الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَا يُمَكِّنُ أَحَدُهُمَا الْفِرَارَ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَصَلَّى النَّاسُ الصُّبْحَ إِيمَاءً وَهُمْ فِي الْقِتَالِ حَتَّى تَضَاحَى النَّهَارُ وَأَقْبَلَ النَّصْرُ، وَتُوَجَّهَ النَّصْرُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَيْمَنَةِ - وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحُرُوبَ وَلَا يَهَابُونَ الْقَتْلَ - فَحَمَلَ بِمَنْ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَتَبِعَهُ عَلِيٌّ فَانْفَضَّتْ غَالِبُ صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْهَزِيمَةُ وَالْكَسْرَةُ وَالْفِرَارُ.
[ذِكْرُ رَفْعِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ مَكْرًا مِنْهُمْ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَخَدِيعَةً]
فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وَقَالُوا: هَذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنِيَ النَّاسُ فَمَنْ لِلثِّغُورِ؟ وَمَنْ لِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ؟
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ، أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ ظَهَرُوا وَانْتَصَرُوا، أَحَبَّ أَنْ يَنْفَصِلَ الْحَالُ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَابِرٌ لِلْآخَرِ، وَالنَّاسُ
يَتَفَانَوْنَ، فَقَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَمْرًا لَا يَزِيدُنَا إِلَّا اجْتِمَاعًا، وَلَا يَزِيدُ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَّا تَفَرُّقًا وَاخْتِلَافًا، أَرَى أَنْ نَرْفَعَ الْمَصَاحِفَ وَنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَجَابُوا كُلُّهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَرَدَ الْقِتَالُ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ - بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ: نُجِيبُهُمْ. وَبَعْضُهُمْ: لَا نُجِيبُهُمْ. فَشِلُوا وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِياهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فِي مَسْجِدِ أَهْلِهِ أَسْأَلُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ، فِيمَ اسْتَجَابُوا لَهُ وَفِيمَ فَارَقُوهُ، وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ؟ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَلَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الشَّامِ اعْتَصَمُوا بِتَلٍّ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ بِمُصْحَفٍ فَادْعُهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْكَ. فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23] فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ. قَالَ فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِجُ - وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ يَوْمَئِذٍ الْقُرَّاءَ - وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَنْتَظِرُ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ
عَلَى التَّلِّ، أَلَا نَمْشِيَ إِلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَتَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهَمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَوْمَ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ.
فَلَمَّا رُفِعَتِ الْمَصَاحِفُ، قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: نُجِيبُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَنُنِيبُ إِلَيْهِ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، امْضُوا إِلَى حَقِّكُمْ وَصِدْقِكُمْ وَقِتَالِ عَدُوِّكُمْ ; فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، لَيْسُوا بِأَصْحَابِ دِينٍ وَلَا قُرْآنٍ، أَنَا أَعْرَفُ بِهِمْ مِنْكُمْ، وَقَدْ صَحِبْتُهُمْ أَطْفَالًا، وَصَحِبْتُهُمْ رِجَالًا، فَكَانُوا شَرَّ أَطْفَالٍ، وَشَرَّ رِجَالٍ، وَيْحَكُمُ! وَاللَّهِ إِنَّهُمْ مَا رَفَعُوهَا رَفْعَ مَنْ يَقْرَأُهَا وَيَعْمَلُ بِمَا فِيهَا وَإِنَّمَا رَفَعُوهَا خَدِيعَةً
وَدَهَاءً وَمَكِيدَةً وَمَكْرًا وَتَخْذِيلًا لَكُمْ، وَكَسْرًا لِحِدَّتِكُمْ وَقِتَالِكُمْ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هَزِيمَتُهُمْ وَفِرَارُهُمْ وَنَصْرُكُمْ عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُ: مَا يَسَعُنَا أَنْ نُدْعَى إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَنَأْبَى أَنْ نَقْبَلَهُ وَنُجِيبَ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي إِنَّمَا أُقَاتِلُهُمْ لِيَدِينُوا بِحُكْمِ الْكِتَابِ ; فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوُا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَتَرَكُوا عَهْدَهُ، وَنَبَذُوا كِتَابَهُ. فَقَالَ لَهُ مِسْعَرُ بْنُ فَدَكِيٍّ التَّمِيمِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ حِصْنٍ الطَّائِيُّ ثُمَّ السِّنْبِسِيُّ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُمَا مِنَ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَوَارِجَ: يَا عَلِيُّ أَجِبْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ إِذْ دُعِيتَ إِلَيْهِ وَإِلَّا دَفَعْنَاكَ بَرُمَّتِكَ إِلَى الْقَوْمِ، أَوْ نَفْعَلُ بِكَ مَا فَعَلْنَا بِابْنِ عَفَّانَ، إِنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ قَتَلْنَاهُ، وَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّهَا أَوْ لَنَفْعَلَنَّهَا بِكَ. قَالَ: فَاحْفَظُوا عَنِّي نَهْيِي إِيَّاكُمْ وَاحْفَظُوا مَقَالَتَكُمْ لِي، أَمَّا أَنَا فَإِنْ تُطِيعُونِي فَقَاتِلُوا، وَإِنْ تَعْصُونِي فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. قَالُوا: فَابْعَثْ إِلَى الْأَشْتَرِ فَلْيَأْتِكَ وَيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ لِيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْتَشِرِ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى كَذِبٍ، أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ كَرِهَ ذَلِكَ وَأَبَى،
