المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صفة دخوله عليه السلام مكة - البداية والنهاية - ط السعادة - جـ ٤

[ابن كثير]

فهرس الكتاب

- ‌[المجلد الرابع]

- ‌سنة ثلاث من الهجرة

- ‌غَزْوَةُ الْفُرُعِ مِنْ بُحْرَانَ

- ‌خَبَرُ يهود بنى قينقاع مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

- ‌سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ

- ‌مَقْتَلُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيِّ

- ‌تَنْبِيهٌ:

- ‌تَنْبِيهٌ آخَرُ:

- ‌غزوة أحد فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ

- ‌مَقْتَلُ حَمْزَةَ رضي الله عنه

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا لَقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ذِكْرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بعد الوقعة يَوْمَ أُحُدٍ

- ‌فَصْلٌ

- ‌ذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى حَمْزَةَ وَقَتْلَى أُحُدٍ

- ‌‌‌فَصَلٌ

- ‌فَصَلٌ

- ‌ذِكْرُ خُرُوجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ملهم مِنَ الْقُرْحِ وَالْجِرَاحِ فِي أَثَرِ أَبِي سُفْيَانَ إِرْهَابًا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ حَتَّى بَلَغَ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ وَهِيَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا تَقَاوَلَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْكُفَّارُ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ مِنَ الْأَشْعَارِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌سنة اربع من الهجرة النبويّة

- ‌غَزْوَةُ الرَّجِيعِ

- ‌سَرِيَّةُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضمريّ عَلَى إِثْرِ مَقْتَلِ خُبَيْبٍ

- ‌سَرِيَّةُ بِئْرِ مَعُونَةَ

- ‌غَزْوَةُ بَنِي النضير

- ‌قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ سُعْدَى الْقُرَظِيِّ

- ‌غَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ

- ‌غَزْوَةُ ذات الرقاع

- ‌قِصَّةُ غَوْرَثِ بْنِ الْحَارِثِ

- ‌قِصَّةُ الَّذِي أُصِيبَتِ امْرَأَتُهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ

- ‌قِصَّةُ جَمَلِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ

- ‌غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةِ

- ‌فصل في جملة مِنَ الْحَوَادِثِ الْوَاقِعَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ

- ‌سَنَةُ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ

- ‌غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا

- ‌غزوة الخندق وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي دُعَائِهِ عليه السلام عَلَى الْأَحْزَابِ

- ‌فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ

- ‌وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه

- ‌فَصْلٌ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي الْخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ

- ‌مقتل أبى رافع سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ الْيَهُودِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ

- ‌مقتل خالد بن سفيان بن نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ

- ‌قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَعَ النَّجَاشِيِّ بَعْدَ وقعة الخندق وإسلامه

- ‌فَصْلٌ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بأمّ حبيبة بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ

- ‌تزويجه عليه السلام بزينب بنت جحش

- ‌ذكر نزول الْحِجَابِ صَبِيحَةَ عُرْسِهَا

- ‌سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ النبويّة

- ‌غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ

- ‌غزوة بنى المصطلق من خزاعة

- ‌قِصَّةُ الْإِفْكِ

- ‌غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ

- ‌ذِكْرُ سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ لِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ

- ‌فَصْلٌ فِي ذِكْرِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ الَّتِي كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ

- ‌سنة سبع من الهجرة

- ‌غَزْوَةُ خَيْبَرَ فِي أَوَّلِهَا

- ‌فصل

- ‌ذِكْرُ قِصَّةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ النضرية رضى الله عنها

- ‌فَصْلٌ

- ‌فصل في فتح حصونها وقسيمة أَرْضِهَا

- ‌فصل

- ‌ذِكْرُ قدوم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وَمَنْ كَانَ بَقِيَ بِالْحَبَشَةِ مِمَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِخَيْبَرَ

- ‌(ذِكْرُ قِصَّةِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ وَمَا كَانَ مِنَ أمر البرهان الّذي ظهر عندها والحجة البالغة فيها)

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر من استشهد بخيبر من الصحابة رضى الله عنهم

- ‌خبر الحجاج بن علاط البهزي رضي الله عنه

- ‌فصل في مروره عليه السلام بوادي القرى ومحاصرته قوما من اليهود ومصالحته يهود على ما ذكره [الواقدي وغيره]

- ‌فصل

- ‌سَرِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إِلَى بَنِي فَزَارَةَ

- ‌سَرِيَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إِلَى تربة من أرض هوازن وَرَاءَ مَكَّةَ بِأَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ

- ‌سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ إِلَى يُسَيْرِ [1] بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ

- ‌سَرِيَّةٌ أُخْرَى مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ

- ‌سَرِيَّةُ أَبِي حَدْرَدٍ إِلَى الْغَابَةِ

- ‌السَرِيَّةُ الَّتِي قَتَلَ فِيهَا مُحَلِّمُ بْنُ جثامة عامر بن الأضبط

- ‌سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ

- ‌عمرة القضاء

- ‌وأما قصة تزويجه عليه السلام بِمَيْمُونَةَ

- ‌ذكر خروجه عليه السلام مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمْرَتِهِ

- ‌فصل

- ‌سَنَةُ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَخَالِدِ بن الوليد، وعثمان بن طلحة بن أبى طلحة رضى الله عنهم

- ‌طَرِيقُ إِسْلَامِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ

- ‌سَرِيَّةُ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيِّ إِلَى نَفَرٍ مِنْ هَوَازِنَ

- ‌سَرِيَّةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ إِلَى بَنِي قُضَاعَةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ

- ‌غزوة مؤتة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي فَضْلِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءِ الثَّلَاثَةِ زَيْدٍ وَجَعْفَرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهم

- ‌فصل في ذكر مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

- ‌ حَدِيثٌ فِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأُمَرَاءِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ [1]

- ‌فَصْلٌ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

- ‌كِتَابُ بَعْثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ وَكَتْبِهِ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عز وجل وإلى الدخول في دين الإسلام

- ‌ذكر إرساله عليه السلام الى ملك العرب من النصارى الذين بِالشَّامِ

- ‌ذكر بعثه الى كسرى ملك الفرس

- ‌بعثه عليه السلام الى المقوقس صَاحِبِ مَدِينَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَاسْمُهُ جُرُيْجُ بْنُ مِينَا الْقِبْطِيُّ

- ‌غَزْوَةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ

- ‌سرية أبى عبيدة إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ

- ‌غَزْوَةُ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ وَكَانَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ

- ‌قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ

- ‌فصل

- ‌فَصْلٌ فِي إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة الْمَخْزُومِيِّ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَهِجْرَتِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَ

- ‌فصل

- ‌صفة دخوله عليه السلام مَكَّةَ

- ‌فصل

- ‌بعثه عليه السلام خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بَعْدَ الْفَتْحِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ مِنْ كِنَانَةَ

