المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل في الأكفاء في النكاح] - البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري - جـ ٣

[زين الدين ابن نجيم - ابن عابدين]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْجِنَايَاتِ فِي الْحَجّ]

- ‌[فَصْلٌ نَظَرَ الْمُحْرِم إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ بِشَهْوَةٍ فَأَمْنَى]

- ‌[فَصْلٌ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ]

- ‌(بَابُ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ)

- ‌(بَابُ إضَافَةِ الْإِحْرَامِ إلَى الْإِحْرَامِ)

- ‌[بَابُ الْإِحْصَارِ فِي الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَة]

- ‌[بَابُ الْفَوَاتِ فِي الْحَجُّ]

- ‌(بَابُ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ)

- ‌(بَابُ الْهَدْيِ)

- ‌[مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

- ‌(كِتَابُ النِّكَاحِ)

- ‌[فَصْلٌ فِي الْمُحَرَّمَاتِ فِي النِّكَاح]

- ‌[بَابُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاحِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاح]

- ‌[فَصْلٌ بَعْضُ مَسَائِلِ الْوَكِيلِ وَالْفُضُولِيِّ فِي النِّكَاح]

- ‌(بَابُ الْمَهْرِ)

- ‌(بَابُ نِكَاحِ الرَّقِيقِ)

- ‌[بَابُ نِكَاحِ الْكَافِر]

- ‌(بَابُ الْقَسْمِ)

- ‌(كِتَابُ الرَّضَاعِ)

- ‌[الْمُحْرِمَات بِسَبَبِ الرَّضَاعِ]

- ‌[وَلَبَنُ الرَّجُلِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ]

- ‌ أَرْضَعَتْ ضَرَّتَهَا

- ‌(كِتَابُ الطَّلَاقِ)

- ‌[بَابُ أَلْفَاظُ الطَّلَاقِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي إضَافَةِ الطَّلَاقِ إلَى الزَّمَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ)

- ‌(بَابُ الْكِنَايَاتِ فِي الطَّلَاقِ)

- ‌(بَابُ تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ)

- ‌(فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْيَدِ)

- ‌(فَصْلٌ فِي الْمَشِيئَةِ)

الفصل: ‌[فصل في الأكفاء في النكاح]

وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ أَبُوهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْفَرُ شَفَقَةً مِنْ الِابْنِ، وَلَهُمَا: أَنَّ الِابْنَ هُوَ الْمُقَدَّمُ فِي الْعُصُوبَةِ، وَهَذِهِ الْوِلَايَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهَا وَلَا مُعْتَبَرَ بِزِيَادِ الشَّفَقَةِ كَأَبِي الْأُمِّ مَعَ بَعْضِ الْعَصَبَاتِ وَأَخَذَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَجْنُونَةِ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَجْنُونِ إذَا كَانَ لَهُ أَبٌ وَابْنٌ كَذَلِكَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْمُرَ الِابْنُ الْأَبَ بِالنِّكَاحِ حَتَّى يَجُوزَ بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَحُكْمُ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ كَالِابْنِ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْأَبِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَأَطْلَقَ فِي الْمَجْنُونِ فَشَمِلَ الْأَصْلِيَّ وَالْعَارِضَ خِلَافًا لِزُفَرَ فِي الثَّانِي وَقَيَّدْنَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ لِلْأَبِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْقَلَانِسِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا حُكْمَ الصَّلَاةِ فِي الْجَنَائِزِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قَرِيبًا أَنَّ الْمَجْنُونَ وَالْمَجْنُونَةَ الْبَالِغَيْنِ إذَا زَوَّجَهُمَا الِابْنُ ثُمَّ أَفَاقَا فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ وَلَا خِيَارَ لَهُمَا فِي تَزْوِيجِهِمَا فَالِابْنُ أَوْلَى.

[فَصْلٌ فِي الْأَكْفَاءِ فِي النِّكَاح]

(فَصْلٌ فِي الْأَكْفَاءِ) .

جَمْعُ كُفْءٍ بِمَعْنَى النَّظِيرِ لُغَةً، وَالْمُرَادُ هُنَا: الْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي خُصُوصِ أُمُورٍ أَوْ كَوْنُ الْمَرْأَةِ أَدْنَى وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَصَالِحَ إنَّمَا تَنْتَظِمُ بَيْنَ الْمُتَكَافِئِينَ عَادَةً؛ لِأَنَّ الشَّرِيفَةَ تَأْبَى أَنْ تَكُونَ مُسْتَفْرَشَةً لِلْخَسِيسِ بِخِلَافِ جَانِبِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مُسْتَفْرِشٌ فَلَا يَغِيظُهُ دَنَاءَةُ الْفِرَاشِ وَمِنْ الْغَرِيبِ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالْكَفَاءَةُ فِي النِّسَاءِ لِلرِّجَالِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا اهـ.

وَذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَعَزَاهُ إلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَكِنْ فِي الْخَبَّازِيَّةِ الصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ جَانِبِهَا عِنْدَ الْكُلِّ اهـ.

وَهُوَ حَقُّ الْوَلِيِّ لَا حَقُّهَا فَلِذَا ذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوِيهِ امْرَأَةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ مَأْذُونٌ فِي النِّكَاحِ فَلَيْسَ لَهَا الْخِيَارُ وَلِلْأَوْلِيَاءِ الْخِيَارُ وَإِنْ زَوَّجَهَا الْأَوْلِيَاءُ بِرِضَاهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ ثُمَّ عَلِمُوا لَا خِيَارَ لِأَحَدِهِمْ، هَذَا إذَا لَمْ يُخْبِرْ الزَّوْجُ أَنَّهُ حُرٌّ وَقْتَ الْعَقْدِ، أَمَّا إذَا أَخْبَرَ الزَّوْجُ أَنَّهُ حُرٌّ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى حَالِهَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَارُ وَدَلَّتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ تَشْتَرِطْ الْكَفَاءَةَ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ كُفْءٌ أَمْ لَا ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ لَا خِيَارَ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْأَوْلِيَاءُ لَوْ زَوَّجُوهَا بِرِضَاهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ ثُمَّ عَلِمُوا لَا خِيَارَ لَهُمْ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَجِيبَةٌ، أَمَّا إذَا شَرَطُوا فَأَخْبَرَهُمْ بِالْكَفَاءَةِ فَزَوَّجُوهَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ كَانَ لَهُمْ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْكَفَاءَةَ كَانَ عَدَمُ الرِّضَا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ الْوَلِيِّ وَمِنْهَا ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ حَالَ الزَّوْجِ مُحْتَمَلٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كُفُؤًا وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ كُفُؤًا وَالنَّصُّ إنَّمَا أَثْبَتَ حَقَّ الْفَسْخِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْكَفَاءَةِ حَالَ عَدَمِ الرِّضَا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَثْبُتُ حَالَ وُجُودِ الرِّضَا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ وَجْهٍ اهـ.

وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ انْتَسَبَ الزَّوْجُ لَهَا نَسَبًا غَيْرَ نَسَبِهِ فَإِنْ ظَهَرَ دُونَهُ وَهُوَ لَيْسَ بِكُفْءٍ فَحَقُّ الْفَسْخِ ثَابِتٌ لِلْكُلِّ وَإِنْ كَانَ كُفُؤًا فَحَقُّ الْفَسْخِ لَهَا دُونَ الْأَوْلِيَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَا ظَهَرَ فَوْقَ مَا أَخْبَرَ فَلَا فَسْخَ لِأَحَدٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ؛ لِأَنَّهَا عَسَى تَعْجِزُ عَنْ الْمُقَامِ مَعَهُ اهـ.

وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهُ فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ فَإِذَا هُوَ أَخُوهُ أَوْ عَمُّهُ فَلَهَا الْخِيَارُ. اهـ.

(قَوْلُهُ مَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ كُفْءٍ فَرَّقَ الْوَلِيُّ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي انْعِقَادِهِ صَحِيحًا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ الثَّلَاثَةِ فَتَبْقَى أَحْكَامُهُ مِنْ إرْثٍ وَطَلَاقٍ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْفُرْقَةِ قَضَاءُ الْقَاضِي فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِطَلَبِ الْوَلِيِّ لَكَانَ أَظْهَرَ وَقَدَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ طَلَاقًا وَأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ مِنْ عَدَمِ الِانْعِقَادِ أَصْلًا إذَا كَانَ لَهَا

ــ

[منحة الخالق]

إذَا غَابَ الْأَقْرَبُ كَمَا مَرَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَصْلٌ فِي الْأَكْفَاءِ)

(قَوْلُهُ: وَذَكَرَهُ فِي الْمُحِيطِ وَعَزَاهُ إلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الْبَدَائِعِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اعْتِبَارَهَا فِي جَانِبِ الرِّجَالِ خَاصَّةً وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ إنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ عِنْدَهُمَا أَيْضًا اسْتِدْلَالًا بِمَسْأَلَةِ الْجَامِعِ وَهِيَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ أَمِيرٌ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ أَمَةً لِغَيْرِهِ جَازَ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى مَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ عِنْدَهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَوْ لِاعْتِقَادِ الْكَفَاءَةِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِيهَا فِي وَكَالَةِ الْأَصْلِ فَلَمْ يَكُنْ دَلِيلًا عَلَى مَا ذَكَرَ. اهـ. وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لِلْمَسْأَلَةِ آخِرَ الْفَصْلِ.