وَقَالَ فِي عَلِيٍّ بَعْضَ مَا أَكْرَهُ ذِكْرَهُ، ثُمَّ قَالَ عَمَّارٌ: مَنْ رَائِحٌ إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَغِيَ غَيْرَ اللَّهِ حَكَمًا؟ فَحَمَلَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رضي الله عنه. وَكَانَ مِمَّنْ دَعَا إِلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ سَادَاتِ الشَّامِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; قَامَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَالْكَفِّ وَتَرْكِ الْقِتَالَ وَالِائْتِمَارِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ عَنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، رضي الله عنهما، وَكَانَ مِمَّنْ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ بِالْقَبُولِ وَالدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، رضي الله عنه، فَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَعَثَ إِلَى الْأَشْتَرِ قَالَ: قُلْ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَنِي عَنْ مَوْقِفِي فِيهَا، إِنِّي قَدْ رَجَوْتُ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ فَلَا تُعْجِلْنِي. فَرَجَعَ الرَّسُولُ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ - إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْأَشْتَرُ، وَصَمَّمَ الْأَشْتَرُ عَلَى الْقِتَالِ لِيَنْتَهِزَ الْفُرْصَةَ، فَارْتَفَعَ الْهَرْجُ وَعَلَتِ الْأَصْوَاتُ، فَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا أَمَرْتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتُمُونِي سَارَرْتُ الرَّسُولَ، أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْهِ جَهْرَةً وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ؟ فَقَالُوا: فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ وَإِلَّا وَاللَّهِ اعْتَزَلْنَاكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِيَزِيدَ بْنِ هَانِئٍ: وَيْحَكَ! قُلْ لَهُ: أَقْبِلْ إِلَيَّ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ وَقَعَتْ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ وَأَبْلَغَهُ مَا قَالَ عَلِيٌّ أَنَّهُ يُقْبِلُ إِلَيْهِ، جَعَلَ
الْأَشْتَرُ يَتَمَلْمَلُ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ! أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّصْرِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ؟ فَقُلْتُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ ; أَنْ تَرْجِعَ أَوْ يَقْتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ؟ ثُمَّ مَاذَا تُغْنِي عَنْكَ نَصْرَتُكُ هَاهُنَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ الْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَتَرَكَ الْقِتَالَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الذُّلِّ وَالْوَهْنِ، أَحِينَ عَلَوْتُمُ الْقَوْمَ، وَظَهَرْتُمْ وَظَنُّوا أَنَّكُمْ لَهُمْ قَاهِرُونَ ; رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَكُمْ إِلَى مَا فِيهَا، وَقَدْ وَاللَّهِ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهَا، وَسُنَّةَ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَلَا تُجِيبُوهُمْ، أَمْهِلُونِي فَإِنِّي قَدْ أَحْسَسْتُ بِالْفَتْحِ. قَالُوا: لَا. قَالَ: أَمْهِلُونِي عَدْوَ الْفَرَسِ فَإِنِّي قَدْ طَمِعْتُ فِي النَّصْرِ. قَالُوا: إِذًا نَدْخُلُ مَعَكَ فِي خَطِيئَتِكَ. ثُمَّ أَخَذَ الْأَشْتَرُ يُنَاظِرُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءَ الدَّاعِينَ إِلَى إِجَابَةِ أَهْلِ الشَّامِ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ قِتَالِكُمْ لِهَؤُلَاءِ حَقًّا فَاسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَاشْهَدُوا لِقَتْلَاكُمْ بِالنَّارِ. فَقَالُوا: دَعْنَا مِنْكَ فَإِنَّا لَا نُطِيعُكَ وَلَا صَاحِبَكَ أَبَدًا، وَنَحْنُ قَاتَلْنَا هَؤُلَاءِ فِي اللَّهِ وَتَرَكْنَا قِتَالَهُمْ لِلَّهِ. فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ: خُدِعْتُمْ وَاللَّهِ فَانْخَدَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ إِلَى وَضْعِ الْحَرْبِ فَأَجَبْتُمْ يَا أَصْحَابَ السُّوءِ، كُنَّا نَظُنُّ صَلَاتَكُمْ زَهَادَةً فِي
الدُّنْيَا وَشَوْقًا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ، فَلَا أَرَى فِرَارَكُمْ إِلَّا إِلَى الدُّنْيَا مِنَ الْمَوْتِ، يَا أَشْبَاهَ النِّيبِ الْجَلَّالَةِ، مَا أَنْتُمْ بِرَبَّانِيِّينَ بَعْدَهَا، فَابْعُدُوا كَمَا بَعِدَ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ. فَسَبُّوهُ وَسَبَّهُمْ فَضَرَبُوا وَجْهَ دَابَّتِهِ بِسِيَاطِهِمْ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ، وَرَغِبَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ بِكَمَالِهِمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَعَلَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَفَانَوْا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي كَانَ آخِرُهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةُ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْهَرِيرِ. وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْجَيْشَيْنِ لِلْآخَرِ صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالْأَبْطَالِ مَا لَيْسَ يُوجَدُ مِثْلُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَمْ يَفِرَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بَلْ صَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - سَبْعُونَ أَلْفًا ; خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ; مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَيْفٌ وَغَيْرُهُ. وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: وَكَانَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ
بَدْرِيًّا. قَالَ: وَكَانَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تِسْعُونَ زَحْفًا. وَاخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الْمُقَامِ بِصِفِّينَ ; فَقَالَ سَيْفٌ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ. قُلْتُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي مِخْنَفٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ يَوْمًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ خَمْسُونَ نَفْسًا. هَذَا كُلُّهُ مُلَخَّصٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ جَرِيرٍ، وَابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ ".
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْيَمَانِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّامِ سِتِّينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا. وَحَمَلَ الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الْوَقْعَةَ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ:«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يُقْتَلُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» . وَرَوَاهُ مُجَالِدٌ، عَنْ أَبِي الْحَوَارِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ ; فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ مَرَقَتْ مِنْهُمَا مَارِقَةٌ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ وَإِسْحَاقَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ نَاجِيَةَ الْكَاهِلِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، «إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ سَتَزُولُ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلَكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِمَّا مَضَى أَمْ مِمَّا بَقِيَ؟
قَالَ: بَلْ مِمَّا بَقِيَ.»
وَقَدْ رَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ فِي كِتَابٍ جَمَعَهُ فِي سِيرَةِ عَلِيٍّ ; رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ مَنْصُورٍ بِهِ مِثْلَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:«إِنْ رَحَى الْإِسْلَامِ سَتَزُولُ بَعْدَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ; فَإِنْ يَصْطَلِحُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ يَأْكُلُوا الدُّنْيَا سَبْعِينَ عَامًا رَغَدًا، وَإِنْ يَقْتَتِلُوا يَرْكَبُوا سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ» . وَقَالَ ابْنُ دِيزِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِرَاشٍ الشَيْبَانَيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم:«تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ» يَعْنِي عُثْمَانَ، رضي الله عنه. وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْأَشْيَاخِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، دُعِيَ إِلَى جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ وَهُوَ قَاعِدٌ يَنْتَظِرُهَا:" كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا رَأَيْتُمْ خَيَلَيْنَ فِي الْإِسْلَامِ؟ ".
قَالُوا: أَوَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أُمَّةٍ إِلَهُهَا وَاحِدٌ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفَأُدْرِكُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ عُمَرُ: أَفَأُدْرِكُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ عُثْمَانُ: أَفَأُدْرِكُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ! بِكَ يُنْشِئُونَ الْحَرْبَ» . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخُطَّابِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يَخْتَلِفُونَ وَإِلَهُهُمْ وَاحِدٌ وَقَبِيلَتُهُمْ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَجِيئُ قَوْمٌ لَا يَفْهَمُونَ الْقُرْآنَ كَمَا نَفْهَمُ فَيَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا اقْتَتَلُوا. فَأَقَرَّ عُمَرُ بِذَلِكَ. وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - أَخُو أَبِي حَمْزَةَ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: لَا يَنْتَطِحُ فِي قَتْلِهِ عَنْزَانِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ فُقِئَتْ عَيْنُهُ، فَقِيلَ: لَا يَنْتَطِحُ فِي قَتْلِهِ عَنْزَانِ! فَقَالَ: بَلَى، وَتُفْقَأُ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ مَرَّ بِصِفِّينَ، فَرَأَى حِجَارَتَهَا فَقَالَ: لَقَدِ اقْتَتَلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَنُو إِسْرَائِيلَ تِسْعَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّ الْعَرَبَ سَتَقْتَتِلُ فِيهَا الْعَاشِرَةَ، حَتَّى يَتَقَاذَفُوا بِالْحِجَارَةِ الَّتِي تَقَاذَفَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَيَتَفَانَوْا كَمَا تَفَانَوْا.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا