الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ لِغَيْرِ الْقَارِنِ. اهـ.
وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ لَا إلَى الْخَمْسَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَنْ يَلْحَقَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْقَارِنِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا وَصَحَّحَهُ فِي الْجَوْهَرَةِ وَاخْتَارَهُ فِي الْبَدَائِعِ، وَقَالَ: إنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ اسْمَ السُّنَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ الرِّوَايَةِ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ فَإِنَّ مُحَمَّدًا نَصَّ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ أَنَّ الْعُمْرَةَ تَطَوُّعٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا كَبِيرُ فَرْقٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا وَاسْتَدَلَّ لَهَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ قَالَ: لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرُوا هُوَ أَفْضَلُ» ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] فَالْإِتْمَامُ بَعْدَ الشُّرُوعِ، وَلَا كَلَامَ لَنَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُلْزِمٌ، وَكَلَامُنَا فِيمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْعُمْرِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أَتَى بِهَا مَرَّةً فَقَدْ أَقَامَ السُّنَّةَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَقْتٍ غَيْرَ مَا ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهَا فِيهِ إلَّا أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ أَفْضَلُ هَذَا إذَا أَفْرَدَهَا فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْحَجِّ لَا الْعُمْرَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ الْإِتْيَانَ بِالْعُمْرَةِ عَلَى وَجْهٍ أَفْضَلَ فِيهَا فَفِي رَمَضَانَ أَوْ الْحَجِّ عَلَى وَجْهٍ أَفْضَلَ فَبِأَنْ يَقْرِنَ مَعَهُ عُمْرَةً.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِلْعُمْرَةِ مَعْنًى لُغَوِيًّا، وَمَعْنًى شَرْعِيًّا وَسَبَبًا وَرُكْنًا وَشَرَائِطَ وُجُوبٍ وَشَرَائِطَ صِحَّةٍ وَوَاجِبَاتٍ وَسُنَنًا وَآدَابًا، وَمُفْسِدًا كَالْحَجِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهَا وَرُكْنَهَا وَوَاجِبَاتِهَا، وَأَمَّا سَبَبُهَا فَالْبَيْتُ وَشَرَائِطُ وُجُوبِهَا وَصِحَّتِهَا مَا هُوَ شَرَائِطُ الْحَجِّ إلَّا الْوَقْتَ، وَأَمَّا سُنَنُهَا وَآدَابُهَا فَمَا هُوَ سُنَنُ الْحَجِّ وَآدَابُهُ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ، وَأَمَّا مُفْسِدُهَا فَالْجِمَاعُ قَبْلَ طَوَافِ الْأَكْثَرِ مِنْ السَّبْعَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَوَافُ الصَّدْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ يَجِبُ عَلَيْهِ.
(بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ)
لَمَّا كَانَ الْحَجُّ عَنْ الْغَيْرِ كَالتَّبَعِ أَخَّرَهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ قِرَاءَةَ قُرْآنٍ أَوْ ذِكْرًا أَوْ طَوَافًا أَوْ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] ، وَإِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنْ مَلَائِكَتِهِ بِقَوْلِهِ {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وَسَاقَ عِبَارَتَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} [غافر: 7] إلَى قَوْلِهِ {وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ} [غافر: 9] ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «حِينَ ضَحَّى بِالْكَبْشَيْنِ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ» ، وَهُوَ مَشْهُورٌ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ يس» وَحِينَئِذٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ لَا يَكُونَ قَوْله تَعَالَى:{وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39] عَلَى ظَاهِرِهِ، وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ أَقْرَبُهَا مَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا يَهَبُهُ الْعَامِلُ يَعْنِي لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ سَعْيِ غَيْرِهِ نَصِيبٌ إلَّا إذَا وَهَبَهُ لَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه السلام:«لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ» فَهُوَ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ لَا فِي حَقِّ الثَّوَابِ فَإِنَّ مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ جَازَ وَيَصِلُ ثَوَابُهَا إلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُولُ لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ
ــ
[منحة الخالق]
فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إذَا لَمْ يَحُجَّ، وَمَنْ خَالَفَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، وَإِتْيَانُ الْبُرْهَانِ. اهـ.
وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَا فِي الْفَتْحِ كَمَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ التَّمَتُّعِ (قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ مَعْنَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الْقَارِنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْعُمْرَةِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهَا أَفْعَالَ الْحَجِّ، وَمِنْ ثَمَّ خَصَّهُ بِيَوْمِ عَرَفَةَ، وَهُوَ غَفْلَةٌ عَنْ كَلَامِهِمْ فَقَدْ قَالَ فِي السِّرَاجِ: وَتُكْرَهُ الْعُمْرَةُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ أَيْ يُكْرَهُ إنْشَاؤُهَا بِالْإِحْرَامِ أَمَّا إذَا أَدَّاهَا بِإِحْرَامٍ سَابِقٍ كَمَا إذَا كَانَ قَارِنًا فَفَاتَهُ الْحَجُّ، وَأَدَاءُ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَا يُكْرَهُ، وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ الْوَاقِعُ فِي الْخَانِيَّةِ مُنْقَطِعٌ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِيَوْمِ عَرَفَةَ. اهـ.
لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ كَرَاهَةَ الْإِنْشَاءِ لَا يَكُونُ الْقَارِنُ دَاخِلًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْشِئٍ فَإِخْرَاجُهُ مِمَّا قَبْلَهُ مُنْقَطِعٌ فَلَا يُكْرَهُ فِي حَقِّهِ أَدَاؤُهَا فِي الْخَمْسَةِ قُلْتُ:، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْقَارِنِ فِي كَلَامِ الْخَانِيَّةِ الْمُدْرِكُ لَا فَائِتُ الْحَجِّ وَحِينَئِذٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ عُمْرَتَهُ لَا تَكُونُ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهَا تَبْطُلُ بِالْوُقُوفِ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ تَعَرُّضٌ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَلَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ أَوْ مُنْقَطِعٌ فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ الْغَفْلَةُ (قَوْلُهُ: ثُمَّ اعْلَمْ إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَأَحْكَامُ إحْرَامِهَا كَإِحْرَامِهِ.
[بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ]
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ) أَقُولُ: ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْحَافِظُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِ الرُّوحِ وَذَكَرَ فِيهَا خِلَافًا عِنْدَهُمْ، وَقَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَالْقَاضِي، وَأَتْبَاعِهِ فَقِيلَ إنْ نَوَاهُ حَالَ فِعْلِهِ أَوْ قَبْلَهُ وَصَلَ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَقَعَ الثَّوَابُ لِلْعَامِلِ فَلَا يُقْبَلُ انْتِقَالُهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى دَيْنًا عَنْ نَفْسِهِ
لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ لِلْغَيْرِ أَوْ يَفْعَلُهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْعَلُ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ لِإِطْلَاقِ كَلَامِهِ. وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا لِيَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَتِهِ لِلْمُعْطَى وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ ذَلِكَ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَإِذَا صَلَّى فَرِيضَةً وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ لَا يَعُودُ الْفَرْضُ فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الثَّوَابِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السُّقُوطِ عَنْ ذِمَّتِهِ، وَلَمْ أَرَ مَنْقُولًا.
(قَوْلُهُ: النِّيَابَةُ تُجْزِئُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَمْ تُجْرِ فِي الْبَدَنِيَّةِ بِحَالٍ، وَفِي الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا تُجْزِئُ عِنْدَ الْعَجْزِ فَقَطْ) بَيَانٌ لِانْقِسَامِ الْعِبَادَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالزَّكَاةِ وَصَدَقَةِ
ــ
[منحة الخالق]
ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ الْأَدَاءِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ حَجَّ أَوْ صَامَ أَوْ صَلَّى لِنَفْسِهِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْ ثَوَابِ إهْدَاءِ الْعَمَلِ بَعْدَهُ بَلْ عَمَّا يَفْعَلُونَهُ عَنْ الْمَيِّتِ كَمَا قَالَ سَعْدٌ أَيَنْفَعُهَا إنْ تَصَدَّقْت عَنْهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَنْ أُهْدِيَ لَهَا ثَوَابَ مَا تَصَدَّقْت بِهِ عَنْ نَفْسِي، وَكَذَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى أَفَأَحُجُّ عَنْهَا، وَقَوْلُ الرَّجُلِ الْآخَرِ أَفَأَحُجُّ عَنْ أَبِي، وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ مَا عَمِلْته لِنَفْسِي أَوْ ثَوَابَ عَمَلِي الْمُتَقَدِّمِ لِفُلَانٍ فَهَذَا سِرُّ الِاشْتِرَاطِ، وَهُوَ أَفْقَهُ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ يَقُولُ الثَّوَابُ لِلْعَامِلِ فَإِذَا تَبَرَّعَ بِهِ، وَأَهْدَاهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُهْدِيهِ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إهْدَاءُ الثَّوَابِ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَامِلِ.
وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَقِيلَ يَجُوزُ وَيُجْزِئُ فَاعِلَهُ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا نَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِالْفَقْرِ وَالْإِفْلَاسِ الْمُجَرَّدِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ. اهـ. مُلَخَّصًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا لِيَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ عِبَادَتِهِ لِلْمُعْطَى إلَخْ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْعِبَادَةِ نَحْوَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَالْمُعْطَى يَكُونُ أُجْرَةً وَالْمُفْتَى بِهِ مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ وَبَنَى عَلَيْهِ الْعَلَائِيُّ جَوَازَ الْوَصِيَّةِ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا الْخُضُوعَ وَالتَّذَلُّلَ فَعَدَمُ الصِّحَّةِ ظَاهِرٌ قَالَ: فِي حَاشِيَةِ مِسْكِينٍ قَالَ الْإِمَامُ اللَّامِشِيُّ الْعِبَادَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَحَدُّهَا فِعْلٌ لَا يُرَادُ بِهِ إلَّا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ بِخِلَافِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّ الْقُرْبَةَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُرَادُ بِهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إرَادَةِ مَا وُضِعَ لَهُ الْفِعْلُ كَبِنَاءِ الرِّبَاطَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا قُرْبَةٌ يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ إرَادَةِ الْإِحْسَانِ بِالنَّاسِ وَحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ لَهُمْ.
