الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى
…
كَمًّا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ
وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ; هَلْ يَسْتَشِيرُ أَحَدًا فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْتَبِدُّ هُوَ بِرَأْيِهِ; لِئَلَّا يَشِيعَ وَيَنْتَشِرَ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَشَارَ وَاحِدًا مِنْ نُصَحَائِهِ فِي قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] . فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَوْدَعْتَهَا أُذُنًا وَاعِيَةً. ثُمَّ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ.
[تَرْجَمَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ]
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ
هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ، أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ دَوْلَةِ - وَيُقَالُ: دَعْوَةِ - بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَمِينُ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ سَنْفِيرُونَ بْنِ أَسْفَنْدِيَارَ، أَبُو مُسْلِمٍ الْمَرْوَزِيُّ، صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، يَرْوِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي شُيُوخِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَرْمَلَةَ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: رَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مَيْمُونٍ الصَّائِغُ، وَبِشْرٌ وَالِدُ مُصْعَبِ بْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيبٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَقُدَيْدُ بْنُ مَنِيعٍ صِهْرُ أَبِي مُسْلِمٍ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ فَاتِكًا، شُجَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَعَقْلٍ وَتَدْبِيرٍ وَحَزْمٍ. وَقَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ بِالْمَدَائِنِ.
وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي " تَارِيخِ أَصْبَهَانَ ": كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ. وَرَوَى عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: كَانَ اسْمُ أَبِي مُسْلِمٍ - صَاحِبِ الدَّعْوَةِ - إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارِ بْنِ شِيدُوسَ بْنِ جُودِرْنَ، مِنْ وَلَدِ بُزُرْجَمُهْرَ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ، وَوُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْصَى إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى السَّرَّاجِ، فَحَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا بَعَثَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى خُرَاسَانَ قَالَ لَهُ: غَيِّرِ اسْمَكَ وَكُنْيَتَكَ. فَتَسَمَّى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَاكْتَنَى بِأَبِي مُسْلِمٍ، فَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً
رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ بِإِكَافٍ، وَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَفَقَةً مِنْ عِنْدِهِ، فَرَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ خُرَاسَانُ بِأَزِمَّتِهَا وَحَذَافِيرِهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ فِي مُرُورِهِ إِلَى خُرَاسَانَ عَدَا رَجُلٌ فِي بَعْضِ الْخَانَاتِ عَلَى حِمَارِهِ، فَهَلَبَ ذَنَبَهُ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ وَحَكَمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، جَعَلَهُ دَكًّا، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَابًا لَا يُسْكَنُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَصَابَهُ سِبَاءٌ فِي صِغَرِهِ، وَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بَعْضُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْإِمَامَ اسْتَوْهَبَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، فَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَزَوَّجَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، بِنْتَ أَبِي النَّجْمِ عِمْرَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطَّائِيِّ، أَحَدِ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَوُلِدَ لِأَبِي مُسْلِمٍ بِنْتَانِ; إِحْدَاهُمَا أَسْمَاءُ، أَعْقَبَتْ، وَفَاطِمَةُ، وَلَمْ تُعْقِبْ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنَ السِّنِينَ، كَيْفِيَّةَ اسْتِقْلَالِ أَبِي مُسْلِمٍ بِأُمُورِ خُرَاسَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَنَشْرِهِ دَعْوَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ.
وَقَدْ كَانَ ذَا هَيْبَةٍ وَصَرَامَةٍ وَإِقْدَامٍ وَتَسَرُّعٍ; رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: مَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي أَرَى عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ» مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَهَذِهِ ثِيَابُ الْهَيْبَةِ، وَثِيَابُ الدَّوْلَةِ. يَا غُلَامُ، اضْرِبْ عُنُقَهُ.
وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ، عَنْهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ» .
وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّائِغُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ فِي زَمَنِ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يَعِدُهُ إِذَا ظَهَرَ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ وَالْعَدْلَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ يُلِحُّ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ حَتَّى أَحْرَجَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ: هَلَّا كُنْتَ تُنْكِرُ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَهُوَ يَعْمَلُ أَوَانِيَ الْخَمْرِ مِنَ الذَّهَبِ فَيَبْعَثُهَا إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ؟ ! فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَعِدُونِي مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا وَعَدْتَنِي أَنْتَ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ لِإِبْرَاهِيمَ مَنَازِلَ عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ; بِصَبْرِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، رحمه الله.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو مُسْلِمٍ فِي أَيَّامِ السَّفَّاحِ مِنَ الطَّاعَةِ الْأَكِيدَةِ لَهُ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَامْتِثَالِ مَرَاسِيمِهِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَنْصُورِ اسْتَخَفَّ بِهِ وَاحْتَقَرَهُ، وَمَعَ هَذَا كَسَرَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ حِينَ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ بِالشَّامِ، فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ وَرَدَّهَا إِلَى حُكْمِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ شَمَخَتْ نَفْسُهُ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَهَمَّ بِقَلْعِهِ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ الْمَنْصُورُ مَعَ مَا كَانَ مُبْطِنًا لَهُ مِنَ الْبِغْضَةِ، وَقَدْ سَأَلَ أَخَاهُ السَّفَّاحَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَصْدِفَ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ وَالْمَنْصُورِ مِنَ الْمُرَاسَلَاتِ وَالْمُكَاتَبَاتِ، حِينَ اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْمَنْصُورُ وَاتَّهَمَهُ بِسُوءِ النِّيَّةِ، وَمَا زَالَ يُرَاسِلُهُ وَيَسْتَدْعِيهِ وَيَخْدَعُهُ وَيُمَاكِرُهُ حَتَّى اسْتَحْضَرَهُ
فَقَتَلَهُ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: كَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ يَرِينُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَتَطْبَعُ عَلَيْهَا الْمَعَاصِي، فَقَعْ أَيُّهَا الطَّائِرُ، وَأَفِقْ أَيُّهَا السَّكْرَانُ، وَانْتَبِهْ أَيُّهَا الْحَالِمُ، فَإِنَّكَ مَغْرُورٌ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ كَاذِبَةٍ، وَفِي بَرْزَخِ دُنْيَا قَدْ غَرَّتْ مَنْ قَبْلَكَ، وَسُمَّ بِهَا سَوَالِفُ الْقُرُونِ، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 98] . وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ مَنْ هَرَبَ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ شِيعَتِي وَأَهْلِ دَعْوَتِي، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ صَاوَلُوكَ، إِنْ أَنْتَ خَلَعْتَ الطَّاعَةَ، وَفَارَقْتَ الْجَمَاعَةَ، بَدَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَسِبُ، مَهْلًا مَهْلًا، احْذَرِ الْبَغْيَ أَبَا مُسْلِمٍ; فَإِنَّهُ مَنْ بَغَى وَاعْتَدَى تَخَلَّى اللَّهُ مِنْهُ، وَنَصَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَصْرَعُهُ لِلْيَدَيْنِ وَالْفَمِ، وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً فِي الَّذِينَ قَدْ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، فَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ، وَأَعْذَرْتُ إِلَيْكَ وَإِلَى أَهْلِ طَاعَتِي فِيكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175]
[الْأَعْرَافِ: 175] . فَأَجَابَهُ أَبُو مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَرَأَيْتُكَ فِيهِ لِلصَّوَابِ مُجَانِبًا، وَعَنِ الْحَقِّ حَائِدًا، إِذْ تَضْرِبُ فِيهِ الْأَمْثَالَ عَلَى غَيْرِ أَشْكَالِهَا، وَتَضْرِبُ فِيهِ
آيَاتٍ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ، وَمَا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَإِنَّنِي وَاللَّهِ مَا انْسَلَخْتُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَكِنَّنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ كُنْتُ رَجُلًا مُتَأَوِّلًا فِيكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ أَوْجَبَتْ لَكُمْ بِهَا الْوِلَايَةَ وَالطَّاعَةَ، فَأْتَمَمْتُ بِأَخَوَيْنِ لَكَ مِنْ قَبْلِكَ، ثُمَّ بِكَ مِنْ بَعْدِهِمَا، فَكُنْتُ لَهُمَا شِيعَةً مُتَدَيِّنًا، أَحْسَبُنِي هَادِيًا، وَأَخْطَأْتُ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَدِيمًا أَخْطَأَ الْمُتَأَوِّلُونَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54] . وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّ أَخَاكَ السَّفَّاحَ ظَهَرَ فِي صُورَةِ مَهْدِيٍّ، وَكَانَ ضَالًّا; أَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ، وَأَقْتُلَ بِالظِّنَّةِ، وَأُقْدِمَ بِالشُّبْهَةِ، وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ وَلَا أُقِيلَ الْعَثْرَةَ، فَوَتَرْتُ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي طَاعَتِكُمْ، وَتَوْطِئَةِ سُلْطَانِكُمْ حَتَّى عَرَفَكُمْ مَنْ كَانَ جَهِلَكُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَدَارَكَنِي مِنْهُ بِالنَّدَمِ، وَاسْتَنْقَذَنِي بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي وَيَصْفَحْ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِذُنُوبِي، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُجْرِمُ الْعَاصِي، فَإِنَّ أَخِي كَانَ إِمَامَ هُدًى، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَوْضَحَ لَكَ السَّبِيلَ، وَحَمَلَكَ عَلَى الْمَنْهَجِ، فَلَوْ بِأَخِي اقْتَدَيْتَ مَا كُنْتَ عَنِ الْحَقِّ حَائِدًا، وَعَنِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ صَادِرًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْنَحْ لَكَ أَمْرَانِ إِلَّا كُنْتَ لِأَرْشَدِهِمَا تَارِكًا، وَلَأَغْوَاهُمَا مُوَافِقًا، تَقْتُلُ قَتْلَ الْفَرَاعِنَةِ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الْجَبَابِرَةِ، وَتَحْكُمُ بِالْجَوْرِ حُكْمَ
الْمُفْسِدِينَ، ثُمَّ مِنْ خَبَرِي أَيُّهَا الْفَاسِقُ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ خُرَاسَانَ، وَأَمَرْتُهُ بِالْمُقَامِ بِنَيْسَابُورَ، فَإِنْ أَرَدْتَ خُرَاسَانَ لَقِيَكَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قُوَّادِي وَشِيعَتِي، وَأَنَا مُوَجِّهٌ لِلِقَائِكَ أَقْرَانَكَ، فَاجْمَعْ كَيْدَكَ وَأَمْرَكَ غَيْرَ مُسَدَّدٍ وَلَا مُوَفَّقٍ، وَحَسْبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَلَمْ يَزَلِ الْمَنْصُورُ يُرَاسِلُهُ تَارَةً بِالرَّغْبَةِ وَتَارَةً بِالرَّهْبَةِ، وَيَسْتَخِفُّ أَحْلَامَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ يَبْعَثُ بِهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ، حَتَّى حَسَّنُوا لَهُ فِي رَأْيِهِ الْقُدُومَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ سِوَى أَمِيرٍ مَعَهُ يُقَالُ لَهُ: نَيْزَكُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا مُسْلِمٍ قَدِ انْصَاعَ مَعَهُمْ قَالَ:
مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ
…
ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الْأَقْوَامِ
وَأَشَارَ عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، بِأَنْ يَبْدُرَ إِلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ إِنْ أَمْكَنَهُ، فَمَا أَمْكَنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ لَمَّا قَدِمَ الْمَدَائِنَ تَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ، فَمَا وَصَلَ إِلَّا آخِرَ النَّهَارِ، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو أَيُّوبَ كَاتِبُ الرَّسَائِلِ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَنْ لَا يَقْتُلَهُ يَوْمَهُ هَذَا، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَأَظْهَرَ احْتِرَامَهُ، وَقَالَ: اذْهَبِ اللَّيْلَةَ فَأَذْهِبْ عَنْكَ وَعْثَاءَ السَّفَرِ، ثُمَّ ائْتِنِي مِنَ الْغَدِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْصَدَ لَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَنْ يَقْتُلُهُ، مِنْهُمْ; عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ، وَشَبِيبُ بْنُ
وَاجٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلًا تَتْرَى لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ وَيُقَالَ: بَلْ أَقَامَ أَيَّامًا يُظْهِرُ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْإِكْرَامَ وَالِاحْتِرَامَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ مِنْهُ الْوَحْشَةُ، فَخَافَ أَبُو مُسْلِمٍ، وَاسْتَشْفَعَ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى، وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَانْطَلِقْ فَأَنَا آتٍ وَرَاءَكَ، وَأَنْتَ فِي ذِمَّتِي حَتَّى آتِيَكَ - وَلَمْ يَكُنْ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى خَبَرٌ بِمَا يُرِيدُ بِهِ الْخَلِيفَةُ - فَجَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى الْخَلِيفَةِ فَقَالُوا لَهُ: اجْلِسْ هَاهُنَا; فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَتَوَضَّأُ. فَجَلَسَ وَهُوَ يَوَدُّ أَنْ يَطُولَ مَجْلِسُهُ لِيَجِيءَ عِيسَى بْنُ مُوسَى فَأَبْطَأَ، وَأَذِنَ لَهُ الْخَلِيفَةُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ فِي أَشْيَاءَ صَدَرَتْ مِنْهُ، فَيَعْتَذِرُ عَنْهَا جَيِّدًا، حَتَّى قَالَ لَهُ: فَلِمَ قَتَلْتَ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ، وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟ قَالَ: لِأَنَّهُمْ عَصَوْنِي وَخَالَفُوا أَمْرِي. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ: وَيْحَكَ! أَنْتَ تَقْتُلُ إِذَا عُصِيتَ، وَأَنَا لَا أَقْتُلُكَ وَقَدْ عَصَيْتَنِي؟! وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ، وَكَانَتِ الْإِشَارَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُولَئِكَ الْمُرْصَدِينَ لِقَتْلِهِ، فَتَبَادَرُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ فَقَطَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اسْتَبْقِنِي لِأَعْدَائِكَ. فَقَالَ: وَأَيُّ عَدُوٍّ أَعْدَى لِي مِنْكَ؟ ثُمَّ زَجَرَهُمُ الْمَنْصُورُ، فَقَطَّعُوهُ قِطَعًا قِطَعًا، وَلَفُّوهُ فِي عَبَاءَةٍ، وَدَخَلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَبُو مُسْلِمٍ. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: احْمَدِ اللَّهَ; فَإِنَّكَ هَجَمْتَ عَلَى نِعْمَةٍ، وَلَمْ تَهْجُمْ عَلَى نِقْمَةٍ. فَفِي
ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو دُلَامَةَ:
أَبَا مُسْلِمٍ مَا غَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَةً
…
عَلَى عَبْدِهِ حَتَّى يُغَيِّرَهَا الْعَبْدُ
أَبَا مُسْلِمٍ خَوَّفْتَنِي الْقَتْلَ فَانْتَحَى
…
عَلَيْكَ بِمَا خَوَّفْتَنِي الْأَسَدُ الْوَرْدُ
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمَنْصُورَ تَقَدَّمَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ وَشَبِيبِ بْنِ وَاجٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ حَرْبِ بْنِ قَيْسٍ وَآخَرَ مِنَ الْحَرَسِ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ، وَخَاطَبَهُ وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فَلْيَقْتُلُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ قَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ السَّيْفَانِ اللَّذَانِ أَصَبْتَهُمَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ؟ فَقَالَ: هَذَا أَحَدُهُمَا. قَالَ: أَرِنِيهِ. فَنَاوَلَهُ السَّيْفَ، فَوَضَعَهُ الْمَنْصُورُ تَحْتَ رُكْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ كَتَبْتَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ - يَعْنِي السَّفَّاحَ - تَنْهَاهُ عَنِ الْمَوَاتِ، أَرَدْتَ أَنْ تُعَلِّمَنَا الدِّينَ؟! قَالَ: إِنَّنِي ظَنَنْتُ أَنْ أَخْذَهُ لَا يَحِلُّ، فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ عَلِمْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مَعْدِنُ الْعِلْمِ. قَالَ: فَلِمَ تَقَدَّمْتَ عَلَيَّ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ؟ قَالَ: كَرِهْتُ اجْتِمَاعَنَا عَلَى الْمَاءِ، فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِالنَّاسِ، فَتَقَدَّمْتُ الْتِمَاسَ الرِّفْقِ. قَالَ: فَلِمَ لَا رَجَعْتَ إِلَيَّ حِينَ أَتَاكَ خَبَرُ مَوْتِ أَبِي الْعَبَّاسِ؟ قَالَ: كَرِهْتُ التَّضْيِيقَ عَلَى النَّاسِ، وَعَرَفْتُ أَنَّا نَجْتَمِعُ بِالْكُوفَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنِّي خِلَافٌ. قَالَ: فَجَارِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَرَدْتَ أَنْ تَتَّخِذَهَا لِنَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي خِفْتَ أَنْ تَضِيعَ فَحَمَلْتُهَا فِي قُبَّةٍ، وَوَكَّلْتُ بِهَا مَنْ يَحْفَظُهَا. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْكَاتِبَ إِلَيَّ تَبْدَأُ بِنَفْسِكَ، وَالْكَاتِبَ
إِلَيَّ تَخْطُبُ أُمَيْنَةَ بِنْتَ عَلِيٍّ، وَتَزْعُمُ أَنَّكَ ابْنُ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؟ ! هَذَا كُلُّهُ وَيَدُ الْمَنْصُورِ فِي يَدِهِ يَعْرِكُهَا وَيُقَبِّلُهَا وَيَعْتَذِرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى مُرَاغَمَتِي وَدُخُولِكَ إِلَى خُرَاسَانَ؟ قَالَ: خِفْتُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَكَ مِنِّي شَيْءٌ، فَقُلْتُ: آتِي خُرَاسَانَ، وَأَكْتُبُ إِلَيْكَ بِعُذْرِي. قَالَ: فَلِمَ قَتَلْتَ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ وَكَانَ مِنْ نُقَبَائِنَا وَدُعَاتِنَا قِبَلَكَ؟ قَالَ: أَرَادَ خِلَافِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَأَنْتَ أَرَدْتَ خِلَافِي وَعَصَيْتَنِي، قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ. ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَمُودِ الْخَيْمَةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ، فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ فَقَطَعَ حَمَائِلَ سَيْفِهِ وَضَرَبَهُ شَبِيبٌ فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَاعْتَوَرَهُ بَقِيَّتُهُمْ، وَالْمَنْصُورُ يَصِيحُ: وَيْحَكُمُ! اضْرِبُوا، قَطَعَ اللَّهُ أَيْدِيَكُمْ. ثُمَّ ذَبَحُوهُ وَقَطَّعُوهُ قِطَعًا قِطَعًا، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا قَتَلَ أَبَا مُسْلِمٍ وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَبَا مُسْلِمٍ، بَايَعْتَنَا وَبَايَعْنَاكَ، وَعَاهَدْتَنَا وَعَاهَدْنَاكَ، وَوَفَّيْتَ لَنَا وَوَفَّيْنَا لَكَ، وَإِنَّا بَايَعْنَاكَ عَلَى أَنْ لَا يَخْرُجُ عَلَيْنَا أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إِلَّا قَتَلْنَاهُ، فَخَرَجْتَ عَلَيْنَا فَقَتَلْنَاكَ، وَحَكَمْنَا عَلَيْكَ حُكْمَكَ عَلَى نَفْسِكَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِي يَوْمَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ الْمَنْصُورُ عِنْدَ ذَلِكَ:
زَعَمْتَ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُقْتَضَى
…
فَاسْتَوْفِ بِالْكَيْلِ أَبَا مُجْرِمٍ
سُقِيتَ كَأْسًا كُنْتَ تَسْقِي بِهَا
أَمَرَّ فِي الْحَلْقِ مِنَ الْعَلْقَمِ
وَقَدْ خَطَبَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُنَفِّرُوا أَطْرَافَ النِّعْمَةِ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ، فَتَحِلَّ بِكُمُ النِّقْمَةُ، وَلَا تُسِرُّوا غِشَّ الْأَئِمَّةِ; فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُسِرُّ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ، وَطَوَالِعِ نَظَرِهِ، وَإِنَّا لَنْ نَجْهَلَ حُقُوقَكُمْ مَا عَرَفْتُمْ حَقَّنَا، وَلَا نَنْسَى الْإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ مَا ذَكَرْتُمْ فَضْلَنَا، وَمَنْ نَازَعَنَا هَذَا الْقَمِيصَ أَوَطْأْنَا أُمَّ رَأَسِهِ خَبِيءَ هَذَا الْغِمْدِ، وَإِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ بَايَعَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَكَثَ بَيْعَتَنَا وَأَظْهَرَ غِشَّنَا لَنَا فَقَدَ أَبَاحَنَا دَمَهُ، وَنَكَثَ، وَغَدَرَ، وَفَجَرَ، وَكَفَرَ، فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ لِأَنْفُسِنَا حُكْمَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَنَا، وَإِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ أَحْسَنَ مُبْتَدِئًا وَأَسَاءَ مُعَقِّبًا، وَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ بِنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَانَا، وَرَجَحَ قَبِيحُ بَاطِنِهِ عَلَى حُسْنِ ظَاهِرِهِ، وَعَلِمْنَا مِنْ خُبْثِ سَرِيرَتِهِ وَفَسَادِ نِيَّتِهِ مَا لَوْ عَلِمَ اللَّائِمُ لَنَا فِيهِ، لَعَذَرَنَا فِي قَتْلِهِ، وَعَنَّفَنَا فِي إِمْهَالِهِ، وَمَا زَالَ يَنْقُضُ بَيْعَتَهُ وَيَخْفِرُ ذِمَّتَهُ حَتَّى أَحَلَّ لَنَا عُقُوبَتَهُ، وَأَبَاحَنَا دَمَهُ، فَحَكَمْنَا فِيهِ حُكْمَهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا الْحَقُّ لَهُ مِنْ إِمْضَاءِ الْحَقِّ فِيهِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ لِلنُّعْمَانِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ: -
فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ
…
كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ
وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً
تَنْهَى الظَّلُومَ وَلَا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، بِسَنَدِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ سُئِلَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ; أَكَانَ خَيْرًا أَمِ الْحَجَّاجُ؟ فَقَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ كَانَ الْحَجَّاجُ شَرًّا مِنْهُ.
وَقَدِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَلَمْ أَرَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَخَافُ اللَّهَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَقَدِ ادَّعَى التَّوْبَةَ مِمَّا كَانَ سَفَكَ مِنَ الدِّمَاءِ فِي إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَدَيْتُ الصَّبْرَ، وَآثَرْتُ الْكِتْمَانَ، وَحَالَفْتُ الْأَحْزَانَ وَالْأَشْجَانَ، وَسَامَحْتُ الْمَقَادِيرَ وَالْأَحْكَامَ حَتَّى بَلَغْتُ غَايَةَ هِمَّتِي، وَأَدْرَكْتُ نِهَايَةَ بُغْيَتِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
قَدْ نِلْتُ بِالْحَزْمِ وَالْكِتْمَانِ مَا عَجَزَتْ
…
عَنْهُ مُلُوكُ بَنِي مَرْوَانَ إِذْ حَشَدُوا
مَا زِلْتُ أَضْرِبُهُمْ بِالسَّيْفِ فَانْتَبَهُوا
…
مِنْ رَقْدَةٍ لَمْ يَنَمْهَا قَبْلَهُمْ أَحَدُ
طَفِقْتُ أَسْعَى عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ
…
وَالْقَوْمُ فِي مُلْكِهِمْ بِالشَّامِ قَدْ رَقَدُوا
وَمَنْ رَعَى غَنَمًا فِي أَرْضِ مَسْبَعَةٍ
…
وَنَامَ عَنْهَا تَوَلَّى رَعْيَهَا الْأَسَدُ
وَقَدْ كَانَ قَتَلَهُ بِالْمَدَائِنِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ - وَقِيلَ: لِخَمْسٍ بَقِينَ.
وَقِيلَ: لِأَرْبَعٍ. وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا - مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِهِ فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقُتِلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَغْدَادَ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ; فَإِنَّ بَغْدَادَ لَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ بَعْدُ، وَقَدْ رَدَّ هَذَا الْقَوْلَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي " تَارِيخِهِ ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ شَرَعَ فِي تَأْلِيفِ أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ بِالْأَعْطِيَةِ وَالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَاسْتَدْعَى أَبَا إِسْحَاقَ، وَكَانَ مِنْ أَعَزِّ أَصْحَابِ أَبِي مُسْلِمٍ عِنْدَهُ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، وَهَمَّ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا أَمِنْتُ قَطُّ إِلَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَا مِنْ مَرَّةٍ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلَّا تَحَنَّطْتُ وَلَبِسْتُ أَكْفَانِي. ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ثِيَابِهِ الَّتِي تَلِي جَسَدَهُ فَإِذَا هُوَ مُحَنَّطٌ، وَعَلَيْهِ أَدْرَاعُ أَكْفَانٍ، فَرَقَّ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَطْلَقَهُ.
وَذِكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ قَتَلَ فِي حُرُوبِهِ وَمَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ لِأَجْلِ دَوْلَةِ
بَنِي الْعَبَّاسِ، سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ صَبْرًا. وَقَدْ قَالَ لِلْمَنْصُورِ وَهُوَ يُعَاتِبُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْنَعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُقَالُ لِي مِثْلُ هَذَا بَعْدَ بَلَائِي وَمَا كَانَ مِنِّي. فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ أَمَةٌ مَكَانَكَ لَأَجْزَأَتْ عَنْكَ، إِنَّمَا عَمِلْتَ مَا عَمِلْتَ فِي دَوْلَتِنَا وَبِرِيحِنَا، لَوْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيْكَ لَمَا قَطَعْتَ فَتِيلًا.
