الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من جهة سيف الدولة، وكان شاعراً مطيقاً، له ديوان شعر حسن، وكان مدة مقامه بعين زربة إحدى وعشرين يوماً، ثم سار إلى قيسرية فَلَقِيَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ مَعَ نَائِبِهَا ابْنِ الزَّيَّاتِ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ وَأَدْرَكَهُ صَوْمُ النَّصَارَى فَاشْتَغَلَ بِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُ، ثُمَّ هجم على حلب بغتة، وكان من أمره ما ذكرناه.
وفيها كتبت العامة من الروافض على أبوب المساجد لعنة مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه، وكتبوا أيضاً: ولعن الله من غصب فاطمة حقها، وكانوا يلعنون أبا بكر وَمَنْ أَخْرَجَ الْعَبَّاسَ مِنَ الشُّورَى، يَعْنُونَ عُمَرَ، وَمَنْ نَفَى أَبَا ذَرٍّ - يَعْنُونَ عُثْمَانَ - رَضِيَ الله عن الصحابة، وعلى من لعنهم لعنة الله، ولعنوا من منع من دَفْنَ الْحَسَنِ عِنْدَ جَدِّهِ يَعْنُونَ مَرْوَانَ بْنَ الحكم، ولما بلغ ذلك جميعه مُعِزَّ الدَّوْلَةِ لَمْ يُنْكِرْهُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، ثُمَّ بلغه أن أهل السنة محوا ذلك وكتبوا عوضه لَعَنَ اللَّهُ الظَّالِمِينَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَوَّلِينَ والآخرين، والتصريح باسم معاوية في اللعن، فأمر بكتب ذلك، قبحه الله وقبح شيعته من الروافض، لا جرم أن هؤلاء لا ينصرون، وَكَذَلِكَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ بِحَلَبَ فِيهِ تشيع وميل إلى الروافض، لاجرم إن الله لا ينصر أمثال هؤلاء، بل يديل عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ لِمُتَابَعَتِهِمْ أَهْوَاءَهُمْ، وَتَقْلِيدِهِمْ سَادَتَهُمْ وَكُبَرَاءَهُمْ وآباءهم وتركهم أنبياءهم وعلماءهم، ولهذا لما ملك الفاطميون بلاد مصر والشام، وكان فيهم الرفض وغيره، استحوذ الفرنج على سواحل الشام وبلاد الشام كلها، حتى بيت المقدس، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِوَى حَلَبَ وَحِمْصَ وحماة ودمشق وبعض أعمالها، وجميع السواحل وغيرها مع الفرنج، والنواقيس النصرانية والطقوس الإنجيلية تضرب في شواهق الحصون والقلاع، وتكفر في أماكن الإيمان من المساجد وغيرها من
شريف البقاع، والناس معهم في حصر عظيم، وضيق من الدين، وأهل هذه المدن التي في يد المسلمين في خوف شديد في ليلهم ونهارهم مِنَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وكل ذلك من بعض عقوبات المعاصي والذنوب، وإظهار سب خير الخلق بعد الأنبياء.
وَفِيهَا وَقَعَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ بسبب السب أيضاً، قتل فيها خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ.
وَفِيهَا أَعَادَ سَيْفُ الدولة بن حمدان بِنَاءَ عَيْنِ زَرْبَةَ، وَبَعَثَ مَوْلَاهُ نَجَا فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ مِنْهَا خَلْقًا كَثِيرًا وَسَبَى جَمًّا غَفِيرًا، وَغَنِمَ وَسَلِمَ.
وَبَعَثَ حَاجِبَهُ مَعَ جَيْشِ طَرَسُوسَ فَدَخَلُوا بِلَادَ الرُّومِ فَغَنِمُوا وَسَبَوْا ورجعوا سالمين.
وفيها فتح المعز الفاطمي حصن طبرهين مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ - وَكَانَ مِنْ أَحْصَنِ بِلَادِ الفرنج - فتحه قسراً بعد محاصرة سبعة أشهر ونصف، وقصد الفرنج جزيرة إقريطش فاستنجد أهلها المعز، فأرسل إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَانْتَصَرُوا عَلَى الْفِرِنْجِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ والمنة.
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا
مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحَسَنُ بْنُ محمد بن هارون الْمُهَلَّبِيُّ الْوَزِيرُ لِمُعِزِّ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ، مَكَثَ وزيراً له ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً (1) ، وَكَانَ فِيهِ حِلْمٌ وَكَرَمٌ
(1) ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر.
كما في الكامل 8 / 547 وذكر ابن الأثير وفاته سنة 352 هـ (*) .