وَالطَّاعَةُ مَا يَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وَالْعِبَادَةُ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ، وَأَنَّ الْإِجَارَةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَى جَوَازِهِ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَتْنِ زَادَ فِي التَّنْوِيرِ تَبَعًا لِصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَغَيْرِهِ تَعْلِيمُ الْفِقْهِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ فَهَذِهِ الْمُفْتَى بِهِ جَوَازُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا فِي زَمَانِنَا، وَعَلَّلُوهُ بِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهِ وَظُهُورِ التَّوَانِي فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَبِأَنَّ الْمُعَلِّمِينَ كَانَتْ لَهُمْ عَطِيَّاتٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَزِيَادَةِ رَغْبَةٍ فِي إقَامَةِ الْحِسْبَةِ وَأُمُورِ الدِّينِ كَمَا بَسَطَهُ تِلْمِيذُ الْمُؤَلِّفِ فِي مِنَحِهِ، وَأَصْلُ الْمَذْهَبِ بُطْلَانُهَا لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ مَتَى وَقَعَتْ كَانَتْ لِلْعَامِلِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَجْرَ عَلَى عَمَلٍ، وَقَعَ لَهُ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ إجَازَةَ مَا ذُكِرَ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَأَنَّ مَا مَرَّ عَنْ الْعَلَائِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ جَوَازُ الْوَصِيَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقُبُورِ، وَمَعَ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْقَارِئِ لِيَكُونَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ دُونَ الْأُجْرَةِ، وَإِلَّا فَهِيَ بَاطِلَةٌ كَمَا فِي وَصَايَا مُنْتَخَبِ الظَّهِيرِيَّةِ.
وَقَدْ شَمِلَ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ بُطْلَانَ مَا اُشْتُهِرَ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْوَصِيَّةِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ لِبَعْضِ مَشَايِخِ الطُّرُقِ وَالْحَفَظَةِ لِيَعْمَلُوا لِلْمَيِّتِ تَهْلِيلَةً أَوْ يَخْتِمُوا لَهُ خَتَمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَيْسَ مِمَّا فِيهِ ضَرُورَةٌ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ مُعَيَّنًا قَدْ يُقَالُ بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ عَنْ مُنْتَخَبِ الظَّهِيرِيَّةِ وَانْظُرْ مَا يَأْتِي لَنَا نَقَلَهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَنْ الرَّمْلِيِّ (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ إلَخْ) لَمْ يَرْتَضِهِ الْمَقْدِسِيَّ فِي الرَّمْزِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا جَعْلُ ثَوَابِ فَرْضِهِ لِغَيْرِهِ فَمُحْتَاجٌ إلَى نَقْلٍ. اهـ.
قُلْتُ: رَأَيْت فِي شَرْحِ تُحْفَةِ الْمُلُوكِ قَيَّدَهُ بِالنَّافِلَةِ حَيْثُ قَالَ: يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَ الْإِنْسَانُ ثَوَابَ عِبَادَتِهِ النَّافِلَةِ لِغَيْرِهِ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ أَوْ صَدَقَةً أَوْ الْأَذْكَارَ أَوْ غَيْرَهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ. اهـ.
لَكِنْ سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَهَّلَ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَعَيَّنَ صَحَّ أَيْ جَعَلَ الثَّوَابَ لَهُ وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْفَاعِلِ فَيَسْقُطُ بِهِ فَرْضُهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمُرَادِ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ النِّيَابَةُ تُجْزِئُ) بِالزَّايِ وَالْهَمْزَةِ كَذَا بِخَطِّ الْإِيَاسِيِّ وَالْغَزِّيِّ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْيَاءِ بِخَطِّ الرَّازِيّ وَالْعَيْنِيِّ وَشَرَحَ عَلَيْهَا الزَّيْلَعِيُّ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهُ، وَأَجْزَأَ مَهْمُوزًا مَعْنَاهُ أَغْنَى، وَأَجْزَى غَيْرُ مَهْمُوزٍ مَعْنَاهُ كَفَى شَيْخُنَا عَنْ الشَّلَبِيِّ، وَقِيلَ مِنْ جَزَأَ الْأَمْرَ يَجْزِي جَزَاءً مِثْلُ قَضَى وَزْنًا، وَمَعْنًى كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ (قَوْلُ الْمَتْنِ، وَفِي الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا) قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي قَوْلِهِمْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ شَرْطِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ الشَّيْءِ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ شَرْطِهِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ
الْفِطْرِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْعُشْرِ وَالنَّفَقَاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ عِبَادَةً مَحْضَةً أَوْ عِبَادَةً فَهِيَ مَعْنَى الْمُؤْنَةِ أَوْ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَبَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ وَالْجِهَادِ، وَمُرَكَّبَةٌ مِنْ الْبَدَنِ وَالْمَالِ كَالْحَجِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّكَالِيفِ الِابْتِلَاءُ وَالْمَشَقَّةُ، وَهِيَ فِي الْبَدَنِيَّةِ بِإِتْعَابِ النَّفْسِ وَالْجَوَارِحِ بِالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ وَبِفِعْلِ نَائِبِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمَشَقَّةُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ تَجُزْ النِّيَابَةُ مُطْلَقًا لَا عِنْدَ الْعَجْزِ، وَلَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَفِي الْمَالِيَّةِ بِتَنْقِيصِ الْمَالِ الْمَحْبُوبِ لِلنَّفْسِ بِإِيصَالِهِ إلَى الْفَقِيرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ بِفِعْلِ النَّائِبِ، وَكَانَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ لَا تُجْزِئَ النِّيَابَةُ فِي الْحَجِّ لِتَضَمُّنِهِ لِلْمَشَقَّتَيْنِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.
وَالْأُولَى لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالنَّائِبِ لَكِنَّهُ تَعَالَى رَخَّصَ فِي إسْقَاطِهِ بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْأُخْرَى أَعْنِي إخْرَاجَ الْمَالِ عِنْدَ الْعَجْزِ الْمُسْتَمِرِّ إلَى الْمَوْتِ رَحْمَةً وَفَضْلًا بِأَنْ تُدْفَعَ نَفَقَةُ الْحَجِّ إلَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِخِلَافِ حَالَةِ الْقُدْرَةِ لَمْ يُعْذَرْ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ فِيهَا لَيْسَ إلَّا بِمُجَرَّدِ إيثَارِ رَحْمَةِ نَفْسِهِ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَا التَّخْفِيفَ فِي طَرِيقِ الْإِسْقَاطِ، وَإِذَا جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي الْمَالِيَّةِ مُطْلَقًا فَالْعِبْرَةُ لِنِيَّةِ الْمُوَكِّلِ لَا لِنِيَّةِ الْوَكِيلِ وَسَوَاءٌ نَوَى الْمُوَكِّلُ وَقْتَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ أَوْ وَقْتَ دَفْعِ الْوَكِيلِ إلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا قَالَ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ مِنْ فَصْلِ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ: رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ دَرَاهِمَ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ تَطَوُّعًا فَلَمْ يَتَصَدَّقْ الْمَأْمُورُ حَتَّى نَوَى الْآمِرُ عَنْ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ ثُمَّ تَصَدَّقَ الْمَأْمُورُ جَازَ عَنْ الزَّكَاةِ. وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدًا تَطَوُّعًا ثُمَّ نَوَى الْآمِرُ عَنْ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ إعْتَاقِ الْمَأْمُورِ عَنْ التَّطَوُّعِ. اهـ.
وَلِهَذَا لَا تُعْتَبَرُ أَهْلِيَّةُ النَّائِبِ حَتَّى لَوْ وَكَّلَ الْمُسْلِمُ ذِمِّيًّا فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ جَازَ كَمَا فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ شَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَالشَّرْطُ الْعَجْزُ الدَّائِمُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ) أَيْ الشَّرْطُ فِي جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْمُرَكَّبِ عَجْزُ الْمُسْتَنِيبِ عَجْزًا مُسْتَمِرًّا إلَى مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرْضُ الْعُمْرِ فَحَيْثُ تَعَلَّقَ بِهِ خِطَابُهُ لِقِيَامِ مَشْرُوطٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِهِ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ فَإِذَا أَخَّرَ أَثِمَ وَتَقَرَّرَ الْقِيَامُ بِنَفْسِهِ فِي ذِمَّتِهِ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالشُّرُوطِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ عُمُرِهِ رَخَّصَ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ رَحْمَةً وَفَضْلًا فَحَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ وَقْتًا مِنْ عُمْرِهِ بَعْدَمَا اسْتَنَابَهُ فِيهِ لِعَجْزٍ لَحِقَهُ ظَهَرَ انْتِفَاءُ شَرْطِ الرُّخْصَةِ ثُمَّ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَرَضُ يُرْجَى زَوَالُهُ أَوْ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالزَّمَانَةِ وَالْعَمَى فَلَوْ أَحَجَّ الزَّمِنُ أَوْ الْأَعْمَى ثُمَّ صَحَّ، وَأَبْصَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ وَبِسَبَبِ هَذَا صَرَّحَ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِهِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كَانَ مَرَضًا يُرْجَى زَوَالُهُ فَأَحَجَّ فَالْأَمْرُ مُرَاعًى فَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إلَى الْمَوْتِ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ مَرَضًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَمَى فَأَحَجَّ غَيْرَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ سَوَاءٌ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ الْعُذْرُ أَوْ زَالَ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحِيطِ، وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْمَبْسُوطِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ بِأَنَّهُ إذَا أَحَجَّ الْأَعْمَى غَيْرَهُ ثُمَّ زَالَ الْعَمَى لَا يَبْطُلُ الْإِحْجَاجُ. اهـ.
