الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيُقَبِّحُونَ الْكَلَامَ فِيهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الْمَنْصُورِ، وَالْمَنْصُورُ وَاجِمٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ لَا يَتَكَلَّمُ، حَتَّى دَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ، فَوَقَفَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ابْنِ عَمِّكَ، وَغَفَرَ لَهُ مَا فَرَّطَ مِنْ حَقِّكَ. قَالَ: فَاصْفَرَّ لَوْنُ الْمَنْصُورِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَبَا خَالِدٍ، مَرْحَبًا وَأَهْلًا، هَاهُنَا؟! فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنْهُ فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ جَاءَ يَقُولُ كَمَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ.
قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: كَانَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. يَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
[ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]
وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ الْبَيْتِ، مِنْهُمْ; عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ وَابْنَاهُ إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ، وَأَخُوهُ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ، وَأَخُوهُ لِأُمِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمُلَقَّبُ بِالدِّيبَاجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الَّذِي قَبْلَهُ.
فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ
فَتَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ - وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ; سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمَالِكٌ. وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُبَجَّلًا، وَكَانَ عَابِدًا كَبِيرَ الْقَدْرِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا. وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَكْرَمَهُ، وَوَفَدَ عَلَى السَّفَّاحِ فَعَظَّمَهُ وَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ عَكَسَ هَذَا الْإِكْرَامَ، وَأَخَذَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مُقَيَّدِينَ مَغْلُولِينَ مُهَانِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْهَاشِمِيَّةِ، فَأَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ الضَّيِّقَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ هَذَا أَوَّلَ مَنْ مَاتَ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا. وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ.
ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ أَخُوهُ حَسَنٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى خُرَاسَانَ، كَمَا قَدَّمْنَا.
وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَنَافِعٍ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَيْفِيَّةِ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، وَحَدَثَّ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْ بِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَكَانَ طَوِيلًا سَمِينًا أَسْمَرَ ضَخْمًا، مُفَخَّمًا ذَا هِمَّةٍ سَامِيَّةٍ، وَسَطْوَةٍ عَالِيَةٍ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَدْ حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَطَيْفَ بِهِ فِي الْأَقَالِيمِ.
وَأَمَّا أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ فَكَانَ ظُهُورُهُ بِالْبَصْرَةِ بَعْدَ ظُهُورِ أَخِيهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَقَدْ حَكَى أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ
وَأَخُوهُ مُحَمَّدٌ خَارِجِيِّينَ. ثُمَّ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَبِئْسَمَا قَالَ، هَذَا رَأْيُ الزَّيْدِيَّةِ. قُلْتُ: وَقَدْ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ مَالُوا إِلَى ظُهُورِهِمَا وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا أَيْضًا مِنَ الْمَشَاهِيرِ:
الْأَجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ فِي قَوْلٍ، وَحَبِيبٌ ابْنُ الشَّهِيدِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَعُمَرُ مَوْلَى عَفْرَةَ، وَيَحْيَى
بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَّارِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ - وَالْعَجَّاجُ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ أَبُو الشَّعْثَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ - أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، الرَّاجِزُ ابْنُ الرَّاجِزِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيوَانُ رَجَزٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَارِعٌ فِي فَنِّهِ، لَا يُجَارَى وَلَا يُمَارَى، عَالِمٌ بِاللُّغَةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ الْكَاتِبُ الْمُفَوَّهُ، أَسْلَمَ عَلَى يَدِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ عَمِّ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ، وَكَتَبَ لَهُ، وَلَهُ رَسَائِلُ وَأَلْفَاظٌ فَصِيحَةٌ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَهُوَ الَّذِي صَنَّفَ كِتَابَ " كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ "، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ الَّذِي عَرَّبَهَا مِنَ الْمَجُوسِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ.
قَالَ الْمَهْدِيُّ ابْنُ الْمَنْصُورِ: مَا وَجَدْتُ كِتَابَ زَنْدَقَةٍ إِلَّا وَأَصْلُهُ مِنِ ابْنِ الْمُقَفَّعِ. قَالَ الْجَاحِظُ: الزَّنَادِقَةُ ثَلَاثَةٌ; ابْنُ الْمُقَفَّعِ، وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ، وَيَحْيَى بْنُ زِيَادٍ. قَالُوا: وَنَسِيَ الْجَاحِظُ نَفْسَهُ، وَهُوَ رَابِعُهُمْ. وَكَانَ مَعَ هَذَا فَاضِلًا بَارِعًا فَصِيحًا.
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِابْنِ الْمُقَفَّعِ: مَنْ أَدَّبَكَ؟ قَالَ: نَفْسِي; إِذَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِي قَبِيحًا أَبَيْتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتُ حَسَنًا أَتَيْتُهُ.
وَمِنْ كَلَامِهِ: شَرِبْتُ مِنَ الْخُطَبِ رَيًّا، وَلَمْ أَضْبُطْ لَهَا رَوِيًّا، فَغَاضَتْ ثُمَّ فَاضَتْ، فَلَا هِيَ هِيَ نِظَامًا، وَلَيْسَتْ غَيْرَهَا كَلَامًا.
وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى يَدِ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ نَائِبِ الْبَصْرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْبَثُ بِهِ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسَمِّيهِ ابْنَ الْمُغْتَلِمَةِ، وَكَانَ كَبِيرَ الْأَنْفِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمَا. عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: مَا نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتٍ قَطُّ. فَقَالَ: صَدَقْتَ، الْخَرَسُ خَيْرٌ لَكَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَنْصُورَ تَغَضَّبَ عَلَى ابْنِ الْمُقَفَّعِ، فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَذَا أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَخَذَهُ فَأَحْمَى لَهُ تَنُّورًا، وَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ إِرَبًا إِرَبًا، وَيُلْقِيهِ فِي ذَلِكَ التَّنُّورِ حَتَّى أَحْرَقَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى أَطْرَافِهِ كَيْفَ تُقْطَعُ، ثُمَّ تُحْرَقُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ.
قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ابْنُ الْمُقَفَّعِ نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ الْقِفَاعِ،
وَهِيَ مِنَ الْجَرِيدِ كَالزِّنْبِيلِ بِلَا آذَانٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ، وَهُوَ أَبُوهُ دَاذَوَيْهِ، كَانَ الْحَجَّاجُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْخَرَاجِ، فَخَانَ فَعَاقَبَهُ حَتَّى تَقَفَّعَتْ يَدَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهَا خَرَجَتِ التُّرْكُ وَالْخَزَرُ بِبَابِ الْأَبْوَابِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْمِينِيَّةَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ نَائِبُ مَكَّةَ، وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.