الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسِنَةٍ عَامَّةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا» . ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى:{أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام: 65] . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، هَذَا أَهْوَنُ.
[قِصَّةُ التَّحْكِيمِ]
ثُمَّ تَرَاوَضَ الْفَرِيقَانِ بَعْدَ مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاجَعَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا عَلَى التَّحْكِيمِ وَهُوَ أَنْ يُحَكِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمِيرَيْنِ - عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ - رَجُلًا مِنْ جِهَتِهِ، ثُمَّ يَتَّفِقَ الْحَكَمَانِ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَأَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - وَلَيْتَهُ فَعَلَ - وَلَكِنَّهُ مَنَعَهُ الْقُرَّاءُ الْخَوَارِجُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ.
وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِ " الْخَوَارِجِ " لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَشَارَ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَتَابَعَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اعْتَزَلَ فِي بَعْضِ أَرْضِ الْحِجَازِ، قَالَ
عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الْأَشْتَرَ حَكَمًا. فَقَالُوا: وَهَلْ سَعَّرَ، الْأَرْضَ إِلَّا الْأَشْتَرُ؟ قَالَ: فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَيْتَ بِحَجَرٍ، إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ فِي أَكُفِّهِمْ، وَيَبْعُدُ عَنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ النَّجْمِ، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَجْعَلَنِي حَكَمًا فَاجْعَلْنِي ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا، فَإِنَّهُ لَنْ يَعْقِدَ عُقْدَةً إِلَّا حَلَلْتُهَا، وَلَا يَحُلَّ عُقْدَةً عَقَدْتُهَا إِلَّا عَقَدْتُ لَكَ أُخْرَى مِثْلَهَا أَوْ أَحْكَمَ مِنْهَا. قَالَ: فَأَبَوْا إِلَّا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ. فَذَهَبَتِ الرُّسُلُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ - فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اصْطَلَحُوا. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قِيلَ لَهُ: وَقَدْ جُعِلْتَ حَكَمًا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ أَخَذُوهُ حَتَّى أَحْضَرُوهُ إِلَى عَلِيٍّ، رضي الله عنه وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا هَذِهِ صُورَتُهُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا تَقَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ اكْتُبِ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ هُوَ أَمِيرُكُمْ وَلَيْسَ بِأَمِيرِنَا. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: لَا تَكْتُبْ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: امْحُهُ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلِيٌّ بِقِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ امْتَنَعَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ
اللَّهِ. فَامْتَنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَكَتَبَ الْكَاتِبُ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ; قَاضَى عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَاضَى مُعَاوِيَةُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، إِنَّا نَنْزِلُ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَنُحْيِي مَا أَحْيَا اللَّهُ، عز وجل، وَنُمِيتُ مَا أَمَاتَ اللَّهُ، فَمَا وَجَدَ الْحَكَمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - عَمِلَا بِهِ وَمَا لَمْ يَجِدَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَالسُّنَّةُ الْعَادِلَةُ الْجَامِعَةُ غَيْرُ الْمُتَفَرِّقَةِ. ثُمَّ أَخَذَ الْحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَمِنَ الْجُنْدَيْنِ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ عَلَى أَنَّهُمَا آمِنَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَهْلِهِمَا، وَالْأُمَّةُ لَهُمَا أَنْصَارٌ عَلَى الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ وَيَتَّفِقَانِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّهُمْ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَجَّلَا الْقَضَاءَ إِلَى رَمَضَانَ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ عَلَى تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَكُتِبَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى أَنْ يُوَافِيَ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ مَوْضِعَ الْحَكَمَيْنِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَمَضَانَ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا لِذَلِكَ اجْتَمَعَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِأَذْرُحَ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ " الْخَوَارِجِ " أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكِتَابِ وَفِيهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ أُقَاتِلْهُ، وَلَكِنْ لِيَكْتُبِ اسْمَهُ وَلِيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ اسْمِي لِفَضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَكَتَبَ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ.
وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ أَبَوْا أَنْ يَبْدَأُوا بِاسْمِ عَلِيٍّ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ، وَبِاسْمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ، حَتَّى كُتِبَ كِتَابَانِ ; كِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ وَكِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ بِمَا أَرَادُوا.
وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَالتَّحْكِيمِ مَنْ جَيْشِ عَلِيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ سُمَيٍّ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحِلٍّ الْعِجْلِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيُّ،
وَيَزِيدُ بْنُ حُجَيَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيُّ. فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ. وَأَمَّا مِنَ الشَّامِيِّينَ فَعَشَرَةٌ آخَرُونَ ; وَهُمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَمُخَارِقُ بْنُ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيُّ، زِمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعُذْرِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَسُبَيْعُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحُرِّ الْعَبْسِيُّ.
وَخَرَجَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ بِذَلِكَ الْكِتَابِ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّاسِ وَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. ثُمَّ شَرَعَ النَّاسُ فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي كُلِّ قَبْرٍ خَمْسُونَ نَفْسًا. وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْ صِفِّينَ أَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ مِثْلُهُمْ أَوْ قَرِيبٌ