وَقَيَّدَ بِالْعَجْزِ الدَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحَجَّ، وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ وَاسْتَمَرَّ لَا يُجْزِئُهُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا فِي التَّجْنِيسِ، وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ حَجَّةً فَأَحَجَّ ثَلَاثِينَ نَفْسًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ الْحَجِّ جَازَ عَنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْرَفْ قُدْرَتُهُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ مَجِيءِ وَقْتِ الْحَجِّ، وَإِنْ جَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ، وَهُوَ يَقْدِرُ بَطَلَتْ حَجَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهَا فَانْعَدَمَ الشَّرْطُ فِيهَا، وَعَلَى هَذَا كُلُّ سَنَةٍ تَجِيءُ. اهـ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِوَقْتِ الْحَجِّ وَقْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ يَعْنِي إنْ جَاءَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَهُوَ مَيِّتٌ أَجْزَأَهُ الْكُلُّ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا بَطَلَتْ وَاحِدَةٌ وَتَوَقَّفَ الْأَمْرُ فِي الْبَاقِي، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَقْتِ الْحَجِّ أَشْهُرُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ الْإِحْجَاجَ يَكُونُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَا يَتَأَتَّى التَّفْصِيلُ، وَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ بَعِيدًا فَأَحَجَّ قَبْلَ الْأَشْهُرِ فَهُوَ قَاصِرُ الْإِفَادَةِ عَمَّا إذَا كَانَ قَرِيبًا فَأَحَجَّ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَالْأَوْلَى مَا قُلْنَاهُ وَوَجْهُ إشْكَالِهِ
ــ
[منحة الخالق]
الْحَقِيقِيَّةِ دُونَ الِاعْتِبَارِيَّةِ كَذَا فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنْ أَنَّ الْمَالَ مُعْتَبَرٌ فِي الْحَجِّ اعْتِبَارًا قَوِيًّا بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى، وَلَا يَتَحَصَّلُ إلَّا بِهِ غَالِبًا فَكَانَ كَالْجُزْءِ (قَوْلُهُ: بَلْ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ إلَخْ) نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ، وَأَقَرَّهُ وَتَابَعَهُ فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ وَحَقَّقَهُ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: ثُمَّ إنَّمَا يَصِحُّ الْأَمْرُ إذَا كَانَ الْآمِرُ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ عَجْزًا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْعَمَى وَالزَّمَانَةِ، وَإِنْ كَانَ عَجْزًا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْحَبْسِ وَالْمَرَضِ إنْ دَامَ إلَى الْمَوْتِ يَقَعُ مَوْقِعَهُ، وَإِنْ زَالَ كَانَ الْحَجُّ عَلَى الْآمِرِ عَلَى حَالِهِ (قَوْلُهُ: بَطَلَتْ حَجَّتُهُ) الَّذِي فِي الْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ وَالنَّهْرِ حَجَّةٌ بِدُونِ ضَمِيرٍ، وَقَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا كُلُّ سَنَةٍ تَجِيءُ أَيْ إنَّهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إنْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْحَجِّ جَازَ عَنْ الْبَاقِي، وَهُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ، وَهُوَ يَقْدِرُ بَطَلَتْ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَكَذَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ إلَى الْآخِرِ
عَلَى مَا سَبَقَ إنْ وَقَّتَ الْإِحْجَاجَ كَانَ صَحِيحًا فَإِذَا مَاتَ قَبْلَ وَقْتِهِ أَجْزَأَهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَحَجَّ، وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ عَجَزَ لَا يُجْزِئُهُ وَدَفَعَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَجْزِهِ بَعْدَ الْإِحْجَاجِ الْعَجْزُ بَعْدَ فَرَاغِ النَّائِبِ عَنْ الْحَجِّ بِأَنْ كَانَ وَقْتَ الْوُقُوفِ صَحِيحًا فَلَا مُخَالَفَةَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَعَلَى هَذَا الْمَرْأَةُ إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا لَا تَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ إلَى أَنْ تَبْلُغَ الْوَقْتَ الَّذِي تَعْجِزُ عَنْ الْحَجِّ فَحِينَئِذٍ تَبْعَثُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهَا أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِتَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَحْرَمِ فَإِنْ بَعَثَتْ رَجُلًا إنْ دَامَ عَدَمُ الْمَحْرَمِ إلَى أَنْ مَاتَتْ فَذَلِكَ جَائِزٌ كَالْمَرِيضِ إذَا أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلًا وَدَامَ الْمَرَضُ إلَى أَنْ مَاتَ، وَأَطْلَقَ فِي الْعَجْزِ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ سَمَاوِيًّا أَوْ بِصُنْعِ الْعِبَادِ فَلَوْ أَحَجَّ، وَهُوَ فِي السِّجْنِ فَإِذَا مَاتَ فِيهِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ خَلَصَ مِنْهُ لَا، وَإِنْ أَحَجَّ لِعَدُوٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ إنْ أَقَامَ الْعَدُوُّ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى مَاتَ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ لَا يُجْزِئُهُ كَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ. وَأَمَّا شَرَائِطُ جَوَازِ النِّيَابَةِ فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ عَاجِزًا عَنْ الْأَدَاءِ بِنَفْسِهِ، وَلَهُ مَالٌ فَلَا يَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّحِيحِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَمِنْهَا الْعَجْزُ الْمُسْتَدَامُ إلَى الْمَوْتِ، وَمِنْهَا الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَلَا يَجُوزُ حَجُّ الْغَيْرِ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إلَّا الْوَارِثَ يَحُجُّ عَنْ مُوَرِّثِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً، وَمِنْهَا نِيَّةُ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ حَجُّ الْمَأْمُورِ بِمَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَإِنْ تَطَوَّعَ الْحَاجُّ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ حَتَّى يَحُجَّ بِمَالِهِ، وَكَذَا إذَا أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ بِمَالِهِ فَمَاتَ فَتَطَوُّعٌ عَنْهُ وَارِثُهُ بِمَالِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَعَلَّقَ بِمَالِهِ فَإِذَا لَمْ يَحُجَّ بِمَالِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَمِنْهَا الْحَجُّ رَاكِبًا حَتَّى لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَحَجَّ مَاشِيًا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَيَحُجُّ عَنْهُ رَاكِبًا؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ عَلَيْهِ هُوَ الْحَجُّ رَاكِبًا فَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ إلَيْهِ فَإِذَا حَجَّ مَاشِيًا فَقَدْ خَالَفَ فَيَضْمَنُ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ الْإِجْزَاءِ كَوْنُ أَكْثَرِ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْآمِرِ فَإِنْ أَنْفَقَ الْأَكْثَرَ أَوْ الْكُلَّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَفِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَفَاءٌ بِحَجِّهِ رَجَعَ بِهِ فِيهِ إذْ قَدْ يُبْتَلَى بِالْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِبَعْثِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَكُونُ الْمَالُ حَاضِرًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي لِلْيَتِيمِ وَيُعْطِي الثَّمَنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ. اهـ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّبَرُّعِ لَا مُطْلَقًا (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا شُرِطَ عَجْزُ الْمَنُوبِ لِلْحَجِّ الْفَرْضِ لَا النَّفْلِ) لِجَوَازِ الْإِنَابَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ فِي حَجِّ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الثَّوَابُ فَإِذَا كَانَ لَهُ تَرَكَهُ أَصْلًا فَلَهُ تَحَمُّلُ مَشَقَّةِ الْمَالِ بِالْأَوْلَى أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَالْحَجَّةَ الْمَنْذُورَةَ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَوْ أَحَجَّ عَنْهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَوْ كَانَ مَرِيضًا ثُمَّ صَحَّ بَطَلَ وَصْفُ الْفَرْضِيَّةِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْعَجْزُ وَبَقِيَ أَصْلُ الْحَجِّ تَطَوُّعًا لِلْآمِرِ لَا أَنَّهُ فَاسِدٌ أَصْلًا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَعَلَاءُ الدِّينِ النَّجَّارِيُّ فِي الْكَشْفِ، وَلَمْ يَحْكُوا فِيهِ خِلَافًا فَعَلَى هَذَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ فَرْقٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيهَا إذَا بَطَلَ وَصْفُهَا بَطَلَ أَصْلُهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي الْحَجِّ ذَلِكَ لِمَا أَنَّ بَابَ الْحَجِّ أَوْسَعُ فَلِهَذَا يُمْضَى فِي فَاسِدِهِ كَمَا يُمْضَى فِي صَحِيحِهِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِجَرَيَانِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْعَجْزِ فِي الْفَرْضِ، وَمُطْلَقًا فِي النَّفْلِ أَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ يَقَعُ لِلْآمِرِ لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ، وَهُوَ أَنَّهَا «قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ: نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَقَدْ أَطْلَقَ كَوْنَهُ عَنْهُ، وَقَوْلُهُمَا أَفَأَحُجُّ عَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَضَمُّ الْحَاءِ أَيْ أَنَا أُحْرِمُ عَنْهُ بِنَفْسِي وَأُؤَدِّي الْأَفْعَالَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الرِّوَايَةِ وَرُوِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْمُغْنِي، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَذَهَبَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا فِي الْكَشْفِ إلَى أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ النَّفَقَةِ قَالُوا: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ لَا ثَمَرَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ الْفَرْضَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْمَرْأَةُ إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا) أَيْ يَنْبَنِي عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَجْزِ الدَّائِمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْخَانِيَّةِ (قَوْلُهُ: فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ عَاجِزًا إلَخْ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ رحمه الله الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَوْ اعْتَمَرَ، وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ يَضْمَنُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجَّةِ مِيقَاتِهِ. اهـ.
وَهَلْ إذَا عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ، وَأَحْرَمَ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ نَعَمْ فَتَأَمَّلْ، وَأَمَّا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْفَتْوَى بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي زَمَنِ مُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي، وَقَدَّمْنَا حَاصِلَ ذَلِكَ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ
يَسْقُطُ عَنْ الْآمِرِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ الْآمِرِ، وَهُوَ دَلِيلُ الْمَذْهَبِ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّةُ النَّائِبِ لِصِحَّةِ الْأَفْعَالِ حَتَّى لَوْ أَمَرَ ذِمِّيًّا لَا يَجُوزُ، وَهُوَ دَلِيلُ الضَّعِيفِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِالثَّمَرَةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا تَظْهَرُ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحُجَّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ إذَا حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ لَا يَحْنَثُ، وَعَلَى الضَّعِيفِ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعُرْفَ أَنَّهُ قَدْ حَجَّ، وَإِنْ وَقَعَ عَنْ غَيْرِهِ فَيَحْنَثُ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ ضَمِنَ النَّفَقَةَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُخَلِّصَ النَّفَقَةَ لَهُ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ إنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى حَجِّ نَفْسِهِ أَطْلَقَ فِي الْآمِرَيْنِ فَشَمِلَ الْأَبَوَيْنِ وَسَيَأْتِي إخْرَاجُهُمَا، وَقَيَّدَ بِالْأَمْرِ بِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَهُوَ دَلِيلُ الضَّعِيفِ) فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ شَيْءٌ إذْ قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّ عَلَيْهِ جَمْعًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ صَدْرُ الْإِسْلَامِ والإسبيجابي وَقَاضِي خَانْ حَتَّى نَسَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا لِأَصْحَابِنَا قَالَ فِي النَّهْرِ: وَفِي الْعِنَايَةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ عَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ. اهـ.
وَمَا عَزَاهُ إلَى قَاضِي خَانْ هُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْفِقْهِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي فَتَاوَاهُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَاعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ مَنْشَؤُهُ عَدَمُ الْمُرَاجَعَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ إلَخْ) عَدَلَ عَنْ قَوْلِ الْهِدَايَةِ فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ حَتَّى لَا يَخْرُجُ الْحَاجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخَلِّصَ الْحَجَّ لَهُ إلَخْ لَمَّا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ وَذَهَبَ الشَّارِحُونَ إلَى أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمَدْلُولِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ تَعْلِيلُ حُكْمٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا، وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ إذَا وَافَقَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ إلَخْ قَالَ فِي السَّعْدِيَّةِ، وَلَا قَرِينَةَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَلِذَا قَالَ فِي النَّهْرِ: وَمَا رَأَيْت مَنْ أَفْصَحَ مِنْهُمْ عَنْ الْمَرْمَى لَكِنْ رَأَيْت فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مُعْتَمَدَةٍ لَا إنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ بِلَا النَّافِيَةِ، وَلَيْسَ تَعْلِيلًا لِلْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَا يَخْرُجُ غَايَةٌ لِقَوْلِهِ فَهِيَ عَنْ الْحَاجِّ نَفْلًا، وَهَذَا أَوْلَى مَا رَأَيْت فَتَدَبَّرْهُ. اهـ.
