَرْجِعُ الْآخِذُ بِالْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي النِّهَايَةِ لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْمُنْتَقَى أَنَّهُ إنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ الشَّارِحُ وَاخْتَارَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ أَوْ شَجَرَ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، وَلَا مِمَّا يُنْبِتُهُ النَّاسُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَّا فِيمَا جَفَّ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» ، وَالْخَلَا بِالْقَصْرِ الْحَشِيشُ وَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعُهُ وَالْعَضُدُ قَطْعُ الشَّجَرِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْخَلَا هُوَ الرَّطْبُ مِنْ الْكَلَأِ وَالشَّجَرِ اسْمٌ لِلْقَائِمِ الَّذِي بِحَيْثُ يَنْمُو فَإِذَا جَفَّ فَهُوَ حَطَبٌ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْعُشْبَ، وَالْخَلَا اسْمٌ لِلرَّطْبِ وَالْحَشِيشُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ، وَأَنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ الْحَشِيشَ عَلَى الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مَجَازًا وَسُمِّيَ الرَّطْبُ حَشِيشًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ. اهـ.
فَقَدْ أَفَادَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْمَنْسُوبُ إلَى الْحَرَمِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ عَلَى الْكَمَالِ عِنْدَ عَدَمِ النِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، قَيَّدَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مَمْلُوكٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِلْحَرَمِ بَلْ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِمَّا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَبَتَ بِبَذْرٍ وَقَعَ فِيهِ فَصَارَ كَمَا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَنْبَتَهُ النَّاسُ وَلِهَذَا يَحِلُّ قَطْعُ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ كَوْنُهُ مُثْمِرًا مَقَامَ إنْبَاتِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ إنْبَاتَ النَّاسِ فِي الْغَالِبِ لِلثَّمَرِ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ: وَلَوْ نَبَتَ شَجَرُ أُمِّ غَيْلَانَ بِأَرْضِ رَجُلٍ فَقَطَعَهُ آخَرُ لَزِمَهُ قِيمَتَانِ قِيمَةٌ لِلشَّرْعِ، وَقِيمَةٌ لِلْمَالِكِ كَالصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْإِحْرَامِ. اهـ.
وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ شَجَرًا غَيْرَ مَمْلُوكٍ الشَّجَرُ الَّذِي لَمْ يُنْبِتْهُ أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ لَا وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمِلْكَ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ إنَّمَا ذَكَرُوا مَا لَمْ يُنْبِتْهُ النَّاسُ فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّابِتَ فِي الْحَرَمِ أَمَّا إذْخِرٌ أَوْ غَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ سَيَسْتَثْنِيهِ، وَالثَّانِي عَلَى ثَلَاثَةٍ إمَّا أَنْ يَجِفَّ أَوْ يَنْكَسِرَ أَوْ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَقَدْ اسْتَثْنَى مَا جَفَّ أَيْ يَبِسَ وَيُلْحَقُ بِهِ الْمُنْكَسِرُ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَنْبَتَهُ النَّاسُ أَوْ لَا وَالْأَوَّلُ لَا شَيْءَ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ أَوْ لَا وَالثَّانِي إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْجَزَاءُ فَمَا فِيهِ الْجَزَاءُ هُوَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ، وَلَا مُنْكَسِرًا، وَلَا جَافًّا، وَلَا إذْخِرًا.
وَفِي الْمُحِيطِ: وَلَوْ قَطَعَ شَجَرَةً فِي الْحَرَمِ فَغَرِمَ قِيمَتَهَا ثُمَّ غَرَسَهَا مَكَانَهَا ثُمَّ نَبَتَتْ ثُمَّ قَلَعَهَا ثَانِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا بِالضَّمَانِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ إلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ هُنَا كَصَيْدِ الْحَرَمِ، وَأَطْلَقَ فِي الْقَاطِعِ فَشَمَلَ الْحَلَالَ وَالْمُحْرِمَ، وَقَيَّدَ بِالْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَقْلُوعِ ضَمَانٌ ذَكَرَهُ ابْنُ بُنْدَارٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ، وَأَشَارَ بِالضَّمَانِ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ كَمَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَيُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بَعْدَ الْقَطْعِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ ذَلِكَ لَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَيْهِ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ شَجَرٌ كَذَا قَالُوا، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ بَاعَهُ جَازَ لِلْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ لِلْقَاطِعِ تُؤَدِّي إلَى اسْتِئْصَالِ شَجَرِ الْحَرَمِ، وَفِي حَقِّ الْمُشْتَرِي لَا؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ النَّمَاءِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ وَبِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَدَّى قِيمَتَهُ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ شَجَرَ الْحَرَمِ يُمْلَكُ بِأَدَاءِ
ــ
[منحة الخالق]
بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفُ فَإِنْ قَطَعَ حَشِيشَ الْحَرَمِ) قَالَ فِي اللُّبَابِ، وَلَوْ حَشَّ الْحَشِيشَ فَإِنْ خَرَجَ مَكَانَهُ مِثْلُهُ سَقَطَ الضَّمَانُ، وَإِلَّا فَلَا. اهـ.
أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مَكَانَهُ مِثْلُهُ بَلْ أَخْلَفَ دُونَ الْأَوَّلِ لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ بَلْ كَانَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ، وَإِنْ جَفَّ أَصْلُهُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ شَرْحٌ (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ مَا أَنْبَتَهُ النَّاسُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ، وَلَا مِمَّا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ، وَإِغْنَاءُ أَحَدِ الْقَيْدَيْنِ عَنْ الْآخَرِ فَإِنَّ الثَّانِيَ يَشْمَلُ النَّابِتَ بِنَفْسِهِ وَالْمُسْتَنْبَتَ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ يَعْنِي قَوْلَهُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ إنَّمَا هُوَ لِإِخْرَاجِ مَا لَوْ أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ بِقَطْعِهِ لِمِلْكِهِ إيَّاهُ، وَلَا يَرِدُ مَا مَرَّ أَيْ عَنْ الْمُحِيطِ؛ لِأَنَّ الْمُتُونَ إنَّمَا هِيَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَإِنْ رَجَّحَ خِلَافَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَمَلُّكَ أَرْضَ الْحَرَمِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فَوُجُوبُ الْقِيمَتَيْنِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، وَهَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاظِرِينَ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ اسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ فِي الْبَحْرِ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَمْ يُنْبِتْهُ أَحَدٌ سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ لَا. اهـ.
وَفِيمَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِ الْفَتْحِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا الْجَوَابِ لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ النَّبِيهِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَمَّا لَوْ أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِهِمَا بِتَحَقُّقِ مِلْكِ الْحَرَمِ، وَمَا يُسْتَنْبَتُ فِيهِ لَا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: فَمَا فِيهِ الْجَزَاءُ هُوَ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ إلَخْ) أَيْ كَأُمِّ غَيْلَانَ سَوَاءٌ كَانَ مَمْلُوكًا بِأَنْ يَكُونَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لِأَحَدٍ أَوْ غَيْرِ مَمْلُوكٍ لُبَابٌ وَشَرْحُهُ (قَوْلُهُ: كَصَيْدِ الْحَرَمِ) أَيْ فِي حَقِّ الْحَلَالِ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ تَلْزَمُهُ قِيمَةٌ يُخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ كَمَا قَدَّمَهُ عَنْ الْهِدَايَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَبِذَبْحِ الْحَلَالِ صَيْدَ الْحَرَمِ قِيمَةٌ يَتَصَدَّقُ بِهَا لَا صَوْمٌ، وَقَدَّمْنَاهُ أَيْضًا عَنْ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنَّ بَيْعَهُ لَا يَجُوزُ) أَيْ لَا يَصِحُّ.
الْقِيمَةِ وَصَيْدَ الْحَرَمِ لَا يُمْلَكُ أَصْلًا، وَأَشَارَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِيمَا جَفَّ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَطَبٌ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ لَوْ نَبَتَ الشَّجَرُ بِأَرْضِ رَجُلٍ مَلَكَهُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى قَوْلِهِمَا أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُتَصَوَّرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ تَمَلُّكُ أَرْضِ الْحَرَمِ بَلْ هِيَ سَوَائِبُ عِنْدَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَرَادَ بِالسَّوَائِبِ الْأَوْقَافَ، وَإِلَّا فَلَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَصَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ قَوْلَهُمَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ، وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أُمِّ غَيْلَانَ نَبَتَتْ فِي الْحَرَمِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ قَطْعُهُ، وَلَوْ قَطَعَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِأَصْلِ الشَّجَرَةِ لَا لِأَغْصَانِهَا لَكِنْ قَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: الْأَغْصَانُ تَابِعَةٌ لِأَصْلِهَا وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا فِي الْحَرَمِ وَالْأَغْصَانُ فِي الْحِلِّ فَعَلَى قَاطِعِ أَغْصَانِهَا الْقِيمَةُ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي أَصْلِهَا، وَأَغْصَانِهَا. وَالثَّالِثُ بَعْضُ أَصْلِهَا فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَى الْقَاطِعِ الضَّمَانُ سَوَاءٌ كَانَ الْغُصْنُ مِنْ جَانِبِ الْحِلِّ أَوْ مِنْ جَانِبِ الْحَرَمِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَحَرُمَ رَعْيُ حَشِيشِ الْحَرَمِ، وَقَطْعُهُ إلَّا الْإِذْخِرَ) لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ «، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَطْعِ بِالْمَنَاجِلِ وَالْمَشَافِرِ وَالْمِنْجَلُ مَا يُحْصَدُ بِهِ الزَّرْعُ وَالْمِشْفَرُ لِلْبَعِيرِ كَالْحَجْلَةِ مِنْ الْفَرَسِ وَالشَّفَةِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَجَوَّزَ أَبُو يُوسُفَ رَعْيَهُ لِمَكَانِ الْحَرَجِ فِي حَقِّ الزَّائِرِينَ وَالْمُقِيمِينَ، وَأَجَابَا بِمَنْعِ الْحَرَجِ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْ الْحِلِّ مُتَيَسِّرٌ، وَلَئِنْ كَانَ فِيهِ حَرَجٌ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعٍ لَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَعَ النَّصِّ بِخِلَافِهِ فَلَا، وَأَمَّا الْإِذْخِرُ فَهُوَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ بِمَكَّةَ، وَقَدْ اسْتَثْنَاهُ عليه الصلاة والسلام بِالْتِمَاسِ الْعَبَّاسِ كَمَا عُرِفَ فِي الصَّحِيحِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ فِي قَلْبِهِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ إلَّا أَنَّ الْعَبَّاسَ سَبَقَهُ فَأَظْهَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِسَانِهِ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ. الثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِتَحْرِيمِ كُلِّ خَلَا مَكَّةَ إلَّا مَا يَسْتَثْنِيهِ الْعَبَّاسُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. الثَّالِثُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام عَمَّمَ الْمَنْعَ فَلَمَّا سَأَلَهُ الْعَبَّاسُ جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِرُخْصَةِ الْإِذْخِرِ فَاسْتَثْنَاهُ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صُورَةً تَخْصِيصٌ مَعْنًى وَالتَّخْصِيصُ الْمُتَرَاخِي عَنْ الْعَامِّ نَسْخٌ عِنْدَنَا وَالنَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ جَائِزٌ عِنْدَنَا. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْحَشِيشِ؛ لِأَنَّ الْكُمَاةَ مِنْ الْحَرَمِ يَجُوزُ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا؛ وَلِأَنَّهَا لَا تَنْمُو، وَلَا تَبْقَى فَأَشْبَهَتْ الْيَابِسَ مِنْ النَّبَاتِ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ صَيْدِ الْحَرَمِ وَشَجَرِهِ وَحَشِيشِهِ إلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ حِجَارَةِ الْحَرَمِ وَتُرَابِهِ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْحَرَمِ فَفِي الْحِلِّ أَوْلَى كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ نَقْلُ مَاءِ زَمْزَمَ إلَى سَائِرِ الْبِلَادِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ فَنَقَلَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَلَا شِرَاؤُهَا لَكِنَّ الْوَاقِعَ الْآنَ أَنَّ الْإِمَامَ أَذِنَ فِي إعْطَائِهَا لِبَنِي شَيْبَةَ عِنْدَ التَّجْدِيدِ وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ فَأَئِمَّتُنَا إنَّمَا مَنَعُوا مِنْ بَيْعِهَا؛ لِأَنَّهَا مَالُ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِيهِ لِلْإِمَامِ فَحَيْثُ جَعَلَهُ عَطَاءً لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ فَإِنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَهَكَذَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ: إنَّ الْأَمْرَ فِيهَا إلَى الْإِمَامِ يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا، وَعَطَاءً لِمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه كَانَ يَنْزِعُ كِسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ فَيَقْسِمُهَا عَلَى الْحَاجِّ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِي كِسْوَتِهَا لَتَلِفَتْ بِطُولِ الزَّمَانِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ تُبَاعُ كِسْوَتُهَا وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَلْبَسَ كِسْوَتَهَا مَنْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْ حَائِضٍ وَجُنُبٍ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَأَجَابَا بِمَنْعِ الْحَرَجِ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ احْتِيَاجَ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى حَشِيشِ الْحَرَمِ لِدَوَابِّهِمْ فَوْقَ احْتِيَاجِهِمْ إلَى الْإِذْخِرِ لِعَدَمِ انْفِكَاكِهَا مِنْهُ، وَأَمْرُهُمْ بِرَعْيِهَا خَارِجَ الْحَرَمِ فِي غَايَةِ الْمَشَقَّةِ إذْ أَقْرَبُ حَدِّ الْحَرَمِ جِهَةُ التَّنْعِيمِ، وَهُوَ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَالْجِهَاتُ الْأُخَرُ سَبْعَةٌ وَثَمَانِيَةٌ، وَعَشَرَةٌ فَلَوْ حُرِّمَ رَعْيُهُ لَحَرَجَ الرُّعَاةُ كُلَّ يَوْمٍ مَانِعِينَ لَهَا مِنْهُ إلَى إحْدَى الْجِهَاتِ فِي زَمَنٍ ثُمَّ عَادُوا فِي مِثْلِهِ، وَقَدْ لَا يَبْقَى مِنْ النَّهَارِ وَقْتٌ تَرْعَى فِيهِ الدَّوَابُّ إلَى أَنْ تَشْبَعَ عَلَى أَنَّ أَصْلَ جَعْلِ الْحَرَمَ إنَّمَا كَانَ لِيَأْمَنَ أَهْلُهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ رَعْيُ حَشِيشِهِ لِخُطِفُوا كَغَيْرِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ كَانَتْ الْعَرَبُ حَوْلَ مَكَّةَ يَغْزُو بَعْضُهُمْ بَعْضًا يَتَغَاوَرُونَ وَيَتَنَاهَبُونَ، وَأَهْلُ مَكَّةَ قَارُّونَ آمِنُونَ فِيهَا لَا يُغْزَوْنَ، وَلَا يُغَارُ عَلَيْهِمْ مَعَ قِلَّتِهِمْ، وَفِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» وَقَوْلِهِ، «وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» وَسُكُوتِهِ عَنْ نَفْيِ الرَّعْيِ إشَارَةٌ فِي جَوَازِهِ، وَلَوْ كَانَ الرَّعْيُ مِثْلَهُ لَبَيَّنَهُ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا لِيَلْحَقَ بِهِ دَلَالَةً إذْ الْقَطْعُ فِعْلُ مَنْ يَعْقِلُ وَالرَّعْيُ فِعْلُ الْعَجْمَاءِ، وَهُوَ جُبَارٌ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ، وَلَيْسَ فِي النَّصِّ دَلَالَةٌ عَلَى نَفْيِ الرَّعْيِ لِيَلْزَمَ مِنْ اعْتِبَارِ الْبَلْوَى مُعَارَضَتُهُ بِخِلَافِ الِاحْتِشَاشِ الَّذِي قَالَ بِهِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَنْ حَاشِيَةِ شَيْخِهِ عَلَى اللُّبَابِ.
أَقُولُ: وَفِي اللُّبَابِ وَلَا يَجُوزُ رَعْيُ الْحَشِيشِ، وَلَوْ ارْتَعَتْهُ دَابَّتُهُ حَالَةَ الْمَشْيِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ الْمَسَاوِيكِ مِنْ أَرَاكِ الْحَرَمِ وَسَائِرِ أَشْجَارِهِ
وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: لَا يَجُوزُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ طِيبِ الْكَعْبَةِ لَا لِلتَّبَرُّكِ، وَلَا لِغَيْرِهِ، وَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ إلَيْهَا فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدَهُ فَمَسَحَهَا بِهِ ثُمَّ أَخَذَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ:)(وَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُفْرِدِ بِهِ دَمٌ فَعَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ) أَيْ دَمٌ لِحَجَّتِهِ وَدَمٌ لِعُمْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ عِنْدَنَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ جَنَى عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ إحْرَامُ الْحَجِّ أَقْوَى مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ حَتَّى يَسْتَتْبِعَهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمُحْرِمِ إذَا قَتَلَ صَيْدَ الْحَرَمِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِلْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَيْنِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَحْرُمُ بِالْآخَرِ وَالتَّفَاوُتُ إنَّمَا هُوَ فِي أَدَاءِ الْأَفْعَالِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ التَّعَدُّدَ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ إدْخَالِ النَّقْصِ عَلَى الْعِبَادَتَيْنِ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ، وَأَرَادَ بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُفْرِدِ مَا كَانَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّ الْمُفْرِدَ إذَا تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِذَا تَرَكَهُ الْقَارِنُ لَا يَتَعَدَّدُ الدَّمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ، وَأَرَادَ بِالدَّمِ الْكَفَّارَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ دَمًا أَوْ صَدَقَةً فَإِذَا فَعَلَ الْقَارِنُ مَا يَلْزَمُ الْمُفْرِدَ بِهِ صَدَقَةٌ لَزِمَهُ صَدَقَتَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْوَلْوَالِجِيِّ فِي فَتَاوِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ كَفَّارَةَ جِنَايَةٍ أَوْ كَفَّارَةَ ضَرُورَةٍ فَإِذَا لَبِسَ أَوْ غَطَّى رَأْسَهُ لِلضَّرُورَةِ تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ، وَأَرَادَ بِالْقَارِنِ مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِإِحْرَامَيْنِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُتَمَتِّعًا سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ لَا يَخْرُجُ عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ إلَّا بِالْحَلْقِ يَوْمَ النَّحْرِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ أَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّتَيْنِ وَجَنَى جِنَايَةً قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ كَالْقَارِنِ، وَأَطْلَقَ فِي لُزُومِ الدَّمَيْنِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا خِلَافَ فِيمَا قَبْلَهُ، وَأَمَّا فِيمَا بَعْدَهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِي أَنَّ إحْرَامَ الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْقَارِنِ يَنْتَهِي بِالْوُقُوفِ أَوَّلًا فَمَنْ قَالَ بِانْتِهَائِهِ لَا يَقُولُ بِالتَّعَدُّدِ، وَمَنْ قَالَ بِبَقَائِهِ قَالَ بِهِ.