وَلَمَّا قَتَلَهُ الْمَنْصُورُ لُفَّ فِي كِسَاءٍ وَهُوَ مُقَطَّعٌ إِرَبًا إِرَبًا، فَدَخَلَ عِيسَى بْنُ مُوسَى الَّذِي كَانَ وَعَدَهُ أَنْ يَلْحَقَهُ لِيَشْفَعَ فِيهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْنَ أَبُو مُسْلِمٍ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ هَاهُنَا آنِفًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ عَرَفْتَ طَاعَتَهُ وَنَصِيحَتَهُ، وَرَأْيَ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ فِيهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَنْوَكُ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ عَدُوًّا أَعْدَى لَكَ مِنْهُ، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْبِسَاطِ. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ! فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: خَلَعَ اللَّهُ قَلْبَكَ! وَهَلْ كَانَ لَكُمْ مُلْكٌ أَوْ سُلْطَانٌ أَوْ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ؟
ثُمَّ اسْتَدْعَى الْمَنْصُورُ بِرُءُوسِ الْأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِقَتْلِهِ، فَكُلُّهُمْ يُشِيرُ بِقَتْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ إِذَا تَكَلَّمَ أَسَرَّ كَلَامَهُ لِئَلَّا يُنْقَلَ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا أَطْلَعَهُمُ الْخَلِيفَةُ عَلَى قَتْلِهِ أَفْرَحَهُمْ ذَلِكَ، وَأَظْهَرُوا سُرُورًا كَثِيرًا، ثُمَّ خَطَبَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ عَامَّةً بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
ثُمَّ كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى نَائِبِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ بِكِتَابٍ
عَلَى لِسَانِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ أَبِي مُسْلِمٍ، أَنْ يَقْدُمَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالْأَمْوَالِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى نَائِبِهِ وَعَلَيْهِ الْخَاتَمُ بِكَمَالِهِ مَطْبُوعًا اسْتَرَابَ فِي الْأَمْرِ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ: إِنِّي إِذَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ كِتَابِي، فَإِنَّمَا أَخْتِمُ بِنِصْفِ الْفَصِّ عَلَى الْكِتَابِ، فَإِذَا جَاءَكَ الْخَاتَمُ بِكَمَالِهِ فَلَا تَقْبَلْ. فَامْتَنَعَ نَائِبُهُ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ، فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ مَنْ قَبَضَهُ لَهُ، وَقَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ.
وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى أَبِي دَاوُدَ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِإِمْرَةِ خُرَاسَانَ كَمَا وَعَدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ. وَلِلَّهِ الْأَمْرُ.
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ سِنْبَاذُ يَطْلُبُ بِدَمِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَدْ كَانَ سِنْبَاذُ هَذَا مَجُوسِيًّا تَغَلَّبَ عَلَى قُومِسَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيَّ، وَتُسَمَّى بِفَيْرُوزَ أَصْبَهْبَذَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ جَيْشًا هُمْ عَشَرَةُ آلَافِ فَارِسٍ عَلَيْهِمْ جَهْوَرُ بْنُ مَرَّارٍ الْعِجْلِيُّ، فَالْتَقَوْا بَيْنَ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ عَلَى طَرَفِ الْمَفَازَةِ،
فَهَزَمَ جَهْوَرٌ لِسِنْبَاذَ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سِتِّينَ أَلْفًا، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، وَقُتِلَ سِنْبَاذُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ أَيَّامُهُ سَبْعِينَ يَوْمًا. وَأُخِذَ مَا كَانَ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِ أَبِي مُسْلِمٍ الَّتِي كَانَتْ بِالرَّيِّ.
وَخَرَجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مُلَبَّدٌ. فِي أَلْفٍ مِنَ الْخَوَارِجِ بِالْجَزِيرَةِ، فَجَهَّزَ لَهُ الْمَنْصُورُ جُيُوشًا مُتَعَدِّدَةً كَثِيفَةً، فَكُلُّهَا تَنْفِرُ مِنْ مُلَبَّدٍ، ثُمَّ قَاتَلَهُ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ فَهَزَمَهُ مُلَبَّدٌ، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ حُمَيْدٌ فِي بَعْضِ الْحُصُونِ، ثُمَّ صَالَحَهُ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَقَبِلَهَا مُلَبَّدٌ، وَانْقَلَعَ عَنْهُ.
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمُّ الْخَلِيفَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَكَانَ نَائِبَ الْمَوْصِلِ، وَعَلَى نِيَابَةِ الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى مِصْرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى الْحِجَازِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ; لِشُغْلِ الْخَلِيفَةِ بِسِنْبَاذَ.
وَمِنْ مَشَاهِيرِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ أَحَدُ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِمْ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي " التَّكْمِيلِ ".