(قَوْلُهُ وَهِيَ حَقُّ الْوَلِيِّ لَا حَقُّهَا) فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْكَفَاءَةُ حَقٌّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الذَّخِيرَةِ قُبَيْلَ الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ فِي إتْمَامِ مَهْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْمَرْأَةِ وَلِلْأَوْلِيَاءِ كَحَقِّ الْكَفَاءَةِ وَعِنْدَهُمَا لِلْمَرْأَةِ لَا غَيْرُ، اهـ.

فَإِنَّ قَوْلَهُ كَحَقِّ الْكَفَاءَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَمْلِ الْمُخْتَلِفِ عَلَى الْمُؤْتَلِفِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، وَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَذْكُرُ الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَعَنْ الذَّخِيرَةِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ فَإِنَّمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ وَثَبَتَ لِلْأَوْلِيَاءِ لِرِضَاهَا بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ لَمْ تَشْتَرِطْهَا كَمَا أَفَادَهُ آخِرُ كَلَامِ الْوَلْوَالِجيَّةِ.

(قَوْلُهُ وَقَدَّمْنَا) أَيْ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ بِالْبُلُوغِ وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْمُفْتَى بِهِ إلَخْ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: نَفَذَ نِكَاحُ حُرَّةٍ رَمْلِيٌّ. (قَوْلُهُ إذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ

ص: 137

وَلِيٌّ لَمْ يَرْضَ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا يُفِيدُ الرِّضَا بَعْدَهُ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ مَنْ نَكَحَتْ غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَا الْوَلِيِّ لَكَانَ أَوْلَى، وَأَمَّا تَمْكِينُهَا مِنْ الْوَطْءِ فَعَلَى الْمُفْتَى بِهِ هُوَ حَرَامٌ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ، وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا اهـ.

وَلَا تُمَكِّنُهُ مِنْ الْوَطْءِ حَتَّى يَرْضَى الْوَلِيُّ هَكَذَا اخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَإِنْ كَانَ هَذَا خِلَافَ ظَاهِرِ الْجَوَابِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّةِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ إنَّمَا تَزَوَّجْت بِك رَجَاءَ أَنْ يُجِيزَ الْوَلِيُّ وَالْوَلِيُّ عَسَى يُخَاصِمُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَنَا فَيَصِيرُ هَذَا وَطْئًا بِشُبْهَةٍ اهـ.

وَفِي الْخُلَاصَةِ وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا أَفْتَوْا بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا اهـ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمَشَايِخِ أَفْتَوْا بِانْعِقَادِهِ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ

وَأَطْلَقَ فِي الْوَلِيِّ فَانْصَرَفَ إلَى الْكَامِلِ وَهُوَ الْعَصَبَةُ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ لَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلَا يَدْخُلُ ذُو الْأَرْحَامِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَلَا الْأُمُّ وَلَا الْأُخْتُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ وَاَلَّذِي يَلِي الْمُرَافَعَةَ هُوَ الْمَحَارِمُ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ الْمَحَارِمُ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.

يَعْنِي: لَا فَرْقَ فِي الْعَصَبَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْرَمًا أَوْ لَا كَمَا ذَكَرَهُ الْوَلْوَالِجِيُّ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا إذَا تَزَوَّجَتْ غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَا الْوَلِيِّ بَعْدَ مَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ أَوَّلًا مِنْهُ بِرِضَاهَا وَفَارَقَتْهُ فَلِلْوَلِيِّ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّ الرِّضَا بِالْأَوَّلِ لَا يَكُونُ رِضًا بِالثَّانِي وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ فَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا ثُمَّ أَعَادَهَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَثْبَتَ الْقَاضِي نَسَبَهَا مِنْهُ وَجَعَلَهَا بِنْتًا لَهُ وَزَوَّجَهَا حَجَّامًا فَلِهَذَا الْأَبِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَكِنْ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ لِرَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهَا أَنْ يُبْطِلَ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَفِيهَا أَيْضًا لَوْ زَوَّجَ أَمَةً لَهُ صَغِيرَةً رَجُلًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا بِنْتُهُ ثَبَتَ النَّسَبُ وَالنِّكَاحُ عَلَى حَالِهِ إنْ كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا فَهُوَ فِي الْقِيَاسِ لَازِمٌ وَلَوْ بَاعَهَا ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا بِنْتُهُ فَكَذَلِكَ اهـ.

وَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا الْمُسَمَّى وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَلَهَا النَّفَقَةُ فِيهَا وَالْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ كَالدُّخُولِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا فَلَا مَهْرَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهِ هَكَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى انْعِقَادِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَأَنْ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا هَذَا الزَّوْجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَ عَلَى الزَّوْجِ كُلُّ الْمَهْرِ الثَّانِي وَعَلَيْهَا عِدَّةٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا مَهْرَ عَلَى الزَّوْجِ وَعَلَيْهَا بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الْأُولَى، وَذَكَرَ لَهَا نَظَائِرَ تَأْتِي فِي كِتَابِ الْعِدَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَمَّا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ الثَّانِي بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ نِكَاحٌ فَاسِدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي فَاسِدًا وَقَيَّدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُرَاجَعَةَ إذَا طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا بَعْدَ مَا زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.

(قَوْلُهُ وَرِضَا الْبَعْضِ كَالْكُلِّ) أَيْ وَرِضَا بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَوِينَ فِي الدَّرَجَةِ كَرِضَا كُلِّهِمْ حَتَّى لَا يَتَعَرَّضَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَكُونُ كَالْكُلِّ كَمَا إذَا أَسْقَطَ أَحَدُ الدَّائِنِينَ حَقَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ. وَلَهُمَا: أَنَّهُ حَقٌّ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِسَبَبٍ لَا يَتَجَزَّأُ فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ عَلَى الْكَمَالِ كَوِلَايَةِ الْأَمَانِ قَيَّدْنَا بِالِاسْتِوَاءِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا رَضِيَ الْأَبْعَدُ فَإِنَّ لِلْأَقْرَبِ الِاعْتِرَاضَ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ وَقَيَّدَ بِالرِّضَا؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ بِأَنَّهُ كُفْءٌ مِنْ الْبَعْضِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ مَنْ أَنْكَرَهَا. قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ ادَّعَى أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ أَنَّ الزَّوْجَ كُفْءٌ وَأَثْبَتَ الْآخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالتَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْمُصَدِّقَ يُنْكِرُ سَبَبَ الْوُجُوبِ وَإِنْكَارُ سَبَبِ وُجُوبِ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إسْقَاطًا لَهُ اهـ.

وَفِي الْفَوَائِدِ التَّاجِيَّةِ أَقَامَ وَلِيُّهَا شَاهِدَيْنِ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ أَوْ أَقَامَ زَوْجُهَا بِالْكَفَاءَةِ قَالَ لَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ، ذَكَرَهُ عَنْ الْقَاضِي بَدِيعِ الدِّينِ فِي الشَّهَادَةِ وَأَطْلَقَ فِي الرِّضَا فَشَمِلَ مَا إذَا

ــ

[منحة الخالق]

لَمْ يَرْضَ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ لَهَا وَلِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ عَدَمَ الصِّحَّةِ الْمُفْتَى بِهِ بِمَا إذَا كَانَ لَهَا أَوْلِيَاءُ أَحْيَاءٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الصِّحَّةِ إنَّمَا كَانَ عَلَى مَا وَجَّهَ بِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ دَفْعًا لِضَرَرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ أَمَّا مَا يَرْجِعُ إلَى حَقِّهَا فَقَدْ سَقَطَ بِرِضَاهَا بِغَيْرِ الْكُفْءِ اهـ.

قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُؤَلِّفُ هُنَاكَ، وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ لَهَا أَوْلِيَاءُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا.

ص: 138

رَضِيَ بَعْضُهُمْ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ رَضِيَ بِهِ بَعْدَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ

وَقَدْ قَدَّمْنَا بَحْثًا فِي أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ رَضِيت بِتَزَوُّجِك مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا أَوْ قَالَ رَضِيت بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَمْ يَعْرِفْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ رِضًا مُعْتَبَرًا لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّ الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ. (قَوْلُهُ وَقَبْضُ الْمَهْرِ وَنَحْوِهِ رِضًا) ؛ لِأَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِحُكْمِ الْعَقْدِ وَأَرَادَ بِنَحْوِهِ كُلَّ فِعْلٍ دَلَّ عَلَى الرِّضَا، وَأَطْلَقَ فِي قَبْضِ الْمَهْرِ فَشَمِلَ مَا إذَا جَهَّزَهَا بِهِ أَوْ لَا، أَمَّا إنْ جَهَّزَهَا بِهِ فَهُوَ رِضًا اتِّفَاقًا وَإِنْ لَمْ يُجَهِّزْهَا فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رِضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَدَخَلَ فِي نَحْوِهِ مَا إذَا خَاصَمَ الزَّوْجَ فِي نَفَقَتِهَا وَتَقْرِيرِ مَهْرِهَا عَلَيْهِ بِوَكَالَةٍ مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا وَتَسْلِيمًا لِلْعَقْدِ اسْتِحْسَانًا، وَهَذَا إذَا كَانَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ ثَابِتًا عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ مُخَاصَمَةِ الْوَلِيِّ إيَّاهُ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ ثَابِتًا عِنْدَ الْقَاضِي قَبْلَ مُخَاصَمَةِ الْوَلِيِّ إيَّاهُ لَا يَكُونُ رِضًا بِالنِّكَاحِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ (قَوْلُهُ لَا السُّكُوتُ) أَيْ لَا يَكُونُ سُكُوتُ الْوَلِيِّ رِضًا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يُجْعَلُ رِضًا إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا وَلَدَتْ فَلَهُ حَقُّ الْفَسْخِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ كَمَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَكَمَا فِي الْمِعْرَاجِ لَكِنْ قَيَّدَهُ الشَّارِحُونَ بِعَدَمِ الْوِلَادَةِ فَلَوْ وَلَدَتْ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَلِذَا اخْتَارَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَكَأَنَّهُ لِلضَّرَرِ الْحَاصِلِ بِالْفَسْخِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَبَلُ الظَّاهِرُ كَالْوِلَادَةِ وَشَمِلَ مَا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ امْرَأَةً تَحْتَ رَجُلٍ هُوَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا فَخَاصَمَهُ أَخُوهَا فِي ذَلِكَ وَأَبُوهَا غَائِبٌ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً أَوْ خَاصَمَهُ وَلِيٌّ آخَرُ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْأَوْلَى زَوَّجَهُ يُؤْمَرُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَأَجَزْتهَا عَلَى الْأَوْلَى يَعْنِي الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا خَصْمٌ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَالْكَفَاءَةُ تُعْتَبَرُ نَسَبًا فَقُرَيْشٌ أَكْفَاءٌ وَالْعَرَبُ أَكْفَاءٌ وَحُرِّيَّةً وَإِسْلَامًا وَأَبَوَانِ فِيهِمَا كَالْآبَاءِ وَدِيَانَةً وَمَالًا وَحِرْفَةً) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ يَقَعُ بِهَا التَّفَاخُرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهَا وَتُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ ابْتِدَاء الْعَقْدِ وَزَوَالُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ وَلِذَا قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ كُفْءٌ لَهَا ثُمَّ صَارَ فَاجِرًا دَاعِرًا لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ اهـ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ اعْتِبَارَهَا فِي سِتَّةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ النَّسَبُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَهُمْ خِلَافُ الْعَجَمِ وَاحِدُهُمْ عَرَبِيٌّ وَالْأَعْرَابُ أَهْلُ الْبَادِيَةِ وَاحِدُهُمْ أَعْرَابِيٌّ وَجَمْعُ الْأَعْرَابِ أَعَارِيبُ، وَقِيلَ الْعَرَبُ جَمْعُ عَرَبَةٍ بِالْهَاءِ وَهِيَ النَّفْسُ وَالْعَرَبِيُّ أَيْضًا الْمَنْسُوبُ إلَى الْعَرَبِ قَالَ تَعَالَى {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] كَذَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ وَفِيهِ: التَّقَرُّشُ الِاكْتِسَابُ وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ لِاجْتِمَاعِهِمْ بِمَكَّةَ وَتَقَرَّشَ الرَّجُلُ إذَا انْتَسَبَ إلَى قُرَيْشٍ اهـ.

ثُمَّ الْقُرَشِيَّانِ مِنْ جَمْعِهِمَا أَبٌ هُوَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ فَمَنْ دُونَهُ وَمَنْ لَمْ يُنْسَبْ إلَّا لِأَبٍ فَوْقَهُ فَهُوَ عَرَبِيٌّ غَيْرُ قُرَشِيٍّ وَالنَّضْرُ هُوَ الْجَدُّ الثَّانِي عَشَرَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عَدْنَانَ وَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ الْخُلَفَاءُ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ لِانْتِسَابِهِمْ إلَى النَّضْرِ فَمَنْ دُونَهُ وَلَيْسَ فِيهِمْ هَاشِمِيٌّ إلَّا عَلِيٌّ رضي الله عنه فَإِنَّ الْجَدَّ الْأَوَّلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَدُّهُ فَإِنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ هَاشِمٍ

وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَدِّ السَّادِسِ وَهُوَ مُرَّةُ فَإِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ. وَأَمَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَدِّ السَّابِعِ وَهُوَ كَعْبٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَوَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَعْدٍ وَرِيَاحٌ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ وَأَجَزْتهَا عَلَى الْأَوْلَى) ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي قَوْلِهِ وَأَجَزْتهَا لِلْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الذَّخِيرَةِ مُصَدَّرَةٌ بِقَوْلِهِ فِي الْمُنْتَقَى إبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي امْرَأَةٍ تَحْتَ رَجُلٍ إلَخْ وَقَوْلُهُ يَعْنِي الْأَوَّلَ الَّذِي فِي الذَّخِيرَةِ يَعْنِي عَلَى الْوَلِيِّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى.

ص: 139

بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَأَمَّا عُثْمَانُ رضي الله عنه فَيَجْتَمِعُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَدِّ الثَّالِثِ وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ فَإِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ الْمَشَايِخُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَقُرَيْشٌ أَكْفَاءٌ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ هَاشِمِيَّةٌ قُرَشِيًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لَمْ يُرَدَّ عَقْدُهَا وَإِنْ تَزَوَّجَتْ عَرَبِيًّا غَيْرَ قُرَشِيٍّ لَهُمْ رَدُّهُ كَتَزْوِيجِ الْعَرَبِيَّةِ عَجَمِيًّا، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ «النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَ بِنْتَه مِنْ عُثْمَانَ وَهُوَ أُمَوِيٌّ لَا هَاشِمِيٌّ» وَزَوَّجَ عَلِيٌّ رضي الله عنه بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ مِنْ عُمَرَ وَكَانَ عَدَوِيًّا لَا هَاشِمِيًّا فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ بِالْخِلَافَةِ حَتَّى لَا يُكَافِئَ أَهْلُ بَيْتِ الْخِلَافَةِ غَيْرَهُمْ مِنْ الْقُرَشِيِّينَ، هَذَا إنْ قُصِدَ بِهِ عَدَمُ الْمُكَافَأَةِ لَا إنْ قُصِدَ بِهِ تَسْكِينُ الْفِتْنَةِ وَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ غَيْرَ الْعَرَبِيِّ لَا يُكَافِئُ الْعَرَبِيَّ وَإِنْ كَانَ حَسِيبًا أَوْ عَالِمًا لَكِنْ ذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي جَامِعِهِ قَالُوا الْحَسِيبُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلنَّسِيبِ فَالْعَالِمُ الْعَجَمِيُّ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْجَاهِلِ الْعَرَبِيِّ وَالْعَلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ فَوْقَ شَرَفِ النَّسَبِ وَالْحَسَبُ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ وَفِي الْمُحِيطِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ الْحَسِيبُ الَّذِي لَهُ جَاهٌ وَحِشْمَةٌ وَمَنْصِبٌ وَفِي الْيَنَابِيعِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ كُفُؤًا لِلْعَلَوِيَّةِ، وَأَصْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الَّذِي أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ أَوْ أُعْتِقَ إذَا أَحْرَزَ مِنْ الْفَضَائِلِ مَا يُقَابِلُ نَسَبَ الْآخَرِ كَانَ كُفُؤًا لَهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكُلُّهُ تَفَقُّهَاتُ الْمَشَايِخِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَجَمِيَّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ مُطْلَقًا.

قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَفْضَلُ النَّاسِ نَسَبًا بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ قُرَيْشٌ ثُمَّ الْعَرَبُ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام «أَنَّ اللَّهَ اخْتَارَ مِنْ النَّاسِ الْعَرَبَ وَمِنْ الْعَرَبِ قُرَيْشًا وَاخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَاخْتَارَنِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» اهـ.

وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ الْمَوَالِيَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَوْلَى هُنَا مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّهُ رِقٌّ؛ لِأَنَّ الْعَجَمَ لَمَّا ضَلُّوا أَنْسَابَهُمْ كَانَ التَّفَاخُرُ بَيْنَهُمْ فِي الدِّينِ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَوْ؛ لِأَنَّ بِلَادَهُمْ فُتِحَتْ عَنْوَةً بِأَيْدِي الْعَرَبِ فَكَانَ لِلْعَرَبِ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَإِذَا تَرَكُوهُمْ أَحْرَارًا فَكَأَنَّهُمْ أَعْتَقُوهُمْ وَالْمَوَالِي هُمْ الْمُعْتَقُونَ كَمَا فِي التَّبْيِينِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ هَاشِمِيَّةٌ قُرَشِيًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لَمْ يُرَدَّ عَقْدُهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْفَيْضِ لِلْكَرْكِيِّ وَالْقُرَشِيُّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْهَاشِمِيِّ اهـ.