- ‌بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِهَدْمِ الْعُزَّى

- ‌فَصْلٌ فِي مُدَّةِ إِقَامَتِهِ عليه السلام بِمَكَّةَ

- ‌فصل ومما حكم عليه السلام بِمَكَّةَ مِنَ الْأَحْكَامِ

- ‌فَصْلٌ

- ‌غزوة هوازن يوم حنين

- ‌فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْوَقْعَةِ وَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مِنَ الْفِرَارِ ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

- ‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌غزوة أَوْطَاسٍ

- ‌فَصْلٌ فيمن استشهد يوم حنين وبسرية أَوْطَاسٍ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي غَزْوَةِ هَوَازِنَ

- ‌غَزْوَةُ الطَّائِفِ

- ‌فصل في مرجعه عليه السلام من الطَّائِفِ وَقِسْمَةِ غَنَائِمِ هَوَازِنَ الَّتِي أَصَابَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْلَ دُخُولِهِ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا مِنَ الْجِعْرَانَةِ

- ‌ذِكْرُ قُدُومِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر اعْتِرَاضُ بَعْضِ الْجَهَلَةِ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ بِالِاتِّفَاقِ

- ‌ذِكْرُ مَجِيءِ أُخْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ الرضاعة وهو بالجعرانة واسمها الشياء

- ‌عمرة الجعرانة فِي ذِي الْقِعْدَةِ

- ‌فَصْلٌ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ الْمَشْهُورَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَالْوَفَيَاتِ

الفصل: ‌صفة دخوله عليه السلام مكة

عَمْرٍو، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ عَمْرٌو أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، فَرَآهُمْ نَاسٌ مِنْ حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَدْرَكُوهُمْ فَأَخَذُوهُمْ فَأَتَوْا بِهِمْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا سَارَ قَالَ لِلْعَبَّاسِ «احْبِسْ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ» فَحَبَسَهُ الْعَبَّاسُ فَجَعَلَتِ الْقَبَائِلُ تَمُرُّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَمُرُّ كَتِيبَةً كَتِيبَةً عَلَى أَبِي سُفْيَانَ، فَمَرَّتْ كَتِيبَةٌ فَقَالَ يَا عَبَّاسُ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ هَذِهِ غِفَارٌ قَالَ مَا لِي وَلِغِفَارٍ، ثُمَّ مَرَّتْ جُهَيْنَةُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّتْ سَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمَرَّتْ سُلَيْمٌ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى أَقْبَلَتْ كَتِيبَةٌ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا فَقَالَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْصَارُ عَلَيْهِمْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَعَهُ الرَّايَةُ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْكَعْبَةُ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا عَبَّاسُ حَبَّذَا يَوْمُ الذِّمَارِ ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ وَهِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ وَرَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَلَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ فَقَالَ مَا قَالَ؟ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ «كَذِبَ سَعْدٌ وَلَكِنَّ هَذَا يوم يعظم الله الْكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الْكَعْبَةُ» وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ تركز رايته بالحجون. قال عروة أخبرنى نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ سَمِعْتُ العباس يقول للزبير بن العوام: هاهنا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تَرْكِزَ الرَّايَةَ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بن الوليد أن يدخل من أعلا مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ كُدًى فَقُتِلَ مِنْ خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حنيش بْنُ الْأَشْعَرِ وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ.

وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثنا يحيى بن آدم ثنا إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ هَذَا الْفَخْرَ فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا؟ قَالَ «نَعَمْ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» .

‌صفة دخوله عليه السلام مَكَّةَ

ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ «اقْتُلُوهُ» قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ مُحْرِمًا. وَقَالَ أَحْمَدُ ثَنَا عَفَّانُ ثَنَا حماد انبأ أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ غَيْرِ إِحْرَامٍ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ

ص: 292

حُرَيْثٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يوم فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ حَرَقَانِيَّةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أرخى طرفها بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَرَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ عَنْ شَرِيكٍ الْقَاضِي عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ دَخَلَ مَكَّةَ أَبْيَضَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ عائشة:

كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ أَبْيَضَ وَرَايَتُهُ سَوْدَاءَ تُسَمَّى العقاب، وكانت قطعة من مرط مرجل. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ثَنَا شُعْبَةُ عن عبد الله بْنِ قُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى نَاقَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفَتْحِ يُرَجِّعُ وَقَالَ لَوْلَا أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ حَوْلِي لَرَجَّعْتُ كَمَا رَجَّعَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي طُوًى وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُعْتَجِرًا بِشُقَّةِ بُرْدٍ حِبَرَةٍ حَمْرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَضَعُ رَأْسَهُ تَوَاضُعًا للَّه حِينَ رَأَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ حَتَّى إِنَّ عُثْنُونَهُ لَيَكَادُ يَمَسُّ وَاسِطَةَ الرَّحْلِ. وقال الحافظ البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المقدسي ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى راحلته متخشعا. وقال أنبأ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ بَالَوَيْهِ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَاعِدٍ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ ابن مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ فَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَقَالَ «هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ من قريش تَأْكُلُ الْقَدِيدَ» قَالَ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى ابن زُهَيْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ مَوْصُولًا. ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا الْمُزَكِّي عَنْ أبى عبد الله محمد ابن يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ قَيْسٍ مرسلا وَهُوَ الْمَحْفُوظُ وَهَذَا التَّوَاضُعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ عِنْدَ دُخُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَيْشِ الْكَثِيفِ الْعَرَمْرَمِ بِخِلَافِ مَا اعْتَمَدَهُ سُفَهَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُمْ سُجُودٌ- أَيْ رُكَّعٌ- يَقُولُونَ حِطَّةٌ فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ حِنْطَةٌ فِي شعرة. وقال البخاري ثنا القاسم بْنُ خَارِجَةَ ثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ مِنْ كَدَاءٍ الَّتِي بأعلى مكة، تابعه أبو أسامة ووهب فِي كَدَاءٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلا مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ وَهُوَ أَصَحُّ إِنْ أَرَادَ أَنَّ الْمُرْسَلَ أَصَحُّ مِنَ الْمُسْنَدِ الْمُتَقَدِّمِ انْتَظَمَ الكلام والا فكداء بالمدهى المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدي مقصور فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْأَنْسَبُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ

ص: 293

بعث خالد بن الوليد من أعلا مَكَّةَ وَدَخَلَ هُوَ عليه السلام مِنْ أَسْفَلِهَا من كدي وهو في صحيح البخاري والله أعلم. وقد قال البيهقي أنبا أبو الحسين بن عبدان أنبا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ ثَنَا مَعْنٌ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأتى النِّسَاءَ يُلَطِّمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ فَتَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ:

«يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ؟» فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه:

عدمت بنيتي إن لم تزوها

تثير النقع من كنفى كَدَاءِ

يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُسْرَجَاتٍ

يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «ادْخُلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانُ» . وَقَالَ مُحَمَّدُ بن إسحاق: حدثني يحيى ابن عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: لَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذِي طُوًى قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِابْنَةٍ لَهُ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ أَيْ بُنَيَّةُ أظهر بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ، قَالَتْ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، قَالَتْ فَأَشْرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ أَيْ بُنَيَّةُ مَاذَا تَرَيْنَ؟ قَالَتْ أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا قَالَ تِلْكَ الْخَيْلُ، قَالَتْ وَأَرَى رَجُلًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ السَّوَادِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا، قَالَ أَيْ بُنَيَّةُ ذَلِكَ الْوَازِعُ- يَعْنِي الَّذِي يَأْمُرُ الْخَيْلَ وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهَا- ثُمَّ قَالَتْ قَدْ وَاللَّهِ انْتَشَرَ السَّوَادُ، فَقَالَ قَدْ وَاللَّهِ إِذَنْ دَفَعَتِ الْخَيْلُ فَأَسْرِعِي بِي إِلَى بَيْتِي فَانْحَطَّتْ بِهِ وتلقاه الخيل قبل أن يصل الى بَيْتَهُ، قَالَتْ وَفِي عُنُقِ الْجَارِيَةِ طَوْقٌ مِنْ ورق فيلقاها رَجُلٌ فَيَقْتَطِعُهُ مِنْ عُنُقِهَا قَالَتْ فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ يَقُودُهُ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِي إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إِلَيْهِ. فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ ثُمَّ قَالَ أَسْلِمْ فَأَسْلَمَ، قَالَتْ وَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «غَيِّرُوا هَذَا مِنْ شَعْرِهِ» ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ وَقَالَ: أَنْشُدُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ طَوْقَ أختى؟ فلم يجبه أحد قال فقال أي أخية احتسبي طوقك فو الله إن الأمانة في الناس اليوم القليل. يعنى به الصِّدِّيقُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى التَّعْيِينِ لِأَنَّ الْجَيْشَ فِيهِ كَثْرَةٌ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ مَعَ انْتِشَارِ النَّاسِ وَلَعَلَّ الَّذِي أَخَذَهُ تَأَوَّلَ أَنَّهُ مِنْ حَرْبِيٍّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الحافظ البيهقي أنبأ عبد الله الحافظ أنبأ أبو العباس الأصم أنبأ بحر بن نصرانبا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي قُحَافَةَ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «غَيِّرُوهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا» قَالَ ابْنُ وهب وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَنَّأَ أَبَا بَكْرٍ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ فَرَّقَ جَيْشَهُ مِنْ ذِي طُوًى أَمَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يَدْخُلَ فِي بعض الناس من كداء، وَكَانَ الزُّبَيْرُ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُسْرَى، وَأَمَرَ

ص: 294

سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ الناس من كدي، قال ابن إسحاق [من المهاجرين] : فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا حِينَ وَجَّهَ دَاخِلًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ فَسَمِعَهَا رَجُلٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يُقَالُ إِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَسْمَعُ مَا يَقُولُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ «أَدْرِكْهُ فَخُذِ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ تَدْخُلُ بِهَا» . قُلْتُ: وَذَكَرَ غَيْرُ محمد بن إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا شَكَى إِلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حِينَ مَرَّ به، وقال يأبا سُفْيَانَ الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ- يَعْنِي الْكَعْبَةَ- فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «بَلْ هَذَا يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ» وَأَمَرَ بِالرَّايَةِ- رَايَةِ الْأَنْصَارِ- أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَالتَّأْدِيبِ لَهُ، وَيُقَالُ إِنَّهَا دُفِعَتْ إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فاللَّه أَعْلَمُ.

[وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ دِينَارٍ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّرِيِّ الْأَنْطَاكِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ. وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الرَّايَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَجَعَلَ يَهُزُّهَا وَيَقُولُ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ يَوْمٌ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ. قَالَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَكَبُرَ فِي نُفُوسِهِمْ، قَالَ فَعَارَضَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَسِيرِهِ وأنشأت تقول:

يا نبي الهدى إليك لجاحىّ

قُرَيْشٍ وَلَاتَ حِينَ لَجَاءِ

حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ سعة الأرض

وَعَادَاهُمْ إِلَهُ السَّمَاءِ

[وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ عَلَى القوم

وَنُودُوا بِالصَّيْلَمِ الصَّلْعَاءِ [1]]

إِنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظَّهْرِ

بِأَهْلِ الْحَجُونِ وَالْبَطْحَاءِ

خَزْرَجِيٌّ لَوْ يَسْتَطِيعُ من الغيظ

رمانا بالنسر والعواء

[فانهينه فإنه الأسد الأسود

وَاللَّيْثُ وَالِغٌ فِي الدِّمَاءِ]

فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللِّوَاءَ وَنَادَى

يَا حُمَاةَ اللِّوَاءِ أَهْلَ اللِّوَاءِ

لَتَكُونَنَّ بِالْبِطَاحِ قُرَيْشٌ

بُقْعَةَ الْقَاعِ فِي أَكُفِّ الْإِمَاءِ

[إنه مصلت يريد لها الرأى

صُمُوتٌ كَالْحَيَّةِ الصَّمَّاءِ]

قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا الشِّعْرَ دَخَلَهُ رَحْمَةٌ لَهُمْ وَرَأْفَةٌ بِهِمْ، وَأَمَرَ بِالرَّايَةِ فَأُخِذَتْ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَدُفِعَتْ إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ فَيُرْوَى أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أحب أن لا

[1] هذا البيت لم يرد في الأصل وإنما أورده السهيليّ في الروض الأنف ونسب الشعر الى ضرار بن الخطاب. ولم يورد البيتين المشار اليهما بعد هذا بمربعين. مع تحوير بعض ألفاظ منها.

ص: 295

يُخَيِّبَهَا إِذْ رَغِبَتْ إِلَيْهِ وَاسْتَغَاثَتْ بِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ لَا يَغْضَبَ سَعْدٌ فَأَخَذَ الرَّايَةَ مِنْهُ فَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ] [1] وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي حَدِيثِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَدَخَلَ مِنَ اللِّيطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ فِي بَعْضِ النَّاسِ، وَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى وَفِيهَا أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالصَّفِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْصَبُّ لِمَكَّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَذَاخِرَ حَتَّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَضُرِبَتْ لَهُ هُنَالِكَ قُبَّتُهُ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ فَقَالَ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رُبَاعٍ» ثُمَّ قَالَ «لَا يَرِثُ الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر» . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ثَنَا شُعَيْبٌ ثنا أبو الزبير عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْزِلُنَا غدا إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ، الْخَيْفَ حيث تقاصموا عَلَى الْكُفْرِ» وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا يُونُسُ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ- يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ- عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بِهِ نَحْوَهُ. وقال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله ابن أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو كَانُوا قَدْ جَمَعُوا نَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَكَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدُّ سِلَاحًا قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُصْلِحُ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لِمَاذَا تُعِدُّ مَا أَرَى؟ قَالَ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَرَى يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ، قَالَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ. ثُمَّ قَالَ:

إِنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لِي عِلَّهْ

هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ

وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ

قَالَ ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وَسُهَيْلٍ فَلَمَّا لَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالِ فَقُتِلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فهر وحنيش [2] بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ حَلِيفُ بَنِي مُنْقِذٍ وَكَانَا فِي جَيْشِ خَالِدٍ، فَشَذَّا عَنْهُ فَسَلَكَا غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلَا جَمِيعًا، وَكَانَ قتل كرز قبل حنيش [3] قَالَا: وَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ أَيْضًا سَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ الْجُهَنِيُّ وَأُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ثُمَّ انْهَزَمُوا فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، قَالَتْ فأين ما كنت تقول؟ فقال:

[1] ما بين المربعين المروي عن ابن عساكر لم يرد في نسخة دار الكتب المصرية.

[2]

في الأصل حنيش وفي ابن هشام والتيمورية خنيس وقال السهيليّ إن الصواب حبيش.

[3]

وفي ابن هشام: أن خنيس بن خالد قتل فأخذه كرز فجعله بين رجليه ثم قاتل عنه حتى قتل.

ص: 296

إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ

إِذْ فَرَّ صفوان وفر عكرمة

وأبو يزيد قائم كالمؤتمه

وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ

يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ

ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ

لَهُمْ نَهِيتٌ خَلَفَنَا وَهَمْهَمَهْ

لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِلرَّعَّاشِ الْهُذَلِيِّ، قَالَ وَكَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وشعار الخزرج يا بني عبد الله، وشعار الْأَوْسِ يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ ثَنَا أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ صَفْوَانَ عَنْ عطاء بن السائب عن طاووس عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا البلد يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ وَصَاغَهُ يَوْمَ صَاغَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَمَا حِيَالُهُ مِنَ السَّمَاءِ حَرَامٌ وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَإِنَّمَا حَلَّ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَ كَمَا كَانَ» فَقِيلَ لَهُ هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَقْتُلُ؟ فَقَالَ «قُمْ يَا فُلَانُ فَأْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَقُلْ لَهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ» فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ اقْتُلْ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ إِنْسَانًا فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدٍ فَقَالَ «أَلَمْ أَنْهَكَ عَنِ الْقَتْلِ؟» فَقَالَ جَاءَنِي فُلَانٌ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْتُلَ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ «أَلَمْ آمُرْكَ؟» قَالَ أَرَدْتَ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ فَوْقَ أَمْرِكَ، وَمَا اسْتَطَعْتُ إِلَّا الَّذِي كَانَ. فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَا رَدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ أَهْدَرَ دَمَ نَفَرٍ سَمَّاهُمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُمْ، عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَكَتَبَ الْوَحْيَ ثُمَّ ارْتَدَّ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَقَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ فَرَّ إِلَى عُثْمَانَ وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا جَاءَ بِهِ لِيَسْتَأْمِنَ لَهُ صَمَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ «نَعَمْ» فَلَمَّا انْصَرَفَ مَعَ عُثْمَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ حَوْلَهُ «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي قَدْ صَمَتُّ فَيَقْتُلَهُ» فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ «إِنَّ النَّبِيَّ لَا يَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَوَلَّاهُ عُمَرُ بَعْضَ أَعْمَالِهِ ثُمَّ وَلَّاهُ عُثْمَانُ.

قُلْتُ: وَمَاتَ وَهُوَ سَاجِدٌ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ.

قُلْتُ: وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ [1] وَلَمَّا أَسْلَمَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِنَ الأنصار، وكان معه مولى له فغضب

[1] وقال السهيليّ: وقد قيل في اسمه هلال وقيل إن هلالا كان أخاه وكان يقال لهما الخطلان.

ص: 297

عَلَيْهِ غَضْبَةً فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَ لَهُ قَيْنَتَانِ فَرْتَنَى وَصَاحِبَتُهَا فَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فَلِهَذَا أَهْدَرَ دَمَهُ وَدَمَ قَيْنَتَيْهِ فَقُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، اشْتَرَكَ فِي قَتْلِهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَقُتِلَتْ إحدى قينتيه واستؤمن للأخرى. قال والحويرث ابن نقيذ بن وهب بن عبد قَصَيٍّ وَكَانَ مِمَنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، وَلَمَّا تَحَمَّلَ الْعَبَّاسُ بِفَاطِمَةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ لِيَذْهَبَ بِهِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ يُلْحِقُهُمَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ الْهِجْرَةِ نَخَسَ بِهِمَا الْحُوَيْرِثُ هَذَا الْجَمَلَ الَّذِي هُمَا عَلَيْهِ فَسَقَطَتَا إِلَى الْأَرْضِ، فَلَمَّا أُهْدِرَ دَمُهُ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ لِأَنَّهُ قَتَلَ قَاتِلَ أخيه خطأ بعد ما أَخَذَ الدِّيَةَ ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُؤْذِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ بِمَكَّةَ.

قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا الَّتِي تَحَمَّلَتِ الْكِتَابَ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَكَأَنَّهَا عُفِيَ عَنْهَا أَوْ هَرَبَتْ ثُمَّ أُهْدِرَ دَمُهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَهَرَبَتْ حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّنَهَا فَعَاشَتْ إِلَى زَمَنِ عُمَرَ فَأَوْطَأَهَا رَجُلٌ فَرَسًا فَمَاتَتْ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ فَرْتَنَى أَسْلَمَتْ أَيْضًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:

وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَهَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ وَأَسْلَمَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّنَهُ فَذَهَبَتْ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَتَتْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فأسلم. وقال البيهقي أنبأ أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الفقيه أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنبا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ زَعَمَ السُّدِّيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لما كان يوم مَكَّةَ آمَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ. وَقَالَ «اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» وَهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله ابن سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فاستبق اليه سعيد ابن حُرَيْثٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا وَكَانَ أَشَبَّ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَهُ. وَأَمَّا مِقْيَسٌ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ فِي السُّوقِ فَقَتَلُوهُ، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَأَصَابَتْهُمْ قَاصِفٌ فَقَالَ أَهْلُ السَّفِينَةِ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ: أَخْلِصُوا فَإِنَّ آلِهَتَكُمْ لَا تُغْنِي عَنْكُمْ شَيْئًا هَاهُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ يُنْجِ فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ فَإِنَّهُ لَا يُنْجِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللَّهمّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا حَتَّى أَضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ فَلَأَجِدَنَّهُ عَفُوًّا كَرِيمًا، فَجَاءَ فَأَسْلَمَ، وَأَمَّا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فَإِنَّهُ اخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ «أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حِينَ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟» فَقَالُوا مَا يُدْرِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ هَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ فَقَالَ «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أن

ص: 298

تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُفَضَّلِ بِهِ نحوه. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَنْبَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أنبأ أبو العباس الأصم أنبأ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ الْكُوفِيُّ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِلَّا أَرْبَعَةً، عَبْدَ الْعُزَّى بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَأُمَّ سَارَةَ، فَأَمَّا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ فَإِنَّهُ قُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، قَالَ وَنَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَقْتُلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِذَا رَآهُ وَكَانَ أَخَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَأَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَشْفَعَ لَهُ، فلما أبصر بِهِ الْأَنْصَارِيُّ اشْتَمَلَ عَلَى السَّيْفِ ثُمَّ أَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي حَلْقَةِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ وَيَكْرَهُ أَنْ يُقَدِمَ عَلَيْهِ، فَبَسَطَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَبَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ «قَدِ انْتَظَرْتُكَ أَنْ تُوفِيَ بِنَذْرِكَ؟» قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هِبْتُكَ أفلا أو مضت إِلَيَّ؟ قَالَ «إِنَّهُ لَيْسَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يُومِضَ» . وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ فَذَكَرَ قِصَّتَهُ فِي قَتْلِهِ رَجُلًا مُسْلِمًا بَعْدَ إِسْلَامِهِ ثُمَّ ارْتِدَادِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ وَأَمَّا أُمُّ سَارَةَ فَكَانَتْ مَوْلَاةً لِقُرَيْشٍ فَأَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَشَكَتْ إِلَيْهِ الْحَاجَةَ فَأَعْطَاهَا شَيْئًا، ثُمَّ بَعَثَ مَعَهَا رَجُلٌ بِكِتَابٍ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَذَكَرَ قِصَّةَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَرَوَى محمد بن إسحاق عن عبد الله ابن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبَابَةَ قُتِلَ أَخُوهُ هِشَامٌ يَوْمَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَظُنُّهُ مُشْرِكًا فَقَدِمَ مِقْيَسٌ مُظْهِرًا لِلْإِسْلَامِ لِيَطْلُبَ دِيَةَ أَخِيهِ، فَلَمَّا أَخَذَهَا عَدَا عَلَى قَاتِلِ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ مُشْرِكًا، فَلَمَّا أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَمَهُ قُتِلَ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيُّ شِعْرَهُ حِينَ قَتَلَ قَاتِلَ أَخِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ:

شَفَى النَّفْسَ مَنْ قَدْ بَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا

يَضَرِّجُ ثَوْبَيْهِ دِمَاءُ الْأَخَادِعِ

وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ

تُلِمُّ وَتُنْسِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ

قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وَغَرَّمْتُ عَقْلَهُ

سَرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أرباب فارع

حللت به نذرى وأدركت ثورتى

وَكُنْتُ إِلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ

قُلْتُ: وَقِيلَ إِنَّ الْقَيْنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ أُهْدِرَ دَمُهُمَا كَانَتَا لِمِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ هَذَا وَإِنَّ ابْنَ عَمِّهِ قَتَلَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ رضي الله عنه. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ ابْنَةَ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَعْلَى مَكَّةَ فَرَّ إِلَيَّ رَجُلَانِ مِنْ أَحْمَائِي مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُمَا الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ- قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ عِنْدَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأَقْتُلُهُمَا فَأَغْلَقْتُ عَلَيْهِمَا بَابَ بَيْتِي ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ مِنْ جَفْنَةٍ إِنَّ فِيهَا لَأَثَرَ الْعَجِينِ، وفاطمة

ص: 299

ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا اغْتَسَلَ أَخَذَ ثَوْبَهُ فَتَوَشَّحَ بِهِ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مِنَ الضُّحَى ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيَّ فَقَالَ «مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِأُمِّ هَانِئٍ مَا جَاءَ بِكِ؟» فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الرَّجُلَيْنِ وَخَبَرَ عَلِيٍّ، فَقَالَ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ وَأَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ فَلَا يَقْتُلُهُمَا» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أم هانئ فإنها ذكرت يوم فتح مكة [أن النبي صلى الله عليه وسلم] اغتسل في بيتها ثم صلّى ثمان رَكَعَاتٍ، قَالَتْ وَلَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَيْهَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَأَجَارَتْهُمَا، قَالَتْ فَدَخَلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ فَقَالَ أَقْتُلُهُمَا، فَلَمَّا سَمِعْتُهُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ بأعلى مكة فلما رآني وَقَالَ «مَا جَاءَ بِكِ؟» قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنْتُ أَمَّنْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَأَرَادَ عَلِيٌّ قَتْلَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى غُسْلِهِ فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبًا فَالْتَحَفَ بِهِ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ قَالَ «مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» قَالَتْ يَا رسول الله زعم ابن أم عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَاتِلُ رَجُلَيْنِ قَدْ أَجَرْتُهُمَا؟ فَقَالَ «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» قَالَتْ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ وَذَلِكَ ضُحًى فَظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صَلَاةَ الضُّحَى. وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَتْ هَذِهِ صَلَاةُ الْفَتْحِ وَجَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى السُّهَيْلِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَتْحِ تَكُونُ ثَمَانِيًا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ صَلَّى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ فَتْحِ الْمَدَائِنِ فِي إِيوَانِ كِسْرَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وللَّه الْحَمْدُ.

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما نَزَلَ بِمَكَّةَ وَاطْمَأَنَّ النَّاسُ، خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ، [فَلَمَّا قَضَى طَوَافَهُ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَفُتِحَتْ لَهُ فَدَخَلَهَا فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ فَكَسَرَهَا بِيَدِهِ ثُمَّ طَرَحَهَا، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَقَدِ اسْتَكَفَّ لَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ][1] وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى زَمْزَمَ فَاطَّلَعَ فِيهَا وَدَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ مِنْهَا وَتَوَضَّأَ وَالنَّاسُ يَبْتَدِرُونَ وَضُوءَهُ وَالْمُشْرِكُونَ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا مَلِكًا قَطُّ وَلَا سَمِعْنَا بِهِ- يَعْنِي مِثْلَ هَذَا- وَأَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَقَامِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

[1] ما بين المربعين لم يرد في نسخة دار الكتب المصرية.