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ وُجُوبَ الدَّمَيْنِ عَلَى الْقَارِنِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَبْلَ الْوُقُوفِ فِي الْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ أَمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ فَفِي الْجِمَاعِ يَجِبُ دَمَانِ، وَفِي سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ دَمٌ وَاحِدٌ. اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ بَقَاءُ إحْرَامِ عُمْرَةِ الْقَارِنِ بَعْدَ الطَّوَافِ إلَى الْحَلْقِ فَيَلْزَمُهُ بِالْجِنَايَةِ بَعْدَ الْوُقُوفِ دَمَانِ سَوَاءٌ كَانَ جِمَاعًا أَوْ قَتْلَ صَيْدٍ أَوْ غَيْرَهُمَا، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ يَنْتَهِي بِالْحَلْقِ حَتَّى فِي حَقِّ النِّسَاءِ حَتَّى لَوْ جَامَعَ الْقَارِنُ بَعْدَ الْحَلْقِ لَا يَلْزَمُهُ لِأَجْلِ الْعُمْرَةِ شَيْءٌ فَمَا فِي الْأَجْنَاسِ كَمَا نَقَلَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّ الْقَارِنَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا بَعْدَ الْوُقُوفِ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ فَفَرْعٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِانْتِهَاءِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَزِمَ الْمُفْرِدَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى إحْرَامِهِ، وَالْمُجَاوِزُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا لِيَخْرُجَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا أَوْ لَمْ يُحْرِمْ أَصْلًا فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ فِي كَلَامِهِمْ لَكِنْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ فَقَدْ أَدْخَلَ نَقْصًا فِي إحْرَامِهِ، وَهُوَ تَرْكُ جُزْءٍ مِنْهُ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَ فِيهِ فَتَوَهَّمَ زُفَرُ أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ قَارِنًا أَنَّهُ أَدْخَلَ هَذَا النَّقْصَ عَلَى الْإِحْرَامَيْنِ فَأَوْجَبَ دَمَيْنِ، وَقُلْنَا إنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْمِيقَاتِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَإِذَا جَاوَزَهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِهِمَا فَقَدْ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مَا لَزِمَهُ، وَهُوَ أَحَدُهُمَا فَلَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَأَوْرَدَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ عَلَى اقْتِصَارِهِمْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسَائِلَ مِنْهَا أَنَّ الْقَارِنَ إذَا أَفَاضَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ كَالْمُفْرِدِ، وَمِنْهَا إذَا طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا، وَقَدْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَارِنَ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ قَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي الْأَجْنَاسِ
ــ
[منحة الخالق]
إذَا كَانَ أَخْضَرَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ إحْرَامُ الْحَجِّ أَقْوَى إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ لَهَا أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ تَجِبُ شَاةٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَبَدَنَةٌ فَقَالُوا فِي الْفَرْقِ إظْهَارًا لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ تَسَاوَيَا لَمْ يَتَفَاوَتْ (قَوْلُهُ: قَارِنًا كَانَ أَوْ مُتَمَتِّعًا سَاقَ الْهَدْيَ) قَدْ مَرَّ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ الَّذِي لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَلْقِ وَبَيْنَ بَقَائِهِ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَدْخُلَ إحْرَامَ الْحَجِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي اخْتَارَ الْبَقَاءَ مِثْلُ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّحْقِيقُ السَّابِقُ، وَمَسْأَلَةُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّتَيْنِ الْآتِيَةُ ثُمَّ رَأَيْته فِي اللُّبَابِ حَيْثُ قَالَ: وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ لُزُومِ الْجَزَاءَيْنِ عَلَى الْقَارِنِ هُوَ حُكْمُ كُلِّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِحْرَامَيْنِ كَالْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ أَوْ لَمْ يَسُقْهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَذَا مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجَّتَيْنِ أَوْ الْعُمْرَتَيْنِ عَلَى هَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِمِائَةِ حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ رَفْضِهَا فَعَلَيْهِ مِائَةُ جَزَاءٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَإِذَا حَلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامَيْهِ (قَوْلُهُ: فَلَا حَاجَةَ إلَى اسْتِثْنَائِهِ) قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة لَكِنْ ذُكِرَ لِبَيَانِ قَوْلِ زُفَرَ. اهـ.
أَيْ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ (قَوْلُهُ: وَأَوْرَدَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) أَقُولُ: أَوْصَلَ فِي اللُّبَابِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ، وَفِي شَرْحِهِ كَلَامٌ طَوِيلٌ فَرَاجِعْهُمَا.
وَمِنْهَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَمِنْهَا أَنَّ الْقَارِنَ إذَا قَطَعَ شَجَرَ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ كَالْمُفْرِدِ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى عِدَّةُ مَسَائِلَ لَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا اسْتِثْنَاءَ أَصْلًا أَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّمَا وَجَبَ دَمٌ بِسَبَبِ تَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ هُوَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِهَذَا الْوَاجِبِ بَلْ كُلُّ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْعُمْرَةِ بِهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطَّوَافِ جُنُبًا فَإِنَّمَا وَجَبَ دَمٌ وَاحِدٌ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ لَا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ وَلِهَذَا لَوْ طَافَ جُنُبًا، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّمُ مُتَنَوِّعًا إلَى بَدَنَةٍ وَشَاةٍ نَظَرًا إلَى كَمَالِ الْجِنَايَةِ وَخِفَّتِهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَالْمَذْهَبُ لُزُومُ دَمَيْنِ، وَمَا فِي الْأَجْنَاسِ ضَعِيفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُفْرِدَ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ إنَّمَا أَوْجَبُوا التَّعَدُّدَ عَلَى الْقَارِنِ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُفْرِدَ بِهِ كَفَّارَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْرِدِ بِهِ شَيْءٌ فَلَا يَتَعَدَّدُ الدَّمُ عَلَى الْقَارِنِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَطْعِ شَجَرِ الْحَرَمِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْغَرَامَاتِ لَا تَعَلُّقَ لِلْإِحْرَامِ بِهِ بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ الْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّ أَقْوَى الْحُرْمَتَيْنِ تَسْتَتْبِعُ أَدْنَاهُمَا وَالْإِحْرَامُ أَقْوَى فَكَانَ وُجُوبُ الْقِيمَةِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ لَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْحَرَمِ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ حَلَالًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ.
وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ صُورَةً يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ لِأَجْلِ الْمُجَاوَزَةِ، وَهِيَ مَا إذَا جَاوَزَ فَأَحْرَمَ بِحَجٍّ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى الْحِلِّ مُحْرِمًا، وَهِيَ غَيْرُ وَارِدَةٍ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الدَّمَيْنِ لِلْمُجَاوَزَةِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي لِتَرْكِهِ مِيقَاتَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ الْتَحَقَ بِأَهْلِهَا، وَمِيقَاتُهُمْ فِي الْعُمْرَةِ الْحِلُّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمَانِ صَيْدًا تَعَدَّدَ الْجَزَاءُ، وَلَوْ حَلَالَانِ لَا) أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّ الضَّمَانَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ جَزَاءَ الْفِعْلِ، وَهُوَ مُتَعَدِّدٌ، وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ جَزَاءُ الْمَحَلِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَعَدِّدٍ كَرَجُلَيْنِ قَتَلَا رَجُلًا خَطَأً يَجِبُ عَلَيْهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْمَحَلِّ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّهَا جَزَاءُ الْفِعْلِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَمِيعُ الْقِيمَةِ، وَعَلَى الْحَلَالِ نِصْفُهَا لِمَا أَنَّ الضَّمَانَ يَتَبَعَّضُ فِي حَقِّ الْحَلَالِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ قُسِّمَ الضَّمَانُ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ مَعَ الْحَلَالِ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ مِنْ كَافِرٍ أَوْ صَبِيٍّ وَجَبَ عَلَى الْحَلَالِ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الْقِيمَةِ إذَا قُسِمَتْ عَلَى الْعَدَدِ، وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لَوْ أَخَذَ حَلَالٌ صَيْدَ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ نَصْرَانِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي يَدِهِ فَعَلَى الْحَلَالِ قِيمَتُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَالصَّبِيِّ وَيَرْجِعُ الْحَلَالُ بِمَا ضَمِنَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا قَتْلُهُمَا لَتَمَكَّنَ الْحَلَالُ مِنْ إرْسَالِهِ.
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُفْرِدٌ وَقَارِنٌ فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَعَلَى الْحَلَالِ ثُلُثُ الْجَزَاءِ، وَعَلَى الْمُفْرِدِ جَزَاءٌ كَامِلٌ، وَعَلَى الْقَارِنِ جَزَاءَانِ. اهـ.
وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمُصَنِّفُ الْجَزَاءَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْحَلَالَيْنِ بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّهُمَا إنْ ضَرَبَاهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَمَاتَ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ صَحِيحًا، وَإِنْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرْبَةً فَإِنْ وَقَعَا مَعًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِجِرَاحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَ اتِّحَادِ فِعْلِهِمَا جَمِيعُ الصَّيْدِ صَارَ مُتْلَفًا بِفِعْلِهِمَا فَضَمِنَ كُلٌّ نِصْفَ الْجَزَاءِ، وَعِنْدَ الِاخْتِلَافِ الْجُزْءُ الَّذِي تَلِفَ بِضَرْبَةِ كُلٍّ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَالْبَاقِي مُتْلَفٌ بِفِعْلِهِمَا فَعَلَيْهِمَا ضَمَانُهُ، وَإِنْ كَانَ الضَّارِبُ لَهُ حَلَالًا، وَمُحْرِمًا كَذَلِكَ ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا نَقَصَتْهُ جِرَاحَتُهُ ثُمَّ يَضْمَنُ الْحَلَالُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِالضَّرْبَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ جَمِيعُ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِالضَّرْبَتَيْنِ، وَلَوْ لَمْ يَقَعَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ إلَخْ) مَا أَجَابَ بِهِ هُنَا قَدْ عَزَاهُ فِيمَا سَبَقَ إلَى الْعِنَايَةِ، وَقَدَّمْنَا عَنْ السَّعْدِيَّةِ مَا فِيهِ فَالْأَوْجَهُ ذِكْرُ مَا قَدَّمَهُ هُنَاكَ عَنْ غَايَةِ الْبَيَانِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَجْنِ إلَّا عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ لِفَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي السَّعْدِيَّةِ، وَقَدَّمْنَا مَا فِيهِ أَيْضًا فَرَاجِعْهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَدَمَانِ لَوْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ الذَّبْحِ.
مَعًا بِأَنْ جَرَحَهُ الْحَلَالُ أَوَّلًا ثُمَّ ثَنَّى الْمُحْرِمُ ضَمِنَ الْحَلَالُ مَا انْتَقَصَ بِجُرْحِهِ صَحِيحًا وَنِصْفَ قِيمَتِهِ وَبِهِ الْجِرَاحَتَانِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَلَ بِالْجُرْحِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَالْهَلَاكُ حَصَلَ بِأَثَرِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مَنْقُوصٌ بِالْجِرَاحَتَيْنِ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ جُرِحَ كَانَ مَنْقُوصًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ قَطَعَ حَلَالٌ يَدَ صَيْدٍ ثُمَّ فَقَأَ مُحْرِمٌ عَيْنَهُ ثُمَّ جَرَحَهُ قَارِنٌ فَمَاتَ فَعَلَى الْحَلَالِ قِيمَتُهُ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ مَعْنًى، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ عَلَيْهِ جِنْسَ الْمَنْفَعَةِ، وَعَلَى الثَّانِي قِيمَتُهُ وَبِهِ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَهْلَكَهُ مَعْنًى، وَعَلَى الْقَارِنِ قِيمَتَانِ وَبِهِ الْجِنَايَاتُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ حَقِيقَةً بِأَثَرِ الْفِعْلِ، وَهُوَ مَنْقُوصٌ بِهِمَا وَتَمَامُ تَفَارِيعِهِ فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَيَبْطُلُ بَيْعُ الْمُحْرِمِ صَيْدًا وَشِرَاؤُهُ) ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَيًّا تَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بِفَوَاتِ الْأَمْنِ وَبَيْعُهُ بَعْدَ مَا قَتَلَهُ بَيْعُ مَيْتَةٍ كَذَا عَلَّلَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالظَّاهِرُ مِنْ الصَّيْدِ هُوَ الْحَيُّ، وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَمَعْلُومٌ بُطْلَانُ بَيْعِهَا، وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلْبَائِعِ إذَا كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ الْبَائِعُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ، وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ أَحْرَمَ فَبَاعَهُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ، وَأَمَّا الْجَزَاءُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ كَامِلٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ جَنَى بِالْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِيَ بِالشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَلَمْ يَكُنْ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الْعَيْنِ فَأَفَادَ سُقُوطَ التَّقَوُّمِ فِي حَقِّهِ كَالْخَمْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَحَاصِلُهُ إخْرَاجُ الْعَيْنِ عَنْ الْمَحَلِّيَّةِ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فَيَكُونُ التَّصَرُّفُ فِيهَا عَبَثًا فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ فَيَبْطُلُ سَوَاءٌ كَانَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَلِهَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ أَفَادَ أَنَّ بَيْعَ الْمُحْرِمِ بَاطِلٌ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي حَلَالًا، وَأَنَّ شِرَاءَهُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا.