قُلْتُ:، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَخْفَى بَعْدَهُ، وَقَدْ خَطَرَ لِي جَوَابٌ عَنْ النُّسْخَةِ الْأُولَى أَظْهَرُ مِمَّا فِي النِّهَايَةِ بِأَنْ تُجْعَلَ أَلْ فِي الْحَجِّ لِلْعَهْدِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَا يَخْرُجُ تَفْرِيعٌ عَلَيْهِ تَأَمَّلْ ثُمَّ رَأَيْت جَوَابِي بِعَيْنِهِ أَجَابَ بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ كَمَالِ بَاشَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ.
(قَوْلُهُ: فَيَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا) كَذَا فِي النَّهْرِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْبَاقَانِيُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لَكِنْ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ مِنْ وَجْهٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَخْرُجُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَرَأَيْت فِي الْفَتْحِ مَا يُفِيدُ مَا ذَكَرَهُ الْبَاقَانِيُّ فَإِنَّهُ فِي الْفَتْحِ ذَكَرَ صُوَرَ الْإِبْهَامِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا ثُمَّ قَالَ: وَمَبْنَى الْأَجْوِبَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ لَا يَتَحَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ، وَأَنَّهُ بَعْدَمَا صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى نَفْسِهِ ذَاهِبًا إلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ النَّفَقَةَ لَهُ لَا يَنْصَرِفُ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ. اهـ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُمَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ، وَعَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ فَيَقَعُ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِهِمَا فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا أَيْ مِنْ تَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْأَعْمَالِ، وَلَوْ شَوْطًا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَقَعُ عَنْهُ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ ذَلِكَ فِي الثَّوَابِ. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الْأَعْمَالِ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَامْتَنَعَ تَحْوِيلُهَا لِغَيْرِهِ وَبَطَلَ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَإِذَا بَطَلَ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهِ تَقَعُ عَنْ فَرْضِهِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَصِحُّ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ، وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ.
فَقَوْلُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ، وَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ فَتَقَعُ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ وَلِذَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَإِذَا وَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ يَلْغُو صَرْفُهَا عَنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ فَتُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي إخْرَاجُهُمَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي يَأْتِي لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ بَلْ سَيَأْتِي مَا يُفِيدُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْآمِرِ لَا فَرْقَ، وَأَنَّ مَوْضُوعَ مَسْأَلَةِ الْأَبَوَيْنِ الْآتِيَةَ آخِرَ الْبَابِ فِي الْمَتْنِ فِي جَعْلِ الثَّوَابِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ أَيْضًا بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ فَرَاجِعْهُ وَتَأَمَّلْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ إلَّا فِي وَاحِدَةٍ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ إنْ كَانَ وَارِثًا يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِلَّا لَا (قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) يَعْنِي إذَا لَمْ يَأْمُرَاهُ، وَأَحْرَمَ عَنْهُمَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ بَعْدُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَمَرَاهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا كَمَا مَرَّ يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ يَسْقُطُ بِهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ وَحَجُّ الْمُوقَعِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَلَهُ جَعْلُ الثَّوَابِ لِأَحَدِهِمَا حَيْثُ وَقَعَ نَفْلًا عَنْ الْمَأْمُورِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَبَرُّعِهِ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِمَنْ أَرَادَ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ الرَّمْلِيُّ مِنْ أَنَّ جَعْلَ الثَّوَابِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ
أَوْ لَهُمَا فَبَقِيَ عَلَى خِيَارِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ سَبَبًا لِثَوَابِهِ، وَأَشَارَ بِالضَّمَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ أَحْرَمَ عَنْهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا غَيْرَ مُعَيِّنٍ فَالْأَمْرُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ انْصَرَفَ إلَيْهِ، وَإِلَّا انْصَرَفَ إلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ كُلًّا أَمَرَهُ بِحَجَّةٍ، وَأَحَدُهُمَا صَالِحٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَادِقٌ عَلَيْهِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ لِلْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ عَلَى إخْرَاجِهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ بَعْدُ فَإِذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ التَّعْيِينِ تَعَيَّنَتْ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ ثُمَّ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ أَنْ يُحَوِّلَهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الشَّرْعُ ذَلِكَ إلَى الثَّوَابِ، وَلَوْلَا الشَّرْعُ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ فِي الثَّوَابِ أَيْضًا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّعْيِينُ بَعْدَهُ لِأَحَدِهِمَا بِالْأَوْلَى وَذَكَرَ فِي الْكَافِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ، وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا أَحْرَمَ بِهِ لِآمِرٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ الْكُلِّ فَصُوَرُ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ فِي وَاحِدَةٍ يَكُونُ مُخَالِفًا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ مَنْطُوقًا، وَفِي الثَّلَاثَةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِبْهَامُ إمَّا فِي الْآمِرِ أَوْ فِي النُّسُكِ أَوْ فِيهِمَا، وَلَوْ أَهَلَّ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ بِحَجَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْأُخْرَى عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ رَفَضَ الَّتِي أَهَلَّ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ تَكُونُ الْبَاقِيَةُ عَنْ الْآمِرِ كَأَنَّهُ أَهَلَّ بِهَا وَحْدَهَا.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَصِيرُ مُخَالِفًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ فَمِنْهَا مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَرَنَ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلنَّفَقَةِ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا.
وَمِنْهَا مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ مِيقَاتِيٍّ، وَمَا أَتَى بِهِ مَكِّيٌّ بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَالنَّفَقَةُ فِي مُدَّةِ إقَامَتِهِ لِلْحَجِّ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ فِي مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَمَرَ لِلْآمِرِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسَافَةَ لِلْحَجِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَجَّةُ أَفْضَلَ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إذَا بَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَاجُّ عَنْ غَيْرِهِ إنْ شَاءَ قَالَ لَبَّيْكَ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى بِالنِّيَّةِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِلْمَأْمُورِ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِمَا أُمِرَ بِهِ عَنْ الْآمِرِ، وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الدَّفْعِ قِيلَ لَهُ اصْنَعْ مَا شِئْت فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ غَيْرَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَوْ أَحَجَّ رَجُلًا فَحَجَّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ صَارَ مُؤَدًّى وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ النَّفَقَةَ مَا يَكْفِيهِ لِذَهَابِهِ، وَإِيَابِهِ وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا فَإِنْ كَانَ حَيًّا فَإِنَّهُ يُعْطِيهِ بِقَدْرِ مَا يَكْفِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ أَعْطَاهُ زَائِدًا عَلَى كِفَايَتِهِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ مَا زَادَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ إلَّا إذَا قَالَ: وَكَّلْتُك أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِك وَتَقْبِضَهُ لِنَفْسِك فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْتٍ قَالَ:
ــ
[منحة الخالق]
الْآمِرِ بَلْ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ، وَقَعَ الْحَجُّ لَهُ فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهِ لِمَنْ أَرَادَ. اهـ.
وَسَيَأْتِي مَا يُعَيِّنُ مَا قُلْنَا، وَأَمَّا مَا اعْتَرَضَ بِهِ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ مَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَكُونُ حَاجًّا عَنْهُ لِمَا مَرَّ أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ الْآمِرِ بَلْ جَاعِلًا ثَوَابَهُ لَهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالْآمِرِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا لَمْ يَأْمُرْهُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي أَنَّ الْحَجَّ لِلْفَاعِلِ فِي الْوَجْهَيْنِ. اهـ.
فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ شَرْطًا لِصِحَّةِ النِّيَابَةِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَتْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُوَ فِي شَرْحِهِ بِقَوْلِهِ وَبَقِيَ مِنْ الشَّرَائِطِ أَمْرُهُ بِهِ وَالْكَلَامُ فِيمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَتْنِ فَتَدَبَّرْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَحْرَمَ مُبْهِمًا) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ الْإِبْهَامِ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ أَحْرَمَ أَوْ اسْمُ مَفْعُولٍ أَيْ إحْرَامًا مُبْهَمًا، وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَا أَحْرَمَ بِهِ حَالٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِبَيَانِ مَا وَقَعَ الْإِبْهَامُ بِهِ، وَقَوْلُهُ لِآمِرٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَلِّقٌ بِإِحْرَامِ الْأَوَّلِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ مُبْهَمٌ وَالْمُحْرَمُ عَنْهُ مُعَيَّنٌ، وَعَامَّةُ النُّسَخِ هُنَا مُحَرَّفَةٌ وَالصَّوَابُ هَذِهِ (قَوْلُهُ: فَصُوَرُ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ) ، وَهِيَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ أَوْ بِحَجَّةٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِلْمَحْجُوجِ عَنْهُ أَوْ يُحْرِمُ عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ بِلَا تَعْيِينٍ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ فَالثَّالِثَةُ الْإِبْهَامُ فِيهَا عَكْسُ الرَّابِعَةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا إبْهَامَ فِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ (قَوْلُهُ: وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَكُونُ مُخَالِفًا) كَذَا فِي أَغْلَبِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْإِبْهَامُ إمَّا فِي الْآمِرِ أَوْ فِي النُّسُكِ أَوْ فِيهِمَا وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا إذْ لَيْسَ مِنْ الصُّوَرِ مَا يَكُونُ الْإِبْهَامُ فِيهَا فِي النُّسُكِ وَالْآمِرِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ مِيقَاتِيٍّ إلَخْ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ، وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَمَرَ جَعَلَ سَفَرَهُ لِلْعُمْرَةِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَيَكُونُ مُخَالِفًا كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: الْآتِي؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَسَافَةَ إلَخْ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ فَرَاجِعْهُ، وَقَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي الْبَابِ الثَّالِثَ عَشَرَ أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ فَلَوْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ أَوْ الْعُمْرَةِ فَقَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ، وَلَوْ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَقَعْ حَجُّهُ عَنْ الْآمِرِ وَيَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَقَالَ فِي شَرْحِهِ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَجْرِيدِ السَّفَرِ لِلْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ الْمَفْرُوضُ عَلَيْهِ وَيَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ إلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ إذَا أَمَرَهُ بِإِفْرَادِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ إتْيَانِ الْحَجِّ بَعْدَهُ أَوْ صَرَّحَ بِالتَّمَتُّعِ فِي سَفَرِهِ أَوْ تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ أَوَّلًا) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ
وَالْبَاقِي مِنِّي لَك وَصِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ فَإِمَّا أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا أَوْ لَا فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا اُتُّبِعَ مَا عَيَّنَهُ حَتَّى لَا يَجُوزُ النَّقْصُ عَنْهُ إذَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ قَرِيبًا فِي مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ: رَجُلٌ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَيْنِ، وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَتَرَكَ تِسْعَمِائَةٍ، وَأَنْكَرَ أَحَدُهُمَا، وَأَقَرَّ الْآخَرُ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْمَالِ ثُمَّ إنَّ الْمُقِرَّ دَفَعَ مِائَةً وَخَمْسِينَ يُحَجُّ بِهَا عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ أَقَرَّ الْآخَرُ إنْ أَحَجَّ بِأَمْرِ الْقَاضِي يَأْخُذْ الْمُقِرُّ مِنْ الْجَاحِدِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا؛ لِأَنَّهُ جَازَ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَبَقِيَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِيرَاثًا لَهُمَا فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَإِنْ أَحَجَّ لِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَحُجُّ مَرَّةً أُخْرَى بِثَلَاثِمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِثَلَاثِمِائَةٍ. اهـ.