وَمِثْلُ مَا فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي التَّبْيِينِ وَكَثِيرٍ مِنْ شُرُوحِ الْكَنْزِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّتَارْخَانِيَّةِ وَغَالِبِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَلَعَلَّ كَلِمَةَ لَا فِي الْفَيْضِ مِنْ زِيَادَةِ النُّسَّاخِ تَنْسُبُهُ. (قَوْلُهُ فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَمُنْلَا مِسْكِينٍ وَالنَّهْرِ وَكَثِيرٍ أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ (قَوْلِهِ قَالُوا الْحَسِيبُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَخْفَى عَلَى أَخِي الْفَقِهِ مَا فِي قَوْلِهِ قَالُوا مِنْ التَّبَرِّي تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَكُلُّهُ تَفَقُّهَاتُ الْمَشَايِخِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى الْعَالِمُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَلَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْحَسَبِ أَقْوَى مِنْ شَرَفِ النَّسَبِ وَعَنْ هَذَا قِيلَ إنَّ عَائِشَةَ أَفْضَلُ مِنْ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -؛ لِأَنَّ لِعَائِشَةَ شَرَفَ الْعِلْمِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ أَقُولُ: وَقَدْ جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَارْتَضَاهُ كَمَا ارْتَضَاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، ثُمَّ قَالَ فِي النَّهْرِ: وَقَدْ ارْتَضَاهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَجَزَمَ بِهِ الْبَزَّازِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَيْضِ وَجَامِعِ الْفَتَاوَى، وَذَكَرَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِصِيغَةِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ، وَقَدْ جَعَلَهُ صَاحِبُ الْغُرَرِ مَتْنًا وَفِي تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ الْعَجَمِيُّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ عَالِمًا وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.

قَالَ فِي شَرْحِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ نَقْلًا عَنْ الْيَنَابِيعِ أَقُولُ: وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ الْبَحْرِ فَتَحَرَّرَ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَلَكِنْ حَيْثُ صَحَّ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُكَافِئُهَا فَهُوَ الْمَذْهَبُ وَخُصُوصًا، وَقَدْ نَصَّ فِي الْيَنَابِيعِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَأَمَّلْ اهـ. كَلَامُ الرَّمْلِيِّ.

أَقُولُ: الثَّابِتُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْعَجَمِيَّ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيَّةِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقَ لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَشَايِخُ بِغَيْرِ الْعَالِمِ، وَكَمْ لَهُ مِنْ نَظِيرٍ حَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ مُطْلَقًا فَيَحْمِلُونَهُ عَلَى بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ أَخْذًا مِنْ قَوَاعِدَ مَذْهَبِيَّةٍ أَوْ مَسَائِلَ فَرْعِيَّةٍ أَوْ أَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ أَوْ عَقْلِيَّةٍ، وَقَدْ أَفْتَى فِي آخِرِ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فِي قُرَشِيٍّ جَاهِلٍ تَقَدَّمَ عَلَى عَالِمٍ فِي مَجْلِسٍ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ إذْ كُتُبُ الْعُلَمَاءِ طَافِحَةٌ بِتَقَدُّمِ الْعَالِمِ عَلَى الْقُرَشِيِّ وَلَمْ يُفَرِّقْ سبحانه وتعالى بَيْنَ الْقُرَشِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِ {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] إلَخْ وَحَيْثُ جَزَمَ بِهَذَا فِي مَجْمَعِ الْفَتَاوَى وَالْمُحِيطِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَالْفَيْضِ وَارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَأَمَّا مَا صَحَّحَهُ فِي الْيَنَابِيعِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْحَسِيبِ بِذِي الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ لَا عَلَى تَفْسِيرِهِ بِالْعَالِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

(قَوْلُهُ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ أَفْضَلُ النَّاسِ نَسَبًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَهِمَ صَاحِبُ النَّهْرِ أَنَّهُ أَوْرَدَهُ دَلِيلًا لِمُدَّعَاهُ، فَقَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ إذْ كَوْنُ شَرَفِ الْحَسَبِ يُوَازِي شَرَفَ النَّسَبِ لَا يُنَافِي كَوْنَ بَنِي هَاشِمٍ أَفْضَلَ نَسَبًا. نَعَمْ الْحَسِيبُ قَدْ يُرَادُ بِهِ ذُو الْمَنْصِبِ وَالْجَاهِ كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْمُحِيطِ عَنْ صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا لَيْسَ كُفُؤًا لِلْعَلَوِيَّةِ كَمَا فِي الْيَنَابِيعِ اهـ.

وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّهُ وَإِنْ ذَكَرَهُ تِلْوَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْرَدَهُ لِذَلِكَ بَلْ لِفَائِدَةِ مَعْرِفَةِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَنْسَابِ وَإِلَّا يُشْكِلُ بِتَأْخِيرِ قُرَيْشٍ عَنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ عَلِمْت فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاضُلُ فِيمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَتْ هَاشِمِيَّةٌ قُرَشِيًّا لَمْ يُرَدَّ عَقْدُهَا تَأَمَّلْ

ص: 140

أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ نَصَرُوا الْعَرَبَ عَلَى قَتْلِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَالنَّاصِرُ يُسَمَّى مَوْلًى قَالَ تَعَالَى {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11] كَمَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ النَّسَبَ الْمُعْتَبَرَ هُنَا خَاصٌّ بِالْعَرَبِ، وَأَمَّا الْعَجَمُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ وَلِذَا كَانَ بَعْضُهُمْ كُفُؤًا لِبَعْضٍ، وَأَمَّا مُعْتَقُ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِمُعْتَقِ الْعَجَمِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ فِي الْعَرَبِ فَأَفَادَ أَنَّ بَنِي بَاهِلَةَ كُفْءٌ لِبَقِيَّةِ الْعَرَبِ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَفِي الْهِدَايَةِ وَبَنُو بَاهِلَةَ لَيْسُوا بِأَكْفَاءٍ لِعَامَّةِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِالْخَسَاسَةِ. قَالُوا: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَخْرِجُونَ النُّقِيَّ مِنْ عِظَامِ الْمَوْتَى وَيَطْبُخُونَ الْعِظَامَ وَيَأْخُذُونَ الدُّسُومَاتِ مِنْهَا وَيَأْكُلُونَ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ مَرَّةً ثَانِيَةً وَرَدَّهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ فَإِنَّ النَّصَّ لَمْ يُفَصِّلْ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَعْلَمَ بِقَبَائِلِ الْعَرَبِ وَأَخْلَاقِهِمْ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ «الْعَرَبُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ» وَلَيْسَ كُلُّ بَاهِلِيٍّ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِمْ الْأَجْوَادُ وَكَوْنُ فَصِيلَةٍ مِنْهُمْ أَوْ بَطْنٍ صَعَالِيكَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَسْرِي فِي حَقِّ الْكُلِّ اهـ.

فَالْحَقُّ الْإِطْلَاقُ وَبَاهِلَةُ فِي الْأَصْلِ اسْمُ امْرَأَةٍ مِنْ هَمْدَانَ وَالتَّأْنِيثُ لِلْقَبِيلَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَصْلِ اسْمَ رَجُلٍ أَوْ اسْمَ امْرَأَةٍ كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ فِي الدِّيوَانِ الْبَاهِلَةُ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبِيلَةِ الْقَيْسِ وَفِي الْقَامُوسِ، بَاهِلَةُ: قَوْمٌ.

وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ أَعْنِي الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ فَهُمَا مُعْتَبَرَانِ فِي حَقِّ الْعَجَمِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْتَخِرُونَ بِهِمَا دُونَ النَّسَبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ عَيْبٌ، وَكَذَا الرِّقُّ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُهُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ زَوَالُ الْعَيْبِ فَيُفْتَخَرُ بِهِمَا دُونَ النَّسَبِ فَلَا يَكُونُ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ كُفُؤًا لِمَنْ لَهَا أَبٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا يَكُونُ مَنْ لَهُ أَبٌ وَاحِدٌ كُفُؤًا لِمَنْ لَهَا أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ كُفُؤًا لِمَنْ لَهَا آبَاءٌ كَثِيرَةٌ فِيهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَأَبَوَانِ فِيهِمَا كَالْآبَاءِ أَيْ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَهِيَ نَظِيرُ الْإِسْلَامِ فِيمَا ذَكَرْنَا فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ كُفُؤًا لِحُرَّةِ الْأَصْلِ، وَكَذَا الْمُعْتَقُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ وَالْمُعْتَقُ أَبُوهُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْحُرِّيَّةِ كَذَا فِي الْمِعْرَاجِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَبْدَ كُفْءٌ لِلْمُعْتَقَةِ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَفِي الْمُجْتَبَى مُعْتَقَةُ الشَّرِيفِ لَا يُكَافِئُهَا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ وَفِي التَّجْنِيسِ وَلَوْ كَانَ أَبُوهَا مُعْتَقًا وَأُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ لَا يُكَافِئُهَا الْمُعْتَقُ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَثَرَ الرِّقِّ وَهُوَ الْوَلَاءُ وَالْمَرْأَةُ لَمَّا كَانَتْ أُمُّهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ كَانَتْ هِيَ حُرَّةَ الْأَصْلِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ كَوْنُ مَنْ أَسْلَمَ بِنَفْسِهِ كُفُؤًا لِمَنْ عَتَقَ بِنَفْسِهِ اهـ.

قَيَّدْنَا اعْتِبَارَهُمَا فِي حَقِّ الْعَجَمِ لِمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ اتَّفَقُوا أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا فِي حَقِّ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَفَاخَرُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا يَتَفَاخَرُونَ بِالنَّسَبِ اهـ.

فَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ عَرَبِيٌّ لَهُ أَبٌ كَافِرٌ بِعَرَبِيَّةٍ لَهَا آبَاءٌ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ كُفْءٌ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ فَعَلَى هَذَا فَالنَّسَبُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْعَرَبِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ فَمُعْتَبَرَانِ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزَّوْجِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ فَالْحُرِّيَّةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ أَيْضًا، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَمُعْتَبَرٌ فِي الْعَجَمِ فَقَطْ وَفِي الْقُنْيَةِ رَجُلٌ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَهُوَ كُفْءٌ لِمَنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا رِدَّةٌ. اهـ.

وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ الدِّيَانَةُ فَفَسَّرَهَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِالتَّقْوَى وَالزُّهْدِ وَالصَّلَاحِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ وَالدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِسْلَامِ فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْأَوَّلِ إسْلَامُ الْآبَاءِ وَهُنَا إسْلَامُ الزَّوْجِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ الزَّوْجِ لَيْسَ مِنْ الْكَفَاءَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ جَوَازِ النِّكَاحِ وَاعْتِبَارُ التَّقْوَى فِيهَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى الْمَفَاخِرِ وَالْمَرْأَةُ تُعَيَّرُ بِفِسْقِ الزَّوْجِ فَوْقَ مَا تُعَيَّرُ بِضَعَةِ نَسَبِهِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا تُبْتَنَى أَحْكَامُ الدُّنْيَا عَلَيْهِ إلَّا إذَا كَانَ يُصْفَعُ وَيُسْخَرُ مِنْهُ أَوْ يَخْرُجُ إلَى الْأَسْوَاقِ سَكْرَانَ وَيَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَخَفٌّ بِهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَعَلَّهُ الْمُحِيطُ الْبُرْهَانِيُّ فَإِنَّهُ لَمْ أَجِدْهُ فِي الْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَصْحِيحُ الْهِدَايَةِ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ لَا يُكَافِئُهَا مُعْتَقُ الْوَضِيعِ أَمَّا الْمُوَالِي فَإِنَّهُ يُكَافِئُهَا) قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ مُعْتَقَةُ أَشْرَفِ الْقَوْمِ تَكُونُ كُفُؤًا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ لَهَا شَرَفَ الْوَلَاءِ وَلِلْمُوَالِي شَرَفَ إسْلَامِ الْآبَاءِ. (قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ إلَخْ) مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ بَحْثٌ لَهُ وَرَأَيْت فِي الذَّخِيرَةِ مَا صُورَتُهُ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَالْمَرْأَةُ مُعْتَقَةٌ أَنَّهُ كُفْءٌ لَهَا اهـ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَهُ مَا لَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ أَسْلَمَتْ وَالرَّجُلُ مُعْتَقٌ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ إسْلَامُهُ طَارِئًا بَلْ يَكُونُ مُسْلِمَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَكُونَ أَبُوهُ إسْلَامُهُ تَبَعًا لِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ ثُمَّ يَعْتِقُ هُوَ وَحْدَهُ أَمَّا لَوْ كَانَ إسْلَامُهُ طَارِئًا فَيَكُونُ فِيهِ أَثَرُ الْكُفْرِ وَأَثَرُ الرِّقِّيَّةِ مَعًا فَلَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلْحُرَّةِ الَّتِي أَسْلَمَتْ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ فَعَلَى هَذَا فَالنَّسَبُ مُعْتَبَرٌ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ النَّسَبَ مُعْتَبَرٌ فِي الْعَرَبِ فَقَطْ وَإِسْلَامُ الْأَبِ وَالْجَدِّ فِي الْعَجَمِ فَقَطْ وَالْجِزْيَةُ فِي الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَكَذَا إسْلَامُ نَفْسِ الزَّوْجِ.

(قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ)

ص: 141

مُعَارِضٌ لَهُ فَالْإِفْتَاءُ بِمَا فِي الْمُتُونِ أَوْلَى فَلَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ سَوَاءٌ كَانَ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ أَوْ لَا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَوَقَعَ لِي تَرَدُّدٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ صَالِحَةً دُونَ أَبِيهَا أَوْ كَانَ أَبُوهَا صَالِحًا دُونَهَا هَلْ يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لَهَا أَوْ لَا؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِينَ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِصَلَاحِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ وَاعْتُبِرَ فِي الْجَمِيعِ صَلَاحُهَا، فَقَالَ فَلَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ وَفِي الْخَانِيَّةِ لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ فَاعْتُبِرَ صَلَاحُ الْكُلِّ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الطَّلَاحَ مِنْهَا أَوْ مِنْ آبَائِهَا كَافٍ لِعَدَمِ كَوْنِ الْفَاسِقِ كُفُؤًا لَهَا وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّقْوَى مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَلَا يَكُونُ الْعَرَبِيُّ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ عَرَبِيَّةً كَانَتْ أَوْ عَجَمِيَّةً.

وَأَمَّا الْخَامِسُ فَالْمَالُ، أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّسَاوِي فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ قَالَ فِي النَّوَازِلِ عَنْهُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، لَهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَأَخُوهَا لَا يَرْضَى بِذَلِكَ قَالَ: لِأَخِيهَا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ كُفُؤًا وَجَعَلَهُ فِي الْمُجْتَبَى قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَيَّدَهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ حَتَّى أَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُهُمَا أَوْ لَا يَمْلِكُ أَحَدَهُمَا لَا يَكُونُ كُفُؤًا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ بَدَلُ الْبُضْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ إيفَائِهِ وَبِالنَّفَقَةِ قِوَامُ الِازْدِوَاجِ وَدَوَامُهُ وَالْمُرَادُ بِالْمَهْرِ قَدْرُ مَا تَعَارَفُوا تَعْجِيلَهُ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ مُؤَجَّلٌ عُرْفًا اهـ.

وَصَحَّحَهُ فِي التَّبْيِينِ وَدَخَلَ فِي النَّفَقَةِ الْكِسْوَةُ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ وَالْعِنَايَةِ، وَذَكَرَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَجُلٌ مَلَكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفٌ جَازَ النِّكَاحُ، وَهَذَا الرَّجُلُ كُفْءٌ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَاءَةُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَادِرٌ عَلَى الْمَهْرِ فَإِنَّهُ يَقْضِي أَيَّ الدَّيْنَيْنِ شَاءَ بِذَلِكَ. اهـ.

وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ، فَقِيلَ يُعْتَبَرُ نَفَقَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ نَفَقَةُ شَهْرٍ وَصَحَّحَهُ فِي التَّجْنِيسِ وَفِي الْمُجْتَبَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ عَلَى طَرِيقِ الْكَسْبِ كَانَ كُفُؤًا اهـ.

فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَتَصْحِيحُ الْمُجْتَبَى أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الذَّخِيرَةِ إذَا كَانَ يَجِدُ نَفَقَتَهَا وَلَا يَجِدُ نَفَقَةَ نَفْسِهِ يَكُونُ كُفُؤًا وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَفَقَتَهَا لَا يَكُونُ كُفُؤًا وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً لَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ فَهُوَ كُفْءٌ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَفِي الْمُجْتَبَى وَالصَّبِيُّ كُفْءٌ بِغِنَى أَبِيهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.

يَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَهْرِ، وَأَمَّا فِي النَّفَقَةِ فَلَا يُعَدُّ غَنِيًّا بِغِنَى أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الْآبَاءَ يَتَحَمَّلُونَ الْمَهْرَ عَنْ الْأَبْنَاءِ وَلَا يَتَحَمَّلُونَ النَّفَقَةَ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْوَاقِعَاتِ وَفِي التَّبْيِينِ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ ذَا جَاهٍ كَالسُّلْطَانِ وَالْعَالِمِ يَكُونُ كُفُؤًا وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا النَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْخَلَلَ يَنْجَبِرُ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: الْفَقِيهُ الْعَجَمِيُّ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَرَبِيِّ الْجَاهِلِ. اهـ.

وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي كُلِّ زَوْجٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ عَجَمِيًّا لِكُلِّ امْرَأَةٍ وَلَوْ كَانَتْ فَقِيرَةً بِنْتَ فُقَرَاءَ

ــ

[منحة الخالق]

الَّذِي فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ، وَقِيلَ عَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمِثْلُهُ فِي الرَّمْزِ مَعْزِيًّا إلَى الْمُحِيطِ الْبُرْهَانِيِّ، وَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ عَبَّرَ بِقِيلَ (قَوْلُهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا لَا يَكُونُ الْفَاسِقُ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ بِنْتِ الصَّالِحِينَ) لَفْظُ الصَّالِحَةِ زَائِدٌ مِنْ الْكَاتِبِ فَإِنَّ الَّذِي فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ كَالْفَتْحِ وَالْمِعْرَاجِ وَغَايَةِ الْبَيَانِ لَوْ نَكَحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ الصَّالِحِينَ فَاسِقًا كَانَ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الرَّدِّ. اهـ. (قَوْلُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّلَاحَ مِنْهَا أَوْ مِنْ آبَائِهَا كَافٍ) قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الصَّلَاحِ مِنْ حَيْثُ الْآبَاءُ فَقَطْ حَيْثُ قَالَ: إذَا كَانَ الْفَاسِقُ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا عِنْدَ النَّاسِ كَأَعْوَانِ السُّلْطَانِ يَكُونُ كُفُؤًا لِبَنَاتِ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخٍ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الصَّلَاحِ مُعْلِنًا كَانَ أَوْ لَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْفَضْلِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ الْمُحِيطِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِفِسْقِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْخَانِيَّةِ أَيْضًا يَقْتَضِي اعْتِبَارَهُ مِنْ جِهَتِهَا أَيْضًا فَالْوَاجِبُ التَّوْفِيقُ بِمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ أَوْ بِاشْتِرَاطِ الصَّلَاحِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقُهُسْتَانِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفُؤًا لِبِنْتِ صَالِحٍ مَا نَصُّهُ وَهِيَ صَالِحَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ تَكُونَ الْبِنْتُ صَالِحَةً بِصَلَاحِهِ اهـ.