ص: 300

قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا كُلُّ مَأْثُرَةٍ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ يُدَّعَى فَهُوَ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ، أَلَا وَقَتِيلُ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَعَظُّمَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى 49: 13 الآية كلها ثُمَّ قَالَ «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ فِيكُمْ؟» قَالُوا خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، قَالَ «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟» فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ «هَاكَ مِفْتَاحُكَ يَا عُثْمَانُ الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ: «الْحَمْدُ للَّه الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ» وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى «مُغَلَّظَةً فِيهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَدَمٍ وَدَعْوَى» وَقَالَ مَرَّةً «وَمَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَا كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فإنهما أَمْضَيْتُهُمَا لِأَهْلِهِمَا عَلَى مَا كَانَتْ» . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ جَوْشَنٍ الْغَطْفَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَرَأَى فيه صور الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم مُصَوَّرًا فِي يَدِهِ الْأَزْلَامُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا فَقَالَ «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ جَعَلُوا شَيْخَنَا يَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ مَا شَأْنُ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَزْلَامِ؟ (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصُّوَرِ كُلِّهَا فَطُمِسَتْ. وَقَالَ الامام أحمد حدثنا سليمان أنبأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ فِي الْكَعْبَةِ صُوَرٌ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَمْحُوَهَا فَبَلَّ عُمَرُ ثَوْبًا وَمَحَاهَا بِهِ. فَدَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا فِيهَا مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ- هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ- قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، جَاءَ الْحَقُّ وما يبدي الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ» . وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ على بن عبد الله ابن عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وعلى الكعبة ثلاثمائة صنم فأخذ

ص: 301

قضيبه لجعل يهوى إِلَى الصَّنَمِ وَهُوَ يَهْوِي حَتَّى مَرَّ عَلَيْهَا كلها، ثم يروى من طريق سويد بن [1] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لما دَخَلَ مَكَّةَ وَجَدَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا فَأَشَارَ إِلَى كُلِّ صَنَمٍ بِعَصَا وَقَالَ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» فَكَانَ لَا يُشِيرُ إِلَى صَنَمٍ إِلَّا وَيَسْقُطُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا فَالَّذِي قَبْلَهُ يُؤَكِّدُهُ. وقال حنبل بن إسحاق أنبأ أَبُو الرَّبِيعِ عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ جَاءَتْ عَجُوزٌ شَمْطَاءُ حَبَشِيَّةٌ تَخْمِشُ وَجْهَهَا وَتَدْعُو بِالْوَيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِلْكَ نَائِلَةُ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا» . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ فِي إِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَافَ عَلَيْهَا وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ أَصْنَامٌ مَشْدُودَةٌ بِالرَّصَاصِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُشِيرُ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ إِلَى الْأَصْنَامِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» فَمَا أَشَارَ إِلَى صَنَمٍ منها فِي وَجْهِهِ إِلَّا وَقَعَ لِقَفَاهُ، وَلَا أَشَارَ إِلَى قَفَاهُ إِلَّا وَقَعَ لِوَجْهِهِ، حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهَا صَنَمٌ إِلَّا وَقَعَ، فَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أَسَدٍ الْخُزَاعِيُّ:

وَفِي الْأَصْنَامِ مُعْتَبَرٌ وَعِلْمٌ

لِمَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَا

وَفِي صَحِيحِ مسلم عن سنان بْنِ فَرُّوخٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ: وَأَقْبَلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أقبل على الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ وَطَافَ بِالْبَيْتِ وَأَتَى إِلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَتِهَا فَلَمَّا أَتَى عَلَى الصَّنَمِ فجعل يَطْعُنُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَتَى الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَحْمَدُ الله ويدعو بما شاء أن يدعوا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثَنَا أَبِي ثَنَا أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عليهما السلام وفي أيديهما الْأَزْلَامِ، فَقَالَ «قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ» ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ثَنَا هَمَّامٌ ثَنَا عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَفِيهَا سِتُّ سواري، فقام الى كل سارية وعدا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى الْعُوذِيِّ عَنْ عَطَاءٍ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم

[1] كذا في الأصلين بياض.

ص: 302

حِينَ دَخَلَ الْبَيْتَ وَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَصُورَةَ مَرْيَمَ فَقَالَ «أَمَّا هُمْ فَقَدَ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ هَذَا إِبْرَاهِيمُ مُصَوَّرًا فَمَا بَالُهُ يَسْتَقْسِمُ؟» . وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أنبا معمر أخبرنى عثمان الخزرجي أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْبَيْتَ فَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا إسماعيل أنبأ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ اللَّيْثُ ثَنَا يُونُسُ أَخْبَرَنِي نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ يوم الفتح من أعلا مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَمَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ مِنَ الْحَجَبَةِ حَتَّى أناخ في المسجد فأمر أن يؤتى بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، فَدَخَلَ وَمَعَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وبلال وعثمان ابن طَلْحَةَ فَمَكَثَ فِيهِ نَهَارًا طَوِيلًا ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ الْبَابِ قَائِمًا، فَسَأَلَهُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَأَشَارَ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الّذي صلّى فيه قال عبد الله: ونسيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ هُشَيْمٍ ثَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ وَابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلَالٌ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَجَافَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَمَكَثَ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ مِنْهُمْ بِلَالًا فَقُلْتُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ هَاهُنَا بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ.

قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي صحيح البخاري وغيره أنه عليه السلام صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ تِلْقَاءَ وِجْهَةِ بَابِهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَجَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحائط الغربي مقدار ثلاثة أذرع [وقال الامام أحمد حدثنا إسماعيل أنبأ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى في البيت ركعتين [1]] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْكَعْبَةَ عَامَ الْفَتْحِ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَعَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ عَتَّابٌ لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَسِيدًا أن لا يكون سمع هذا، فسمع مِنْهُ مَا يَغِيظُهُ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا أَقُولُ شَيْئًا لَوْ تَكَلَّمْتُ لَأَخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الْحَصَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:«قَدْ عَلِمْتُ الَّذِي قُلْتُمْ» ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتَّابٌ نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا فَنَقُولَ أَخْبَرَكَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي وَالِدِي حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَمَرَ بِلَالًا فَعَلَا عَلَى الْكَعْبَةِ عَلَى ظَهْرِهَا فَأَذَّنَ عَلَيْهَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ سَعِيدًا إِذْ قبضه

[1] ما بين المربعين لم يرد في نسخة دار الكتب المصرية.