وَمَعَ التَّعْيِينِ الْمَذْكُورِ لَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ الْمَذْكُورِ مَا فَضَلَ بَلْ يَرُدُّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْطَى بَعِيرُهُ هَذَا رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ فَدُفِعَ إلَى رَجُلٍ فَأَكْرَاهُ الرَّجُلُ فَأَنْفَقَ الْكِرَاءَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الطَّرِيقِ وَحَجَّ مَاشِيًا جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحِيطِ، وَقَالَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى: هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ رَقَبَتَهَا بِالْبَيْعِ وَيَحُجَّ بِالثَّمَنِ اسْتِحْسَانًا هُوَ الْمُخْتَارُ فَلَأَنْ يَمْلِكَ أَنْ يُمَلِّكَ مَنْفَعَتَهَا بِالْإِجَارَةِ وَيَحُجَّ بِبَدَلِ الْمَنْفَعَةِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَكُونُ الْكِرَاءُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ، وَالْحَجُّ لَهُ فَيَتَضَرَّرُ الْمَيِّتُ ثُمَّ يَرُدُّ الْبَعِيرَ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُوَرِّثِ. اهـ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَجَتْ عَنْ الْأَصْلِ لِلضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ رَاكِبًا إذَا حَجَّ مَاشِيًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصِي قَدْرًا فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يَحُجُّونَ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ وَلِهَذَا قَالَ: الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ رَجُلٌ مَاتَ، وَأَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يُقَدِّرْ فِيهِ مَالًا فَالْوَصِيُّ إنْ أَعْطَى إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ فِي مَحْمَلٍ احْتَاجَ إلَى أَلْفٍ، وَمِائَتَيْنِ، وَإِنْ حَجَّ رَاكِبًا لَا فِي مَحْمَلٍ يَكْفِيهِ الْأَلْفُ وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ يَجِبُ أَقَلُّهُمَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ. اهـ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَا أَخَذَهُ مِنْ النَّفَقَةِ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى مِلْكِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا مُعَيَّنًا كَانَ الْقَدْرُ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَضْلُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا كَيَسِيرٍ مِنْ الزَّادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ الْحَجَّةُ الْمَشْرُوطَةُ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ كَمَا شَرَطَ سُلَيْمَانُ بَاشَا بِوَقْفِهِ بِمِصْرَ قَدْرًا مُعَيَّنًا لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ كُلَّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يُتَّبَعُ شَرْطُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمَأْمُورِ مَا فَضَلَ مِنْهُ بَلْ يَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْوَقْفِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ أَمَّا إذَا قَالَ: أَحِجُّوا فُلَانًا حَجَّةً، وَلَمْ يَقُلْ عَنِّي، وَلَمْ يُسَمِّ كَمْ يُعْطَى فَإِنَّهُ يُعْطَى قَدْرَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَيَكُونُ مِلْكًا لَهُ، وَإِنْ شَاءَ حَجَّ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحُجَّ، وَهُوَ وَصِيَّةٌ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ.
فَإِذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَلِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعْرُوفِ ذَاهِبًا وَآيِبًا، وَمُقِيمًا مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ، وَلَا تَقْتِيرٍ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ وَرُكُوبِهِ، وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَحْمَلٍ، وَقِرْبَةٍ، وَأَدَوَاتِ السَّفَرِ فَلَوْ تَوَطَّنَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنْ كَانَ لِانْتِظَارِ الْقَافِلَةِ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا فَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَوَطَّنَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ اعْتِبَارِ الثَّلَاثِ، وَإِذَا صَارَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهَا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَتْ نَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَحَقَّ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ كَالنَّاشِزَةِ إذَا عَادَتْ إلَى الْمَنْزِلِ وَالْمُضَارِبِ إذَا أَقَامَ فِي بَلَدٍ أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، وَفِي الْبَدَائِعِ هَذَا إذَا لَمْ يَتَّخِذْ مَكَّةَ دَارًا فَأَمَّا إذَا اتَّخَذَهَا دَارًا ثُمَّ عَادَ لَا تَعُودُ النَّفَقَةُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ أَقَامَ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَالُوا إنْ كَانَتْ الْإِقَامَةُ مُعْتَادَةً لَمْ تَسْقُطْ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُعْتَادِ سَقَطَتْ، وَلَوْ تَعَجَّلَ إلَى مَكَّةَ فَهِيَ فِي مَالِ نَفْسِهِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فَتَصِيرُ فِي مَالِ الْآمِرِ، وَلَوْ سَلَكَ طَرِيقًا أَبْعَدَ مِنْ الْمُعْتَادِ إنْ كَانَ مِمَّا سَلَكَهُ النَّاسُ فَفِي مَالِ الْآمِرِ، وَإِلَّا فَفِي مَالِهِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ
ــ
[منحة الخالق]
مُخَالِفًا (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْآخِرَةِ) تَعْلِيلُ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْآخِرَةُ بِحَرَكَاتٍ أَيْ آخِرَ الْأَمْرِ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ إلَى مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْإِجَارَةِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصِي قَدْرًا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا اُتُّبِعَ (قَوْلُهُ: وَهُوَ عَدَمُ خُرُوجِ الْقَافِلَةِ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى عُذْرٍ الْمُضَافِ إلَى غَيْرِ (قَوْلُهُ: قَالُوا إنْ كَانَتْ إقَامَةً مُعْتَادَةً لَمْ تَسْقُطْ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ بِلَا عُذْرِ انْتِظَارِ الْقَافِلَةِ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ.
نَفَقَةَ مِثْلِهِ مِنْ طَعَامٍ، وَمِنْهُ اللَّحْمُ وَالْكِسْوَةُ، وَمِنْهُ ثَوْبَا إحْرَامِهِ وَأُجْرَةُ مَنْ يَخْدُمُهُ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُخْدَمُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ مَا فِيهِ تَرْفِيهٌ كَدُهْنِ السِّرَاجِ وَالْأَدْهَانِ وَالتَّدَاوِي وَالِاحْتِجَامِ وَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَالْحَلَّاقِ إلَّا أَنْ يُوسِعَ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ أَنْ يُعْطَى أُجْرَةَ الْحَمَّامِ وَالْحَارِسِ، وَصَرَّحَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ حِمَارًا يَرْكَبُهُ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْجَمَلُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِيهِ أَكْثَرُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدًا إلَى طَعَامِهِ، وَلَا يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَلَا يُقْرِضَ أَحَدًا، وَلَا يَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا يَشْتَرِيَ بِهَا مَاءً لِوُضُوئِهِ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِي الْمَالِ ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا عَنْ الْمَيِّتِ وَيَتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ كَمَا لَوْ خَلَطَهَا بِدَرَاهِمِهِ حَتَّى صَارَ ضَامِنًا ثُمَّ حَجَّ بِمِثْلِهَا، وَلَهُ أَنْ يَخْلِطَ الدَّرَاهِمَ لِلنَّفَقَةِ مَعَ الرُّفْقَةِ لِلْعُرْفِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
(قَوْلُهُ: وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْآمِرِ وَدَمُ الْقِرَانِ وَدَمُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَأْمُورِ) ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَهُ فِي هَذِهِ الْعُهْدَةِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ، وَأَرَادَ مِنْ الْآمِرِ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ فَشَمِلَ الْمَيِّتَ فَإِنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ قِيلَ هُوَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ صِلَةٌ كَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا، وَقِيلَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ فَصَارَ دَيْنًا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، وَإِذَا تَحَلَّلَ الْمَأْمُورُ الْمُحْصَرُ بِذَبْحِ الْهَدْيِ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلنَّفَقَةِ كَفَائِتِ الْحَجِّ لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ كَذَا قَالُوا، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ فِي الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ إذَا قَضَى الْحَجَّ هَلْ يَكُونُ عَنْ الْآمِرِ أَوْ يَقَعُ لِلْمَأْمُورِ، وَإِذَا كَانَ لِلْآمِرِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ دَمُ الْقِرَانِ عَلَى الْمَأْمُورِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَالْمَأْمُورُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفِعْلِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ وُقُوعٌ شَرْعِيٌّ وَوُجُوبُ دَمِ الشُّكْرِ مُسَبَّبٌ عَنْ الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ الصَّادِرِ مِنْ الْمَأْمُورِ.
وَأَطْلَقَ فِي الْقِرَانِ فَشَمِلَ مَا إذَا أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِالْقِرَانِ فَقَرَنَ أَوْ أَمَرَهُ وَاحِدٌ بِالْحَجِّ وَآخَرُ بِالْعُمْرَةِ، وَأَذِنَا لَهُ فِي الْقِرَانِ وَبَقِيَ صُورَتَانِ يَكُونُ بِالْقِرَانِ فِيهِمَا مُخَالِفًا إحْدَاهُمَا مَا إذَا لَمْ يَأْذَنَا لَهُ بِالْقِرَانِ فَقَرَنَ عَنْهُمَا ضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا الثَّانِيَةَ مَا إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَقَرَنَ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِلنَّفَقَةِ لَا؛ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ بَلْ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِفْرَادِ سَفَرٍ لَهُ، وَقَدْ خَالَفَ، وَفِي الثَّانِيَةِ خِلَافُهُمَا هُمَا يَقُولَانِ هُوَ خِلَافٌ إلَى خَيْرٍ، وَهُوَ يَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْعُمْرَةِ، وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ فِي إيقَاعِ نُسُكٍ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْإِفْرَادِ فَتَمَتَّعَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُخَالِفًا اتِّفَاقًا، وَأَرَادَ بِالْقِرَانِ دَمَ الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ قِرَانًا كَانَ أَوْ تَمَتُّعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لَكِنْ بِالْإِذْنِ الْمُتَقَدِّمِ، وَأَطْلَقَ فِي دَمِ الْجِنَايَةِ فَشَمِلَ دَمَ الْجِمَاعِ وَدَمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَدَمَ الْحَلْقِ وَدَمَ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَالطِّيبِ وَدَمَ الْمُجَاوَزَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُورِ وَحْدَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ
ــ
[منحة الخالق]
(قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ) مَكْرُوهٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ، وَأَظُنُّ أَنَّهُ تَغْيِيرٌ مِنْ سَبْقِ الْقَلَمِ وَالْأَصْلُ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ السِّرَاجِ عَنْ الْكَرْخِيِّ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَعَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي عَنْ النَّهْرِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ فِي الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ إلَخْ) قَالَ: فِي النَّهْرِ عَلَّلَهُ فِي السِّرَاجِ بِأَنَّ الْحَجَّ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فَإِنْ فَاتَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ. اهـ.