وأناة، حكى أبو إسحاق الصابي قال: كنت يوماً عنده وقد جئ بِدَوَاةٍ قَدْ صُنِعَتْ لَهُ وَمِرْفَعٍ قَدْ حُلِّيَا له بحلية كثيرة، فقال أبو محمد الفضل بن عبد الله الشِّيرَازِيُّ - سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنَهُ -: مَا كَانَ أَحْوَجَنِي إليها لأبيعها وأنتفع بها، قلت: وأي شئ ينتفع الوزير بها؟ فقال: تدخل في خزانتها، فسمعها الوزير - وكان مصغ لنا وَلَا نَشْعُرُ - فَلَمَّا أَمْسَى بَعَثَ بِالدَّوَاةِ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الشِّيرَازِيِّ وَمِرْفَعِهَا وَعَشْرَةِ ثِيَابٍ وَخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاصْطَنَعَ لَهُ غَيْرَهَا.
فَاجْتَمَعْنَا يَوْمًا آخَرَ عِنْدَهُ وَهُوَ يُوَقِّعُ مِنْ تِلْكَ الدَّوَاةِ الجديدة، فنظر إلينا فقال: من يريدها منكما؟ قال: فاستحيينا وعلمنا أنه قد سمع كلامنا ذلك اليوم، وقلنا يمتع الله الوزير بها ويبقيه ليهب لنا مثلها.
توفي الْمُهَلَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَعْلَجَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو مُحَمَّدٍ (1) السِّجِسْتَانِيُّ الْمُعَدِّلُ، سَمِعَ بِخُرَاسَانَ وَحُلْوَانَ وَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ وَالْمَشْهُورِينَ بِالْبِرِّ وَالْإِفْضَالِ، وَلَهُ صدقات جارية، وأوقاف دارة دائرة على أهل الحديث ببغداد وسجستان، كانت له دار عظيمة ببغداد، وكان يقول: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُ بَغْدَادَ، وَلَا فِي بَغْدَادَ مِثْلُ الْقَطِيعَةِ، وَلَا فِي الْقَطِيعَةِ مِثْلُ دار (2) أبي خلف، ولا في دار (3) أَبِي خَلَفٍ مَثَلُ دَارِي.
وَصَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَهُ مسنداً.
وكان إذ شك في حديث طرحه جملة، وكان الدارقطني يقول: ليس فِي مَشَايِخِنَا أَثْبَتَ مِنْهُ، وَقَدْ أَنْفَقَ فِي ذوي العلم والحاجات أَمْوَالًا جَزِيلَةً كَثِيرَةً جِدًّا، اقْتَرَضَ مِنْهُ بَعْضُ التجار عشرة آلاف دينار فاتجر بها، فَرَبَحَ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَزَلَ مِنْهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَجَاءَهُ بِهَا فَأَضَافَهُ دَعْلَجُ ضِيَافَةً حَسَنَةً، فَلَمَّا فَرَغَ من شأنها قال له: ما شأنك؟ قال له: هذه العشرة آلاف دينار التي تفضلت بها، قد أحضرت فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهَا لتردها فصل بها الأهل.
فقال: إني قد ربحت بها ثلاثين ألف دنيار فهذه منها: فقال له دعلج: اذهب بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَتَّسِعُ مَالُكَ لِهَذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَفَدْتَ هَذَا الْمَالَ؟ قال: إِنِّي كُنْتُ فِي حَدَاثَةِ سِنِّي أَطْلُبُ الْحَدِيثَ، فَجَاءَنِي رِجُلٌ تَاجِرٌ مِنْ أَهْلِ الْبَحْرِ فَدَفَعَ إِلَيَّ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: اتَّجِرْ فِي هذه، فما كان من ربح فبيني وبيك، وَمَا كَانَ مِنْ خَسَارَةٍ فَعَلَيَّ دُونَكَ، وَعَلَيْكَ عهد الله وميثاقه إن وجدت ذا حاجة أو خلة إلا سددتها من مالي هذا دون مالك، ثم جاءني فقال: إني أريد الركوب فِي الْبَحْرِ فَإِنْ هَلَكْتُ فَالْمَالُ فِي يَدِكَ عَلَى مَا شَرَطْتُ عَلَيْكَ.
فَهُوَ فِي يَدِي عَلَى مَا قَالَ.
ثُمَّ قَالَ لِي: لَا تخبر بها أحداً مدة حياتي.
فلم أخبر به أحد حتى مات.
تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً.
رحمه الله.
(1) في تذكرة الحفاظ 3 / 881: أبو اسحاق السجزي المعدل.
وفي الكامل لابن الاثير 8 / 545: السجزي العدل (2) في ابن خلكان 2 / 271: درب.
(*)