الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَانَ قَدْ أَبْعَدَهَا وَأَقْصَاهَا، وَقَرَّبَ حَظِيَّتَهُ خَالِصَةَ وَأَدْنَاهَا. فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[وَهَذَا ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ تَرْجَمَةِ الْهَادِي]
هُوَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَادِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَلِيَ الْخِلَافَةَ - كَمَا ذَكَرْنَا - فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ - وَقِيلَ أَرْبَعٌ. وَقِيلَ: سِتٌّ - وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ قَبْلَهُ فِي سِنِّهِ. وَكَانَ حَسَنًا جَمِيلًا طَوِيلًا أَبْيَضَ، فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا تَقَلُّصٌ، وَكَانَ قَوِيَّ الْبَأْسِ يَثِبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ، وَكَانَ أَبُوهُ يُسَمِّيهِ رَيْحَانَتِي.
وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دَأَبٍ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْهَادِي، إِذْ جِيءَ بِطَسْتٍ فِيهِ رَأْسَا جَارِيَتَيْنِ، لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُمَا، وَلَا مِثْلَ شُعُورِهِمَا، وَفِي شُعُورِهِمَا اللَّآلِئُ وَالْجَوَاهِرُ مُنَضَّدَةً، وَلَا مِثْلَ طِيبِ رِيحِهِمَا، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا شَأْنُ هَاتَيْنِ؟ قُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنَّهُ ذُكِرَ لِي عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْفَاحِشَةَ، فَأَمَرْتُ الْخَادِمَ، فَرَصَدَهُمَا ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: إِنَّهُمَا مُجْتَمِعَتَانِ. فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ وَهُمَا عَلَى
الْفَاحِشَةِ، فَأَمَرْتُ بِحَزِّ رِقَابِهِمَا. ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ رُءُوسِهِمَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ، كَأَنْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا. وَكَانَ شَهْمًا خَبِيرًا بِالْمُلْكِ كَرِيمًا.
وَمِنْ كَلَامِهِ: مَا أُصْلِحَ الْمُلْكُ بِمِثْلِ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لِلْجَانِي، وَالْعَفْوِ عَنِ الزَّلَّاتِ الْقَرِيبَةِ، لِيَقِلَّ الطَّمَعُ عَنِ الْمُلْكِ.
وَغَضِبَ يَوْمًا مِنْ رَجُلٍ، فَاسْتُرْضِيَ عَنْهُ فَرَضِيَ، فَشَرَعَ الرَّجُلُ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ الْهَادِي: إِنَّ الرِّضَا قَدْ كَفَاكَ مُؤْنَةَ الِاعْتِذَارِ.
وَعَزَّى الْهَادِي رَجُلًا فِي وَلَدٍ لَهُ تُوُفِّيَ: فَقَالَ لَهُ: أَسَرَّكَ وَهُوَ عَدُوٌّ وَفِتْنَةٌ، وَأَحْزَنَكَ وَهُوَ صَلَاةٌ وَرَحْمَةٌ.
وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ أَنْشَدَ الْهَادِي قَصِيدَةً لَهُ، مِنْهَا:
تَشَابَهَ يَوْمًا بَأْسُهُ وَنَوَالُهُ
…
فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لِأَيِّهِمَا الْفَضْلُ
فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً أَوْ مِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ فِي الدَّوَاوِينِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَكُونُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً وَمِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ بِالدَّوَاوِينِ. فَقَالَ الْهَادِي: أَوْ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ; نُعَجِّلُ الْجَمِيعَ لَكَ. فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً.
وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: حَدَّثَنِي الْأَزْهَرِيُّ، ثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ الدِّيبَاجِيُّ، ثَنَا الصُّولِيُّ، ثَنَا الْغَلَابِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنِي الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْهَادِي شُهُودًا عَلَى رَجُلٍ مِنَّا شَتَمَ قُرَيْشًا، وَتَخَطَّى إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ لَنَا مَجْلِسًا أَحْضَرَ فِيهِ فُقَهَاءَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ عَلَى بَابِهِ، وَأَحْضَرَ الرَّجُلَ وَأَحْضَرَنَا، فَشَهِدْنَا عَلَيْهِ بِمَا سَمِعْنَا مِنْهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي، ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي الْمَهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ، وَأَنْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم! اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى قُتِلَ.
تُوُفِّيَ الْهَادِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ هَارُونُ وَلِيُّ الْعَهْدِ، وَدُفِنَ فِي قَصْرٍ بَنَاهُ وَسَمَّاهُ الْأَبْيَضَ بِعِيسَابَاذَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ. وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ تِسْعَةٌ; سَبْعَةٌ ذُكُورٌ وَابْنَتَانِ، فَالذُّكُورُ; جَعْفَرٌ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ رَشَّحَهُ لِلْخِلَافَةِ - وَعَبَّاسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ وَسُلَيْمَانُ وَمُوسَى الْأَعْمَى الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَانِ هُمَا أُمُّ عِيسَى الَّتِي تَزَوَّجَهَا الْمَأْمُونُ، وَالْأُخْرَى أُمُّ