يَعْنِي، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَنْهُ وَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ. اهـ.
قُلْتُ: رَأَيْت فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الْجَوَابِ قَالَ: وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ عَنْهُ رَجُلًا فَأَحْرَمَ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ ثُمَّ قَدِمَ، وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ قَالَ مُحَمَّدٌ رحمه الله يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدِهِ إذَا بَلَغَتْ النَّفَقَةُ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ بَلَغَ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ بَعْدَ الْفَوْتِ. اهـ.
وَفِيهَا قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَةِ التَّهْذِيبِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ الْحَاجُّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا فَسَدَ حَجُّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ الَّذِي أَفْسَدَهُ، وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ لِلْآمِرِ، وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ وَحَجٌّ عَنْ الْآمِرِ ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْحَاوِي، وَإِنْ كَانَ شَغَلَهُ حَوَائِجُ نَفْسِهِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِلنَّفَقَةِ، وَلَوْ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَابِلٍ مِنْ مَالِهِ عَنْ الْمَيِّتِ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ. اهـ.
نَقَلَهُ فِي السِّرَاجِ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ زُفَرُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ وَيَضْمَنُ الْمَالَ، وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِمَرَضٍ أَوْ سَقَطَ مِنْ الْبَعِيرِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَنَفَقَتُهُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَالِهِ خَاصَّةً ثُمَّ نُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَعَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ وَاَلَّذِي تَحَرَّرَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَفُوتَهُ بِتَقْصِيرِهِ أَوْ لَا فَفِي الْأَوَّلِ يَضْمَنُ النَّفَقَةَ وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ كَمَا فِي الْحَاوِي، وَفِي الثَّانِي لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى مَا فِي الْمُنْتَقَى وَالسِّرَاجِ، وَأَمَّا عَلَى مَا فِي التَّهْذِيبِ فَعَنْ الْآمِرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَقَى وَالثَّانِي قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ التَّهْذِيبِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ ثُمَّ عَلَى مَا فِي التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ عَنْ الْآمِرِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ وَحَجَّ عَنْ الْآمِرِ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَحَجَّ عَنْ
بِجِنَايَتِهِ لَكِنْ فِي الْجِنَايَةِ بِالْجِمَاعِ تَفْصِيلٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ضَمِنَ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا بِالْإِفْسَادِ، وَإِنْ بَعْدَهُ فَلَا ضَمَانَ وَالدَّمُ عَلَى الْمَأْمُورِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِذَا فَسَدَ حَجُّهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي وُقُوعِهِ عَنْ الْآمِرِ، وَلَوْ أَتَمَّ الْحَجَّ إلَّا طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَرَجَعَ، وَلَمْ يَطُفْهُ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَيَعُودُ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ وَيَقْضِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَانٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَمَّا لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ عَنْ الْآمِرِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ كَذَا قَالُوا، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ فِيهِ بَحْثًا، وَأَعْظَمِيَّةُ أَمْرِهَا إنَّمَا هُوَ لِلْأَمْنِ مِنْ الْإِفْسَادِ بَعْدَهُ لَا؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ الْإِحْجَاجُ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَأَمَّا دَمُ رَفْضِ النُّسُكِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ إلَّا فِي مَالِ الْحَاجِّ، وَلَا يَبْعُدُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا فَفَعَلَ حَتَّى ارْتَفَضَتْ إحْدَاهُمَا كَوْنُهُ عَلَى الْآمِرِ، وَلَمْ أَرَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. اهـ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَأْمُورُ وَالْوَرَثَةُ أَوْ الْوَصِيُّ فَقَالَ: وَقَدْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مُنِعَتْ مِنْ الْحَجِّ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ لَا يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا ظَاهِرًا يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَفْعِهِ إلَّا بِظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ: حَجَجْت، وَكَذَّبَهُ الْآمِرُ كَانَ الْقَوْلُ لِلْمَأْمُورِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْبَلَدِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ إلَّا أَنْ يُقِيمَا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاجُّ مَدْيُونًا لِلْمَيِّتِ أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ الدَّيْنِ هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ الْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ مُطَالِبٌ بِدَيْنِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي حَقِّ غَرِيمِ الْمَيِّتِ إلَّا بِالْحُجَّةِ، وَالْقَوَاعِدُ تَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ فَكَانَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: الْأَوَّلَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ مَاتَ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ فَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا أَحَجَّ رَجُلًا عَنْ الْمَيِّتِ فَمَاتَ الرَّجُلُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ الْمُوصِي مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ كُلِّهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ اقْتَصَرَ الشَّارِحُونَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّعْقِيدِ فِي الضَّمَائِرِ فَإِنَّ ضَمِيرَ مَاتَ يَرْجِعُ إلَى الْمَأْمُورِ وَضَمِيرَ عَنْهُ، وَمَنْزِلِهِ يَرْجِعُ إلَى الْمُوصِي. الثَّانِيَ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ مَاتَ هُوَ الْمُوصِي، فَيَتَّحِدُ مَرْجِعُ الضَّمَائِرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ إذَا مَاتَ بَعْدَمَا خَرَجَ حَاجًّا، وَأَوْصَى بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ تَرِكَتِهِ، وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ أَيْ بَعْدَ الْإِنْفَاقِ فِي الطَّرِيقِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآمِرَ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَيًّا وَقْتَ الْإِحْجَاجِ أَوْ مَيِّتًا فَإِنْ كَانَ حَيًّا، وَمَاتَ الْمَأْمُورُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يُحِجُّ إنْسَانًا آخَرَ مِنْ مَنْزِلِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ حَيٌّ يَرْجِعُ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ أَمَرَ إنْسَانًا بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَدَفَعَ لَهُ مَالًا فَلَمْ تَبْلُغْ النَّفَقَةُ مِنْ بَلَدِهِ لَمْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ كَالْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ فَيَحْصُلُ الِاسْتِدْرَاكُ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا، وَأَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ خَرَجَ حَاجًّا بِنَفْسِهِ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو إمَّا إنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ أَوْ عَيَّنَ الْمَالَ وَالْمَكَانَ فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَأَطْلَقَ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّبَرُّعَاتِ فَإِنْ بَلَغَ ثُلُثُهُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ الَّذِي يَسْكُنُهُ، وَكَذَا إنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَجِّ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَأَوْصَى. وَأَمَّا إذَا خَرَجَ لِلْحَجِّ، وَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَأَوْصَى فَإِنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا يُحَجُّ مِنْ حَيْثُ مَاتَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَأْمُورُ فِي الْحَجِّ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَحُجُّ عَنْ الْمُوصِي مِنْ مَنْزِلِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ
ــ
[منحة الخالق]
الْآمِرِ هُوَ الْمُرَادُ بِقَضَاءِ الْفَائِتِ لَا غَيْرُهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي وُقُوعِهِ عَنْ الْآمِرِ) قَدْ عَلِمْت مِمَّا مَرَّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّهْذِيبِ أَنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدَهُ، وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ لِلْآمِرِ وَصَرَّحَ فِي الْمِعْرَاجِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ عَلَيْهِ حَجَّةً أُخْرَى لِلْآمِرِ سِوَى الْقَضَاءِ فَيَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ عَنْ الْآمِرِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ الْإِحْجَاجُ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ مَعَ الْمَنْقُولِ، وَقَدْ مَرَّ جَوَابُهُ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ.
(قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ يَعْنِي مِنْ التَّرِكَةِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَمَزَ عَلَى صِحَّةِ الْخِلَافِ بِقَوْلِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ وَبِثُلُثِ مَا بَقِيَ، وَعَلَى مَا ادَّعَى لَا خِلَافَ أَنَّهُ يُحَجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ تَرِكَتِهِ. اهـ.
وَالْمُرَادُ بِالْخِلَافِ مَا سَنَذْكُرُهُ عَنْ الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْمَأْمُورُ بِالْحَجِّ إلَخْ) أَيْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ مَنْزِلِهِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ ثُمَّ عِنْدَهُ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَنْظُرُ إنْ بَقِيَ مِنْ الْمَدْفُوعِ شَيْءٌ حَجَّ بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ تَمَامَ الثُّلُثِ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ يُكْمَلُ فَإِذَا بَلَغَ بَاقِيهِ مَا يَحُجُّ بِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ مَثَلًا كَانَ الْمُخَلَّفُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ دَفَعَ الْوَصِيَّةَ أَلْفًا فَهَلَكَتْ يُدْفَعُ إلَيْهِ مَا يَكْفِيهِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي أَوْ كُلِّهِ، وَهُوَ أَلْفٌ فَإِنْ هَلَكَتْ الثَّانِيَةُ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَهَا هَكَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مَا ثُلُثُهُ يَبْلُغُ الْحَجَّ فَيَبْطُلُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَأْخُذُ ثَلَثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَإِنَّهَا مَعَ تِلْكَ الْأَلْفِ ثُلُثُ الْأَرْبَعَةِ الْآلَافِ فَإِنْ كَفَتْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ فَضَلَ مِنْ الْأَلْفِ الْأُولَى مَا يَبْلُغُ، وَإِلَّا بَطَلَتْ
مِنْ التَّرِكَةِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ إلَى أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يُحَجَّ بِثُلُثِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُوصِي أَوْطَانٌ حُجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ أَوْطَانِهِ إلَى مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ فَمِنْ حَيْثُ مَاتَ فَلَوْ مَاتَ مَكِّيٌّ بِالْكُوفَةِ، وَأَوْصَى بِحَجَّةٍ حُجَّ عَنْهُ مِنْ مَكَّةَ.