فَجَعَلَ صَلَاحَهَا شَرْطًا كَصَلَاحِ آبَائِهَا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِينَ ثُمَّ رَأَيْته فِي الرَّمْزِ صَرَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ قُلْتُ: اقْتِصَارُهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاحَهَا يُعْرَفُ بِصَلَاحِهِمْ لِخَفَاءِ حَالِ الْمَرْأَةِ غَالِبًا لَا سِيَّمَا الْأَبْكَارُ وَالصَّغَائِرُ اهـ.

وَفِي الْحَوَاشِي الْيَعْقُوبِيَّةِ قَوْلُهُ فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ بِنْتِ صَالِحٍ فِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ بِنْتَ الصَّالِحِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ فَاسِقَةً فَيَكُونُ كُفُؤًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَالْأَوْلَى مَا فِي الْمَجْمَعِ وَهُوَ أَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ كُفُؤًا لِلصَّالِحَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْغَالِبُ أَنَّ بِنْتَ الصَّالِحِ صَالِحَةٌ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ. (قَوْلُهُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ التَّقْوَى مُعْتَبَرَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ صَرَّحَ بِهَذَا فِي إيضَاحِ الْإِصْلَاحِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ.

(قَوْلُهُ: فَقِيلَ يُعْتَبَرُ نَفَقَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ) نَقَلَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى عَنْ مُحَمَّدٍ، وَنَقَلَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالتَّجْنِيسِ عَنْ بَعْضِهِمْ نَفَقَةَ سَنَةٍ. (قَوْلُهُ وَتَصْحِيحُ الْمُجْتَبَى أَظْهَرُ) جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي النَّهْرِ، فَقَالَ وَلَوْ قِيلَ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَرِفٍ فَنَفَقَةُ شَهْرٍ وَإِلَّا فَأَنْ يَكْتَسِبَ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَكَانَ حَسَنًا ثُمَّ رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ نَقَلَ مَا فِي الْمُجْتَبَى عَنْ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ وَالْأَحْسَنُ فِي

ص: 142

كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْوَاقِعَاتِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ هَذَا الْوَصْفُ فِي حَقِّهِ اهـ.

فَفِي إدْخَالِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي الْكَفَاءَةِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَاءَةَ الْمُمَاثَلَةُ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَقَطْ لَكِنْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا شَرْعًا الْمُمَاثَلَةُ أَوْ كَوْنُ الْمَرْأَةِ أَدْنَى.

وَأَمَّا السَّادِسُ فَالْكَفَاءَةُ فِي الْحِرْفَةِ بِالْكَسْرِ وَهِيَ كَمَا فِي ضِيَاءِ الْحُلُومِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ اسْمٌ مِنْ الِاحْتِرَافِ وَهُوَ الِاكْتِسَابُ بِالصِّنَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الصِّنَاعَةُ الْحِرْفَةُ. اهـ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحِرْفَةَ أَعَمُّ مِنْ الصِّنَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا الْعِلْمُ الْحَاصِلُ مِنْ التَّمَرُّنِ عَلَى الْعَمَلِ وَلِذَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِالْحِرْفَةِ دُونَ الصِّنَاعَةِ لَكِنْ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحِرْفَةُ بِالْكَسْرِ الطُّعْمَةُ وَالصِّنَاعَةُ يُرْتَزَقُ مِنْهَا وَكُلُّ مَا اشْتَغَلَ الْإِنْسَانُ بِهِ وَهِيَ تُسَمَّى صَنْعَةً وَحِرْفَةً؛ لِأَنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَيْهَا اهـ.

فَأَفَادَ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ حَقَّقَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ اعْتِبَارَ الْكَفَاءَةِ فِي الصَّنَائِعِ هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَتَفَاخَرُونَ بِشَرَفِ الْحِرَفِ وَيَتَعَيَّرُونَ بِدَنَاءَتِهَا وَهِيَ وَإِنْ أَمْكَنَ تَرْكُهَا يَبْقَى عَارُهَا كَمَا فِي الْمُجْتَبَى وَفِي الذَّخِيرَةِ مَعْزِيًّا إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه النَّاسُ بَعْضُهُمْ أَكْفَاءٌ لِبَعْضٍ إلَّا حَائِكًا أَوْ حَجَّامًا وَفِي رِوَايَةٍ، أَوْ دَبَّاغًا: قَالَ مَشَايِخُنَا وَرَابِعُهُمْ الْكَنَّاسُ فَوَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِلصَّيْرَفِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبَعْدَ هَذَا الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ إنَّ الْحِرَفَ مَتَى تَقَارَبَتْ لَا يُعْتَبَرُ التَّفَاوُتُ وَتَثْبُتُ الْكَفَاءَةُ فَالْحَائِكُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْحَجَّامِ، وَالدَّبَّاغُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْكَنَّاسِ وَالصَّفَّارُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْحَدَّادِ وَالْعَطَّارُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْبَزَّازِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ.

فَالْمُفْتَى بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكَفَاءَةِ فِي الصَّنَائِعِ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِكَوْنِهِمَا مِنْ صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا أَنَّ التَّقَارُبَ بِمَنْزِلَةِ الْمُمَاثَلَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَائِكُ يَكُونُ كُفُؤًا لِلْعَطَّارِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِمَا هُنَاكَ مِنْ حُسْنِ اعْتِبَارِهَا وَعَدَمِ عَدِّهَا نَقْصًا أَلْبَتَّةَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا خَسَاسَةُ غَيْرِهَا اهـ.

وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْوَظَائِفِ فِي الْأَوْقَافِ كُفُؤًا لِبِنْتِ التَّاجِرِ فِي مِصْرَ إلَّا أَنْ تَكُونَ وَظِيفَةً دَنِيئَةً عُرْفًا كَسَوَّاقٍ وَفَرَّاشٍ وَوَقَّادٍ وَبَوَّابٍ وَتَكُونُ الْوَظَائِفُ مِنْ الْحِرَفِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ طَرِيقًا لِلِاكْتِسَابِ فِي مِصْرَ كَالصَّنَائِعِ اهـ.

وَيَنْبَغِي أَنَّ مَنْ لَهُ وَظِيفَةُ تَدْرِيسٍ أَوْ نَظَرٍ يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الْأَمِيرِ بِمِصْرَ وَفِي الْقُنْيَةِ الْحَائِكُ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ الدِّهْقَانِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَقِيلَ هُوَ كُفْءٌ اهـ.

وَفِي الْمُغْرِبِ غَلَبَ اسْمُ الدِّهْقَانِ عَلَى مَنْ لَهُ عَقَارٌ كَثِيرَةٌ وَفِي الْمُجْتَبَى وَهُنَا جِنْسٌ أَخَسُّ مِنْ الْكُلِّ وَهُوَ الَّذِي يَخْدُمُ الظَّلَمَةَ يُدْعَى شَاكِرِيًّا وَتَابِعًا وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ مُرُوءَةٍ وَمَالٍ فَظُلْمُهُ خَسَاسَةٌ اهـ.

وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالشَّاكِرِيَّةِ لَا يَكُونُ كُفُؤًا لِأَحَدٍ إلَّا لِأَمْثَالِهِمْ وَهُمْ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ هَؤُلَاءِ الْمُتْرَفِينَ هَكَذَا قَالَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ الظَّاهِرَ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْكَفَاءَةِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَأَبِيهَا وَأَنَّ الظَّاهِرَ اعْتِبَارُهَا وَقْتَ التَّزَوُّجِ فَلَوْ كَانَ دَبَّاغًا أَوَّلًا ثُمَّ صَارَ تَاجِرًا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِنْتَ تَاجِرٍ أَصْلِيٍّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كُفُؤًا، لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّنْعَةَ وَإِنْ أَمْكَنَ تَرْكُهَا يَبْقَى عَارُهَا يُخَالِفُهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأُمُورِ السِّتَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ غَيْرُهَا فَلَا عِبْرَةَ بِالْجَمَالِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْعَقْلُ فَالْمَجْنُونُ كُفْءٌ لِلْعَاقِلَةِ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْبَلَدِ فَالْقَرَوِيُّ كُفْءٌ لِلْمَدَنِيِّ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَعَلَى هَذَا التَّاجِرُ فِي الْقُرَى يَكُونُ كُفُؤًا لِبِنْتِ التَّاجِرِ فِي الْمِصْرِ لِلتَّقَارُبِ وَلَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ عِنْدَنَا فِي السَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يُفْسَخُ بِهَا الْبَيْعُ كَالْجُذَامِ وَالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ وَالْبَخَرِ وَالدَّفْرِ كَمَا سَيَأْتِي وَلَا تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، فَقَالَ وَلِيُّهَا لَيْسَ هَذَا كُفُؤًا لَمْ يُفَرَّقْ بَلْ هُمْ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ قَالَ

ــ

[منحة الخالق]

الْمُحْتَرِفِينَ قَوْلُهُ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى مَا قُلْنَا.