ص: 303

قبل أن يسمع هَذَا الْأَسْوَدَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلَالًا فَأَذَّنَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَوْقَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الْعَبْدِ أَيْنَ صَعِدَ؟ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنْ يَكُنِ اللَّهُ يَكْرَهُهُ فَسَيُغَيِّرُهُ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِلَالًا عَامَ الْفَتْحِ فَأَذَّنَ عَلَى الْكَعْبَةِ لِيَغِيظَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ الواقدي عن محمد بن حرب عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ كَانَ جَالِسًا فَقَالَ فِي نَفْسِهِ لَوْ جَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ جَمْعًا؟ فَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ إِذْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَقَالَ «إِذًا يُخْزِيكَ اللَّهُ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا أَيْقَنْتُ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى السَّاعَةَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافظ- إجازة- أنبأ أبو حامد احمد بن الحسن المقري أنبأ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي السَّفَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْشِي وَالنَّاسُ يَطَئُونَ عَقِبَهُ، فَقَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لَوْ عَاوَدْتُ هَذَا الرَّجُلَ الْقِتَالَ؟ فَجَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ فَقَالَ «إِذًا يُخْزِيكَ اللَّهُ» فَقَالَ أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا تَفَوَّهْتُ بِهِ. ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ ابْنِ الشَّرْقِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يحيى الذهلي ثنا مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ الْجَزَرِيُّ ثَنَا أَبِي عَنْ إسحاق بن راشد عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ دَخَلَ النَّاسُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ لَمْ يَزَالُوا فِي تَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ حَتَّى أصبحوا، فقال أبو سفيان لهند: أترى هَذَا مِنَ اللَّهِ؟ قَالَتْ نَعَمْ هَذَا مِنَ اللَّهِ، قَالَ ثُمَّ أَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ فَغَدَا الى روس اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «قُلْتَ لِهِنْدٍ أترى هَذَا مِنَ اللَّهِ؟ قَالَتْ نَعَمْ هَذَا مِنَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا سَمِعَ قَوْلِي هَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُ هِنْدٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ثَنَا إِسْحَاقُ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُعْضَدُ شوكها ولا يختلى خلاؤها وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ الله فإنه لا بد منه للدفن وَالْبُيُوتِ؟ فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ «إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ» وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ- هُوَ ابْنُ مَالِكٍ الْجَزَرِيُّ- عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِ هَذَا أَوْ نَحْوَ هَذَا. وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تفرد به البخاري من هذا الوجه الأول وهو مرسل، ومن هذا الوجه الثاني أيضا. وبهذا وَأَمْثَالِهِ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَلِلْوَقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْخَنْدَمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ قُتِلَ فِيهَا قَرِيبٌ مِنْ عِشْرِينَ نَفْسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ في

ص: 304

ذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا لِأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْفَتْحِ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» وَمَوْضِعُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ الْكَبِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وقال البخاري ثنا سعيد ابن شُرَحْبِيلَ ثَنَا اللَّيْثُ عَنِ الْمُقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شريح الخزاعي أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يعضد بها شجرا فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنَ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ منك يأبا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فارا بدم، ولا فارا بجزية. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَمُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ نَحْوَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ إسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قَتَلَ رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ خُزَاعَةَ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بَأْسًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قتلت خزاعة ابن الأنوغ [1] وَهُوَ بِمَكَّةَ قَتَلَهُ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ لَقَدْ كَثُرَ الْقَتْلُ إِنْ نَفَعَ لَقَدْ قَتَلْتُمْ رَجُلًا لَأَدِيَنَّهُ» قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا صنع خراش ابن أُمَيَّةَ قَالَ «إِنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ» وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شريح الخزاعي قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ [2] مَكَّةَ لِقِتَالِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ يَا هَذَا إِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حين افْتَتَحَ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ عَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَتَلُوهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يوم خلق السموات وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ مِنْ حَرَامِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ باللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا وَلَا يعضد فيها شجرا، لم تحل لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ يَكُونُ بعدي ولم تحل لِي إِلَّا هَذِهِ السَّاعَةَ غَضَبًا عَلَى أَهْلِهَا، أَلَا ثُمَّ قَدْ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ فَمَنْ قَالَ لَكُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قد قَاتَلَ فِيهَا فَقُولُوا إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّهَا لرسوله ولم

[1] كذا في الأصل ولم نقف عليه.

[2]

قال السهيليّ: هذا وهم من ابن هشام وصوابه عمرو بن سعيد بن العاصي بن أمية وهو الأشدق ويكنى أبا أمية وكان يسمى لطيم الشيطان وكان جبارا شديد البأس حتى خافه عبد الملك على مكة فقتله بحيلة وذكر له خبرا طويلا وهو الّذي رعف على منبر رسول الله حتى سال الدم.

ص: 305

يُحِلَّهَا لَكُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ فَلَقَدْ كَثُرَ إِنْ نَفَعَ لَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ فَمَنْ قُتِلَ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا فَأَهْلُهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِنْ شَاءُوا فَدَمُ قَاتِلِهِ وَإِنْ شَاءُوا فَعَقْلُهُ» ثُمَّ وَدَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلَتْهُ خُزَاعَةُ. فَقَالَ عَمْرٌو لِأَبِي شُرَيْحٍ: انْصَرِفْ أَيُّهَا الشَّيْخُ فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْكَ، إِنَّهَا لَا تَمْنَعُ سَافِكَ دَمٍ، وَلَا خَالِعَ طَاعَةٍ، وَلَا مَانِعَ جِزْيَةٍ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: إِنِّي كُنْتُ شَاهِدًا وَكُنْتَ غَائِبًا وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ يُبَلِّغَ شَاهِدُنَا غَائِبَنَا، وَقَدْ أَبْلَغْتُكَ فَأَنْتَ وَشَأْنُكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:

وَبَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الفتح جنيدب بن الأكوع قتله بَنُو كَعْبٍ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِائَةِ نَاقَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «كُفُّوا السِّلَاحَ إِلَّا خُزَاعَةَ من بَنِي بَكْرٍ» فَأَذِنَ لَهُمْ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ قَالَ «كُفُّوا السِّلَاحَ» فَلَقِيَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرٍ مِنْ غَدٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ- فَرَأَيْتُهُ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَالَ- «إِنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ» وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَّا مَا فِيهِ مِنْ أَنَّهُ رَخَّصَ لِخُزَاعَةَ أَنْ تَأْخُذَ بِثَأْرِهَا مَنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ فَلَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ إِنْ صَحَّ مِنْ بَابِ الِاخْتِصَاصِ لَهُمْ مِمَّا كَانُوا أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ الْوَتِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ الْخُزَاعِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُنْدَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ بِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ نَهْيًا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ مَعْنَاهُ عَلَى كُفْرِ أَهْلِهَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ «لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ كَالْأَوَّلِ سَوَاءً. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ وَدَخَلَهَا قَامَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو وَقَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: أَتُرَوْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ «مَاذَا قُلْتُمْ؟» قَالُوا لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَخْبَرُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَعَاذَ اللَّهِ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» وَهَذَا الَّذِي عَلَّقَهُ ابْنُ هِشَامٍ قَدْ أَسْنَدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ فَقَالَ ثَنَا بَهْزٌ وَهَاشِمٌ قَالَا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ. وَقَالَ هَاشِمٌ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى

ص: 306

مُعَاوِيَةَ أَنَا فِيهِمْ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ، فَجَعَلَ بَعْضُنَا يَصْنَعُ لِبَعْضٍ الطَّعَامَ، قَالَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ مَا يَدْعُونَا، قَالَ هَاشِمٌ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَنَا إِلَى رَحْلِهِ، قَالَ فَقُلْتُ أَلَا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوهُمْ إِلَى رَحْلِي؟ قال فأمرت بطعام يصنع فلقيت أبا هريرة من العشاء قال قلت يأبا هريرة الدعوى عندي الليلة قال استبقني [1] قال هاشم قلت نعم فدعوتهم فهم عندي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَلَّا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ قَالَ فَذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ قَالَ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ مَكَّةَ قَالَ فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ على أحد الْمُجَنِّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى وَبَعَثَ أبا عبيدة على الجسر وَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كتيبته وَقَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا، قَالَ قَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ وإن أصيبوا أعطيناه الّذي سألنا، قال أبو هريرة فنظر فرآني فقال «يأبا هُرَيْرَةَ» فَقُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ «اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ» فَهَتَفْتُ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَتَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ؟» ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا» قَالَ فَقَالَ أبو هريرة فانطلقنا فما يشاء واحد مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ شَيْئًا، قَالَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» قَالَ فَغَلَّقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَالَ وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ، قَالَ فَأَتَى فِي طَوَافِهِ عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَعْبُدُونَهُ قَالَ فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ «جَاءَ الْحَقُّ وزهق الباطن إن الباطن كان زهوقا» قَالَ ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلَاهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوَهُ، قَالَ وَالْأَنْصَارُ تحت قَالَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ وَكَانَ إِذَا جَاءَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَقْضِيَ. قَالَ هَاشِمٌ: فَلَمَّا قَضَى الْوَحْيُ رَفْعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَقُلْتُمْ أَمَا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ؟» قَالُوا قُلْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ «فَمَا اسْمِي إِذًا، كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» قَالَ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ باللَّه وَرَسُولِهِ، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ» وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَادَ النَّسَائِيُّ وَسَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ نَزِيلِ الْبَصْرَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ نَحْوَهُ. وقال ابن هشام:

[1] كذا في الأصل ولعل الصواب «أسبقتنى أو اسبقنى» .

ص: 307

وَحَدَّثَنِي- يَعْنِي بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ- أَنَّ فَضَالَةَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوَّحِ- يَعْنِي اللَّيْثِيَّ- أَرَادَ قَتْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَامَ الْفَتْحِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَفَضَالَةُ؟» قَالَ نَعَمْ فَضَالَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ «مَاذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ؟» قَالَ لَا شَيْءَ كُنْتُ أَذْكُرُ اللَّهَ، قَالَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ «اسْتَغْفِرِ اللَّهَ» ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَسَكَنَ قَلْبُهُ فَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتَّى مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُ، قَالَ فَضَالَةُ فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي فَمَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ كُنْتُ أَتَحَدَّثُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ هَلُمَّ إِلَى الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ لَا، وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ:

قَالَتْ هَلُمَّ إِلَى الْحَدِيثِ فَقُلْتُ لَا

يَأْبَى عَلَيْكِ اللَّهُ وَالْإِسْلَامُ

أو ما رَأَيْتِ مُحَمَّدًا وَقَبِيلَهُ

بِالْفَتْحِ يَوْمَ تَكَسَّرُ الْأَصْنَامُ

لَرَأَيْتِ دِينَ اللَّهِ أَضْحَى بَيِّنًا

وَالشِّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائشة قالت: خرج صفوان ابن أُمَيَّةَ يُرِيدُ جُدَّةَ لِيَرْكَبَ مِنْهَا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ سَيِّدُ قَوْمِهِ وَقَدْ خَرَجَ هَارِبًا مِنْكَ لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، فَأَمِّنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ فَقَالَ «هُوَ آمِنٌ» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطِنِي آيَةً يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَكَ؟ فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِمَامَتَهُ الَّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكَّةَ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرُ حَتَّى أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ: يَا صَفْوَانُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ أَنْ تُهْلِكَهَا هَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به، قال ويلك أعرب عَنِّي فَلَا تُكَلِّمْنِي قَالَ أَيْ صَفْوَانُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَفْضَلُ النَّاسِ وَأَبَرُّ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ وَخَيْرُ النَّاسِ ابْنُ عَمِّكَ عِزُّهُ عِزُّكَ وَشَرَفُهُ شَرَفُكَ وَمُلْكُهُ مُلْكُكَ؟ قَالَ إِنِّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي، قَالَ هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْرَمُ. فَرَجَعَ مَعَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ قَدْ أَمَّنْتَنِي؟

قَالَ «صَدَقَ» قَالَ فَاجْعَلْنِي بِالْخِيَارِ فِيهِ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ «أَنْتَ بِالْخِيَارِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» ثُمَّ حَكَى ابْنُ إسحاق عن الزهري أن فاخة بَنَتَ الْوَلِيدِ امْرَأَةَ صَفْوَانَ وَأُمَّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ امْرَأَةَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جهل وَقَدْ ذَهَبَتْ وَرَاءَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَاسْتَرْجَعَتْهُ فَأَسْلَمَ فَلَمَّا أَسْلَمَا أَقَرَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَهُمَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حسان بن ثابت قال: رمى حسان بن الزِّبَعْرَى وَهُوَ بِنَجْرَانَ بِبَيْتٍ وَاحِدٍ مَا زَادَ عَلَيْهِ:

لَا تَعْدَمَنْ رَجُلًا أَحَلَّكَ بُغْضُهُ

نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذَّ لَئِيمِ

فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزِّبَعْرَى خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَ وَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ:

يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي

رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ

إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَانَ في سنن الغي

وَمَنْ مَالَ مَيْلَهُ مَثْبُورُ

ص: 308