وَإِنْ أَوْصَى بِالْقِرَانِ قُرِنَ مِنْ الْكُوفَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ أَحَجَّ عَنْهُ الْوَصِيُّ مِنْ غَيْرِ وَطَنِهِ مَعَ مَا يُمْكِنُ الْإِحْجَاجُ مِنْ وَطَنِهِ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ فَإِنَّ الْوَصِيَّ يَكُونُ ضَامِنًا وَيَكُونُ الْحَجُّ لَهُ وَيُحِجُّ عَنْ الْمَيِّتِ ثَانِيًا إلَّا إذَا كَانَ الْمَكَانُ الَّذِي أَحَجَّ مِنْهُ قَرِيبًا إلَى وَطَنِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ إلَى الْوَطَنِ قَبْلَ اللَّيْلِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ ضَامِنًا مُخَالِفًا هَذَا كُلُّهُ إنْ بَلَغَ ثُلُثُ مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْإِحْجَاجُ مِنْ بَلَدِهِ حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ بَلَغَ الثُّلُثُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ رَاكِبًا فَأَحَجَّ عَنْهُ مَاشِيًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ إلَّا مَاشِيًا مِنْ بَلَدِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ: يُحَجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ رَاكِبًا، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا مِنْ حَيْثُ تَبْلُغُ هَذَا إذَا أَطْلَقَ، وَأَمَّا إذَا عَيَّنَ مَكَانًا اُتُّبِعَ؛ لِأَنَّ الْإِحْجَاجَ لَا يَجِبُ بِدُونِ الْوَصِيَّةِ فَيَجِبُ بِمِقْدَارِهَا، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَكْفِي لِحَجَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ كَانَ يَكْفِي لِحِجَجٍ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا أَنْ يُعَيِّنَ حَجَّةً وَاحِدَةً أَوْ يُطْلِقَ أَوْ يُعَيِّنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ حَجَّةً فَفِي الْأَوَّلِ يُحَجُّ عَنْهُ وَاحِدَةٌ، وَمَا فَضَلَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَفِي الثَّانِي خُيِّرَ الْوَصِيُّ إنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ فِي كُلٍّ سَنَةٍ حَجَّةً، وَإِنْ شَاءَ أَحَجَّ عَنْهُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ حِجَجًا، وَهُوَ الْأَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا هَلَكَ الْمَالُ، وَفِي الثَّالِثِ كَالثَّانِي، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّفْرِيقِ لَا يُفِيدُ فَصَارَ كَالْإِطْلَاقِ كَمَا لَوْ أَمَرَ الْمُوصِي رَجُلًا بِالْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَأَخَّرَهُ الْمَأْمُورُ إلَى الْقَابِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ السَّنَةِ لِلِاسْتِعْجَالِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ أَطْلَقَ فَهَلَكَتْ النَّفَقَةُ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُحَجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ بِمَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَأَبْطَلَهُ مُحَمَّدٌ.
وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمُوصِي قَدْرًا فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا مِنْ الْمَالِ فَإِنْ بَلَغَ ذَلِكَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ وَجَبَ، وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَلَوْ عَيَّنَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ يُحَجُّ عَنْهُ بِالثُّلُثِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِعْتَاقِهِ عَنْهُ فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ فِي الْعِتْقِ لَا يَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْ الْمُسَمَّى كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، وَلَمْ يَقُلْ حَجَّةً حُجَّ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِصَرْفِ جَمِيعِ الثُّلُثِ إلَى الْحَجِّ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلتَّمْيِيزِ عَنْ أَصْلِ الْمَالِ، وَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ الدَّرَاهِمَ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَرِدَّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُحْرِمْ؛ لِأَنَّ الْمَالَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ فَنَفَقَتُهُ إلَى بَلَدِهِ عَلَى مَنْ تَكُونُ إنْ اسْتَرَدَّ بِجِنَايَةٍ ظَهَرَتْ مِنْهُ فَالنَّفَقَةُ فِي مَالِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ اسْتَرَدَّ لَا بِجِنَايَةٍ، وَلَا تُهْمَةَ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي مَالِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ اسْتَرَدَّ لِضَعْفِ رَأْيٍ فِيهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِأُمُورِ الْمَنَاسِكِ فَأَرَادَ الدَّفْعَ إلَى أَصْلَحَ مِنْهُ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَرَدَّ لِمَنْفَعَةِ الْمَيِّتِ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى وَارِثٍ لِيَحُجَّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ، وَهُمْ كِبَارٌ؛ لِأَنَّ هَذَا كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ فَلَا يَصِحُّ لِلْوَارِثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ، وَلَوْ قَالَ الْمَيِّتُ لِلْوَصِيِّ: ادْفَعْ الْمَالَ لِمَنْ يَحُجُّ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ ثُلُثُ مَالِهِ قَدْرَ مَا لَا يُمْكِنُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَحَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَالدِّينِ إذَا قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْمَيِّتِ، وَهُوَ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ، وَعَلَى هَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَمِثْلُهُ لَوْ قَضَى عَنْهُ دَيْنَهُ مُتَطَوِّعًا جَازَ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ عَنْ الْكَبِيرِ الْعَاجِزِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَا يَجُوزُ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ يَجُوزُ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
رَجُلٌ مَاتَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَحَجَّ عَنْهُ رَجُلٌ بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَنْوِ لَا فَرْضًا
ــ
[منحة الخالق]
فَالْخِلَاف فِي مَوْضِعَيْنِ فِيمَا يُدْفَعُ ثَانِيًا، وَفِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ الْإِحْجَاجُ مِنْهُ ثَانِيًا وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ: فَهَلَكَتْ النَّفَقَةُ إلَخْ) قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ ضَاعَ مَالُ النَّفَقَةِ بِمَكَّةَ أَوْ بِقُرْبٍ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَبْقَ مَالُ النَّفَقَةِ فَأَنْفَقَ الْمَأْمُورُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَدْ أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَنْهُ (قَوْلُهُ: فَحَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ) ، وَكَذَا لَوْ أَحَجَّ الْوَارِثُ رَجُلًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلْيُنْظَرْ لِمَ جَازَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ حَجُّ الْوَارِثِ وَإِحْجَاجُهُ، وَلَمْ يَجُزْ حَجُّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَارَّةِ قَرِيبًا عَنْ الْفَتْحِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ؟ . اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: مَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ) كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: الْمَيِّتُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَجُوزُ. اهـ.
لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ: وَلَوْ أَوْصَى
وَلَا نَفْلًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ نَوَى تَطَوُّعًا لَا يَجُوزُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. اهـ.
وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ لَوْ قَالَ: حُجُّوا مِنْ ثُلُثِي حَجَّتَيْنِ يُكْتَفَى بِوَاحِدَةٍ وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ إنْ فَضَلَ. اهـ.
وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُحِيطِ والولوالجية، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يُوصِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَبَيْنَ أَنْ يُوصِيَ بِجَمِيعِ الثُّلُثِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْعُمْدَةِ مِنْ الْوَصَايَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِالْأَلْفِ مِنْ مَالِهِ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِاللَّفْظِ فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْمُوصِي، وَهُوَ أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَا يُبَدَّلُ. اهـ.
وَفِي الْعُدَّةِ امْرَأَةٌ تَرَكَتْ مَهْرَهَا عَلَى الزَّوْجِ لِيَحُجَّ بِهَا وَحَجَّ بِهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرِّشْوَةِ، وَهِيَ حَرَامٌ اهـ.
وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْحَجِّ، وَلَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ الطَّاعَاتِ فَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ وَدُفِعَ إلَيْهِ الْأَجْرُ فَحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِقْدَارُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ فِي الذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ وَيُرَدُّ الْفَضْلُ عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْفَضْلَ لِنَفْسِهِ إلَّا إذَا تَبَرَّعَ الْوَرَثَةُ بِهِ، وَهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ أَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ بِأَنَّ الْفَضْلَ لِلْحَاجِّ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ مَجْهُولٌ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَصِيرُ مَعْرُوفًا بِالْحَجِّ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِشِرَاءِ عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَيُعْتَقُ وَيُعْطَى لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ. اهـ.
وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِمَوْتِهِ فِي الطَّرِيقِ مَوْتَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلَوْ كَانَ بِمَكَّةَ، وَفِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ مَعَهُ وَيَضْمَنُونَهُ مَا أَنْفَقَ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَا يُشْبِهُ الْوَرَثَةُ الْآمِرَ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَجِّ كَنَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَتَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَيَرْجِعُ الْمَالُ إلَى الْوَرَثَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَعَيَّنَ صَحَّ) ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّوَابَ لِلْغَيْرِ، وَهُوَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بَعْدَ
ــ
[منحة الخالق]
بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ الْوَارِثُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ جَازَ لِلْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ فَرَّقَ فِي مَسْأَلَةِ عَدَمِ الرُّجُوعِ بَيْنَ مَا إذَا حَجَّ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا أَحَجَّ غَيْرَهُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَجْهَ الْفَرْقِ فَلْيُنْظَرْ نَعَمْ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ فِي الْأُولَى أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ بِمَالِهِ دُونَ الثَّانِيَةِ لَكِنْ لَيْسَ فِي كَلَامِ التَّجْنِيسِ وَالْخَانِيَّةِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى الْحَجِّ إلَخْ) قَالَ: فِي الْفَتْحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ مَا يُنْفِقُهُ الْمَأْمُورُ إنَّمَا هُوَ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِلْكَهُ لَكَانَ بِالِاسْتِئْجَارِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ مِنْ قَوْلِهِ إذَا اسْتَأْجَرَ الْمَحْبُوسُ رَجُلًا لِيَحُجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ جَازَتْ الْحَجَّةُ عَنْ الْمَحْبُوسِ إذَا مَاتَ فِي الْحَبْسِ وَلِلْأَجِيرِ أَجْرُ مِثْلِهِ مُشْكِلٌ لَا جَرَمَ أَنَّ الَّذِي فِي الْكَافِي لِلْحَاكِمِ أَبِي الْفَضْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: وَلَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ هِيَ الْعِبَارَةُ الْمُحَرَّرَةُ وَزَادَ إيضَاحُهَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: وَهَذِهِ النَّفَقَةُ لَيْسَ يَسْتَحِقُّهَا بِطَرِيقِ الْعَرَضِ بَلْ بِطَرِيقِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرَّغَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ هَذَا، وَإِنَّمَا جَازَ الْحَجُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بَقِيَ الْأَمْرُ بِالْحَجِّ فَتَكُونُ لَهُ نَفَقَةُ مِثْلِهِ. اهـ.
وَأُجِيبَ عَنْ قَاضِي خَانْ بِأَنَّهُ أَرَادَ مَا قَالَهُ الْحَاكِمُ غَيْرَ أَنَّهُ عَبَّرَ عَنْ نَفَقَةِ الْمِثْلِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِمُشَاكَلَةِ صِفَةِ الْعِبَارَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُشَاكَلَةَ إنَّمَا تَحْسُنُ فِي الْمَقَامَاتِ الْخَطَابِيَّةِ لَا فِي إفَادَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قِيلَ وَيَنْبَغِي جَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ بِنَاءً عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الطَّاعَاتِ. اهـ.
وَفِيهِ نَظَرٌ يَظْهَرُ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ، وَقَدْ نَصَّ فِي الْمَتْنِ وَالْمُخْتَارِ وَالْمَوَاهِبِ وَالْمَجْمَعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُتُونِ الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهَا عَلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَاسْتَثْنَى فِي الْمَتْنِ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَزَادَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ الْفِقْهَ وَزَادَ فِي الْمَجْمَعِ وَالْمُخْتَارِ الْإِمَامَةَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْأَذَانَ، وَقَدْ جُمِعَ الْأَرْبَعَةُ فِي مَتْنِ التَّنْوِيرِ، وَقَدْ صَرَّحَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي رِسَالَتِهِ بُلُوغِ الْأَرَبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ مَشَايِخِنَا جَوَازَ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَجِّ، وَمَا قِيلَ إنَّهُ صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ نَعَمْ صَدْرُ كَلَامِهِ مُوهِمٌ لِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَرْفَعُهُ التَّعْلِيلُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ، وَلَوْ سَلِمَ فَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ كَمَا لَا عِبْرَةَ بِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّاهِدِيُّ كَيْفَ، وَلَوْ صَحَّ يَلْزَمُهُ هَدْمُ كَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ مِنْهَا مَا مَرَّ عَنْ الْكَمَالِ، وَمِنْهَا وُجُوبُ رَدِّ الزَّائِدِ مِنْ النَّفَقَةِ إلَّا بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، وَمِنْهَا اشْتِرَاطُ الْإِنْفَاقِ بِقَدْرِ مَالِ الْآمِرِ أَوْ أَكْثَرِهِ وَغَيْرُهَا مِمَّا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ الْمُتَتَبِّعِ إذْ لَوْ صَحَّتْ الْإِجَارَةُ لَمَا لَزِمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ أَهَّلَ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَعَيَّنَ صَحَّ) قَالَ: فِي الشرنبلالية يُفِيدُ بِطَرِيقٍ أَوْلَى أَنَّهُ إذَا أَهَّلَ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَتَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِجَعْلِ ثَوَابِ عَمَلِهِ لِأَحَدِهِمَا يُفِيدُ وُقُوعَ الْحَجِّ عَنْ الْفَاعِلِ فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْهُ، وَإِنْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو بِسَبَبِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ مِنْ قِبَلِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابَ وَيُفِيدُ ذَلِكَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ: اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْوَلَدِ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ جِدًّا لِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
الْأَدَاءِ فَالنِّيَّةُ قَبْلَهُ لَهُمَا لَغْوٌ فَإِذَا فَرَغَ وَجَعَلَهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَهَلَّ عَنْ آمِرَيْهِ ثُمَّ عَيَّنَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِيُعْلَمَ مِنْهُ حُكْمُ عَدَمِ التَّعْيِينِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ جَعَلَهُ لَهُمَا يَمْلِكُ صَرْفَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا فَلَأَنْ يُبْقِيَهُ لَهُمَا أَوْلَى وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ كَالْوَارِثِ فِي هَذَا فَإِنَّ مَنْ تَبَرَّعَ عَنْ أَجْنَبِيَّيْنِ بِالْحَجِّ فَهُوَ كَالْوَلَدِ عَنْ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَجْعُولَ إنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ لِمَنْ شَاءَ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّهُ فِي الْوَارِثِ الْمُتَبَرِّعِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ أَمَّا إذَا أَوْصَى بِحَجَّةِ الْفَرْضِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ إمَّا بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلًا فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِحَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ فَإِنَّهُ شَبَّهَهُ بِدَيْنِ الْعِبَادِ، وَفِيهِ لَوْ قَضَى الْوَارِثُ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ يُجْزِئُهُ فَكَذَا هَذَا، وَفِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ أَطْلَقَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجَوَابَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْمَشِيئَةِ قُلْنَا إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ فِيمَا طَرِيقُهُ الْعَمَلُ فَأَطْلَقَ الْجَوَابَ فِيهِ فَأَمَّا سُقُوطُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمَيِّتِ بِأَدَاءِ الْوَرَثَةِ طَرِيقُهُ الْعِلْمُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَعَالَى فَلِهَذَا قَيَّدَ الْجَوَابَ بِالِاسْتِثْنَاءِ. اهـ.
وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْقَبُولِ لَا عَلَى الْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَمَنْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ دَيْنِ رَجُلٍ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ فَكَذَا فِي بَابِ الْحَجِّ. اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ حَجَّ الْوَلَدِ عَنْ وَالِدِهِ وَوَالِدَتِهِ مَنْدُوبٌ لِلْأَحَادِيثِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يُقَيِّدْ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ بِشَيْءٍ لِيُفِيدَ أَنَّهُ يَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ أَوَّلًا عَنْ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَاخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ، وَفِي الْبَدَائِعِ يُكْرَهُ إحْجَاجُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّرُورَةِ وَالْأَفْضَلُ إحْجَاجُ الْحُرِّ الْعَالِمِ بِالْمَنَاسِكِ الَّذِي حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَإِلَّا
ــ
[منحة الخالق]
«لِمَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ عليه السلام قَالَ:«مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ، وَمِنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» . اهـ.
قُلْتُ: وَقَوْلُ الْفَتْحِ، وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو إلَخْ يُفِيدُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَأْمُورًا لَا تَلْغُو فَلَا تَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ مُسْقِطَةً لِلْفَرْضِ فَيَصْلُحُ رَدًّا لِمَا ذَكَرَهُ الْبَاقَانِيُّ فِيمَا مَرَّ لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مَا يَأْتِي قَرِيبًا مِنْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ إمَّا بِالْحَجِّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ رَجُلًا يُجْزِئُهُ أَيْ يُجْزِئُ الْمَيِّتَ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ كَمَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْمَبْسُوطِ وَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: يُجْزِئُ عَنْهُمَا كَمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ كَلَامَ الْفَتْحِ فِي كَرَاهَةِ الْإِحْجَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي الْحَجِّ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ أَنَّ حَجَّ الصَّرُورَةِ عَنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالصِّحَّةِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ، وَكَذَا لَوْ تَنَفَّلَ لِنَفْسِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِعَيْنِ الْحَجِّ الْمَفْعُولِ بَلْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ خَشْيَةُ أَنْ لَا يُدْرِكُ الْفَرْضَ إذْ الْمَوْتُ فِي سَنَتِهِ غَيْرُ نَادِرٍ. اهـ.
وَبِهِ تَأَيَّدَ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ التَّحْقِيقِ هَذَا وَرَأَيْت فِي فَتَاوَى الْعَلَّامَةِ حَامِدٍ أَفَنْدِي الْعِمَادِيِّ مُفْتِي دِمَشْقَ مَا نَصُّهُ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى حَاجِّ الصَّرُورَةِ أَنْ يَمْكُثَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ أَرَهُ إلَّا فِي فَتَاوَى أَبِي السُّعُودِ الْمُفَسِّرِ بِمَا صُورَتُهُ مَسْأَلَةٌ: كعبه شريفه يه وَارْمِينَ زَيْدٌ فَقِيرٌ عُمْرك حَجّ شريف ايجون تعيين ايتدوكى اقجه اولوب عمر ونيتنه حَجّ ايلسه شَرْعًا جَائِزًا، وَلَوْ رَمَى الْجَوَابَ اكرجه جَائِزٌ دراما ير دَفَعَهُ حَجَّ ايده لَهُ ايتدرمك كَرَّ كَدُرِّ زُبُر ابوندن وَارَوْب حَجّ اشمك لَازِم الورانده مُجَاوِرًا وليجق عُمْرك حَجَّتِي إتْمَام اتممش اولور. اهـ.
أَقُولُ:، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ بَحْثٌ إنْ لَمْ يُوجَدْ نَقْلٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حَجَّ بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ لَا بِقُدْرَةِ نَفْسِهِ، وَمَالِهِ، وَإِذَا أَتَمَّ الْحَجَّ يَمْضِي أَشْهُرُ الْحَجِّ فَإِنَّهَا شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ حَتَّى تَأْتِيَ أَشْهُرُهُ فَإِذَا كَانَ فَقِيرًا أَوْ لَهُ عَائِلَةٌ فِي بَلَدِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ إلَى السَّنَةِ الْآتِيَةِ بِلَا نَفَقَةٍ مَعَ تَرْكِهِ عِيَالَهُ يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ نَاقِلًا عَنْ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ عَلَى مُلْتَقَى الْأَبْحُرِ مَا صُورَتُهُ: وَيَجُوزُ إحْجَاجُ الصَّرُورَةِ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ الْحَجُّ لِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ إلَى عَامٍ قَابِلٍ وَيَحُجُّ لِنَفْسِهِ أَوْ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ عَوْدَةِ أَهْلِهِ بِمَالِهِ، وَإِنْ فَقِيرًا فَلْتُحْفَظْ وَالنَّاسُ عَنْهَا غَافِلُونَ وَصَرَّحَ عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِ مَنَاسِكِهِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهُ بِوُصُولِهِ لِمَكَّةَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ. اهـ.
وَفِي نَهْجِ النُّحَاةِ لِابْنِ حَمْزَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ كَلَامِ حَسَنٍ فَلْتُرَاجَعْ. اهـ مَا رَأَيْته فِي الْحَامِدِيَّةِ.
وَرَأَيْت فِي بَعْضِ حَوَاشِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ أَفْتَى بِعَدَمِ وُجُوبِ الْحَجِّ عَلَيْهِ مَوْلَانَا الْعَارِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى الشَّيْخُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيُّ لِتَلَبُّسِهِ بِالْإِحْرَامِ عَنْ الْغَيْرِ وَوُجُودِ الْحَرَجِ الْمَرْفُوعِ لَوْ أَقَامَ إلَى قَابِلٍ، وَأَلَّفَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً، وَأَفْتَى بِخِلَافِهِ مَوْلَانَا السَّيِّدُ أَحْمَدُ بَادْشَاهْ فِي رِسَالَةٍ لَهُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ مُنْلَا عَلِيٍّ الْقَارِي فِي شَرْحِهِ لَوْ حَجَّ الْفَقِيرُ نَفْلًا يَجِبُ