(قَوْلُهُ: وَقَدْ حَقَّقَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَخْ) أَقُولُ: وَقَالَ أَيْضًا فِي الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا الْحِرْفَةُ فَقَدْ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِيهَا مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَذَكَرَ أَبَا حَنِيفَةَ بَنَى الْأَمْرَ فِيهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ أَنَّ مَوَالِيَهُمْ يَعْمَلُونَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ لَا يَقْصِدُونَ بِهَا الْحِرَفَ فَلَا يُعَيَّرُونَ بِهَا وَأَجَابَ أَبُو يُوسُفَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبِلَادِ وَأَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ حِرْفَةً فَيُعَيَّرُونَ بِالدَّنِيءِ مِنْ الصَّنَائِعِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ اهـ.

قُلْتُ: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّ الْعَرَبَ إذَا كَانُوا يَحْتَرِفُونَ بِأَنْفُسِهِمْ تُعْتَبَرُ فِيهِمْ الْكَفَاءَةُ فِي الْحِرْفَةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّنْعَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمُخَالَفَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَسْلِيمِ كَوْنِهِ كُفُؤًا وَلِقَائِلٍ مَنْعُهُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِ وَهُوَ بَقَاءُ عَارِ الْحِرْفَةِ السَّابِقَةِ وَاعْتِبَارُهَا وَقْتَ الْعَقْدِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَقْتَهُ كُفُؤًا ثُمَّ صَارَ فَاجِرًا دَاعِرًا لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ إنْ بَقِيَ عَارُهَا لَمْ يَكُنْ كُفُؤًا وَإِنْ تَنَاسَى أَمْرَهَا لِتَقَادُمِ زَمَانِهَا كَانَ كُفُؤًا لَكَانَ حَسَنًا

(قَوْلُهُ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ) قَالَ فِي النَّهْرِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ مَقَاصِدَ النِّكَاحِ فَكَانَ أَشَدَّ مِنْ الْفَقْرِ وَدَنَاءَةِ الْحِرْفَةِ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُعَيِّرُونَ بِتَزْوِيجِ الْمَجْنُونِ أَكْثَرَ مِنْ دَنِيءِ الْحِرْفَةِ الدَّنِيئَةِ وَفِي الْبِنَايَةِ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ لَا يَكُونُ الْمَجْنُونُ كُفُؤًا لِلْعَاقِلَةِ وَعِنْدَ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ هُوَ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ.

ص: 143

فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَسَبًا مَشْهُورًا كَبِنْتِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ خَدَعَهَا حَائِكٌ أَوْ سَائِسٌ فَإِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ لَا لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِتَسْكِينِهَا بَيْنَهُمْ كَمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ نَقَصَتْ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا أَوْ يُتِمَّ الْمَهْرَ) يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَنْ الْعَشَرَةِ حَقُّهَا وَمَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْإِبْرَاءِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَفْتَخِرُونَ بِغَلَاءِ الْمَهْرِ وَيَتَعَيَّرُونَ بِنُقْصَانِهَا فَأَشْبَهَ الْكَفَاءَةَ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَيَّرُ بِهِ فَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي الْمَهْرِ حُقُوقًا ثَلَاثَةً: أَحَدُهُمَا حَقُّ الشَّرْعِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِيهَا. وَالثَّانِي حَقُّ الْأَوْلِيَاءِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَالثَّالِثُ حَقُّ الْمَرْأَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ مِلْكًا لَهَا، ثُمَّ حَقُّ الشَّرْعِ، وَالْأَوْلِيَاءِ مُرَاعًى وَقْتَ الثُّبُوتِ فَقَطْ فَلَا حَقَّ لَهُمَا حَالَةَ الْبَقَاءِ. وَأَفَادَ بِقَوْلِهِ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمُسَمَّى، وَكَذَا إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ فَلَيْسَ لَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّكْمِيلِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ لَهُمْ لَيْسَ إلَّا أَنْ يَفْسَخَ أَوْ يُكْمِلَ فَإِذَا امْتَنَعَ هُنَا عَنْ تَكْمِيلِ الْمَهْرِ لَا يُمْكِنُ الْفَسْخُ وَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ تَفْرِيقِ الْوَلِيِّ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْوَلِيِّ هُنَا الْعَصَبَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْكَفَاءَةِ فَخَرَجَ الْقَرِيبُ الَّذِي لَيْسَ بِعَصَبَةٍ وَخَرَجَ الْقَاضِي فَلِذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجْرِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهَا إذَا تَزَوَّجَتْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا لَيْسَ لِلْقَاضِي الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ فِي الْمَالِ لَا فِي النَّفْسِ. اهـ.

(قَوْلُهُ وَلَوْ زَوَّجَ طِفْلَهُ غَيْرَ كُفْءٍ أَوْ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ صَحَّ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ) يَعْنِي لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ الصَّاحِي وَلَدَهُ الصَّغِيرَ أَمَةً أَوْ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ عَبْدًا أَوْ زَوَّجَهُ وَزَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ زِيَادَةً فَاحِشَةً أَوْ زَوَّجَهَا وَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ مِثْلِهَا نُقْصَانًا فَاحِشًا فَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ الْأَبِ وَالْجَدِّ دُونَ غَيْرِهِمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ فَعِنْدَ فَوَاتِهِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ وَلَهُ: أَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى دَلِيلِ النَّظَرِ وَهُوَ قُرْبُ الْقَرَابَةِ وَفِي النِّكَاحِ مَقَاصِدُ تَرْبُو عَلَى الْمَهْرِ وَالْكَفَاءَةِ قَيَّدَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ فِي الْمَهْرِ مَعْفُوٌّ اتِّفَاقًا كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَقَيَّدَ بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالِاسْتِئْجَارِ وَالصُّلْحِ فِي دَعْوَى الْمَالِ لَا يَمْلِكُ الْأَبُ وَالْجَدُّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَالُ

وَقَدْ حَصَلَ النُّقْصَانُ فِيهِ بِلَا جَابِرٍ فَلَمْ يَجُزْ وَفِي النِّكَاحِ وُجِدَ الْجَابِرُ وَهُوَ مَا قُلْنَا مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَأَطْلَقَ فِي الْأَبِ وَالْجَدِّ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مَجَانَةً وَفِسْقًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ الْقَابِلَةَ لِلتَّخَلُّقِ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ فَهُوَ ظَاهِرُ سُوءِ اخْتِيَارِهِ وَلِأَنَّ تَرْكَ النَّظَرِ هُنَا مَقْطُوعٌ بِهِ فَلَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ إرَادَةِ مَصْلَحَةٍ تُفَوِّتُ

ــ

[منحة الخالق]

(قَوْلُهُ يَعْنِي لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ الصَّاحِي) قَالَ الرَّمْلِيُّ لَوْ زَادَ عَلَى هَذَا الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا سَيَظْهَرُ مِمَّا يَأْتِي

(قَوْلُهُ وَلَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ مِنْ اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي جَانِبِهَا مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْخَبَّازِيَّةِ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهَا عِنْدَ الْكُلِّ قَالَ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ وَلَعَلَّهُمَا يَعْتَبِرَانِ الْكَفَاءَةَ بِالْحُرِّيَّةِ مِنْ جَانِبِهَا دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ رِقِّيَّةَ الزَّوْجَةِ تَسْتَتْبِعُ رِقِّيَّةَ أَوْلَادِهَا اهـ.

وَهَذَا يُرْشِدُ إلَيْهِ تَصْوِيرُهُمْ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا زَوَّجَهُ أَمَةً إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ اعْتِبَارُهَا فِي جَانِبِهَا عِنْدَهُمَا مُطْلَقًا عَلَى مَا مَرَّ.

(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغَبْنَ الْيَسِيرَ فِي الْمَهْرِ مَعْفُوٌّ) الْغَبْنُ الْيَسِيرُ هُوَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ أَيْ مَا يَغْبِنُ فِيهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَنْ يَتَحَمَّلُوهُ وَلَا يَعُدُّهُ كُلُّ أَحَدٍ غَبْنًا بِخِلَافِ الْفَاحِشِ وَهُوَ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ وَاَلَّذِي يَتَغَابَنُ فِيهِ فِي النِّكَاحِ مَا دُونَ نِصْفِ الْمَهْرِ كَذَا قَالَ شَيْخُنَا مُوَفَّقُ الدِّينِ، وَقِيلَ مَا دُونَ الْعَشْرِ اهـ.

فَعَلَى الثَّانِي نُقْصَانُ تِسْعَةٍ مِنْ الْمِائَةِ يَسِيرٌ وَنُقْصَانُ عَشَرَةٍ مِنْهَا فَاحِشٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ نُقْصَانُ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْمِائَةِ يَسِيرٌ وَنُقْصَانُ خَمْسِينَ فَاحِشٌ وَالْأَقْرَبُ الْقَوْلُ الثَّانِي كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ الشَّارِحُونَ وَغَيْرُهُمْ بِأَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) قَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ قَيَّدَ بِالْكُفْرِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَسْلُبُ الْأَهْلِيَّةَ عِنْدَنَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَنْظُومَةِ اهـ. كَذَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ.

