المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[ابتداء وقعة الجمل] - البداية والنهاية - ت التركي - جـ ١٠

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ]

- ‌[قُدُومُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَنَازِلَ مَدِينَةِ بَهُرَسِيرَ، وَهِيَ إِحْدَى مُدُنِ كِسْرَى]

- ‌[ذِكْرُ فَتْحِ الْمَدَائِنِ الَّتِي هِيَ مُسْتَقَرُّ مُلْكِ كِسْرَى]

- ‌[وَقْعَةُ جَلُولَاءَ]

- ‌[ذِكْرُ فَتْحِ حُلْوَانَ]

- ‌[فَتْحُ تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ]

- ‌[فَتْحُ مَاسَبَذَانَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقَ]

- ‌[فَتْحُ قِرْقِيسِيَاءَ وَهِيتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ]

- ‌[اخْتِطَاطُ الْكُوفَةِ وَبِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِهَا]

- ‌[قِصَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَحَصْرِ الرُّومِ لَهُ بِحِمْصَ وَقُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَيْضًا لِيَنْصُرَهُ]

- ‌[فَتْحُ الْجَزِيرَةِ]

- ‌[ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ طَاعُونَ عَمَوَاسَ]

- ‌[كَائِنَةٌ غَرِيبَةٌ فِيهَا عُزِلَ خَالِدٌ عَنْ قِنَّسْرِينَ أَيْضًا]

- ‌[فَتْحُ الْأَهْوَازِ وَمَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى]

- ‌[فَتْحُ تُسْتَرَ، الْمَرَّةُ الْأُولَى صُلْحًا]

- ‌[ذِكْرُ غَزْوِ بِلَادِ فَارِسَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِينِ]

- ‌[ذِكْرُ فَتْحِ تُسْتَرَ ثَانِيَةً عَنْوَةً وَالسُّوسِ وَرَامَهُرْمُزَ وَأَسْرِ الْهُرْمُزَانِ وَبَعْثِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

- ‌[فَتْحُ السُّوسِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِي عَشْرَةَ]

- ‌[طَاعُونُ عَمَوَاسَ وَعَامُ الرَّمَادَةِ]

- ‌[ذِكْرُ طَائِفَةٍ مِنْ أَعْيَانِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[سَنَةُ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ]

- ‌[فَتْحُ مِصْرَ]

- ‌[صِفَةُ فَتْحِ مِصْرَ مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَسَيْفٍ وَغَيْرِهِمَا]

- ‌[قِصَّةُ نِيلِ مِصْرَ]

- ‌[ذِكْرُ الْمُتَوَفَّيْنَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ]

- ‌[وَقْعَةُ نَهَاوَنْدَ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ]

- ‌[الْفُتُوحَاتُ الَّتِي تَمَّتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ]

- ‌[فَتْحُ الرَّيِّ]

- ‌[فَتْحُ قَوْمِسَ]

- ‌[فَتْحُ جُرْجَانَ]

- ‌[فَتْحُ أَذْرَبِيجَانَ]

- ‌[فَتْحُ الْبَابِ]

- ‌[أَوَّلُ غَزْوِ التُّرْكِ]

- ‌[قِصَّةُ السَّدِّ]

- ‌[بَقِيَّةٌ مِنْ خَبَرِ السَّدِّ]

- ‌[قِصَّةُ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرِيَارَ بْنِ كِسْرَى]

- ‌[غَزْوُ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَ خُرَاسَانَ مَعَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[فَتْحُ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ وَقِصَّةُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ]

- ‌[غَزْوَةُ الْأَكْرَادِ]

- ‌[خَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ]

- ‌[صِفَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ]

- ‌[ذِكْرُ بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

- ‌[ثُمَّ اسْتَهَلَّتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[دَفْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُبَايَعَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ]

- ‌[خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

- ‌[وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنُ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[غَزْوَةُ إِفْرِيقِيَّةَ]

- ‌[غَزْوَةُ الْأَنْدَلُسِ]

- ‌[وَقْعَةُ جُرْجِيرَ وَالْبَرْبَرِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ]

- ‌[سَنَةُ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

- ‌[فَتْحُ طَبَرِسْتَانَ]

- ‌[فِيمَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ]

- ‌[غَزْوَةُ الصَّوَارِي وَغَزْوَةُ الْأَسَاوِدَةِ]

- ‌[كَيْفِيَّةُ قَتْلِ كِسْرَى مِلِكِ الْفُرْسِ وَهُوَ يَزْدَجِرْدُ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[أَسْبَابُ مَقْتَلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ مَجِيءِ الْأَحْزَابِ إِلَى عُثْمَانَ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِصْرَ]

- ‌[صِفَةُ حَصْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

- ‌[صِفَةُ قَتْلِهِ رضي الله عنه]