وَأَمَّا الْجَزَاءُ فَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا وَالْمُشْتَرِي مُحْرِمٌ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ فَقَطْ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ فَإِنْ وَهَبَ صَيْدًا فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ جَزَاءٌ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُحْرِمًا لَزِمَهُ فَقَطْ، وَلَوْ تَبَايَعَا صَيْدًا فِي الْحِلِّ ثُمَّ أَحْرَمَا أَوْ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهِ عَيْبًا رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَعَلَى هَذَا لَوْ غَصَبَ حَلَالٌ صَيْدَ حَلَالٍ ثُمَّ أَحْرَمَ الْغَاصِبُ وَالصَّيْدُ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ إرْسَالُهُ وَضَمَانُ قِيمَتِهِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَدَفَعَهُ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حَتَّى بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَقَدْ أَسَاءَ، وَهَذَا لُغْزٌ يُقَالُ غَاصِبٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عَدَمُ الرَّدِّ بَلْ إذَا فَعَلَ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ فَلَوْ أَحْرَمَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَزَاءُ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَخْرَجَ ظَبْيَةَ الْحَرَمِ فَوَلَدَتْ فَمَاتَا ضَمِنَهُمَا فَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا فَوَلَدَتْ لَا يَضْمَنُ الْوَلَدَ) ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحَرَمِ بَقِيَ مُسْتَحَقَّ الْأَمْنِ شَرْعًا وَلِهَذَا وَجَبَ رَدُّهُ إلَى مَأْمَنِهِ، وَهَذِهِ صِفَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَتَسْرِي إلَى الْوَلَدِ فَإِنْ أَدَّى جَزَاءَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ لَمْ تَبْقَ آمِنَةً؛ لِأَنَّ وُصُولَ الْخَلَفِ كَوُصُولِ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يَمْلِكُهَا الَّذِي أَخْرَجَهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْجَزَاءِ وَلِهَذَا لَوْ ذَبَحَهَا لَمْ تَكُنْ مَيْتَةً لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَذَا قَالُوا: وَقَدْ بَحَثَ فِيهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ أَدَاءَ الْجَزَاءِ إنْ كَانَ حَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى إعَادَةِ مَأْمَنِهَا بِالرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ لَا يَقَعُ كَفَّارَةً، وَلَا يَحِلُّ بَعْدَهُ التَّعَرُّضُ لَهُ بَلْ حُرْمَةُ التَّعَرُّضِ إلَيْهَا قَائِمَةً، وَإِنْ كَانَ حَالَ الْعَجْزِ عَنْهُ بِأَنْ هَرَبَتْ فِي الْحِلِّ بَعْدَ مَا أَخْرَجَهَا إلَيْهِ خَرَجَ بِهِ عَنْ عُهْدَتِهَا فَلَا يَضْمَنُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَ التَّكْفِيرِ مِنْ أَوْلَادِهَا، وَلَهُ أَنْ يَصْطَادَهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُتَوَجَّهَ قَبْلَ الْعَجْزِ عَنْ تَأْمِينِهَا إنَّمَا هُوَ خِطَابُ الرَّدِّ إلَى الْمَأْمَنِ، وَلَا يَزَالُ مُتَوَجِّهًا مَا كَانَ قَادِرًا؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْأَمْرِ إنَّمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ، وَهُوَ حَلَالٌ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسِدٌ وَبِهِ صَرَّحَ فِي النَّهْرِ مَعَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُحْرِمٌ أَيْضًا فَيَكُونُ مُخْرِجًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَنْ الْإِطْلَاقِ فَقَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا إلَخْ مُسْتَدْرَكٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ اصْطَادَهُ، وَهُوَ حَلَالٌ إلَى قَوْلِهِ يَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ، وَأَمَّا الْجَزَاءُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ يَصْلُحُ جَوَابًا لِمَا أَلْغَزَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِرِضَا مَالِكِهِ وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعًا، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَظَمَ الْجَوَابَ فَنَظَمْته بِقَوْلِي
هَذَا حَلَالٌ بَاعَ صَيْدًا مُحْرِمًا
…
فَمَا حَمَى إحْرَامَهُ وَمَا رَعَى
وَأَتْلَفَ الصَّيْدَ الْمَبِيعَ جَانِيًا
…
فَضَمِنَ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعًا
اهـ.
قُلْتُ: لَكِنْ فِيهِ أَنَّ الْمَبِيعَ فَاسِدًا يَمْلِكُهُ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ فَالْمَالِكُ هَذَا هُوَ الْمُشْتَرِي لَا الْبَائِعُ (قَوْلُهُ: فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ وَدَفَعَهُ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَخْ) . أَقُولُ: وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُشْكِلٌ لِمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ، وَلَوْ أَخَذَ حَلَالٌ صَيْدًا فَأَحْرَمَ ضَمِنَ مُرْسِلُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ أَتْلَفَهُ الْمُرْسِلُ فَيَضْمَنُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ وَيُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَلِّيَهُ فِي بَيْتِهِ فَإِذَا قَطَعَ يَدَهُ عَنْهُ كَانَ مُتَعَدِّيًا. اهـ.
فَقَوْلُهُ وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ مِنْ يَدِهِ لِإِمْكَانِ تَخْلِيَتِهِ فِي بَيْتِهِ فَهَلَّا كَانَ دَفْعُ الْغَاصِبِ مِثْلَ تَخْلِيَةِ الْمَالِكِ فَلْيُتَأَمَّلْ