قُلْتُ: وَلَا يُخَالِفُ مَا هُنَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِي بَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ مَعَ شَرْطِهِ وَهُوَ تَزْوِيجُهُ مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَمَا هُنَا فِي نَفْيِ الْجَوَازِ عِنْدَ فَقْدِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ فَزَوَّجَ مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ الْمِثْلِ يَصِحُّ إذْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يُنَافِي الشَّفَقَةَ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مَجَانَةً وَفِسْقًا) فِي الْمُغْرِبِ الْمَاجِنُ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا يَصْنَعُ وَمَا قِيلَ لَهُ، وَمَصْدَرُهُ الْمُجُونُ وَالْمَجَانَةُ اسْمٌ مِنْهُ وَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ طَلَبَ اهـ.

وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ مَلَكٍ حَتَّى لَوْ عُرِفَ مِنْ الْأَبِ سُوءُ الِاخْتِيَارِ لِسَفَهِهِ أَوْ لِطَمَعِهِ

ص: 144

ذَلِكَ نَظَرًا إلَى شَفَقَةِ الْأُبُوَّةِ اهـ.

فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَا بِأَكْثَرَ فِي الصَّغِيرِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ الْكُفْءِ فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ الْكَفَاءَةِ بِسَبَبِ الْفِسْقِ أَوْ لَا حَتَّى لَوْ زَوَّجَ بِنْتَه مِنْ فَقِيرٍ أَوْ مُحْتَرِفٍ حِرْفَةً دَنِيئَةً وَلَمْ يَكُنْ كُفُؤًا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ فَقَصَرَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ كَلَامَهُمْ عَلَى الْفَاسِدِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي، وَذَكَرَ أَصْحَابُ الْفَتَاوَى أَنَّ الْأَبَ إذَا زَوَّجَ بِنْتَهُ الصَّغِيرَةَ مِمَّنْ يُنْكِرُ أَنَّهُ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَإِذَا هُوَ مُدْمِنٌ لَهُ وَقَالَتْ بَعْدَمَا كَبُرَتْ لَا أَرْضَى بِالنِّكَاحِ إنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ الْأَبُ بِشُرْبِهِ وَكَانَ غَلَبَةُ أَهْلِ بَيْتِهِ صَالِحِينَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا زَوَّجَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ كُفْءٌ اهـ.

وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْأَبَ لَوْ عَرَفَهُ بِشُرْبِهِ فَالنِّكَاحُ نَافِذٌ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْهُ سُوءُ اخْتِيَارٍ بِيَقِينٍ لَكِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَحَقُّقِهِ كَوْنُ الْأَبِ مَعْرُوفًا لِلنَّاسِ بِهِ فَقَدْ يَتَّصِفُ بِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا يَشْتَهِرُ بِهِ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرُوهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَفَرَّقَ بَيْنَ عِلْمِهِ وَعَدَمِهِ فِي الذَّخِيرَةِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ عُلِمَ أَنَّهُ تَأَمَّلَ غَايَةَ التَّأَمُّلِ وَعَرَفَ هَذَا الْعَقْدَ مَصْلَحَةً فِي حَقِّهَا أَمَّا هَاهُنَا ظَنَّهُ كُفُؤًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَمَّلُ. اهـ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ بَاطِلٌ وَهُوَ الْحَقُّ وَلِذَا قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ فِي قَوْلِهِمْ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ أَيْ يَبْطُلُ. ثَمَّ اعْلَمْ، أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا إذَا عَلِمَهُ فَاسِقًا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا زَوَّجَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كُفْءٌ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِكُفْءٍ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ زَوَّجَ بِنْتَه الصَّغِيرَةَ مِنْ رَجُلٍ ظَنَّهُ حُرَّ الْأَصْلِ وَكَانَ مُعْتَقًا فَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ وَقَيَّدَ بِتَزْوِيجِهِ طِفْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ أَمَةً طِفْلَهُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ مِلْكُهُمَا وَلَا مَقْصُودَ آخَرَ بَاطِنٌ يُصْرَفُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمَا عَدَمُ الصِّحَّةِ وَعَلَيْهِ اُبْتُنِيَ الْفَرْعُ الْمَعْرُوفُ، وَلَوْ زَوَّجَ الْعَمُّ الصَّغِيرَةَ حُرَّةَ الْجَدِّ مِنْ مُعْتَقِ الْجَدِّ فَكَبُرَتْ وَأَجَازَتْ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا إذْ لَا مُجِيزَ لَهُ فَإِنَّ الْعَمَّ وَنَحْوَهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ التَّزْوِيجُ لِغَيْرِ الْكُفْءِ وَلِذَا ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ غَيْرَ الْأَبِ وَالْجَدِّ إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَهْرٍ مُسَمًّى وَمَرَّةً بِغَيْرِ التَّسْمِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي التَّسْمِيَةِ نُقْصَانٌ فَاحِشٌ وَلَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ الْأَوَّلُ يَصِحُّ الثَّانِي اهـ.

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ

ــ

[منحة الخالق]

لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ اتِّفَاقًا.

(قَوْلُهُ فَقَصَرَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ إلَخْ) أَقَرَّ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ مِنْ أَنَّهُ يَظْهَرُ سُوءُ اخْتِيَارِهِ بِمُجَرَّدِ تَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ لِلْفَاسِقِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ظُهُورِ سُوءِ اخْتِيَارِهِ بِذَلِكَ كَوْنُهُ مَشْهُورًا بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا فِي دَفْعِ الْمُنَافَاةِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ بِمَا سَيَأْتِي التَّعْرِيضُ لِمَا فِي الْفَتْحِ أَيْضًا وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَبَ تَارَةً يُعْرَفُ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ مُطْلَقًا أَوْ لَا فَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ فَاسِقٍ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ صَاحِيًا إذْ لَوْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ آيَةَ سُوءِ اخْتِيَارِهِ لَزِمَ إحَالَةُ الْمَسْأَلَةِ فَتَدَبَّرْهُ اهـ.

فَقَوْلُهُ " إذْ لَوْ كَانَ " رَدٌّ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمُحَقِّقِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ عَدَمُ تَصَوُّرِ صِحَّةِ تَزْوِيجِ الْأَبِ وَالْجَدِّ بِغَيْرِ الْكُفْءِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْفَتَاوَى مِمَّا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا.

(قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْفَتَاوَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُ الْفَتَاوَى. (قَوْلُهُ إنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُمْ النِّكَاحُ بَاطِلٌ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ رَدِّهَا وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ بُطْلَانَهُ مِنْ أَصْلِهِ، نَعَمْ يَرُدُّ مَا قَالَهُ عَلَى عِبَارَةِ الْقُنْيَةِ الْآتِيَةِ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا رَدَّ الْبِنْتِ أَمَّا عَلَى مَا مَرَّ فَلَا، وَقَدْ رَأَيْته كَذَلِكَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ والولوالجية وَالتَّجْنِيسِ وَالْبَزَّازِيَّةِ فَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا الْبُطْلَانَ بَعْدَ الرَّدِّ وَهَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَضَاءِ؟ لَمْ أَرَهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِمَا إذَا عَلِمَهُ فَاسِقًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ.

وَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ كَفَاءَتِهِ ثُمَّ عَلِمَ فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْ سَيَبْطُلُ وَإِنْ عَلِمَ بِهَا يَنْظُرُ، إنْ عَلِمَ سُوءَ تَدْبِيرِهِ فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَهُوَ صَحِيحٌ نَافِذٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْمُتُونِ هَذَا، وَقَدْ قَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ عَنْ الْوَلْوَالِجِيِّ امْرَأَةٌ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ أَوْ حُرٌّ إلَخْ وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُخْتَلِفٌ بَيْنَ مَا إذَا زَوَّجَ الْكَبِيرَةَ بِرِضَاهَا عَلَى ظَنِّ الْكَفَاءَةِ فَلَا خِيَارَ عِنْدَ ظُهُورِ عَدَمِهَا وَفِيمَا إذَا زَوَّجَ الصَّغِيرَةَ عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ فَظَهَرَ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ أَيْ سَيَبْطُلُ، وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضٌ خِلَافَ ذَلِكَ. اهـ.

وَكَانَ مُرَادُهُ بِالْبَعْضِ الْعَلَّامَةَ الْمَقْدِسِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرَّمْزِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ الْفَتَاوَى قُلْتُ: وَهُوَ يُخَالِفُ مَا نَقَلْنَا آنِفًا أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ شَرْطِهِمْ الْكَفَاءَةَ فَظَهَرَ غَيْرَ كُفْءٍ لَا اعْتِرَاضَ لَهُمْ، فَأَمَّا أَنْ يَخُصَّ هَذَا مِنْهُ أَوْ يَدْخُلَ هَذَا فِيهِ. (قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ إلَخْ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ حَيْثُ قَالَ فِي شَرْحِهِ: وَإِنْ فَعَلَ غَيْرَهُمَا فَلَهُمَا أَنْ يَفْسَخَا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَهُوَ وَهْمٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْكَمَالِ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا رَدَّهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي التَّلْوِيحِ فِي بَحْثِ الْعَوَارِضِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ لَهُ رِوَايَةٌ أَصْلًا

ص: 145