- ‌[تَعْلِيقَاتٌ عَلَى مَقْتَلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه]

- ‌[مُدَّةُ حِصَارِهِ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ صِفَتِهِ رضي الله عنه]

- ‌[كَلَامُ الصَّحَابَةِ فِي مَقْتَلِ عُثْمَانَ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ رضي الله عنه]

- ‌[كَيْفِيَّةُ قَتْلِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

- ‌[نَسَبُهُ]

- ‌[فِيمَا وَرَدَ فِي فَضَائِلِهِ مَعَ غَيْرِهِ]

- ‌[فِيمَا وَرَدَ مِنْ فَضَائِلِهِ وَحْدَهُ]

- ‌[ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى فَضِيلَتِهِ رضي الله عنه]

- ‌[فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ خُطَبِهِ]

- ‌[مَنَاقِبُهُ رضي الله عنه]

- ‌[مَنَاقِبُهُ الْكِبَارُ وَحَسَنَاتُهُ الْعَظِيمَةُ]

- ‌[ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ، رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوَفِّيَ فِي زَمَانِ دَوْلَةِ عُثْمَانَ]

- ‌[خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه]

- ‌[ذِكْرُ بَيْعَةِ عَلِيٍّ، رضي الله عنه، بِالْخِلَافَةِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ]

- ‌[بِدَايَةُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ رضي الله عنه]

- ‌[ابْتِدَاءُ وَقْعَةِ الْجَمَلِ]

- ‌[ذِكْرُ مَسِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَدَلًا عَنْ مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ]

- ‌[وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ]

- ‌[ذِكْرُ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ]

- ‌[فِي ذِكْرِ وَقْعَةِ صِفِّينَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[مُحَاوَلَاتٌ لِلصُّلْحِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ]

- ‌[ذِكْرُ رَفْعِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ مَكْرًا مِنْهُمْ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَخَدِيعَةً]

- ‌[قِصَّةُ التَّحْكِيمِ]

- ‌[ذِكْرُ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ]

- ‌[مُنَاظَرَةُ عَلِيِّ رضي الله عنه لِلْخَوَارِجِ]

- ‌[صِفَةُ اجْتِمَاعِ الْحَكَمَيْنِ وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ]

- ‌[ذِكْرُ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ مِنَ الْكُوفَةِ وَمُبَارَزَتِهِمْ عَلِيًّا رضي الله عنه بِالْعَدَاوَةِ وَالْمُخَالَفَةِ]

- ‌[مَا وَرَدَ فِي الْخَوَارِجِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[مَا دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ]

- ‌[مَا دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ]

- ‌[قِتَالُ عَلِيٍّ الْخَوَارِجَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ]

- ‌[مَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ أَحْدَاثٍ]

- ‌[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ]

- ‌[سَنَةُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ]

الفصل: ‌[ابتداء وقعة الجمل]

بْنَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ. وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبَا لَيْلَى بْنَ عُمَرَ بْنِ الْجَرَّاحِ، ابْنَ أَخِي أَبِي عُبَيْدَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ، وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَدِينَةِ قَاصِدًا الشَّامَ، حَتَّى جَاءَهُ مَنْ شَغَلَهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مَا سَنَذْكُرُهُ.

[ابْتِدَاءُ وَقْعَةِ الْجَمَلِ]

لَمَّا وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَدْ خَرَجْنَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، أَقَمْنَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا خَرَجُوا مِنْهَا، رَجَعُوا إِلَيْهَا فَأَقَامُوا بِهَا، وَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمَّا بُويِعَ لِعَلِيٍّ وَصَارَ أَحْظَى النَّاسِ عِنْدَهُ - بِحُكْمِ الْحَالِ وَغَلَبَةِ الرَّأْيِ لَا عَنِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لِذَلِكَ - رُءُوسَ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ عَلِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَكْرَهُهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَرَبَّصَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَيَوَدُّ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ لِيَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ هَكَذَا وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ وَحَجَبُوا عَنْهُ عِلْيَةَ

ص: 431

الصَّحَابَةِ، فَرَّ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، وَاسْتَأْذَنَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الِاعْتِمَارِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَتَبِعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ. وَكَانَ عَلِيٌّ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ نَدَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحَرَّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ خَرَجُوا خَرَجْتُ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَكِنْ لَا أَخْرُجُ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْعَامِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ ابْنُ عُمَرَ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدِمَ إِلَى مَكَّةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْعَامِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْيَمَنِ - وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا لِعُثْمَانَ - وَمَعَهُ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَدِمَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ نَائِبَهَا لِعُثْمَانَ.

فَاجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَامَتْ عَائِشَةُ، رضي الله عنها، فِي النَّاسِ تَخْطُبُهُمْ وَتَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وَذَكَرَتْ مَا افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَلَمْ يُرَاقِبُوا جِوَارَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ. فَاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وَطَاوَعُوهَا عَلَى مَا تَرَاهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهَا: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنَا مَعَكِ. فَقَالَ قَائِلٌ: نَذْهَبُ إِلَى الشَّامِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ كَفَاكُمْ أَمْرَهَا. وَلَوْ قَدِمُوهَا لَغَلَبُوا، وَاجْتَمَعَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُمْ ; لِأَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مَعَهُمْ. وَقَالَ

ص: 432

آخَرُونَ: نَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَطْلُبُ مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَيُقْتَلُوا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَذْهَبُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَتَقَوَّى بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، وَنَبْدَأُ بِمَنْ هُنَاكَ مِنْ قَتَلَتِهِ. فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَ بَقِيَّةُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ رَجَعْنَ عَنْ ذَلِكَ، وَقُلْنَ: لَا نَسِيرُ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ. وَجَهَّزَ النَّاسَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، فَأَنْفَقَ فِيهِمْ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّمِائَةِ بَعِيرٍ، وَجَهَّزَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ أَيْضًا بِمَالٍ كَثِيرٍ: وَكَانَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَافَقَتْ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَى هُوَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَسَارَ النَّاسُ صُحْبَةَ عَائِشَةَ فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: تِسْعِمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. وَتَلَاحَقَ بِهِمْ آخَرُونَ، فَصَارُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ تُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ عَلَى جَمَلٍ اسْمُهُ عَسْكَرٌ، اشْتَرَاهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ. وَقِيلَ: بِثَمَانِينَ دِينَارًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَسَارَ مَعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ فَفَارَقْنَهَا هُنَالِكَ وَبَكَيْنَ لِلْوَدَاعِ، وَتَبَاكَى النَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ النَّحِيبِ.

وَسَارَ النَّاسُ قَاصِدِينَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ عَنْ أَمْرِ عَائِشَةَ ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يُؤَذِّنُ لِلنَّاسِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ مَرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ لَيْلًا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْحَوْأَبُ. فَنَبَحَتْهُمْ كِلَابٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا

ص: 433

سَمِعَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَا اسْمُ هَذَا الْمَاءِ؟ قَالُوا: الْحَوْأَبُ. فَضَرَبَتْ بِإِحْدَى يَدَيْهَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً. قَالُوا: وَلِمَ؟ قَالَتْ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ لِنِسَائِهِ: لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ الَّتِي تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ» . ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ، وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كَمَا سَبَقَ. فَأَنَاخَ النَّاسُ حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَكِ أَنَّ هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ قَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَالَ النَّاسُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ! هَذَا جَيْشُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ.

فَلَمَّا اقْتَرَبَتْ مِنَ الْبَصْرَةِ كَتَبَتْ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ أَنَّهَا قَدْ قَدِمَتْ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ إِلَيْهَا لِيَعْلَمَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهَا، سَلَّمَا عَلَيْهَا، وَاسْتَعْلَمَا مِنْهَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَذَكَرَتْ لَهُمَا مَا الَّذِي جَاءَتْ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ ; لِأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَبَلَدٍ حَرَامٍ. وَتَلَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] الْآيَةَ [النِّسَاءِ: 114] فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهَا فَجَاءَا إِلَى طَلْحَةَ فَقَالَا لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَمَا بَايَعْتَ عَلِيًّا؟ قَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي،

ص: 434

وَلَا أَسْتَقْبِلُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. فَذَهَبَا إِلَى الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَجَعَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:

يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أَتَيْتَ فَانْفِرِ

وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ

وَاخْرُجْ لَهُمْ مُسْتَلْثِمًا وَشَمِّرِ

فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَا الْإِسْلَامُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِي وَاللَّهِ لَتَعْرُكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. يُشِيرُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ» . الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَشِرْ عَلَيَّ. فَقَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ فِي مَنْزِلِي. أَوْ قَالَ: قَاعِدٌ عَلَى بَعِيرِي فَذَاهِبٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَنَادَى فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَمَرَهُمْ، بِالتَّجَهُّزِ، فَقَامَ رَجُلٌ وَعُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ جَاءُوا خَائِفِينَ فَقَدْ جَاءُوا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهَا الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَتِهِ، فَأَطِيعُونِي وَرُدُّوهُمْ مِنْ

ص: 435

حَيْثُ جَاءُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءُوا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَلِمَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ أَنَّ لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ أَنْصَارًا فَكَسَرَهُ ذَلِكَ.

وَقَدِمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ، فَنَزَلُوا الْمِرْبَدَ مِنْ أَعْلَاهُ قَرِيبًا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهَا مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَكَانَ مَعَهَا، وَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْجَيْشِ، فَاجْتَمَعُوا بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ - وَكَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ - فَنَدَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ وَالطَّلَبِ بِدَمِهِ، وَتَابَعَهُ الزُّبَيْرُ فَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمَا نَاسٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَتَكَلَّمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَرَّضَتْ وَحَثَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَتَثَاوَرَ طَوَائِفُ مِنْ أَطْرَافِ الْجَيْشَيْنِ، فَتَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ تَحَاجَزَ النَّاسُ وَرَجَعَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى حَوْزَتِهِ، وَقَدْ صَارَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ إِلَى جَيْشِ عَائِشَةَ، فَكَثُرُوا. وَجَاءَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ، إِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ فِي الرُّجُوعِ.

وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ - وَكَانَ عَلَى خَيْلِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ وَجَعَلَ أَصْحَابُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَكُفُّونَ أَيْدِيَهُمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ الْقِتَالِ، وَجَعَلَ حُكَيْمٌ

ص: 436

يَقْتَحِمُ عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي قَصَدُوا الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حُنَيْفٍ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا وَيَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا ; إِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَنْهَا وَأَخْلَوْهَا لَهُ. وَبَعَثُوا بِذَلِكَ كَعْبَ بْنَ سُورٍ الْقَاضِي، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَايَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ طَائِعَيْنِ أَوْ مُكْرَهَيْنِ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: بَلْ كَانَا مُكْرَهَيْنِ. فَثَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَأَرَادُوا ضَرْبَهُ، فَجَاحَفَ دُونَهُ صُهَيْبٌ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَجَمَاعَةٌ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأَمْرَ يَنْتَهِي إِلَى هَذَا. وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: إِنَّهُمَا لَمْ يُكْرَهَا عَلَى فُرْقَةٍ، وَلَقَدْ أُكْرِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَفَضْلٍ، فَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ الْخَلْعَ فَلَا عُذْرَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ غَيْرَ ذَلِكَ نَظَرَا وَنَظَرْنَا. وَقَدِمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ عَلَى عُثْمَانَ بِكِتَابِ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. وَبَعَثَ طَلْحَةُ

ص: 437

وَالزُّبَيْرُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمَا فَأَبَى. فَجَمَعَا الرِّجَالَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَشَهِدَ بِهِمْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَوَقَعَ مِنْ رِعَاعِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَلَامٌ وَضَرْبٌ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَصْرَهُ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ إِلَّا نَتَفُوهَا، فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَبَعَثَا إِلَى عَائِشَةَ فَأَعْلَمَاهَا الْخَبَرَ، فَأَمَرَتْ أَنْ تُخَلَّى سَبِيلُهُ، فَأَطْلَقُوهُ وَوَلَّوْا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَسَّمَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ فِي النَّاسِ، وَفَضَّلُوا أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ النَّاسُ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَخَذُوا الْحَرَسَ، وَاسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ فِي الْبَصْرَةِ، فَحَمِيَ لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَاشَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ، فَبَارَزُوا وَقَاتَلُوا، فَضَرَبَ رَجُلٌ رِجْلَ حُكَيْمِ بْنِ جَبَلَةَ فَقَطَعَهَا، فَزَحَفَ حَتَّى أَخَذَهَا وَضَرَبَ بِهَا ضَارِبَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَّكَأَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُولُ:

يَا سَاقُ لَنْ تُرَاعِى

إِنَّ مَعِي ذِرَاعِي

أَحْمِي بِهَا كُرَاعِي

وَقَالَ أَيْضًا

ص: 438

لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ

وَالْعَارُ فِي النَّاسِ هُوَ الْفِرَارُ

وَالْمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ

فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ بِرَأْسِهِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: وِسَادَتِي. ثُمَّ مَاتَ حُكَيْمٌ قَتِيلًا هُوَ وَنَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَضَعُفَ جَأْشُ مَنْ خَالَفَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. . وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَايَعُوا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَنَدَبَ الزُّبَيْرُ أَلْفَ فَارِسٍ يَأْخُذُهَا مَعَهُ وَيَلْتَقِي عَلِيًّا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ.

وَقَدْ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ تَدْعُوهُ إِلَى نُصْرَتِهَا وَالْقِيَامِ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَلْيَكُفَّ يَدَهُ وَلْيَلْزَمْ مَنْزِلَهُ، أَيْ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا وَلَا لَهَا، فَقَالَ: أَنَا فِي نُصْرَتِكِ مَا دُمْتِ فِي مَنْزِلِكِ. وَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أُمِرَتْ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ، فَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا وَأَمَرَتْنَا بِلُزُومِ بُيُوتِنَا الَّتِي كَانَتْ هِيَ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنَّا. وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْكُوفَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.

ص: 439